ملامح وذكريات عن السينما التونسية في مئويتها

من فرسانها بن محمود والباهي

«فتوى» آخر أفلام محمود بن محمود
«فتوى» آخر أفلام محمود بن محمود
TT

ملامح وذكريات عن السينما التونسية في مئويتها

«فتوى» آخر أفلام محمود بن محمود
«فتوى» آخر أفلام محمود بن محمود

احتفال السينما التونسية، الذي بدأ في الرابع والعشرين من الشهر الماضي، ويستمر حتى اليوم نفسه من شهر ديسمبر (كانون الأول) 2023. بمرور مائة سنة على ولادتها يضعها في مركز مرموق بين صناعات السينما العربية والعالمية. صحيح أن الفيلم الأول الذي أخرجه تونسي بتمويل تونسي وهو «زهرة» لسمامة شكلي (والبعض يؤرخه باسم ألبير سمامة شكلي) سنة 1922 كان قصيراً لكن لا أهمية لذلك. ليس فقط أن العديد من سينمات العالم بدأت قصيرة فقط، بل في غضون عشرينات القرن الماضي كان الفيلم القصير ما زال موجوداً بغزارة في العالم الغربي جنباً إلى جنب الأفلام الطويلة التي بدأت قبل ذلك التاريخ بعشر سنوات.

«صمت القصور» الفيلم الأول للمخرجة الراحلة مفيدة التلاتلي

نظرة نقدية
من المهم النظر إلى السينما التونسية، بعد ذلك التاريخ، كسينما رائدة كذلك في الاختلاف. سينما الجوار في المغرب والجزائر لم تبدأ (لأسباب عدّة) إلا لاحقاً. في الواقع إلى أن أخذت السينما الجزائرية في تحقيق أفلامها عن الثورة ضد فرنسا في أوائل الستينات وإلى أن قام الفرنسي جان مورا بإنجاز فيلم من تمويل مغربي (على الأرجح) صوّره في المغرب تحت عنوان «معروف، صانع فطيرة القاهرة» سنة 1947. كانت السينما في تونس أطلقت أفلاماً أخرى من بينها سنة 1924 «الغزال» (ثاني فيلم للمخرج شيكلي). هذا قبل ثلاث سنوات من قيام عزيزة أمير بتحقيق أول فيلم مصري الإخراج، وهو «ليلى».
ما هي إلا ثلاث سنوات أخرى حتى آلت راية الإنتاج في العالم العربي إلى السينما المصرية مع بزوغ أفلام سورية ولبنانية وعراقية في الثلاثينات. لكن تلك التونسية اختلفت عنها جميعاً. ليس عبر الحكايات والمواضيع التي أثارتها، بل كونها استفادت من التأثير الفرنسي على الحياة الثقافية التونسية.
هذا التأثير سبق الاستقلال عام 1956 واستمر بعده. نوادي السينما وجمعياتها ثم مهرجان أيام قرطاج السينمائي التي واكبت نهضة الإنتاج السينمائي التونسي كلها دلالات حيّة على ميراث من الاهتمام الثقافي الكبير عاشته السينما التونسية وتوطد شأنه بعد الاستقلال.

«الهائمون» الفيلم الأول للناصر خمير

النظرة النقدية للسينما التي سادت الستينات في بعض دول الشرق الأوسط والسينما المصرية (على الأخص) كانت النموذج الذي أرادت السينما التونسية الابتعاد عنه، ومهرجان قرطاج كان أحد وسائل تأكيد المسار المختلف عن تلك السينما التي وُصفت بالتجارية المحضة.
مرّة أخرى يلعب التأثير الثقافي والاقتراب من الحركة السينمائية في الغرب (أكثر مما فعلت سينمات عربية آنذاك) دوراً في جعل السينما التونسية تختلف، متمتعة بالرغبة في شق طريقها بعيداً عن المألوف العربي. ومهرجان «أيام قرطاج السينمائية» لعب أهم دور ممكن في هذا التوجه، إذ وُلد ـسنة 1966 بهدف مختلف، ناهيك عن أنه وُلد حين لم تشهد الدول العربية مهرجانات استمرت لأكثر من دورة أو دورتين.
بحنكة اختار المهرجان (الذي أسسه الناقد الراحل الطاهر الشريعة) أن يكون جامعاً للسينما العربية والأفريقية، وهو منح جائزته الأولى في ختام دورة 19966 إلى المخرج السنغالي عثمان سمبان عن فيلم «فتاة سوداء».
كان تم القرار بأن يُقام المهرجان مرّة كل عامين. الدورة الثانية، سنة 1968، حجبت الجائزة الأولى لكن في تلك الدورة الثالثة، سنة 1970. مُنحت للمخرج المصري يوسف شاهين تلاه بعد عامين فوز «المخدوعون» بالجائزة الأولى. الفيلمان سياسيان واحد عن حال مصر بعد هزيمة 1967 والآخر أنجزه توفيق صالح لحساب المؤسسة العامة للسينما في سوريا عن رواية غسان كنفاني.

بعد الاستقلال
منذ إقامة المهرجان وإلى اليوم، توزّعت الجوائز الأولى بين أفلام من دول عربية وأفريقية مختلفة، كان نصيب الفيلم التونسي منها ثمانية أفلام تونسية أولها «عزيزة» لعبد اللطيف بن عمّار (1980) وآخرها «نورة» لهند بوجمعة (2019).
لكن المسألة ليست محصورة بالمهرجان العربي - الأفريقي المنفرد في تخصصه فقط، بل هو لا يعدو وجهاً من وجوه العمل السينمائي الذي تميّزت بها السينما التونسية، منذ ذلك الحين وإلى اليوم. إنها في تلك المحطات المهمّة الأخرى التي أوجدتها الحياة السينمائية في تونس والمخرجين الموهوبين المتعددين التي أنجبتهم تلك السينما.
أنتجت السينما التونسية ما بين 1966 وإلى اليوم ما يربو عن 130 فيلماً روائياً طويلاً. مخرجو هذه الأفلام توزّعوا على مدار أجيال متعاقبة بعضهم حقق فيلماً واحداً أو فيلمين ثم غاب، والبعض الآخر والى العمل في مهنته قدر ما يستطيع بتراكم يزيد عن أصابع اليد الواحدة أحياناً.
بعد الاستقلال مباشرة قام عمار الخليفي بتحقيق فيلمين متواليين: «الفجر» (1966) و«المتمرد» (1968)، وفي الفترة ذاتها خرجت أفلام لمخرجين معظمهم لم يكمل المشوار (مثل علي عبد الوهاب مخرج «أم عبّاس»، 1968) لكن من أشهرها «خيفة الأقرع» لحميدة بن حليمة.
السبعينات كانت المرحلة التي توجّهت السينما التونسية إلى حيث كسبت حضورها في إطار السينما العربية المستقلة وإطار سينما المؤلف معاً. إنه العقد الذي شهد أولى أفلام المخرجين عبد اللطيف بن عمّار ورضا الباهي وسلمى بكار والناصر القطاري. وإبراهيم باباي.
بعض مخرجي ذلك العقد آثروا التوجه للسينما الأكثر قرباً من الجمهور العريض أبرزهم رشيد فرشيو، الذي قام سنة 1974 بتحقيق فيلمه الأول «أطفال القلق».
لكن الأفلام التي تركت تأثيرها في بال العديد من النقاد أو حفرت لتاريخ السينما التونسية وجوداً على صعيد الإنجاز الفني والثقافي كانت «حكاية بسيطة كهذه» و«رسائل من سجنان» لعبد اللطيف بن عمار، و«السفراء» للناصر القطاري و«شمس الضباع» لرضا الباهي. هذا الأخير كان الأول في مسيرة طويلة لم تنته بعد، آخر محطاتها «جزيرة الغفران»، الذي عُرض في مهرجان القاهرة الأخير. ومحمود بن محمود (الذي فاز بذهبية دورة 2019 بالتانيت الذهبي عن «فتوى» والناصر خمير (الذي يعيش ويعمل في باريس) هم من بين القلائل من الجيل السابق التي ما زالت تعمل.

مواهب إضافية
حملت الثمانينات بعد ذلك المزيد من أعمال بن عمّار والباهي، وأضافت عدداً آخر من المخرجين الجيدين من بينهم الناصر خمير «الهائمون» ونوري بوزي «ريح السد» والطيب الوحيشي «ظل الأرض». في التسعينات أصبح من الممكن إضافة مواهب جيّدة أخرى مثل الفاضل الجعايبي «غبار الماس» والمنصف ذويب «سلطان المدينة» ومفيدة التلاتلي «صمت القصور» وفريد بوغدير «حلفاوين».
كل هؤلاء، ومن جاء بعدهم منذ ذلك الحين، هدفوا لسينما مختلفة نابعة من وعي ثقافي واجتماعي وسياسي. صحيح أن النتائج الفنية لا يمكن أن تكون متساوية، لكن النوايا تكمن في موقع واحد.
بعض هذا النجاح، والأجدر أن كثيراً منه، يعود إلى مساحة من الحرية منح المخرجين هامشاً عريضاً للتعبير. الرقابة السينمائية في تونس من بين تلك الرقابات العربية الأكثر وعياً واستعداداً لمنح المخرجين فرصة قول وعرض ما يرغبون فيه. هناك طرح لمسألة الشذوذ الجنسي في «رجل الرماد» (نوري بوزيد) وغياب التخطيط الاجتماعي الذي يجب أن يسبق التنمية السياحية في «شمس الضباع» (رضا الباهي) ومشاهد عري في «حلفاوين» أثارت شكاوى لكنها انتمت إلى الموضوع المُثار ولم تفرض نفسها عليه.

10 أفلام تونسية لا غنى عن مشاهدتها

1 - «تونس الليل» - إلياس بكّار (2017)
2 - «الذاكرة الموشومة» - رضا الباهي (1986)
3 - «رسائل من سجنان» - عبد اللطيف بن عمّار (1973)
4 - «ريح السد» - نوري بو زيد (1986)
5 - «صمت القصور» - مفيدة التلاتلي (1994)
6 - «ظل الأرض» - الطيّب الوحيشي (1982)
7 - «العبور» - محمود بن محمود (1982)
8 - «عرب» - الفاضل الجزيي والفاضل الجعايبي (1988)
9 - «الكتبية» - صاحب نوفل (2002)
10 - «الهائمون» - الناصر خمير (1984)


مقالات ذات صلة

كرة القدم في السينما المصرية بين «الكوميديا» و«الدراما»

يوميات الشرق لقطة من فيلم «غريب في بيتي» (يوتيوب)

كرة القدم في السينما المصرية بين «الكوميديا» و«الدراما»

استطاعت السينما المصرية على مدى سنوات اجتذاب جماهير لعبة «كرة القدم» بشكل بارز، عبر تقديم عروض سينمائية مختلفة سلَّطت الضوء على جوانب عدة من تفاصيل اللعبة.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق عرض الفيلم في نيويورك ضمن فعاليات مهرجان «ترايبيكا» (الشركة المنتجة)

توموهيكو إيتو: «حارس شجرة الكافور» رحلة من العزلة إلى الأمل

رحلة البطل «رايتو» تعكس رحلة جيل كامل من الشباب الياباني، بل ربما من شباب العالم كلّه.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الممثل الأميركي دواين جونسون الملقب بـ«ذا روك» (رويترز)

خشى إصابته بالسرطان... دواين جونسون يتحدث عن مرضه ومخاوفه الصحية

في تجربة شخصية، كشف النجم العالمي دواين جونسون عن فترة من القلق عاشها مؤخراً بعد ملاحظة تغيّر مقلق في حالته الصحية، ما دفعه إلى مواجهة احتمال لم يكن سهلاً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
سينما رضا الباهي... مخرج البحث عن الهوية والذات

رضا الباهي... مخرج البحث عن الهوية والذات

في عام 1976 أُقيمت دورة من مهرجان خُصص لما عُرف آنذاك بالسينما البديلة في بلدة بيت مري اللبنانية.

محمد رُضا (لندن)
سينما رينايت رانزف في «باكرومز» (A24)

شاشة الناقد: سيرة حياة كوميدي ومشوار مرعب في دهاليز وغرف

لفيلمه الأول اختار المخرج كاين بارسونز (20 عاماً) تطوير سلسلة من الأفلام القصيرة التي أنجزها قبل سنوات قليلة تحت العنوان نفسه.

محمد رُضا (لندن)

رضا الباهي... مخرج البحث عن الهوية والذات

«جزيرة الغفران» (ماد سوليوشن)
«جزيرة الغفران» (ماد سوليوشن)
TT

رضا الباهي... مخرج البحث عن الهوية والذات

«جزيرة الغفران» (ماد سوليوشن)
«جزيرة الغفران» (ماد سوليوشن)

في عام 1976 أُقيمت دورة من مهرجان خُصص لما عُرف آنذاك بالسينما البديلة في بلدة بيت مري اللبنانية. حضر المهرجان عدد كبير من المخرجين العرب الذين كانوا قد بدأوا العمل على نوع مستقل من الأفلام يضمن لهم حرية أكبر في التعبير والإبداع. وجاءوا من سوريا، ولبنان، ومصر، وتونس، والمغرب، ومناطق عربية أخرى.

وكان من بين الحاضرين المخرج التونسي رضا الباهي الذي قدّم فيلمه الروائي الطويل الأول «شمس الضباع». وقد استُقبل الفيلم جيداً لأنه تناول قضية اجتماعية محورها اختلاف الثقافات والاهتمامات بين مستثمرين أجانب يعتزمون إقامة مشروعات سياحية ومواطنين تونسيين يعملون في الصيد ويتمسكون بتراثهم وتقاليدهم، وهي تقاليد ستصطدم، بلا ريب، بالغزو المفاجئ لثقافة مغايرة.

المواطنون والقادمون بعد 50 عاماً على تقديم هذا الفيلم في مهرجان بيت مري، عاد الباهي ليعرضه في احتفال خاص أُقيم في «قصر الثقافة» بالعاصمة التونسية قبل أيام. وقال لي إثر العرض: «كان الإقبال جيداً، وكانت المناسبة فرصة لاستعادة قضايا ما زالت حاضرة إلى اليوم، تتعلق بالهوية الوطنية وبالهوية المغايرة».

رضا الباهي (عليا فيلم)

يتحدث «شمس الضباع» عن ازدواجية المعايير، ويكشف عن بعض جوانب العلاقة غير المتكافئة بين الوافد وابن البلد، وكيف أن سياسة الانفتاح التي بدأ العمل بها في مطلع السبعينات قد تؤدي إلى صدام بين تقاليد راسخة وقيم جديدة وافدة.

هذا الطرح للاختلاف الثقافي والمجتمعي بين أبناء تونس والقادمين إليها للسياحة أو الاستثمار ظل هاجساً حاضراً في أعمال المخرج التونسي اللاحقة. وقد تجلى كذلك في فيلمه القصير «عتبات ممنوعة»، الذي يروي حكاية تونسي اعتدى جنسياً على سائحة أجنبية بعدما شاهدها تتجول وحيدة بملابس غير محتشمة. ومن خلال هذا العمل يدين الباهي محاولة الاستثمار في السياحة والصناعة في بلد يحتاج، قبل ذلك، إلى تطوير أوضاعه المعيشية ومفاهيمه الاجتماعية.

وعبر هذين الفيلمين بدأ الباهي يجذب الأنظار إليه عربياً وأوروبياً. ويقول: «عُرض (شمس الضباع) 3 أشهر متواصلة في باريس. هذا أمر لم يعد يحدث للأفلام غير الفرنسية، ولا للأفلام العربية على وجه الخصوص».

بعد 7 سنوات قدّم الباهي فيلمه الثالث «الملائكة» (1983)، الذي لم يكن تونسياً بالكامل؛ إذ جاء تمويله من الكويت ومصر، وشارك فيه ممثلون مصريون، من بينهم مديحة كامل، وكمال الشناوي، وليلى فوزي. وصحيح أن الأحداث دارت في تونس، لكن الشخصيات وحواراتها كانت مصرية في معظمها. ورأى نقاد تونسيون أن الدافع التجاري طغى على العمل، وأن النتيجة جاءت مخيبة للآمال.

هشام رستم ومهدي باهي في «صندوق عجب» (عليا فيلم)

المواطنون في عام 1989 قدّم الباهي فيلم «وشم على الذاكرة»، الذي عاد فيه إلى معالجة أحداث تونسية خالصة. وطرح الفيلم مسألة تعدد الهويات الثقافية داخل بلد منفتح على اتجاهات عدة.

تدور الأحداث في تونس المستقلة حديثاً عام 1955. ويفاجئ الاستقلال مجموعة من الشخصيات الأجنبية المقيمة في تونس؛ فيقرر بعضها الرحيل في حين يختار بعضها الآخر البقاء. وترتبط المغنية بيتي (جولي كريستي) بعلاقة مع بول (بن غازارا)، لكنه ليس الوحيد الواقع في حبها؛ إذ يشارك ابنه غير الشرعي ونيس (باتريك برويل) هذا الشعور، ما يخلق صدى واضحاً للعقدة الأوديبية الشهيرة.

والفيلم أكثر من مجرد قصة حب؛ لأن ما يدور في أرجائه من عواطف ورغبات يرتبط بمسائل الانتماء، وبالرغبة في التحرر من الماضي حتى قبل أن تتشكل ملامح المستقبل.

أما فيلمه التالي فكان «السنونو لا تموت في القدس» (1994)، الذي جلب للمخرج متاعب إعلامية جديدة لأنه اختار تصويره في فلسطين المحتلة. وبذلك أصبح أول مخرج عربي من خارج فلسطين يقدِم على هذه الخطوة. ولاحقاً أنجز زياد الدويري فيلم «الهجوم» (2012) الذي صُوّر هناك أيضاً.

ومنذ ذلك الحين قدّم الباهي 4 أفلام اختلفت موضوعاتها وحكاياتها، لكنها انتمت جميعاً إلى المنحى نفسه المرتبط بالهوية والانتماء.

كان أولها «صندوق عجب» (2002)، وهو أقرب أفلام الباهي إلى سيرته الذاتية. فمثل بطله، الذي أداه هشام رستم، تزوج الباهي من امرأة فرنسية هي ماريان باسلر، وسعى الاثنان إلى بناء شراكة عاطفية وأسرية دائمة قبل أن تتصاعد الخلافات الناجمة عن اختلاف الرؤى والاهتمامات.

أما مشروعه الأكثر طموحاً فجاء عام 2004 عندما قصد لوس أنجليس والتقى مارلون براندو، عارضاً عليه بطولة فيلم «براندو... براندو»، الذي يدور حول شاب تونسي يشبه براندو ويسعى إلى الاستعانة به لتحقيق حلم التمثيل في هوليوود. لكن وفاة براندو قبل اكتمال المشروع حالت دون إنجازه، فعاد الباهي في عام 2011 إلى تلك التجربة من خلال فيلم «دايماً براندو». وفي كلا العملين يتواصل البحث في مسألة الهوية وتبعات اللقاء غير المتكافئ بين الشرق والغرب.

وفي عام 2016 نقل المخرج اهتمامه إلى سوريا التي كانت لا تزال تعيش أتون حرب أهلية ضارية، فأنجز فيلم «زهرة حلب». ثم قدّم في عام 2022 أحدث أفلامه حتى الآن، وأحد أفضلها، وهو «جزيرة الغفران»، الذي عاد فيه إلى قضايا الهويات والقوميات، داعياً إلى التسامح والتفاهم بين الشعوب والثقافات.


شاشة الناقد: سيرة حياة كوميدي ومشوار مرعب في دهاليز وغرف

رينايت رانزف في «باكرومز» (A24)
رينايت رانزف في «باكرومز» (A24)
TT

شاشة الناقد: سيرة حياة كوميدي ومشوار مرعب في دهاليز وغرف

رينايت رانزف في «باكرومز» (A24)
رينايت رانزف في «باكرومز» (A24)

BACKROOMS

★★☆

• إخراج: كين بارسونز

الولايات المتحدة (2026) | رعب

عروض تجارية

لفيلمه الأول اختار المخرج كاين بارسونز (20 عاماً) تطوير سلسلة من الأفلام القصيرة التي أنجزها قبل سنوات قليلة تحت العنوان نفسه. وتقوم الفكرة على وجود شبكة من الغرف تقع فوق متجر كبير للأثاث وتحته، من دون أن يعرف الموظف كلارك (شيويتل إيجيوفور) شيئاً عنها. ووفقاً لوصف الفيلم، فإن هذه الغرف تمتد على مساحة لا نهائية تقريباً، وتتشعب على نحو يشبه أنفاق المترو.

كلارك، الذي يشعر بالاكتئاب بعدما تركته زوجته ولم تفهم الطبيبة النفسية ماري (رينايت رايسف) حقيقة أزمته، يكتشف جداراً يمكن اختراقه بمجرد ولوجه ليظهر على الجانب الآخر منه. حال يفعل ذلك يجد نفسه في غرفة أخرى ومنها - عبر باب أو نفق أو جدار آخر - ينتقل من غرفة إلى غرفة إلى ما لا نهاية. تتنوّع هذه الغرف مساحات ومكوّنات. بعضها ضيق. بعضها منزلق. بعضها الثالث فسيح وعارٍ من كل شيء. لا نوافذ تطل على الخارج لأن الخارج لم يعد موجوداً.

في نصف الساعة الأولى هناك تأسيس لما سيلي، وتقديم لشخصية كلارك المضطربة، وتصوير يوظِّف إضاءات جيدة وألواناً. كما يتميز العمل بتصاميم فنية لافتة للنظر. لكن ما إن يبدأ المشاهد بالتدقيق في التفاصيل حتى تنهال عليه أسئلة لا يمنحها الفيلم اهتماماً يُذكر. فمثلاً، يبقى من الغامض كيف يعثر كلارك في كل مرة على طريق العودة إلى الجدار الذي يفصل هذه الغرف عن متجر الأثاث.

وعندما تشك الطبيبة في روايته، يرافقه موظفان، شاب وفتاة في رحلة استكشافية مزودة بكاميرا للتوثيق. هنا يتحول السرد إلى وجهة نظر المصور الشاب الذي يسعى إلى تسجيل ما يراه بنفسه، قبل أن يختفي مع الفتاة، ثم يختفي كلارك لاحقاً. وبعد ذلك تتعرض الطبيبة بدورها لتجربة مرعبة عندما تقرر البحث عنه.

غير أن الرعب في هذا الجزء يختلف عما سبقه. فهو يعتمد على المطاردات الطويلة أكثر مما يعتمد على الغموض والاستكشاف اللذين ميزا النصف الأول. والفكرة في جوهرها سوريالية، والفيلم نفسه متاهة تبدأ ولا تنتهي، خصوصاً أن مشهده الأخير لا يوفر خاتمة واضحة.

وسط كل ذلك لا يقدم الفيلم معنىً أو بعداً درامياً يفسر ما يحدث أو يمنحه مغزىً أعمق. ومع ذلك يبقى التنفيذ البصري مثيراً للاهتمام خلال معظم مدة العرض، ويوفر قدراً جيداً من التشويق، خصوصاً في الخمسين دقيقة الأولى. أما بعد ذلك، فلا يقدم السرد مفاجآت حقيقية بقدر ما يكرر الحالة نفسها بصيغ مختلفة.

BEING EDDIE

★★★

إخراج: ‫أنغوس وول

• الولايات المتحدة (2026) | تسجيلي

إيدي مورفي يتحدّث عن نفسهمن بين ما يكشفه فيلم «كونه إيدي» الكيفية التي صعد بها إيدي مورفي إلى موقع الصدارة في الكوميديا الأميركية منذ أول دور رئيسي له في السينما عندما شارك نيك نولتي بطولة فيلم 48 ساعة. (إخراج وولتر هيل، 1982). وكان مورفي قد خرج لتوه من عباءة البرنامج التلفزيوني الكوميدي الأسبوعي «ساترداي نايت لايف»، بعد استحواذه على إعجاب غفير من قِبل مشاهدي هذا البرنامج الساخر.

إيدي مورفي في «كونه إيدي» (نتفلdكس)

لم يكن مورفي الخيار الأول لشركة إنتاج 48 ساعة (باراماونت)، لكن حضوره خلال التصوير أقنع الجميع بأنه كان الاختيار الصحيح.

يرد ذلك من خلال مقابلة مطولة مع مورفي داخل قصره الفسيح في إحدى هضاب لوس أنجليس. يتحدث خلالها عن نشأته ووالديه وبدايات اهتمامه بالتمثيل، وكيف قرر وهو لا يزال ولداً صغيراً أن يصبح ممثلاً. ثم ينتقل إلى الحديث عن مسيرته المهنية وعلاقاته بزملائه، ومن بينهم الكوميدي الراحل ريتشارد بريور.

ويتخلل المقابلة الرئيسية عدد من المقابلات مع ممثلين ومنتجين وأصدقاء، من بينهم أرسينيو هول، وديف تشابيل، وكريس روك، وجيمي فوكس.

بداية الفيلم واعدة؛ فموضوعه أحد أبرز نجوم الكوميديا الأميركية منذ الثمانينات وحتى اليوم، وهو ممثل ذاع صيته عالمياً بفضل خفة أدائه وسرعة بديهته وحضوره المميز. وإلى جانب ذلك، يستفيد الفيلم من خبرة مخرجه أنغوس وول، الذي فاز بجائزتي أوسكار متتاليتين في المونتاج: الأولى عن «The Social Network» عام 2011، والثانية عن «The Girl with the Dragon Tattoo» عام 2012.

يمنح المخرج الفيلم سرعة إيقاع وسهولة الانتقال ما بين المقابلات وما بين الوثائقيات المستخدمة. من يريد معرفة من هو إيدي مورفي فإن هذا الفيلم يساعده.

لا يوفر الفيلم نظرة حيادية ونقدية عن مسيرة الممثل. لا شيء يُذكر عن مستويات أفلامه (بعضها، مثل «48Hrs» و«Beverly Hills Cop» من أفضل كوميديات الفترة)، ولا صفحات مفتوحة عن علاقته مع مخرجيها. هذا لأن الفيلم مُدار باتفاق ما بين الممثل ومنتجي هذا الفيلم ينص على أن يتولى مورفي سرد ما يهمّه هو فقط من مسائل تُدرج تحت بند الدعاية الذاتية. هو متحدّث لبق والفيلم مسلٍّ، ومثير للمتابعة لمعظم الوقت. يحدد هذا التحكم ما يُروى وما يبقى طي الكتمان.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


لماذا لا تزال ثلاثية «حرب النجوم» الأولى هي الأفضل؟

«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
TT

لماذا لا تزال ثلاثية «حرب النجوم» الأولى هي الأفضل؟

«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)

انطلقت عروض فيلم «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» (Star Wars: The Mandalorian and Grogu) في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي بنجاح جيد، لكنه ليس مميّزاً. أما الاستقبال النقدي فتوزّع على 3 فئات شبه متعادلة: معجبة، ومعجبة بحدود، وغير معجبة على الإطلاق (نقدنا في زاوية «شاشة الناقد» أدناه).

رغبة معاكسة

بصرف النظر عن مستوى الفيلم، يستدعي العمل، الذي أنجزه جون فافرو (من أفلامه Avengers: Endgame وIron Man)، نظرة قريبة إلى هذا المسلسل الذي انطلق للمرة الأولى على هيئة حلم صغير عند مخرجه جورج لوكاس. رفضت هوليوود تمويله إلى أن وافقت شركة «توينتيث سنتشري فوكس» على صرف 11 مليون دولار عليه. وكان الناتج مذهلاً، إذ سجَّل خلال أسابيع قليلة من صيف 1977 نحو 775 مليون دولار، أي ما يتجاوز 8 مليارات دولار بسعر الصرف اليوم، وحين كانت التذكرة لا تزيد على 5 دولارات في صالات العرض الأول.

كاري فيشر في أحد أشهر أدوارها السينمائية (توينتيث سنتشري فوكس)

ذلك الفيلم الأول من المسلسل لم يكن بداية عهد من الأفلام المتتالية التي استفادت من إقبال الجمهور عليها فحسب، وإنما أيضاً معالجة فكرية ترتدي ملابس الترفيه وتقدّم بين أحداثها المشوّقة نتفاً من المجازات الميتافيزيقية والميثولوجية. يتبدّى ذلك في الأفلام الثلاثة الأولى من بين الأفلام العشرة التي أُنجزت منذ ذلك التاريخ (وهي الأساسية، كون الإنتاج تمدَّد ليشمل شرائط فيديو وأفلاماً تلفزيونية ورسوماً). بعد ذلك، تداولت الأفلام اللاحقة المغامرة وبعض الإيحاءات الدرامية، مثل اللعب على علاقة الأب بالابن التي عكست علاقة المخرج بالسينما، كون لوكاس ابتعد عن وصية ورغبة والده (جورج واتسون لوكاس) ليشقَّ طريقه بنفسه.

لا بدَّ أنّ الضغط الذي واجهه برفضه الاقتداء برغبة والده قد ولّد فيه الحاجة إلى التعبير عنها. لم يعبّر عنها في أفلامه التي سبقت «ستار وورز» الأول، لا القصيرة منها (9 أفلام ما بين 1965 و1968)، ولا فيلميه الطويلين THX 1138 سنة 1971 و«أميركان غرافيتي» (1973).

جورج لوكاس... مهندس المجرة السينمائية التي انطلقت عام 1977 (ديزني ستوديوز)

تعدُّد أفكار

أخرج لوكاس أول هذه الأفلام («ستار وورز» الذي تغيَّر لاحقاً عنوانه إلى Star Wars: A New Hope تبعاً لتسلسل روائي لاحق). ثم اكتفى بإنتاج الفيلمين التاليين «الإمبراطورية تضرب مجدداً» (The Empire Strikes Back) لإرفين كيرشنر (1980) و«عودة الجيداي» (Return of the Jedi) لريتشارد ماركواند (1983).

غابت السلسلة سنة 1983 وعادت سنة 1999 بـ3 أفلام تسبق حكاياتها الثلاثية الأولى، ممّا جعلها تحمل الأرقام 4 و5 و6 عوضاً عن 1 و2 و3. ومنذ عام 2015، أُطلق عهد جديد من هذه الأفلام أقل قيمة فنية وفكرية من تلك الأولى.

في الأفلام الثلاثة الأولى المذكورة، منحى واضح لتجسيد بعض الشخصيات على نحو متّصل بالتاريخ هنا وبالواقع هناك. جيداي يمثل فيلسوفاً يونانياً تشبه تعاليمه تلك التي لدى أرسطو. والصراع بين الابن المتمرّد ضدّ الإمبراطور دارث فيدر يماثل تمرّد لوكاس الابن ضدّ أبيه، لكنه في الوقت عينه على علاقة بنظرية فرويد التي تقول إنّ الابن يميل إلى الأم أكثر من الأب، والابنة تميل إلى الأب أكثر من الأم. كذلك الحروب ذاتها تحمل سمات صراع الشعوب ضدّ مستبديها، ولو أنّ لوكاس هنا لا يحدّد ما بعد تلك الإشارة.

في «الإمبراطورية تضرب مجدداً» محاكاة للأجواء السياسية المعادية للعرب في ذلك الحين، ترتدي شكلاً عنصرياً واضحاً.

أبعد من ذلك، هناك حضور ديني قوي في الأفلام الأولى من السلسلة. هناك إيعاز بتجسيد الفيلم للمعنى الديني في الصراع بين الخير (مؤمنون) والشر (ملحدون). بل إنّ الأميرة ليا قُصد بها أن تكون رمزاً للسيدة مريم. وهذه بعض الأبعاد التي تتراءى في حال مشاهدة هذه الأفلام اليوم كما في الأمس.

انطلقت عروض فيلم «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي بنجاح جيد، لكنه ليس مميّزاً

استيحاءات

الفيلم الأول من السلسلة وما تلاه من أجزاء ليست الأولى في السينما لناحية تقديم مغامرات فضائية. الصورة الكليّة لذلك العالم البعيد مثل مسافة، والقريب مثل أجواء سياسية أو اجتماعية حاضرة، نجدها في سلسلة أفلام «فلاش غوردون» في الثلاثينات والأربعينات، حيث الصراع بين عالم متمدّن وآخر معاد.

في الواقع، خطَّط لوكاس في الأساس لإعادة إخراج فيلم «فلاش غوردون» الذي حقّقه فريدريك ستيفاني سنة 1936 قبل أن يُنجز «ستار وورز».

إلى جانب «فلاش غوردون»، هناك استيحاء من حكاية «الباحثون» (The Searchers) لجون فورد (1956)، ومن فيلم أكيرا كوروساوا «القلعة المخفية» (The Hidden Fortress) سنة 1958. هذا الفيلم الياباني هو الأقرب بوصفه حكاية، إذ يدور حول رجلين يسعيان إلى مساعدة أميرة على استعادة عرشها... كما الحال في «ستار وورز».

الأفلام السبعة اللاحقة (آخرها «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو»، 2026) اعتنت بتطوير العمود الفقري للحكاية على نحو أفقي ينهل من الفرص المتاحة للالتزام بالمغامرات والصراعات أكثر من منحها معانيَ ورموزاً. والهم كذلك كان تطوير المؤثرات البصرية وكل ما له علاقة بالخدع البصرية وفنون التحريك، لإبقاء حوافز المُشاهدة والحفاظ على هواة السلسلة أعلى في كل جزء جديد من سابقه.