كلمة «نقد» في العربية كلمة صعبة لأنها في «صحاح اللغة» و«لسان العرب» وسواهما لا تعني ما نمارسه نحن النقاد: فمن ناحية، النقد هو طبع العملة (النقود) وربما عاد الأصل إلى أن الدفع كان يتم بوضع النقود قطعة قطعة في يد مستلمها قرون قبل إنشاء أول مصرف في العالم أو حتى طبع المال على أوراق.
والنقد، أيضًا، هو ما يقوم به الطير عندما ينقد الطعام أو غلاف الثمرة للوصول إلى ما بداخلها. من هنا هو يملك منقادًا ينقد به الثمار.
ربما نحن أقرب للنقد على طريقة الطيور. نحن ننقد القشور للوصول إلى ما بداخلها. بعض مناقيدنا صغير وبعضها كبير، مثل الطيور، إنما بحسب موقع الناقد من الشهرة والنجاح في مهمّته. مثلها، نحن ألوان من الناس بعضنا يحسن النقد كما يحسن الحسون الغناء، وبعضنا الآخر لا يحسن الغناء.
ننقد العمل الفني لنكتشف قيمته ونكشف للقارئ حقيقته. بذلك نحن بعيدون عن النقد الآخر (النقود) بطبيعة الحال لأن مصلحتنا ليست كالعاملين في العقارات أو في التجارة أو الصناعة. سلعتنا لا تباع بل تُدرس. مصلحة لا يمكن أن تبني ثروة مادية (ليس في عالمنا العربي على أي حال) لكن الثروة المعرفية من خلالها لا تقدّر بثمن.
قبل أيام وجدت مقالة قديمة كتبها الناقد البريطاني رونالد برغن في صحيفة «ذ غارديان» سنة 2007 يقول فيها: «معظم مراجعي الأفلام Film Reviewers يتعاملون أساسًا مع محتوى الفيلم. أي واحد يستطيع أن يخبرك ما هي حبكة الفيلم، لكن القلة التي تستطيع أن تتحدّث في الأسلوب».
وما هما إلا يومان حتى طالعت ناقدًا في موقع كان محترمًا يصف أحد الأفلام على نحو من يكتب قائمة الطعام في مطعم: «كوميديا جذابة مع ضربة من الميلودراما وحوار ذكي ومجموعة ممثلين رائعين». ترجم هذا الكلام إلى قائمة مطعم فإذا به أشبه بـ: «حلوى لذيذة مع قطعة صغيرة من الليمون ومتوّجة بثمار الفريز مع تشكيلة من الشوكولا المبروش» أو «شرائح من اللحم المجفف مع حبات الجزر والبازيلا ورشّة بهارات خفيفة على الجانب».
ما يذكر في مجال الأفلام والسينما تراه منتشرًا في كل أنواع النقد الفني منه والأدبي وكلاهما مؤلف من جوانب كثيرة. فالمهنة تبدو للكثيرين من الكتاب اليوم سهلة، خصوصًا مهنة النقد السينمائي. لم يعد على نقاد اليوم الانتقال إلى صالة السينما. يفتح الفيلم على الإنترنت ويشاهده بأي مستوى صورة ممكنة، ثم يجلس ويكتب.
النقد ليس نقدًا إلا إذا أخذ على عاتقه أربع درجات:
الأول، أن يتعلّم الناقد المجال الذي يريد أن يعمل فيه كما يتعلّم شخص آخر مهنته، سواء سيمارس النجارة أو التجارة.
ثانيًا، أن يرصد الحقيقة فيما يراه وذلك يتطلب منه البحث والكثير من حب الاستطلاع والفضول.
ثالثًا، أن ينقل ما تعلّمه وما رصده إلى القارئ. الغاية النهائية، في رأيي، أن يضع الناقد جمهوره على الخط الصحيح لكي يخلق منه مثقفًا سينمائيًا يمكن له الاستغناء عن النقد إذا ما أراد في مرحلة لاحقة. طبعًا يستطيع أن يبقى قارئًا، لكنه الآن بات قارئًا مثقفًا يفرز ما يقرأه وافق عليه أم لا.
رابعًا، أن يمارس ما سبق والمهنة كلها بحب من سيبقى فيها إلى الأبد. لا ينفع من يكتب فيها وفي سواها بالحجم ذاته، ولا من يعود إليها لأن صحيفته أو موقعه يطالبه بمقال وهو لا يجد ما يكتب فيه فيشاهد الفيلم (أو المسرحية أو العمل التلفزيوني الخ…) ليسد الثغرة.
ذات مرّة عندما ترأست تحرير مجلة سينما في لندن جاءني من عرّف بنفسه على النحو التالي: «أنا فلان الفلاني أكتب في كل المجالات (وذكر بعضها بدءًا من الرياضة وانتهاء بالسياسة) وأريد أن أكتب عندك النقد السينمائي».
10:34 دقيقه
النقد للطيور
https://aawsat.com/home/article/408171/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%AF-%D9%84%D9%84%D8%B7%D9%8A%D9%88%D8%B1
النقد للطيور
النقد للطيور
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

