«مسارات».. مجلة سورية في الزمن الصعب

غلاف المجلة
غلاف المجلة
TT

«مسارات».. مجلة سورية في الزمن الصعب

غلاف المجلة
غلاف المجلة

فوجئ الوسط الثقافي السوري أخيرا، ومن دون مقدّمات أو إعلانات، بصدور العدد صفر من مجلة شهرية جديدة في العاصمة السورية دمشق حملت عنوان «مسارات»، وجاء في تعريفها أنها مجلة شهرية اجتماعية متخصصة بشؤون الثقافة والفن والمنوعات. ولعلّ المفاجأة هنا هي صدورها في هذا الزمن السوري الصعب وبشكل أنيق وورق ملون مصقول، مع كتاب مرفق بها هديّة للقارئ، على غرار مجلات الخليج الشهرية والدورية، وهذا يزيد من تكلفتها المالية بالتأكيد.
صاحب الامتياز ورئيس تحريرها الكاتب السوري الساخر وليد معماري، لخّص حكاية صدورها: «مسارات.. في الدروب الصعبة - مغامرة؟!.. كدت أستبدل حرف (الغين) بـ(القاف).. فضمن ظروف صعبة تجتاح البلاد والعباد.. يعد مشروع إصدار مجلة أشبه بحراثة البحر.. أو صيد السمك في صحراء.. ربما هي (مسارات) بأقدام عارية فوق الثلج.. ولا أقول الجمر».
ولكن من أين يتم تمويل المجلة وهي مكلفة كثيرا؟! يقول معماري في مقدمته إنه «ليس صاحب مال، ولا يسعى إليه.. (فخبزي كفاف يومي.. لكن بعض الحالمين المستترين بأحلامهم، لا بربح، بل بمشروع ثقافي تنويري.. هم وأنا، ومن دعم وسيدعم (مساراتنا)، مصرّون على إعلان أنهم يدعمون مشروع المجلة بأموال نظيفة.. (وأكرر هنا كلمة نظيفة).. وفي المحصلة إن كان ثمّة أرباح بعد اقتطاع التكاليف هي حق من حقوق كتّابها».
تضمن العدد «صفر» من المجلة مواضيع متنوعة. ففي باب «مسارات الرواد» موضوع عن محمد الماغوط حمل عنوان «محمد الماغوط.. ما من موهبة في العالم العربي تمر بلا عقاب»، لابن شقيقه أسامة الماغوط، لخّص فيه محطات في حياة الماغوط ورحلته الحياتية في المدن والسجون وتأثير ذلك على العملية الإبداعية لديه، وأقواله (المأثورة) مثل «لقد أعطونا الساعات وأخذوا الزمن.. أعطونا البرلمانات وأخذوا الحرية.. أعطونا الأراجيح وأخذوا الأعياد.. أعطونا الثوار وأخذوا الثورة..». إلخ.. وفي باب «مسارات الشغب» موضوع بعنوان «بين شاعرين.. بريفير وقبّاني يشربان القهوة معا»، كتبه معماري ولكن وضع الاسم باللاتيني «W. Mimari».. لماذا؟ لا نعرف.
الموضوع التالي من المجلة وفي باب «مسارات العشق» جاء تحت عنوان «نقوش فوق سور دمشق»، والكاتب هنا أيضا وليد معماري (رئيس التحرير وصاحب الامتياز)، وهنا جاء الاسم كما هو. وفي هذا الموضوع يتحدث الكاتب عن عشقه لدمشق القديمة ولحجارتها وياسمينها وعصافيرها.. وهناك في باب «مسارات حرة» موضوع بعنوان «أخطاء الكبار.. مغفورة»، وهو للكاتب معماري أيضا، وجاء الاسم باللاتيني أيضا! كما جاء الكتاب المرفق مع العدد «صفر» - وهو هدية مجانية للقراء تشجيعا على القراءة الورقية - مختارات قصصية لـ«وليد معماري».. في باب «مسارات الروح» مقال بعنوان «بين الشعر والطب» للشاعر والطبيب نزار بريك هنيدي، وفي باب «مسارات القصيدة» قصائد للشاعر العراقي أحمد مطر.
وفي «مسارات الوجع» كتب الصحافي السوري زيد قطريب عن الثقافة في زمن الحرب تحت عنوان «حيث نجح المجتمع الأهلي وفشلت المؤسسات الرسمية.. النشاطات الثقافية خلال الحرب». وفي «مسارات سينمائية» موضوع عن شارلي شابلن. وفي «مسارات إعلامية» مقال بعنوان «خارج العاصفة.. برنامج يحاول التغريد خارج السرب!» للكاتب علي وجيه مقدّما الموضوع بكلمات عن الإعلام السوري «من البديهي أن حال الإعلام السوري لا يسرّ أحدا سوى أعداء البلاد». وفي «مسارات مسرحية» معالجة بعنوان «عندما تُفتح الستارة.. الدراما.. كيف ولدت.. وعلى يد من.. وأين..؟»، للكاتب مشهور خيزران. أما في «مسارات الدبابيس» فنشر الكاتب خليل صويلح منتقدا الكاتبة في اختيار عناوين كتبها المثيرة.
من أبواب المجلة الأخرى ومواضيعها «مسارات بلا حدود»، والموضوع هنا جاء بعنوان «أجداد.. وأحفاد» للكاتب سهيل الشعار، وفي «مسارات إنسانية» مقال بعنوان «المغني البديل الصوت الملائكي» من رسائل انتقاها ونشرها الروائي البرازيلي باولو كويلهو لمجموعة من طلابه. وفي «مسارات بعيدة» هناك «قصتان من الصين»، وفي «مسارات تاريخية» نقرأ «جمهورية زكي إشارة» لكاتبه المخرج السينمائي ريمون بطرس، وكذلك في باب «حين يكون الشعر نبوءة» للكاتبة نادين باخص، وغير ذلك من المواضيع والمقالات.



قسطنطين كفافي: اسكب عاطفتك المصرية في لغة أجنبية

جانب من متحف كفافي في الإسكندرية
جانب من متحف كفافي في الإسكندرية
TT

قسطنطين كفافي: اسكب عاطفتك المصرية في لغة أجنبية

جانب من متحف كفافي في الإسكندرية
جانب من متحف كفافي في الإسكندرية

لعل إعادة افتتاح منزل قسطنطين كفافي - وُلد لوالدين يونانيين في الإسكندرية في 29 أبريل (نيسان) عام 1863 ورحل في 29 أبريل عام 1933- في ثوبه الجديد بالإسكندرية في مايو (أيار) من هذا العام مناسبة لزيارة نصوصه مجدداً وإن لم نكن يوماً في حاجة إلى ذريعة لكي نتآنس به. وقد جرت العادة في النقد الناطق بالإنجليزية بأن يتم التعريف بكفافي بصفته يونانياً سكندرياً وإهمال مصطلح «الإجيپتيوت» أي اليوناني المُتمصِّر الذي كان هو من صكَّه بحسب معاصريه من النقاد اليونانيين ومنهم ميماس كولايتس. وما هذا التغاضي عن تجليات هويته «الإجيپتيوت» إلا شذرة من الخطاب الغربي السائد عن الكوزموبوليتانية السكندرية الذي يعلي من شأن كل ما هو أوروبي في المدينة، كما حاججت في كتابي الذي صدر بالإنجليزية عام 2013 عن دار نشر جامعة فوردهام، والذي صدرت ترجمته العربية عن «المركز القومي للترجمة» تحت عنوان «الكوزموبوليتانية السكندرية: أرشيف» بترجمة عبد المقصود عبد الكريم وبمراجعتي العام الماضي وأستقيه في هذا المقال.

كفافي

ليس من شك في أن الإسكندرية الحديثة كانت وما زالت تزخر بممارسات كوزموبوليتانية تشهد عليها مثلاً النصوص السيرذاتية ليوسف شاهين وإدوار الخراط. إلا أن ما أطرحه هو أن الخطاب الأوروبي عن الكوزموبوليتانية السكندرية متواطئ مع الاستعمار بتقديمه للإسكندرية الحديثة شبه الكولونيالية - وذلك بالتركيز على الجالية اليونانية - بوصفها تعيد إنتاج العصر الذهبي للمدينة الهلينستية مع الحط من شأن كل ما هو مصري - عربي. ومن هنا يكرس النقد الأنجلوفوني هذا الثلاثي من الأدباء: كفافي وإ. م. فورستر وولورانس داريل، باعتبارهم عيون الأدب السكندري، ويؤول نصوصهم على أنها متفقة ومتوافقة مع هذا الخطاب، وهي ليست كذلك بحال من الأحوال. ومن ثم تُدرَج نصوص كفافي في ذلك الخطاب ذي المركزية الأوروبية كهمزة وصل بين الإسكندرية الحديثة والمدينة الهلينستية، ويصور شعره بأنه لا يُعنى بالعرب - الإسكندرية منذ الفتح العربي حتى حكم محمد علي - والمصريين في الفترة الحديثة على اعتبارهم برابرة.

إلا أن نصوص كفافي، شعراً ونثراً، تناقض جذرياً هذه القراءات الاختزالية. بينما تنم بعض نصوصه عن نظرة استشراقية مبنية على ثنائيات متقابلة أتناولها بإسهاب في كتابي، أرى أيضاً أن أعماله الشعرية والنثرية تطرح كذلك هويات متعددة، غير ثابتة ومنفتحة على بعضها بعضاً في متصلٍ تتجلى فيه حساسية يوناني من الشتات. لضيق المساحة؛ أقتصر هنا على ثلاثة نصوص يتضح فيها تماهي كفافي مع المصريين بصفته يونانياً متمصراً.

في قصيدة «عن أمونيس مات في التاسعة والعشرين، في عام 610» نلتقي مجموعة شبان سكندريين قد يكونون مثليين يتوسلون إلى شاعر اسمه رافاييل أن يبذل أقصى ما في وسعه ليصقل المرثية التي سيكتبها لشاهد قبر الشاعر المتوفى. يحيلنا التاريخ، عام 610، إلى نهايات الحكم البيزنطي في مصر بضعة عقود قبل الفتح العربي، كما يشير اسم أمونيس إلى شاب قبطي، مثله مثل رافاييل من الصفوة المصرية التي تكتب باليونانية، اللغة الأدبية السائدة.

اللافت، أن مجموعة الشبان - وذلك بعد مرور ما يقرب على ألف عام بعد فتح الإسكندر لمصر - غير مُتأغرقين؛ فهم يناشدون رافاييل: «إغريقيتك جميلة وموسيقية دائماً. / لكننا بحاجة الآن إلى كل مهارتك/ ففي لغة أجنبية سوف ينتقل حزننا وحبنا، / اسكب عاطفتك المصرية في لغة أجنبية... بحيث يكشف الإيقاع وكل جملة أن إسكندرانياً يكتب عن إسكندراني» (في ترجمة بشير السباعي في «آهِ يا لونَ بشرةٍ من ياسمين»!).

من المدهش أن تشير القصيدة إلى اليونانية مرتين بـ«لغة أجنبية» كما يرد في الأصل اليوناني. كفافي إذن ينظر إلى لغته الأم من خلال أعين من يظلون خارج مجالها ويخلق متصلاً يربطهم، مروراً بالشعراء المصريين المتأغرقين، بالشاعر اليوناني المتمصر. والقصيدة في رأيي «عن إمكانية نصية عبر ثقافية... مصرية - يونانية». ومن هنا تجعل القصيدة الإسكندرية - ليس الشعر اليوناني - فضاءً أمثل لإبداع كتابة عبر ثقافية.

كتب كفافي قصيدة «27 يونيو 1906، 2 بعد الظهر» عام 1908، أي أن حادثة دنشواي ظلت تشغله لأكثر من عام ونصف العام. والقصيدة تصف لحظة شنق يوسف حسين سليم (وقد كتب الشاعر اسمه في مخطوطة للنص) وهو اصغر الرجال الأربعة الذين أعدمهم البريطانيون وتتمحور حول أسى أمه وانهيارها. «حِينَ جَاءَ المسيحيُّونَ بالشَّابِّ البريء ذي السَّبعَة عشرَ عاماً لِيَشنُقُوه، زَحَفَت أُمُّه، القَرِيبَةُ منَ المِشْنَقَة، / وَارْتَمَت على الأرض» (في ترجمة رفعت سلام في «قسطنطين كڤافيس الأعمال الشعرية الكاملة»). اختيار كفافي مفردة «المسيحيون» في رأي رجاء النقاش، في كتابه «ثلاثون عاماً مع الشعر والشعراء»، «يقصد... السخرية من الإنجليز، فالمسيحية تعني الرحمة والتسامح والمحبة، ولكن الإنجليز تصرفوا في دنشواي بمنتهى القسوة والوحشية». ونلمس في المفردة أيضاً - إذ تعكس نظرة القرويين المسلمين إلى البريطانيين - التماهي نفسه الذي رأيناه في عبارة الـ«لغة أجنبية» في قصيدة «عن أمونيس».

أتفق مع ستراتيس تسيركاس، الروائي والناقد اليوناني المتمصر، في ترجيحه أن «27 يونيو 1906» تستلهم المواويل الشعبية عن دنشواي - وترد في أحد هذه المواويل دونه پيير كاكيا لفظة «النصارى» إشارة إلى الإنجليز - وليس القصائد التي كتبت عن الحدث بالفصحى. لذا؛ وبعكس ترجمات القصيدة التي استخدمت الفصحى لعديد الأم، آثرت أن أترجم الأبيات إلى العامية المصرية: «سبعتاشر سنة بس عيشتهوملي يا ضنايا»، ثم، بعد شنقه في ذروة لوعتها «سبعتاشر يوم بس... سبعتاشر يوم بس اتهنيت بيك فيهم يا ضنايا». وأرجّح أن كفافي كان يعرف شيئاً من العامية المصرية، فمثلاً في قصيدته «شم النسيم» - عن مظاهر الاحتفال في الإسكندرية في المكس والقباري ومحرم بك والمحمودية - ترد كلمة «مغني» مكتوبة بالحروف اليونانية.

لكفافي نص نثري معنون «عن التقارب الثقافي بين مصر والغرب» أؤرخه بعام 1928 وفيها يطرح تصوره لدور المجموعة الأدبية La Lanterne sourde d’Égypte التي أسسها في القاهرة الشاعر والمحرر البلجيكي پول فاندربورت، امتداداً دولياً لمجموعة بدأها في بروكسل. يقرّ كفافي بأن مهمة المجموعة الرئيسية هي تعريف الجمهور الأوربي «بالأدب العربي المعاصر في مصر، ورؤية الكُتاب العرب المعاصرين لتيارات الفن الأوروبي» من خلال الترجمة ثم يوصي بالعناية بالأدب الفرانكوفوني الذي ينتجه مصريون، وكذلك يونانيون وشوام هم أيضاً «أبناء مصر». ثم ينتقل إلى الإنتاج الفكري لليونانيين المتمصرين الذين «تربوا في بيئة مصرية» و«ينتجون أو سوف ينتجون أعمالاً فيها، أو سوف يكون فيها، شيء من هذه البيئة» وهم أقرب إلى «أسلوب الحياة المصري» وإلى زملائهم المصريين. ويقترح إتاحة أعمال الكتاب الإجيپتيوت من خلال مقالات مختصرة بالفرنسية، لكنه يحبّذ العربية لتعريف القراء الناطقين بالعربية بها. في هذا النص، الذي ترجمه إلى الإنجليزية پيتر جيفريز ضمن أعمال كفافي النثرية، يُبرز الشاعر الإجيپتيوت التواصل الثقافي بين اليونانيين المتمصرين والأدباء المصريين ويبرهن على نظرة طليعية في وعيها بالأدب الهجين.

وحين تشرّفت بأن أشارك كمستشارة ضمن مجموعة أكاديميين في إعادة التصميم المتحفي لبيت كفافي بدعوة من مؤسسة أوناسيس التي اقتنت أرشيف الشاعر، لاقت مقترحاتي لمواد للعرض تبرز توجهاته الإجيپتيوت وسياقاته المصرية وأصداءه العربية ترحيباً من الجميع. يشتمل التقويم المعروض على حائط إحدى الحجرات، ضمن التواريخ المفصلية في سيرة الشاعر وتأريخ كتاباته وأحداث يونانية، أحداثاً تاريخية مصرية منها حادثة دنشواي. وفي حجرة أخرى عرضٌ على إحدى الحوائط حرصتُ على أن يسلط الضوء على اليوناني المتمصر، فهو يضم استنساخاً لمخطوطة قصيدة «27 يونيو 1906» ونصاً نثرياً لكفافي يعكف فيه بتعاطف على مظاهر حزن المصريين على إعدام إبراهيم ناصف الورداني الذي اغتال بطرس غالي رئيس الوزراء الموالي للبريطانيين ورسالة من پول فاندربورت بخصوص حدث أدبي تكريماً لكفافي تزمع جماعة «اللانتيرن سورد» في القاهرة تنظيمه ثم قصاصة من صحيفة لا «پاتري» تذكر فيه الاجتماع الأول للجماعة نفسها، بحضور عباس محمود العقاد وعبد القادر المازني وتعلن عن فعالية على شرف كفافي. رأيت أنه من المهم أيضاً أن يضم العرض كتاب إدوارد سعيد عن الأسلوب المتأخر، حيث يتناول كفافي ضمن كتاب وفنانين آخرين، ونذكر هنا أن قصيدة اليوناني المتمصر «في انتظار البرابرة» ألقتها ابنة المفكر الفلسطيني في جنازته.