الطريق إلى الاتفاق النووي الإيراني النهائي.. أيام طويلة وأعصاب مشدودة

كيري تحدث مع نظرائه عن تجربته في فيتنام وعزمه منع حرب أخرى

وزير الخارجية الأميركي جون كيري يتحدث مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف وحسين فريدون شقيق الرئيس الإيراني في فيينا قبل الإعلان الرسمي عن التوصل إلى الاتفاق النووي قبل يومين (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي جون كيري يتحدث مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف وحسين فريدون شقيق الرئيس الإيراني في فيينا قبل الإعلان الرسمي عن التوصل إلى الاتفاق النووي قبل يومين (رويترز)
TT

الطريق إلى الاتفاق النووي الإيراني النهائي.. أيام طويلة وأعصاب مشدودة

وزير الخارجية الأميركي جون كيري يتحدث مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف وحسين فريدون شقيق الرئيس الإيراني في فيينا قبل الإعلان الرسمي عن التوصل إلى الاتفاق النووي قبل يومين (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي جون كيري يتحدث مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف وحسين فريدون شقيق الرئيس الإيراني في فيينا قبل الإعلان الرسمي عن التوصل إلى الاتفاق النووي قبل يومين (رويترز)

في اليوم التاسع من مضمار المفاوضات النهائية حول البرنامج النووي الإيراني، كان الدبلوماسيون منهكين ومتضايقين.
وخلال اجتماع مع الوفد الأميركي، بدأ وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في إلقاء خطاب مألوف على مسامع الحضور حول أن العقوبات الدولية كانت تشكل إهانة كبيرة لكرامة وسيادة بلاده، وذلك عندما تدخل وزير الخارجية الأميركي جون كيري بحزم ليقول: «ليست إيران هي الدولة الوحيدة ذات الكرامة».
وكان صباح الخامس من يوليو (تموز) الحالي، يوما صعبا حيث أصبح بعد ذلك «ماراثون» استمر 17 يوما وانتهى بعقد الاتفاق التاريخي مع إيران، وهو تتويج لجهود نحو عامين من المفاوضات المتعثرة في الفنادق وقاعات الاجتماعات عبر أوروبا وخارجها.
وكانت هناك أوقات يشعر فيها المشاركون بالتشجيع، وأوقات أخرى كانت المهمة تبدو مستحيلة مع بروز تهديدات بالانسحاب من الأمر برمته. وحينما بدأت اللعبة النهائية في فيينا في شهر يونيو (حزيران) الماضي، ولم يكن أحد من الدبلوماسيون على يقين من الوصول إلى خط النهاية.
وتستند أعمال هذين الأسبوعين الأخيرين على البيانات العلنية والمعلومات الإعلامية من جانب المشاركين من عدة وفود في فيينا ووفق التوصيفات المقدمة من قبل المسؤولين الأميركيين الذين تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هوياتهم، لمناقشتهم الأحداث السياسية المهمة التي كانت تصاغ وتجري خلف الأبواب المغلقة.
ولم يكن الأمر جليا حتى ساعة متأخرة من يوم الاثنين الماضي حين أدركوا أنهم تمكنوا من إنجاز ما تعين عليهم إنجازه. وفي صبيحة الثلاثاء الماضي، حينما علموا أنهم حازوا الصفقة، اجتمع وزير الخارجية الإيراني ظريف للمرة الأخيرة مع كيري وشركاء الولايات المتحدة في المفاوضات من بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وروسيا، والصين، والاتحاد الأوروبي. ولقد طلبوا من أغلب مرافقيهم مغادرة قاعة الاجتماعات.
ونادرا ما غادر كيري وظريف، على وجه الخصوص، ذلك الفندق في فيينا، الذي شهد انعقاد محادثاتهما لأكثر من أسبوعين في حين كان العالم من حولهما يتجادل حول الجهود المبذولة. وكان كل منهما يعتزم العودة لوطنه ليتلقى مهمة جديدة وصعبة، إزاء عرض وبيع الصفقة الجديدة لسياسيين هناك، ومحاولة إقناعهم بجدواها.
وتحدث الدبلوماسيون، واحدا تلو الآخر، وفق الترتيب الأبجدي للأسماء، حول معنى ما أنجزوه وقدر التحديات المقبلة عليهم. وأما كيري، الذي تحدث أخيرا، فقد ناقش الفرصة الممنوحة لهم والحاجة العاجلة لإبرام وتنفيذ الاتفاق بفعالية لكي تتمتع بالمصداقية المطلوبة.
وفي نهاية المطاف، تحدث كيري عن سفره إلى فيتنام عندما كان عمره 22 عاما، والعود إلى الوطن، باعتقاد مفاده أنه ما من شاب يخوض مثل تلك التجارب الكبيرة، ما لم تكن الدول قد استنفدت بالفعل كل السبل الأخرى للحيلولة دون وقوع الحرب. ولقد أمسك عن الحديث قليلا، في الوقت الذي بدا فيه التأثر الواضح على كثير من المشاركين، حسبما أفاد اثنان من المسؤولين اللذين كانا حاضرين. وبدأ الدبلوماسيون في التصفيق.
وتواصلت المحادثات بين الخبراء التقنيين ونوابهم بشكل مستمر تقريبا منذ شهور، وفي جهود لتغطية الثغرات في الإطار الكبير للاتفاق المحتمل الذي وافق عليه الوزراء في أوائل أبريل (نيسان) الماضي. غير أن أكثر الأسئلة النهائية صعبة لا يمكن الإجابة عليها إلا من خلال كبار الدبلوماسيين من الدول المتفاوضة.
وفي أواخر يونيو الماضي، كانوا جميعا يواجهون الكثير من المواعيد النهائية. وكانت الاتفاقية المؤقتة المبرمة في أواخر عام 2013، والتي قضت بتجميد برنامج إيران النووي في مقابل الإفراج عن جزء صغير من الأموال الإيرانية المحتجزة وفقا للعقوبات الدولية، لتشهد نفاد تاريخ صلاحيتها بحلول نهاية الشهر الحالي. وفي واشنطن، طالب الكونغرس بتاريخ 9 يوليو بتحويل أية اتفاقية عليه أولا للتصديق عليها.
وسافر كيري إلى فيينا في وقت متأخر من الجمعة 26 يونيو الماضي، وكان لا يزال يعتمد على عكازين للمشي إثر حادثة الدراجة التي تعرض لها في 31 مايو (أيار) الماضي خارج جنيف. حيث كان قد عقد اجتماعا حول الموقف ليوم واحد فقط مع ظريف، وكان لزاما عليه استخدام رافعة ميكانيكية تنقله إلى باب طائرته الرسمية.
ولقد شرعوا في المحادثات الرسمية بعد وقت قصير من ظهيرة اليوم التالي.
وكان القرار قد اتخذ بالفعل حيال القضايا النووية الرئيسية - ستتخلى إيران عن أغلب مخزونها من اليورانيوم المخصب وتعمل على تقليص الإنتاج المستقبلي منه، مما يعني القضاء فعليا على احتمالية أن تعمل سريعا على تطوير أي سلاح نووي، وستوافق كذلك على عمليات التفتيش الدولية التدخلية.
وكان الجانب الآخر من الاتفاق - رفع العقوبات الدولية ضد إيران - ذلك الذي هيمن على غالبية المحادثات.
وفي مساء يوم الأحد، 28 يونيو الماضي، غادر ظريف إلى طهران ليوم واحد من التشاور مع القيادة الإيرانية. وعلى الرغم من ابتسامته ومزاحه أمام الجمهور، كان الأميركيون يعتبرونه مفاوضا شديد المراس، ومطلعًا جيدًا للغاية على أكثر التفاصيل غموضا، والخاصة بدورات الوقود النووي وقرارات الأمم المتحدة. ولكن مع صدور بيان علني رسمي شديد من طهران، أصيب البعض بحالة من عدم اليقين ما إذا كانت لدى ظريف السلطة الكافية لإبرام الاتفاق من عدمه.
وفي اليوم التالي، امتد الموعد النهائي المؤقت لأسبوع آخر.
ومع نهاية الأسبوع الأول، ومع مجيء وذهاب وزراء الخارجية بين الشركاء المفاوضين للولايات المتحدة - والمعروفين بصفة جمعية بدول مجموعة (5+1) - فقد اتفقوا على أن العقوبات الاقتصادية والمصرفية لن يتم رفعها ما لم تتحقق الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أن المواقع النووية الإيرانية المعلن عنها لا تستخدم إلا للأغراض المدنية من إنتاج الطاقة والنظائر المشعة الطبية. وعملية التحقق، المعروفة باسم «يوم التنفيذ»، قد لا تبدأ قبل شهور عقب إبرام الاتفاق ونفاذه.
وكما أنهم اتفقوا كذلك على إجراءات «الدخول المنظم» للوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المواقع النووية الإيرانية غير المعلن عنها والأماكن، ومن بينها المنشآت العسكرية، والتي يشتبه في إدارتها للأنشطة النووية السرية.
وقال أحد كبار المفاوضين الإيرانيين للمراسلين الأجانب: «ليس لدينا ما نخفيه».
وفي يوم 4 يوليو الحالي، عقد فندق كوبورغ بالاس، الذي تجري فيه المحادثات في حين يعسكر المئات من الصحافيين والمراسلين خارج أسواره، حفل عيد الاستقلال للوفد الأميركي المشارك والصحافيين الأميركيين المرافقين.
وأما كيري، والذي كان يرتدي قميصا وربطة عنق، فقد شارك في الاحتفالية وتناول شطائر الجبن باللحم المقدد. ولقد ألقى بخطاب قصير كان على ما يبدو موجها لدغدغة معنويات الخبراء الفنيين والموظفين الأميركيين الحاضرين والذين لم يرجع بعض منهم إلى الوطن منذ شهور.
وفي اليوم التالي، بدأت المحادثات في التعثر. في حين أصرت الولايات المتحدة وشركاؤها على الإجراءات الوقائية الموجبة للعودة إلى فرض حزمة العقوبات إذا ما انتهكت إيران التزاماتها حيال الجانب النووي من الاتفاق، طالبت إيران في ذات الأثناء بإجراء من شأنه تقديم الشكاوى إذا ما تعثرت دول مجموعة (5+1) في الوفاء بالتزاماتها.
وقال أحد الدبلوماسيين الإيرانيين إن «المهم هو المساواة».
وفي مساء يوم 5 يوليو، بعد جدالهما الصباحي حول الكرامة الوطنية، اجتمع كيري وظريف في غرفة صغيرة بالقرب من إحدى قاعات الطعام التي خصصها الفندق لوفود دول مجموعة (5+1)، (وكان الإيرانيون يتناولون الطعام في قاعة أخرى مستقلة). ولم يكن برفقتهما إلا أرنست مونيز وزير الطاقة الأميركي، وهو من علماء الفيزياء النووية، ونظيره الإيراني المدعو علي أكبر صالحي.
وروى أحد المسؤولين الأميركيين أن ظريف أراد إعادة التفاوض حول فترة مختلف القيود المفروضة على إيران في الاتفاق الجديد، وهو الطلب الذي رفضه الطرف الأميركي أو شعروا بأنها مسألة قد تم الاتفاق عليها وتجاوزها في الاتفاق الإطاري لشهر أبريل.
وقال المسؤول الأميركي: «كان كيري غاضبا. ودعوني أعيد صياغة ذلك لأقول، كان كيري مصرا على أن ذلك من شأنه أن يكون مشروعا محكوما عليه بالفشل من جانبه ومن جانب شركائه، كما أنه من غير الممكن إعادة التفاوض في بعض الأمور التي تم الاتفاق عليها بالفعل».
ومع ارتفاع أصواتهم، صارت المحادثات الداخلية مسموعة لأعضاء من الوفد الفرنسي الذين يتناولون طعامهم في القاعة المجاورة. ولقد انطلق أحد مساعدي كيري إلى داخل الغرفة، حيث يجتمع مع ظريف، ليخبره بضرورة الحديث بهدوء.
وفي مساء اليوم التالي، اجتمعت مجموعة كاملة من الوزراء مع الوفد الإيراني لعرض اقتراح يضم الكثير من المسائل العالقة، معتقدين أنه سيكون أمرا أكثر فعالية من مناقشتها بصورة مجزأة. وفي هذه المرة انفجر فيهم ظريف قائلا: «لا تهددوا الإيرانيين».
ومازحه سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي في محاولة منه لتهدئة الموقف قائلا: «أو الروس». إنه مجرد عرض، كما قال لظريف، وليس إنذارًا نهائيًا.
وقال أحد المسؤولين: «أدى الأمر لبعض مننا إلى القلق، أنه ربما هناك شيء آخر يجري. وربما أنه كان يخلص إلى عدم إمكانية حصوله على الموافقة على الاتفاق، أو ربما أن اتصالاته مع قيادته طلبا للإرشاد قد أعاقها عائق».
وإذا لم تكن مستعدا لإبرام الاتفاق، كما قال كيري لظريف، فإنه كان «على استعداد للعودة إلى الوطن».
وبعد مرور أكثر من ساعتين، تأجل الاجتماع. ثم اجتمعت دول مجموعة (5+1) منفردين في إحدى قاعات الطعام، من دون الموظفين المرافقين، لتقدير الموقف وأين يقفون. ولقد كانت أدنى نقطة في ماراثون المفاوضات حتى الآن، ثم ذهبوا إلى النوم من دون معرفة ما إذا كانت تلك النهاية أم لا.
ولكن في صباح اليوم التالي، الثلاثاء، 7 يوليو، ظهر ظريف في اجتماع وجها لوجه مع كيري وبحوزته استجابة شاملة على الاقتراح.
وقال المسؤول: «أيا كان ما حدث الليلة الماضية، فإننا تجاوزنا تلك المرحلة، وإننا الآن بصدد الحديث عن الجوهر».
وتم تنظيم اجتماع عبر شبكة الفيديو المؤمنة بين الرئيس أوباما وفريق الولايات المتحدة في مساء الأربعاء، 8 يوليو، في فيينا. ولقد التف الوفد الأميركي حول شاشة التلفاز في خيمة آمنة أقيمت خصيصا داخل إحدى الغرف بفندق كوبورغ.
وقال أحد كبار المسؤولين من واشنطن، متذكرا الاتفاق المعلق: «لقد كان كل شيء منظمًا ومرتبًا». وكانت النقاط العالقة الرئيسية، كما أفاد، تدور حول فترة قرار مجلس الأمن بالأمم المتحدة الذي سوف يصادق على الاتفاق ويضع له حدوده، وإدراج قرارات الحظر الحالية على المبيعات والمشتريات الإيرانية من الأسلحة التقليدية وتكنولوجيا الصواريخ الباليستية.
وقد أرادت الولايات المتحدة - المهتمة بشحنات الأسلحة الإيرانية إلى سوريا والجماعات الموالية لها في لبنان، واليمن وغيرها، وقررت عدم السماح لإيران بامتلاك القدرة على بناء الصواريخ طويلة المدى - الإبقاء على ذلك الحظر لأطول فترة ممكنة.
وكانت إيران قد دفعت منذ فترة طويلة بأن قرارات الحظر المذكورة ملحقة بالعقوبات الخاصة بالأسلحة النووية، وأنه ينبغي رفع قرارات الحظر اتساقا مع رفع باقي التدابير المقيدة كجزء من الاتفاق النووي.
ولقد شهدت القضية المزيد من التعقيد من جانب روسيا والصين اللتين كانتا حريصتين على بيع الأسلحة إلى الجانب الإيراني، حيث إنهما اتخذتا موقف إيران في تلك المسألة.
وقال لهم أوباما إنه من دون قرار مقبول، فلن يكون هناك اتفاق، وفقا للمسؤولين الأميركيين في فيينا وواشنطن. ولقد أوضح الرئيس الخطوط العريضة والمعاملات الرئيسية التي يستعد لقبولها.
ولم يكن الموعد النهائي المضروب من قبل الكونغرس من المسائل المقلقة، كما اتفقوا جميعا. أما الموعد النهائي المنفصل، والذي تنقضي فيه صلاحية القيود المؤقتة على البرنامج النووي الإيراني، فيمكن تمديده مجددا.
وكلما اقتربوا من إبرام الاتفاق خلال عطلة نهاية الأسبوع، كان كيري يريد أن يستقيم الأمر بينه وبين ظريف حيال مسألة وحيدة ومهمة. حيث سأله قائلا: «هل أنت مفوض بالإبرام الفعلي للاتفاق، وليس فقط من قبل الرئيس الإيراني، ولكن من قبل المرشد الأعلى»، مشيرا إلى آية الله علي خامنئي. ولقد أكد ظريف لكيري بأنه يحمل التفويض الكامل إزاء ذلك، وفقا لإفادة المسؤول الأميركي.
وبحلول يوم الأحد، تم تسوية كل المسائل تقريبا باستثناء الخلاف حول الحظر وفترات القرار الأممي. ولقد ذهب كيري لحضور القداس في كاتدرائية القديس ستيفن في فيينا.
وفي مساء الأحد والاثنين، عاد وزراء الخارجية الذين غادروا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع إلى عقد الاجتماعات اللانهائية.
في نحو الساعة 10:30 مساء يوم الاثنين الماضي، كان كيري في جناحه الفندقي مجتمعا مع لافروف وفيديريكا موغريني منسقة السياسة الخارجية الأوروبية، حيث انضم إليهم ظريف لاحقا. ولقد طلبوا من الموظفين المرافقين مغادرة الجناح أثناء الاجتماع.
وبعد مرور نصف الساعة، خرج الدبلوماسيون ليعلنوا أنهم عملوا على تسوية كل القضايا الرئيسية. وأن الحظر على الأسلحة سيستمر لمدة خمس سنوات أخرى، وأن الحظر على تكنولوجيا الصواريخ الباليستية سيستمر لمدة ثماني سنوات. وسيستمر قرار الأمم المتحدة لعشر سنوات قادمة.
وفي تمام الساعة 11:50 مساء الاثنين، تحادث كيري عبر الهاتف مع أوباما.
وفي وقت مبكر من صباح الثلاثاء الماضي، اجتمع الوزراء مجددا.

* خدمة: «واشنطن بوست» خاص بـ {الشرق الأوسط}



يهود متشددون يقتحمون منزل قائد الشرطة العسكرية بإسرائيل رفضا للتجنيد

 محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
TT

يهود متشددون يقتحمون منزل قائد الشرطة العسكرية بإسرائيل رفضا للتجنيد

 محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)

اقتحمت مجموعة محتجين من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد منزل قائد الشرطة العسكرية الإسرائيلية الثلاثاء، واعتصموا في حديقته احتجاجا على إجراءات لمعاقبة من يرفضون الاستجابة لاستدعاءات التجنيد.

ويأتي ذلك بعدما أمرت المحكمة العليا الإسرائيلية الأحد الدولة بوقف المزايا المالية الممنوحة لليهود المتشددين الذين يتجنبون الخدمة العسكرية، وبالشروع في ملاحقات جنائية بحقهم.

وأثار التحرك إدانات غاضبة من القيادات العسكرية والسياسية.

وأظهرت مقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي عشرات من الرجال المتشددين يهتفون داخل حديقة منزل قائد الشرطة العسكرية يوفال يمين في عسقلان، بينما كان داخل المنزل مع عائلته، بحسب وسائل إعلام إسرائيلية.

وقال رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو «أدين بشدة الهجوم الوحشي والعنيف على رئيس الشرطة العسكرية، وأطالب باتخاذ إجراءات حازمة بحق الضالعين».

من جهته، ندّد وزير الدفاع يسرائيل كاتس بـ«الاقتحام المتعمّد» لمنزل يمين «في وقت كانت عائلته داخله»، معتبرا أن أي محاولة للمساس بأفراد الأجهزة الأمنية تمثّل «تجاوزا لخط أحمر».

ويتمتع اليهود المتشددون منذ قيام إسرائيل عام 1948 بإعفاء من الخدمة العسكرية الإلزامية شرط التفرغ للدراسية الدينية.

لكن المحكمة العليا طعنت مرارا في هذا الاستثناء خلال السنوات الأخيرة، وصولا إلى حكم صدر في 2024 يُلزم الحكومة تجنيدهم.

غير أن نتانياهو يعتمد على دعم الأحزاب المتشددة للبقاء في السلطة، ما دفعه إلى معارضة إنهاء هذا الإعفاء.

ويمثل الحريديم 14 في المائة من السكان اليهود في إسرائيل، ومنهم 66 ألف رجل في سن الخدمة العسكرية.

ومع الحكم الأخير، تأمر المحكمة عمليا بوقف الإعانات التي تتيح لليهود المتشددين تخفيضات على الضرائب المحلية ووسائل النقل العامة ورعاية الأطفال.


الرئيس الإسرائيلي يدعو لمحادثات تمهّد للنظر في عفو عن نتنياهو

بنيامين نتنياهو (رويترز)
بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

الرئيس الإسرائيلي يدعو لمحادثات تمهّد للنظر في عفو عن نتنياهو

بنيامين نتنياهو (رويترز)
بنيامين نتنياهو (رويترز)

دعا الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ محامي رئيس الوزراء والادعاء العام إلى اجتماع في مقر إقامته، بحسب ما أعلن مكتبه الثلاثاء، في وقت يدرس طلب عفو في إطار محاكمات الفساد الجارية بحق بنيامين نتنياهو.

ويواجه نتنياهو اتهامات في قضيتين بمحاولة الحصول على تغطية إعلامية إيجابية من وسائل إعلام إسرائيلية، إضافة إلى قضية ثالثة يُتّهم فيها بتلقي أكثر من 260 ألف دولار في شكل هدايا فاخرة من مليارديرات مقابل خدمات سياسية. وقد أُسقطت عنه تهمة رابعة بالفساد.

وقالت المستشارة القانونية للرئيس ميخال تسوك-شافير في رسالة إلى الأطراف إن هرتسوغ «يرى أنه قبل ممارسة صلاحياته في ما يتعلق بالطلب المقدّم بشأن رئيس الوزراء، ينبغي بذل كل جهد لعقد محادثات بين الأطراف للتوصل إلى تفاهمات».

ووجّهت الرسالة إلى محامي نتنياهو عميت حداد، والمدعية العامة غالي بهاراف-ميارا، والمدعي العام للدولة عميت آيسمان، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

ويعدّ نتنياهو الذي نفي مرارا ارتكاب أي مخالفات، أول رئيس وزراء إسرائيلي في منصبه يمثل أمام القضاء بتهم فساد. ولطالما وصف الإجراءات القضائية التي بدأت عام 2019 بأنها «محاكمة سياسية».

وأوضح مكتب هرتسوغ أن هذه المحادثات تشكّل «مجرد خطوة تمهيدية قبل أن ينظر الرئيس في استخدام صلاحية العفو».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد تطرق إلى القضية مباشرة في خطاب أمام الكنيست في أكتوبر (تشرين الأول)، داعيا هرتسوغ إلى منحه العفو. وأرسل لاحقا رسالة رسمية يطلب فيها العفو عن نتنياهو، أعقبها طلب رسمي من محامي الأخير.

واستؤنفت محاكمة نتنياهو قبل أسبوعين بعد رفع القيود الطارئة التي فُرضت خلال الحرب مع إيران.


«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
TT

«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)

بعد شهرين من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تعد إيران تملك حاكماً واحداً غير منازع في قمة السلطة، في قطيعة مفاجئة عن إرث الماضي قد تدفع طهران إلى مزيد من التصلب، بينما تدرس استئناف المحادثات مع واشنطن.

منذ تأسيسها عام 1979، دارت المؤسسة الحاكمة في فلك مرشد يملك السلطة النهائية في كل القضايا الرئيسية للدولة، لكن مقتل المرشد علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب، وصعود نجله الجريح مجتبى، أدخلا البلاد في نظام مختلف يهيمن عليه قادة «الحرس الثوري»، ويتسم بغياب مرجعية حاسمة وذات سلطة نافذة لاتخاذ القرار، حسب تحليل لوكالة «رويترز».

ولا يزال مجتبى خامنئي في قمة النظام، لكن 3 مصادر مطلعة على المداولات الداخلية قالت إن دوره يقتصر إلى حد كبير على إضفاء الشرعية على القرارات التي يتخذها جنرالاته، لا إصدار التوجيهات بنفسه.

ويقول مسؤولون ومحللون إيرانيون إن ضغوط الحرب أدت إلى تركيز السلطة في دائرة داخلية أضيق من المحافظين المتشددين، متجذرة في المجلس الأعلى للأمن القومي، ومكتب المرشد، و«الحرس الثوري»، الذي بات يهيمن على الاستراتيجية العسكرية والقرارات السياسية الرئيسية.

وقال مسؤول حكومي باكستاني كبير أُطلع على محادثات السلام بين إيران والولايات المتحدة التي تتوسط فيها إسلام آباد: «الإيرانيون بطيئون بشكل مؤلم في ردودهم». وأضاف: «يبدو أنه لا توجد هيكل قيادي واحدة لاتخاذ القرار. أحياناً يستغرق الأمر يومين أو 3 أيام كي يردوا».

عراقجي يستقبل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران الأسبوع الماضي

وقال محللون إن العقبة أمام التوصل إلى اتفاق ليست الصراعات الداخلية في طهران، بل الفجوة بين ما تستعد واشنطن لتقديمه، وما كان «الحرس الثوري» المتشدد مستعداً لقبوله.

وكان وزير الخارجية عباس عراقجي الوجه الدبلوماسي لإيران في المحادثات مع الولايات المتحدة، وانضم إليه أخيراً رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهو قيادي في «الحرس الثوري» ورئيس بلدية طهران سابقاً ومرشح رئاسي، وقد برز خلال الحرب بوصفه قناة رئيسية بين النخب السياسية والأمنية والدينية في إيران.

لكن على الأرض، كان المحاور المركزي هو قائد «الحرس الثوري» أحمد وحيدي، وفق مصدر باكستاني ومصدرين إيرانيين، الشخصية المحورية في إيران، بما في ذلك في الليلة التي أُعلن فيها وقف إطلاق النار.

ولم يظهر مجتبى علناً حتى الآن. وقال مصدران مقربان منه إنه يتواصل من خلال مساعديه بـ«الحرس الثوري» أو عبر اتصالات صوتية محدودة بسبب قيود أمنية، وأصيب مجتبى بجروح بالغة في ساقه خلال الموجة الأولى من الغارات الإسرائيلية والأميركية على إيران، والتي قُتل فيها والده وعدد من أقاربه.

ولم ترد وزارة الخارجية الإيرانية بعد على طلب للتعليق على ما أثاره هذا المقال. ونفى مسؤولون إيرانيون في السابق وجود أي انقسامات بشأن المفاوضات مع الولايات المتحدة.

في قبضة قادة عسكريين

قدّمت إيران، الاثنين، مقترحاً جديداً إلى واشنطن، ويقول مسؤولون إيرانيون كبار إنه يتصور محادثات مرحلية، مع تنحية الملف النووي جانباً في البداية إلى أن تنتهي الحرب، وتُحل الخلافات بشأن الملاحة في الخليج العربي. وتصر واشنطن على ضرورة معالجة الملف النووي منذ البداية.

وقال آلان آير، الخبير في الشؤون الإيرانية والدبلوماسي الأميركي السابق، إن «أياً من الطرفين لا يريد التفاوض»، مضيفاً أن كلاً منهما يعتقد أن الوقت كفيل بإضعاف الطرف الآخر؛ إيران عبر ورقة الضغط في هرمز، وواشنطن عبر الضغط الاقتصادي والحصار.

وقال آير إن أياً من الطرفين لا يستطيع، في الوقت الراهن، أن يبدي مرونة؛ فـ«الحرس الثوري» حذر من الظهور بمظهر الضعف أمام واشنطن، بينما يواجه الرئيس دونالد ترمب ضغوط انتخابات التجديد النصفي، ولا يملك هامشاً كبيراً للمرونة من دون تكلفة سياسية.

وأضاف آير الذي شارك بالمفاوضات النووية خلال إدارة باراك أوباما من كثب: «بالنسبة إلى الطرفين، ستُفسر المرونة على أنها ضعف».

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

ولا يعكس هذا الحذر ضغوط اللحظة الراهنة فقط، بل الطريقة التي تمارس بها السلطة الآن داخل إيران. ورغم أن مجتبى هو رسمياً صاحب السلطة النهائية في إيران، فإنه، بحسب مطلعين، شخصية تصادق أكثر مما تقود؛ فهو يقر نتائج صيغت عبر توافق مؤسسي، ولا يفرض سلطته. ويقول هؤلاء إن السلطة الفعلية انتقلت إلى قيادة حرب موحدة تتمحور حول المجلس الأعلى للأمن القومي.

ورفعت شخصيات متشددة، مثل المفاوض النووي السابق سعيد جليلي ومجموعة من النواب الراديكاليين، حضورها عبر خطاب حاد خلال الحرب، لكنها تفتقر إلى النفوذ المؤسسي اللازم لتعطيل القرارات أو تشكيل النتائج.

ويدين مجتبى بصعوده إلى «الحرس الثوري»، الذي همّش البراغماتيين ودعمه بوصفه حارساً موثوقاً به لأجندته المتشددة. وتقول مصادر مطلعة على دوائر صنع القرار الداخلية في البلاد لـ«رويترز» إن ازدياد هيمنة «الحرس الثوري»، الذي تعزز أصلاً بفعل الحرب، يشير إلى سياسة خارجية أكثر عدوانية وقمع داخلي أشد.

ويرى «الحرس الثوري» مدفوعاً بالتوجه الآيديولوجي الثوري ورؤية أمنية في المقام الأول، أن مهمته تتمثل في الحفاظ على الجمهورية الإسلامية في الداخل مع إظهار الردع في الخارج.

وهذه الرؤية، التي غالباً ما يتقاسمها متشددون في القضاء والمؤسسة الحاكمة، تعطي الأولوية لسيطرة مركزية صارمة ومقاومة الضغوط الغربية، خصوصاً في السياسة النووية ونفوذ إيران الإقليمي.

السلطة بيد القطاع الأمني

وقالت المصادر المقربة من دائرة الحكم أن آيديولوجيا «الحرس الثوري» تشكل في الواقع الاستراتيجية الرئيسية؛ إذ تبقى عملية صنع القرار راسخة في يده. وأضافت المصادر أنه مع دخول البلاد في حالة حرب ورحيل خامنئي، لا يملك أي طرف داخل النظام القوة أو النطاق لمقاومة ما يراه «الحرس الثوري»، حتى لو أراد ذلك.

ولم يعد الخيار أمام القيادة الإيرانية بين سياسة معتدلة وأخرى متشددة، بل بين التشدد وما هو أشد تشدداً. وقال مصدران إيرانيان قريبان من دوائر السلطة إن فصيلاً صغيراً قد يدفع باتجاه الذهاب أبعد، لكن «الحرس الثوري» أبقى هذا الاندفاع حتى الآن تحت السيطرة.

ويمثل هذا التحول إعادة ترتيب حاسمة للسلطة، من أولوية رجال الدين إلى هيمنة القطاع الأمني. وقال آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأميركي السابق: «انتقلنا من سلطة رجال الدين إلى السلطة العسكرية... إلى نفوذ (الحرس الثوري). هكذا تحكم إيران».

إيرانية تسير بجانب نموذج رمزي لصاروخ «خيبر شكن» الباليستي في طهران الاثنين (رويترز)

وقال أليكس فاتانكا، الزميل البارز في معهد الشرق الأوسط، إن اختلافات في الرأي موجودة، لكن صنع القرار تركز حول المؤسسات الأمنية، مع قيام مجتبى بدور شخصية جامعة مركزية، لا صاحب قرار منفرد.

ورغم الضغط العسكري والاقتصادي المستمر من الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تُظهر إيران أي مؤشرات إلى التصدع أو الاستسلام بعد نحو 9 أسابيع من الحرب

وأشار ميلر أيضاً إلى أنه لا توجد أدلة على وجود انقسامات جوهرية داخل النظام أو معارضة ذات مغزى في الشوارع.

ويشير هذا التماسك إلى أن القيادة باتت في يد «الحرس الثوري» والأجهزة الأمنية، التي تبدو كأنها تقود الحرب بدلاً من مجرد تنفيذ عمليات قتالية. وقال ميلر إن توافقاً استراتيجياً برز داخل النظام: تجنب العودة إلى حرب شاملة، والحفاظ على أوراق الضغط، خصوصاً في مضيق هرمز، والخروج من الصراع أقوى سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.