ويليام وهاري: الأخوّة التي صارت خصاماً

الأميران ويليام وهاري (رويترز)
الأميران ويليام وهاري (رويترز)
TT

ويليام وهاري: الأخوّة التي صارت خصاماً

الأميران ويليام وهاري (رويترز)
الأميران ويليام وهاري (رويترز)

في رسالة وجّهتها إلى أحد موظّفي القصر المقرّبين عام 1984، كتبت الأميرة ديانا: «يعشق ويليام شقيقه الصغير هاري، ولا يتوقف عن تقبيله. لا يسمح لأحد بالاقتراب منه». كانت قد مرّت أسابيع قليلة على ولادة هاري، وكان ويليام في سنته الثانية، عندما خطّت ديانا تلك السطور. أميرة ويلز التي عملت مدرّسة للأطفال قبل زواجها بوليّ عهد بريطانيا آنذاك الأمير تشارلز، غمرت ولدَيها بالعاطفة والرعاية، منحتهما دفئاً يعوّض عن برودة القصور، ورافقتهما صغيرَين إلى صقيع شوارع لندن ليلاً ليبصرا المشرّدين ويتعلّما الإنسانية.
رغم الأزمات الزوجية المتعاقبة التي نخرت حياتها وبيتها، لم تهمل ديانا ولدَيها يوماً، أغدقت الحب عليهما راجيةً أن لا ينقطع بينهما حبل الأخوّة الجميلة. لم يخيّب الأميران الصغيران ظنّ والدتهما. كان ويليام العين الساهرة على شقيقه، ووجد هاري في أخيه الأكبر الصديق ورفيق اللعب والمشاغبات. أطلقا على بعضهما ألقاباً التصقت بهما؛ ويليام يناديه «هارولد»، وهاري يناديه «ويلي».
في هذه الأثناء، كان يتكرر لقبان آخران داخل أروقة باكينغهام. في أوساط القصر، عُرف ويليام وهاري بالـ«heir and spare»؛ أي «الوريث والاحتياطي» أو الإضافي. ربما ترددت هاتان الكلمتان على مسامع الصغيرَين، لكنهما كانا منشغلين بما يكفي بلعبة الغميضة وبزيارة إسطبلات الأحصنة، فلم يكترثا بالبحث عن المعاني المبطّنة آنذاك، لكن هاري عاد واختار لقبه «SPARE» عنواناً لكتاب مذكراته.


ويليام يساعد شقيقه هاري في المشي (Getty)
واكب البريطانيون والعالم باهتمام طفولة ويليام وهاري، فكان الرأي العام يترقّب صورهما ويلتمس اهتمام الأخ الأكبر بشقيقه؛ مرةً يساعده في أولى خطواته بالمشي، وفي صورة أخرى يرافقه إلى أول أيامه المدرسية. أما في لعبة الحرب فكان ويليام يتقمص دور الجندي، في حين يكتفي هاري بدور المساعد، وفقاً لما ترويه مدبّرة المنزل ويندي باري في إحدى المقابلات الصحافية.
يقول روبرت لايسي، في كتابه «معركة الإخوة» الصادر عام 2020، إن هاري أدرك منذ سن صغيرة أن أخاه مقدَّرٌ للعرش. يخبر كيف كانا يتجادلان في المقعد الخلفي للسيارة عام 1988، إذ قال هاري لويليام وسط ذهول ديانا: «أنت ستصبح ملكاً يوماً ما، أما أنا فلا، وسأستطيع أن أفعل ما أشاء».
بعيداً عن شجارات الطفولة وألعابها، لطالما تمسّك ويليام وهاري ببعضهما، فكان الواحد شراعاً بالنسبة للآخر وسط العواصف التي هبّت داخل منزل والدَيهما. رغم طباعهما المختلفة منذ الصغر، فإنهما استندا إلى بعضهما البعض عندما اشتدّ الخلاف بين تشارلز وديانا وانتهى بالطلاق، لكنّ العاصفة الكبرى التي قلبت طفولتهما رأساً على عقب كانت وفاة والدتهما التراجيدية.


الأميرة الراحلة ديانا تتوسط ولدَيها وليام وهاري (رويترز)
في مقابلة أُجريت معه عام 2018، أي قبل عامَين تقريباً على احتدام السجال بينه وبين شقيقه، قال الأمير ويليام إن فقدان والدتهما في عمر صغير ساعدهما على سلوك الدرب الصعب معاً. في ذلك اليوم من شهر سبتمبر (أيلول) 1997، مشى ويليام وهاري خلف نعش ديانا. ذرف العالم دمعةً على أميرة القلوب، ودمعةً أخرى على طفلَيها البالغَين آنذاك 13 و15 عاماً. قرّبت المصيبة أكثر بين الشقيقين، لكن كلاً منهما تعامل معها على طريقته، ففي وقتٍ دفن ويليام حزنه في الدراسة وأمضى ساعاتٍ إلى جانب جدته الملكة إليزابيث متأثراً بأعصابها الحديدية، تفتّتت معنويات هاري تحت ثقل الحزن.
شكّلت وفاة «اللايدي دي» المحطة الفاصلة التي أظهرت للعيان الاختلاف بين الأميرين الشقيقين. اختلافٌ لم يعنِ خلافاً؛ فكما أمسك بيده صغيراً، احتضن ويليام أخاه، غير أنه لم يتمكن من كبح تمرّده. أفرغ هاري حزنه على والدته خلال سنواته المدرسية في كلية «إيتون»، حيث ذاع صيته على أنه تلميذ كسول ومراهق يهوى السهر. في تلك الفترة تعاطى المخدرات وتهجّم على مصور صحافي وأهمل دراسته. في الموازاة كان شقيقه يتدرب في صفوف الجيش البريطاني، ويتابع دراسته الجامعية ويقوم بأعمال تطوّعية. وضع ويليام العرش والواجب الذي ينتظره نصب عينيه، في وقتٍ لم يرَ هاري سوى صورة والدته المحطمة.
استمرت ثورته حوالي 5 سنوات وقف شقيقه خلالها من جديد إلى جانبه، ناصحاً إياه بالعلاج النفسي والتصالح مع مشاعره المكبوتة منذ وفاة والدته. كان لنصيحة ويليام أثرٌ إيجابي، إذ سرعان ما تحوّل هاري إلى الأنشطة الإنسانية فأسس جمعية تُعنى بالأطفال المصابين بمرض الإيدز. تبنَّى قضايا والدته وحاول أن يعالج صحته النفسية المتدهورة بخدمة المرضى والمحتاجين ومصابي الحروب. وربما وجد في التزامه العسكري إلى جانب الجيش البريطاني، وسيلةً لتفريغ غضبه؛ حيث حارب في أفغانستان وقتل 25 عنصراً من حركة «طالبان»، على ما كشف مؤخراً.
في خلال تلك الفترة، كانت قد دخلت كايت ميدلتون حياة ويليام، فانتقلا للعيش معاً ثم تزوّجا عام 2011. ضمن مذكّراته المرتقب صدورها في 10 يناير (كانون الثاني) الحالي، يسترجع هاري يوم زفاف شقيقه قائلاً: «الأخ الذي رافقت، صباح ذلك اليوم، إلى كاتدرائية وستمنستر، كان قد ذهب... إلى الأبد. بعد أن اختفيا خلف باب عربة الزفاف، أذكر أنني قلت له بين وبين نفسي: وداعاً».


ويليام وهاري مع زوجتيهما كايت وميغان (رويترز)
لاحقاً انضمّت ميغان ماركل إلى الحكاية، فتزعزعت العلاقة أكثر. تمنّى ويليام على شقيقه أن لا يتسرّع في خطوة الارتباط، إلا أن هاري انفجر غاضباً ورفض النصيحة. وقف الأمير قرب شقيقه الأصغر يوم زفافه عام 2018، لكن المسافات كانت قد بدأت بالاتساع بينهما. زوجتان غير متشابهتين، مصالح غير مشتركة، واتهامات متبادلة. لم يوفر الثنائي هاري وميغان وسيلةً سمعيةً أو بصرية أو مكتوبة إلا نشرا من خلالها أسرار البيت الملَكي وقاطنيه.
الولدان اللذان سارا جنباً إلى جنب خلف نعش والدتهما، جمعتهما آخر ابتسامة عام 2021 عندما أزاحا الستار عن نصب تذكاري لها في حديقة قصر كنسينغتون. لو كانت بعدُ حيّة، لما سمحت ديانا باتساع الفجوة إلى هذا الحدّ بين ويليام وهاري. لكن التيجان لا تنزع صفة البشرية عن الرؤوس. وويليام وهاري، كما أشقاء كثُر في هذا العالم، يتخاصمان، يتضاربان، وغالباً ما يسير كل منهما في طريق.


مقالات ذات صلة

أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب) p-circle

ملك بريطانيا في مهمة لأميركا لتعزيز العلاقة مع ترمب

يتوجه الملك تشارلز ملك بريطانيا إلى الولايات المتحدة الأسبوع ‌المقبل في مهمة تهدف إلى تعزيز مستقبل «العلاقة الخاصة» بين البلدين الحليفين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الأمير هاري يصل إلى محطة قطار كييف (رويترز)

الأمير هاري يقوم بزيارة مفاجئة إلى أوكرانيا

زار الأمير البريطاني هاري كييف «لتذكير المواطنين في بلاده والمواطنين في جميع أنحاء العالم» بحرب أوكرانيا مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
يوميات الشرق أعلن الملك تشارلز أن سيرة والدته الذاتية باتت قيد الإعداد (أ.ف.ب)

عن الرقص الصباحي وغسل الصحون... مساعدة الملكة إليزابيث تكشف بعضاً من كواليسها

بالتزامن مع الإعلان الرسمي عن انطلاق العمل على سيرة الملكة إليزابيث، برزت تصريحات صحافية لمساعدتها أنجيلا كيللي تكشف تفاصيل عن خفايا حياة ملكة بريطانيا الراحلة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق تشارلز وخلفه ملامح ملكة عَبَرَت 7 عقود من التاريخ (رويترز)

قرن على ميلاد إليزابيث... تشارلز: «أمي الحبيبة» في القلوب والصلوات

أشاد الملك البريطاني ‌تشارلز بوالدته الراحلة الملكة إليزابيث، قائلاً إنّ «أمي الحبيبة» ستظلّ «إلى الأبد في قلوبنا وصلواتنا»...

«الشرق الأوسط» (لندن)

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre
TT

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي» في باريس، ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب.

تقول لوجاندر، التي تجيد العربية، لـ«الشرق الأوسط»: «نأمل بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة». وتستطرد: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة (...) ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

الهدف الآخر الذي تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. وبنظرها، فإن «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة.


المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.


لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية (شمال غربي مصر) المطلة على البحر المتوسط، بالتزامن مع هزة أرضية شهدتها جزيرة كريت اليونانية، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وأعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد نحو 412 كيلومتراً شمال مرسى مطروح، في تمام الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.85 كيلومتر.

وأوضح المعهد، في بيان، أن بعض المواطنين شعروا بالهزة بشكل خفيف، دون وقوع أي أضرار.

وفي التوقيت ذاته تقريباً ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان. وذكر معهد الجيوديناميكا التابع للمرصد اليوناني في أثينا، أن مركز الزلزال وقع على بُعد نحو 23 كيلومتراً جنوب غربي مدينة لاسيثي، وعلى عمق 9.7 كيلومتر، دون ورود تقارير فورية عن إصابات أو أضرار.

وكانت مدينة مرسى مطروح قد شهدت قبل أسبوعين هزة أرضية أخرى، وقعت على بُعد 659 كيلومتراً شمال غربي المدينة، يوم 8 أبريل (نيسان) الحالي عند الساعة 1:35 مساءً بالتوقيت المحلي، وبلغت قوتها 4.8 درجة على مقياس ريختر. وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية آنذاك عدم تلقيه أي بلاغات بشأن الشعور بالهزة داخل مصر، وعدم تسجيل أي خسائر.

«مسافة آمنة»

من جانبه، قال الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، إن جزيرة كريت اليونانية تُعد من أكثر المناطق نشاطاً في الهزات الأرضية في حوض البحر المتوسط وعلى مستوى العالم؛ نظراً لموقعها الجيولوجي الفريد الذي يضعها في قلب حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر، وأن الهزة التي شعر بها سكان مرسى مطروح بشكل خفيف تعود إلى تأثر المنطقة بنشاط زلزالي من مكان آخر، مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن هذا الحزام الزلزالي النشط.

شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية، مشيراً إلى أن زلزال كريت الأخير وقع على «مسافة آمنة» تتجاوز 400 كيلومتر من أقرب نقطة للحدود المصرية.

وأكد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، أن مصر تقع على «مسافة آمنة» جغرافياً من حزام «شرق المتوسط» الزلزالي، وهو ما يفسر عدم شعور سكان مصر في أغلب الأحيان بالهزات الخفيفة المتكررة التي تضرب جزيرة كريت، خصوصاً مع وقوع معظمها على أعماق ضحلة داخل البحر، حيث تُمتص نسبة كبيرة من طاقتها؛ لذلك يقتصر التأثير غالباً على الإحساس بالهزات المتوسطة أو القوية التي تضرب كريت، لكن دون تسجيل أضرار في البنية التحتية بمصر، نتيجة تشتت الطاقة الزلزالية قبل وصولها إلى اليابسة.

وأشار الهادي إلى أن درجة الإحساس بهذه الهزات الأرضية داخل مصر تختلف باختلاف طبيعة التربة والتركيب الجيولوجي؛ فالموجات الزلزالية تمر بسرعة أكبر عبر الصخور الصلبة في المناطق الجبلية، ما يقلل الإحساس بها، في حين تتباطأ وتزداد شدتها عند انتقالها إلى التربة الرسوبية الرخوة في وادي النيل والدلتا، وهو ما يطيل مدة الاهتزاز ويزيد من الإحساس به، خصوصاً لدى سكان المباني المرتفعة، وتزداد احتمالات الشعور بالهزات في المدن الساحلية مثل الإسكندرية ومرسى مطروح؛ نظراً لقربهما الجغرافي من سواحل البحر المتوسط.