نجيب محفوظ بين الحارة والوظيفة والأصدقاء... حقائق تُلهم الخيال

مصر تُحيي ذكرى ميلاده الـ111 بمعارض وندوات

تمثال من البرونز لأديب نوبل نجيب محفوظ
تمثال من البرونز لأديب نوبل نجيب محفوظ
TT

نجيب محفوظ بين الحارة والوظيفة والأصدقاء... حقائق تُلهم الخيال

تمثال من البرونز لأديب نوبل نجيب محفوظ
تمثال من البرونز لأديب نوبل نجيب محفوظ

عبر نظارة سوداء وعصا يتكئ عليها وضحكة قوية مجلجلة، تتشكل ملامح صورة حميمة لكاتب استثنائي في تاريخ العرب، ليس فقط لكونه الوحيد الذي حصل على جائزة نوبل بين مبدعي لغة الضاد، بل لأن رواياته ترسم صورة فاتنة في إبداعها، وصادمة في صدقها، تذوب فيها الخطوط الدقيقة بين عوالم الحقيقة والخيال.

إنه نجيب محفوظ الذي تستعيد، على امتداد شهر كامل، وزارة الثقافة المصرية أطياف ذكرى ميلاده الـ 111 عبر العديد من الفعاليات المختلفة التي حاول صناعها ألا تكون تقليدية. ومن أبرز تلك الفعاليات معرض «نجيب محفوظ بين الحارة والوظيفة والأصدقاء»، فضلاً عن ندوات منها «أحفاد نجيب محفوظ»، و«رحلة نجيب محفوظ السينمائية»، و«إني أرنو في رحاب نجيب محفوظ»، بمشاركة واسعة لمبدعين في الأدب والنقد والفن التشكيلي والسينما من مختلف الأجيال.

المعرض يستلهم شخصيات من الأعمال الأدبية لمحفوظ

أديب نوبل الموظف

تبدو حارات «الثلاثية» وتفاصيل عمارتها، ومشربياتها الخشبية، وحتى أطياف المارين بها، وكأنها تشارك الاحتفال بذكرى جديدة لأديب نوبل، حيث تجتمع تلك الفضاءات المستلهمة من أعماله في عدد من اللوحات التشكيلية للمعرض الذي يستضيفه مركز الهناجر للفنون في الأوبرا المصرية.

«اللوحات تعكس تأثر هؤلاء الفنانين بأدب محفوظ وعالمه في الحارة المصرية، والأماكن التي ارتبط بها بشكل شخصي في القاهرة» كما يقول الكاتب الصحافي طارق الطاهر، وهو عضو «اللجنة العليا للإعداد لاحتفالية نجيب محفوظ».
وإلى جانب المعرض الفني، يحتوي المعرض على قسمين آخرين يضمان وثائق من السيرة الوظيفية لنجيب محفوظ، بالإضافة لعدد من الإهداءات التي تلقاها محفوظ من عدد من كبار المثقفين وأصدقائه من الكتّاب، والتي استعرضها طارق الطاهر في كتابيه «نجيب محفوظ بختم النسر»، و«بخط اليد وعلم الوصول: تاريخ جديد للسيرة المحفوظية».

يقول الطاهر: «الوثائق المعروضة تؤرخ لمسيرة محفوظ الوظيفية التي بدأت عام 1934، وانتهت في سنة 1971 لإحالته للتقاعد، خلال تلك الرحلة خاض الرجل رحلة تعتبر فريدة في الدولة المصرية، لأنه عمل في ثلاث وزارات؛ الأولى: المعارف عندما تم تعيينه كاتباً في الدولة المصرية، ثم انتقل للعمل في وزارة الأوقاف، وأخيراً وزارة الثقافة وتحديداً (مصلحة الفنون) عند تأسيسها وكان يرأسها في ذلك الوقت الكاتب الراحل يحيى حقي»، جاء ذلك في حديث له مع «الشرق الأوسط».
ويضيف الطاهر «تكمن أهمية تلك الوثائق في أننا نستطيع أن نستشف منها أموراً عدة حول علاقاته الوظيفية، والشخصيات التي تعامل معها، أحلامه وانكساراته، فقد كان موظفاً ملتزماً للغاية، وتشهد على ذلك التقارير الصادرة في حقه، علاوة على أن هذا الجانب انعكس في بعض أعماله مثل (المرايا) التي استلهم فيها حياة الوظيفة».

ولم تكن «المرايا» وحدها هي الانعكاس لعالم الوظيفة بما تمثله من حقيقة في حياة محفوظ، بل هي التي ربما ألهمت خياله بشخوصها، إذ تكرر الأمر مثلاً في رواية «حضرة المحترم» التي لم تبتعد عن أجواء الوظيفة وتشابكاتها المختلفة مع المجتمع.
وتظهر في المعرض إهداءات بخط يد كبار المثقفين التي احتفظ بها نجيب محفوظ في مكتبه، منها توقيعات لتوفيق الحكيم، وحسين فوزي، ويوسف القعيد، وفتحي رضوان، وأمل دنقل، وصلاح عبد الصبور، وعلي الراعي ولويس عوض، و«تلك الإهداءات أقرب للرسائل، يجمع بينها التقدير لموهبة محفوظ الاستثنائية، إذ إنه من النادر أن تجتمع تلك الخطوط في معرض واحد، وتمثل بانوراما مفتوحة على سيرة محفوظ وأصدقائه»، حسب طارق الطاهر.

تفاصيل من الحارة المصرية لدى نجيب محفوظ

الحارة

ومن الوظيفة إلى الحارة الشعبية والتي «كانت مصدر إلهام شديد الثراء لكنها لم تتحوّل إلى قيد يمنعه من التطرق إلى بيئات أخرى» بحسب تقييم الكاتب الروائي يوسف القعيد الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «محفوظ الموُلود بحي الجمالية بمصر الفاطمية حيث العبق التاريخي والأجواء الروحانية والطبيعة الخاصة للسكان، تفتحت عيناه على أزقة صغيرة منها (زقاق المدق) الذي تحمل اسمه واحدة من أعذب رواياته على سبيل المثال، لكنه تطرق في الوقت نفسه إلى الأحياء الراقية في القاهرة والشواطئ والمقاهي في الإسكندرية ما جعل أعماله تتميز بالتنوع على مستوى الخلفيات المكانية، وإن ظلت البيئة الشعبية الأكثر حضوراً وتألقاً».

وكان القعيد أحد المقربين من عميد الرواية العربية على المستوى الإنساني، وعضواً دائماً في جلساته الأسبوعية، ومن هنا تكتسب شهادته أهمية إضافية، حيث يرى أن «محفوظ نجح في التعبير بصدق شديد وبراعة وصفية أخاذة عن الأحياء والأماكن الشعبية؛ مثل حي الحسين، ومقهى الفيشاوي حتى أن الزائر لتلك الأماكن يشعر بأنفاس الروائي الراحل لا تزال تتردد في جنباتها حتى الآن رغم رحيله عن عالمنا عام 2006».

كان محفوظ «يتمتع بذاكرة مدهشة لكنها تجلب عليه أحيانا الكثير من الحنين»، وعن ذلك يقول القعيد: «تجوّلت بصحبة عميد الرواية العربية، ومعنا الروائي الراحل جمال الغيطاني في الأماكن الشعبية التي ظهرت في رواياته حين كان لا يزال في مقدوره المشي على قدميه متكئاً على عصا قبل حادثة الاعتداء الغاشم عليه عام 1994، وكان محفوظ يعتصره الحنين والشجن وهو يقارن بين تلك الأماكن في طفولته، وما آلت إليه في شيخوخته، ويبدي ذاكرة قوية وهو يحكي لهما أدق التفاصيل في هذا السياق».

ولا يستطيع القعيد أن يتطرق إلى إرث محفوظ الأدبي والإنساني - كما يؤكد - دون الإشارة إلى فكرتين هما «التنظيم الصارم للوقت» و«الانضباط الشديد في المواعيد» باعتبارهما يشكلان مفتاحا مهما لفهم «العبقرية المحفوظية» على حد تعبيره، مشيراً إلى أنهم «كانوا يضبطون مواعيد الساعة على لحظة دخوله مقهى ريش في تمام الخامسة والنصف عصراً، حيث يبقى ثلاث ساعات بالضبط، لكن المذهل أنه كان يستشعر لحظة المغادرة دون أن ينظر في ساعته، حيث يلقي تحية الوداع ويمضي وحين ينظرون في الساعة يجدونها الثامنة والنصف تماماً».

تقارير وظيفية تظهر تميز محفوظ في عمله

علاقة خاصة مع الأصدقاء

يعتبر الكاتب الصحافي محمد الشاذلي أحد من اقتربوا بشدة من محفوظ، حتى أنه كان يخصه بالعديد من الحوارات الحصرية ويسمح له بزيارته في منزله بحي «العجوزة» في أي وقت، فضلا عن حضور جلساته الخاصة، وهو ما انعكس في الكتاب الذي صدر له مؤخراً «أيام مع نجيب محفوظ»، من موقعه كشاهد عيان.

كيف يرى الشاذلي قيمة الصداقة والأصدقاء في حياة صاحب «الثلاثية»؟ طرحت «الشرق الأوسط» السؤال عليه فأوضح أن «الصداقة ليست مجانية في حياة نجيب محفوظ، فهي أحد أهم مصادر متعته في الحياة، ولو أخذناها منذ صباه المبكر، فقد كان حريصاً عليها كحرصه على العيش بالطريقة التي يحبها. ولم يكن الأصدقاء يلتقون في جيله سوى في الشوارع والنواصي، وعلى ضفاف النيل وفي المقاهي، وألم الأديب الكبير بتلك الوسائل كافة».

ويكشف الشاذلي أن «محفوظ اعترف بتخوفه من أن يؤثر سحر الصداقة على انشغاله بالأدب، فما كان منه أن نظم علاقته بأصدقائه ذلك التنظيم المدهش الذي عرفناه عنه طوال الوقت، فكان الخميس مخصصا لشلة الأصدقاء التي أطلق عليها في البداية اسم (الدائرة المشؤومة)، ثم سماها الفنان الراحل أحمد مظهر فيما بعد (الحرافيش) بعد قراءة لكتاب تاريخ الجبرتي، وكان الدخول إلى تلك الشلة صعباً، ولا يتم إلا بحسابات دقيقة».

وزيرة الثقافة المصرية خلال جولتها بالمعرض

ويتوسع الشاذلي في شرح تفاصيل الصداقة المحفوظية من وجهة نظر أدبية فيقول: «أصدقاء الصبا في العباسية نجدهم في (الثلاثية) بوضوح، كما يمكن أن نجد شلة الحسين في رواية (خان الخليلي)، ولا بد أن يلاحظ قارئ محفوظ أن نماذج الصداقة والوظيفة في حياته شديدة التنوع، وكانت الصداقة والوظيفة أكبر مؤسستين أمدتاه بالكثير من شخصيات قصصه ورواياته».

وفيما يتعلق بالأجيال اللاحقة، «زادت مجموعات الصداقة عند محفوظ بشكل كبير خاصة بعد نوبل، لذا نظمها أيضاً وجعل لكل شلة شبه متجانسة يوماً في الأسبوع في مكان مختلف. وكان بعض النقاد يرون في المحيطين أو الأصدقاء الجدد لمحفوظ تسرية عن الكاتب الذي هرم، لكن محفوظ في تصوري كان يتكئ على هؤلاء في معرفة الأخبار والأحوال وحتى النكات الجديدة، ويطالع حراك المجتمع السياسي والاقتصادي»، على حد تعبير الشاذلي.

تفاصيل من الحارة المصرية لدى نجيب محفوظ



رحيل زينب السجيني… صوت الأمومة والجمال في الفن المصري

رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
TT

رحيل زينب السجيني… صوت الأمومة والجمال في الفن المصري

رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)

غيّب الموت، اليوم، الفنانة التشكيلية المصرية زينب السجيني عن عمرٍ ناهز 96 عاماً، لتطوي برحيلها صفحة فنانة كان حضورها ممتداً عبر سبعة عقود من العمل الإبداعي والأكاديمي، شكّلت خلالها رؤيتها الخاصة للمرأة والطفولة والبيئة الشعبية المصرية، ورسّخت مكانتها كواحدة من رائدات الفن التشكيلي في مصر والعالم العربي. وُلدت السجيني في القاهرة عام 1930، ونشأت بين أحياء الظاهر والحسين والجمالية، فحملت في تكوينها الأول ملامح المدينة القديمة، وحواريها، وعمارتها الإسلامية، وصُناعها الشعبيين الذين شكّلوا وجدانها البصري المبكر.

كانت الفنانة زينب السجيني تستعيد تلك السنوات بوضوح بالغ، قائلة، في حوار سابق لـ«الشرق الأوسط»، إن طريق طفولتها في تلك الأحياء العتيقة بالقاهرة كان فصلاً مفتوحاً على الجمال والأصالة.

فحين كانت طفلة كانت تسير من حي الضاهر إلى الحسين؛ حيث يوجد بيت جدّها، وتمر على منطقة النحاسين، فترى صُناع الأواني، وتراقبهم وهم يغنّون أثناء العمل، ثم تمر على شارع المعز وترى عمارته الإسلامية، ووجوه الناس البسيطة التي كانت مصادر إلهام أولى سكنت الذاكرة ولم تغادرها، وفق قولها في حديثها السابق.

تلقّت الفنانة المصرية تعليمها في كلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان، حيث حصلت على بكالوريوس قسم الزخرفة في عام 1956، ثم واصلت دراستها في المعهد العالي للتربية الفنية، قبل أن تنال درجة الدكتوراه في فلسفة التربية الفنية عام 1978، لتجمع بين الممارسة الفنية والتدريس، وتصبح لاحقاً أحد الأسماء المؤثرة في تشكيل وعي أجيال من الفنانين الشباب.

من أعمال الفنانة زينب السجيني (الشرق الأوسط)

وقد نعتْها الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، مؤكدة أن «مصر فقدت قيمة فنية وإنسانية نادرة، وصوتاً مُخلصاً للجمال»، مشيرة إلى أن الرحلة «أسهمت بعطائها الأكاديمي والفني في صياغة رؤية جمالية امتدت لأجيال متعاقبة».

كما وصف وزير الثقافة الأسبق الفنان فاروق حسني رحيلها بأنه «خسارة كبيرة للمشهد الفني»، مُستعيداً أثرها البارز في إثراء الحركة التشكيلية. ولم تكن «قاعة الزمالك للفن» بالنسبة للفنانة الراحلة مجرد مكان اعتاد عرض أعمالها على جدرانه، بل كانت جزءاً من تاريخها؛ فطوال 36 عاماً رافقت القاعة في محطاتها الكبرى، وقدمت عبرها أعمالاً صارت علامات في تاريخها المعاصر. وفق ما جاء في نعي القاعة لها.

وجاء فيه أيضاً: «كانت زينب السجيني قيمة فنية وإنسانية نادرة؛ حملت في أعمالها نبض الحياة وصدق التجربة، وامتد عطاؤها لأجيال من الفنانين، لقد تركت إرثاً خالداً سيبقى شاهداً على عمق تجربتها».

وقد ظل محوراً متكرراً في لقاءاتنا بقاعة الزمالك حيث كانت تقيم معارضها، سؤال الجمهور حول احتفائها بالمرأة والطفولة، وخلوّ أعمالها تقريباً من وجود الرجل.

وكانت تجيب دائماً بأن المرأة بالنسبة لها «مرآة الروح ومَخزن الحنان»، وأن تركيزها عليها «ليس موقفاً ضد الرجل بل هو انحياز للفطرة الإنسانية في أن الأم والطفلة هما جذور الحياة»، كاشفة عن رغبتها في دعم المرأة العربية التي كانت ترى أن «جانباً كبيراً من حقوقها مُهدَر».

رؤيتها للمرأة والطفولة انطلقت من الأوساط الشعبية (الشرق الأوسط)

وكانت تستعيد تأثير عمّها، النحات الكبير جمال السجيني، الذي تعلمت منه الصبر على تشكيل الوجوه الإنسانية، وزوجها الفنان عبد الرحمن النشار، الذي ظل مصدراً للدعم والإلهام. ارتبط مشروع زينب السجيني الفني بفكرة الأمومة بوصفها قيمة وجودية لا تخضع لزمن؛ فمنذ خمسينات القرن الماضي لا تكاد تخلو لوحة لها من حضور المرأة، أو الفتاة الصغيرة، في لحظات تتراوح بين اللعب وتصفيف الشعر والاستعداد للمدرسة والركض في الحارة، أو التنزه في الحدائق.

وكانت ترى أن سر عدم الملل من هذا العالم يعود إلى «قدرة اللوحات على دفع المتلقي إلى أعماق تلك الشخصيات النقية»، مؤكدة أن «الاختلاف في الانفعالات والملابس والألوان يجعل العوالم متجددة مهما تكررت ثيمة الأمومة في لوحاتها». وعن تكرار الرموز الشعبية مثل العروسة القماش والحمام والبيوت القديمة، وصفت هذه الثيمات بأنها «ليست رموزاً مبعثرة، بل هي نسيج متكامل يمثل مصر كما رأتها وانصهرت في داخلها». كانت زينب السجيني تؤمن بأن الفن استعادة للروح، وأن لحظة الإمساك بالفرشاة «هي محاولة لالتقاط جوهر الإنسان قبل ملامحه»، وربما لهذا السبب ظلّ عالمها الفني يحتفظ بقدر كبير من العفوية والحميمية، حتى في أكثر لحظاته شاعرية. برحيل زينب السجيني يفقد الفن التشكيلي واحدة من أبرز أصواته النسائية وأكثرها إخلاصاً للتجربة الإنسانية، لكنها تترك وراءها إرثاً غنياً من الأعمال، وهو إرث سيظل يؤكد أن الفن يمكنه، حين يكون صادقاً، أن يظل حياً رغم غياب أصحابه.


مركز الأرصاد السعودي: لا دلائل على صيف مبكر

درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
TT

مركز الأرصاد السعودي: لا دلائل على صيف مبكر

درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)

أكّد المركز السعودي للأرصاد، الثلاثاء، عدم وجود مؤشرات مناخية تدل على صيف مبكر في البلاد، لافتاً إلى تماشي الأنماط الجوية الحالية مع المعدلات الموسمية المعتادة، وفق ما تُظهره النماذج المناخية والتحليلات الحديثة.

وأوضح حسين القحطاني، المتحدث باسم المركز، أن التوقعات تشير إلى أن درجات الحرارة، اعتباراً من نهاية شهر أبريل (نيسان) الحالي، ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين متتاليين، يعقبها أسبوع تتقارب فيه درجات الحرارة مع معدلاتها الطبيعية على أغلب مناطق السعودية.

وأضاف القحطاني أن التوقعات الفصلية لصيف هذا العام - يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) وأغسطس (آب) - تُرجّح تسجيل درجات حرارة أعلى من المعدلات الطبيعية على نطاق واسع بالسعودية، بفارق يتراوح بين 1.0 و2.0 درجة مئوية بمناطق الغرب والجنوب الغربي وأجزاء من الجنوب، فيما يُتوقع أن تكون الزيادة أقل من ذلك في بقية المناطق.

وبيّن المتحدث أن هذه التوقعات تأتي ضمن الدراسات المناخية الموسمية التي يجريها المركز بشكل دوري، مشيراً إلى أنه سيصدر تقريراً مناخياً مُفصَّلاً خلال الفترة المقبلة، يستعرض أبرز ملامح صيف هذا العام والتغيرات المتوقعة.

ودعا القحطاني الجميع إلى متابعة التحديثات الرسمية الصادرة عن المركز، لما لها من أهمية في الاستعداد المبكر والتعامل الأمثل مع المتغيرات المناخية.


«الذهب الأسود»… متحف سعودي يستعرض تاريخ النفط بسردية فنية مبتكرة

يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
TT

«الذهب الأسود»… متحف سعودي يستعرض تاريخ النفط بسردية فنية مبتكرة

يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)

منذ كان النفط لغزاً غامضاً، حتى تجلّى متلألئاً بدرجات الأخضر والذهبي والأزرق، شكّل اكتشافه رحلةً استثنائية بدأت مع فجر الحياة على هذا الكوكب. ومع مرور الزمن، تعمّق فهم الإنسان هذا المورد؛ فاكتشف أصوله، وتعرّف إلى خصائصه، حتى غدا جزءاً لا يتجزأ من الحياة المعاصرة.

ومن بابل إلى البحر الميت، وصولاً إلى آسيا وما بعدها، ظلّ النفط حاضراً في مسيرة الإنسان منذ أقدم الحضارات، راسخةً مكانته في تاريخ البشرية، من أعماق الأرض إلى أعلى مراكز القرار.

ومن قلب العاصمة الرياض، انطلق «متحف الذهب الأسود»، بتعاون بين وزارتي الثقافة والطاقة في السعودية، وبدعم من «برنامج جودة الحياة»، ليروي قصة النفط وتأثيراته العميقة في المجتمعات والبيئة، عبر سرد فني مبتكر يجسّد العلاقة بين الإنسان والنفط، منذ اكتشافه في مرحلة المادة الخام، وصولاً إلى انعكاساته المعاصرة على الحياة والاقتصاد والبيئة.

الأمير عبد العزيز بن سلمان وعدد من الوزراء في جولة داخل «المتحف» (هيئة المتاحف)

وخلال حفل افتتاح «المتحف»، الذي يقع في مبنى أيقوني صمّمته المعمارية الراحلة زها حديد، داخل «مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية (كابسارك)» في الرياض، قال الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة السعودي، إن هذا المتحف ثمرة تعاون بين منظومة الثقافة، ممثلةً في «هيئة المتاحف»، ومنظومة الطاقة، ممثلةً في «كابسارك»، ليقدّم «قراءة متكاملة لتاريخ البترول وتأثيره الممتد إلى مختلف جوانب الحياة».

من جهته، قال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة، في كلمته خلال الافتتاح، إن «متحف الذهب الأسود» يمثّل محطة مهمة في القطاع الفني والحوار الثقافي العالمي. وبصفته أول متحف دائم مخصّص للنفط والفن، فإنه «يوفّر مساحة استثنائية للتأمل الملهم والتفكير النقدي، والاحتفاء بالقوة التحويلية للثقافة في تشكيل فهمٍ أعمق للعالم».

الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة في كلمته خلال الافتتاح (هيئة المتاحف)

قصة التحول العميق في التاريخ الإنساني

يُعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص يستكشف قصة التحوّل العميق الذي أحدثه النفط في تاريخ الإنسانية، من خلال عدسة الفن الحديث والمعاصر وأشكال التعبير الإبداعي.

ويتكوّن المتحف من 4 أقسام رئيسية: اللقاء، والأحلام، والشكوك، والرؤى؛ تقود الزائر إلى فهم نشأة النفط، وتحولات استخدامه، وتعقيدات أثره، وما قد يحمله المستقبل من احتمالات.

ويتناول «المتحف» النفط من منظور إنساني وثقافي وفني، مقدّماً مجموعة دائمة تضم أكثر من 350 عملاً فنياً حديثاً ومعاصراً، أبدعها أكثر من 170 فناناً سعودياً وعالمياً بارزاً من أكثر من 30 دولة، من بينهم: منال الضويان، وأحمد ماطر، ومهند شونو، ومحمد الفرج، وأيمن زيداني، ودوغ أيتكن، وجيمي دورهام، ودينيس هوبر، وألفريدو جار، ورينو لايراك، وجورج صبرة، وباسكال مارثين تايو، وآندي واومان... إلى جانب آخرين.

يستكشف «المتحف» قصة التحول العميق الذي أحدثه النفط في تاريخ الإنسانية (هيئة المتاحف)

كما يضم «المتحف» تركيبات فنية كبرى، وأعمالاً فوتوغرافية، ووثائق تاريخية تتيح للزوار استكشاف أثر النفط في تشكيل المجتمعات والاقتصادات وأنماط الحياة اليومية. ويتضمن أيضاً مشاهد غامرة، وإضاءة متقدمة، وأعمالاً تركيبية بصرية وسمعية، بما يشمل نموذجاً كبيراً للزمن الجيولوجي يصوّر نشأة النفط على مدى ملايين السنين.

ويستعرض المتحف أبرز المواقع التراثية النفطية في السعودية، حيث تُبرز قاعاته ومعارضه معالم وطنية مهمة، من بينها «بئر الدمام رقم 7 (بئر الخير)»، ودور الجيولوجي السعودي خميس بن رمثان، إضافة إلى مشاهد من مسيرتَي «أرامكو» و«أوبك»، وقصة حقل «الغوار».

من «اللقاء» إلى «الرؤى» عبر «الشكوك» و«الأحلام»

في جناح «اللقاء»؛ أولِ أقسام «المتحف»، تُستعرض أصول النفط واكتشافه واستخداماته المبكرة، إلى جانب رحلته من الجيولوجيا إلى المجتمع.

في جناح «اللقاء» تُستعرض أصول النفط واكتشافه واستخداماته المبكرة (هيئة المتاحف)

ويضم القسم عدداً من الأعمال التركيبية الرقمية الغامرة عن طحالب الدياتوم، ونموذجاً للمقياس الزمني الجيولوجي يوضّح تكوّن النفط ودور أشكال الحياة القديمة، كما يتضمن عروضاً أرشيفية تفاعلية عن استخدام الحضارات القديمة للنفط، بمن فيهم البابليون والرومان والمصريون القدماء.

وفي جناح «الأحلام»، يتحوّل النفط إلى مورد مرغوب يُغذّي تطلعات التقدّم والحداثة والوفرة؛ إذ يستكشف دوره في ابتكار مواد جديدة، وترسيخ ثقافة استهلاكية سائدة، وتعزيز سهولة الحياة الحديثة. كما يبرز كيف أصبحت المنتجات القائمة على النفط «خفية» لكنها أساسية في تفاصيل الحياة اليومية.

وعند الوصول إلى جناح «الشكوك»، يتجلّى الوعي المتنامي بتبعات استخدام النفط، وبالنزعة الاستهلاكية ومفارقة الاعتماد عليه؛ حيث يدعو هذا القسم إلى التفكير النقدي في تأثيراته على البيئة والمجتمع، ويربط بين الفن وحراك الناشطين والأبحاث متعددة التخصصات.

يضم «المتحف» تركيبات فنية كبرى وأعمالاً فوتوغرافية ووثائق تاريخية (هيئة المتاحف)

وأخيراً، يظهر جناح «الرؤى»، حيث تستشرف الأعمال الفنية في هذا القسم مستقبل الطاقة وعلاقة الإنسانية المستمرة بالنفط. ويشارك فيه فنانون وباحثون في بلورة تصوّرات متعددة لمستقبل الطاقة والمجتمع والاستدامة، مستخدمين الفن منصةً للنقاش بشأن تحوّل الطاقة.

وفي المعرض المؤقت الافتتاحي «عندما تتشكّل الطاقة»، الذي أُقيم بإشراف القيّم الفني كريستيان جانيكو وبمشاركة المجموعة الفرنسية «بي بي (BP)»، يُستكشف الحوار الديناميكي بين الفن والنفط والإنسان.

ومن خلال تركيبات فنية تستخدم حاويات ومضخات نفط، وتستحضر النفط بوصفه مادةً ورمزاً في آنٍ معاً، يمهّد هذا المعرض الطريق لسلسلة من المعارض المؤقتة التي ستواصل إثراء السردية المتجددة لـ«المتحف».

وترتبط تجربة القاعات والمعارض بوضوح بجوانب النفط الخفية وتأثيره في تيسير الحياة اليومية الحديثة؛ بدءاً من أنسجة الملابس، ووصولاً إلى مواد تغليف الطعام والأجهزة الطبية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended