دفاتر الفنانين... من الشعر للسياسة وما بينهما

دفاتر الفنانين... من الشعر للسياسة وما بينهما

معرض بالمتحف البريطاني يلقي الضوء على إبداعات الفنانين العرب في فن الدفاتر
الخميس - 14 جمادى الأولى 1444 هـ - 08 ديسمبر 2022 مـ رقم العدد [ 16081]
من معرض «دفاتر الفنانين... من الشعر للسياسة»

في قاعة البخاري للفن الإسلامي بالمتحف البريطاني كثير وكثير من الفن والآثار والمشغولات من جميع أنحاء العالم الإسلامي، ورغم الطابع التاريخي لمعظم المعروضات، تتخلل العرض خيوط تربط القطع القادمة من أعماق التاريخ بعصرنا هذا، حيث تتلاقى القطع وهي تحكي عن التاريخ والحاضر، في توليفة بديعة، تتخطى الزمن، وتركز على الفن والإنسان.

إلى جانب كل ذلك الفن والجمال، هناك ركن من القاعة ينفرد بإقامة عروض صغيرة تقتصر على موضوع واحد، مثل معرض تاريخ القهوة في العالم الإسلامي الذي أقيم العام الماضي، وحالياً تحول الركن ليحتضن رسومات وأشعاراً حديثة ومعاصرة لفنانين عرب في معرض فريد من نوعه وموضوعه.


قصاصات الفنان عصام كرباج (المتحف البريطاني)


تحت عنوان «دفاتر الفنانين... من الشعر للسياسة»، اختارت فينيشيا بورتر، المختصة في الفن الإسلامي وفنون الشرق الأوسط بالمتحف البريطاني، أن تعرض أعمالاً لفنانين من الشرق والغرب استخدموا الكتب للتعبير عن فنهم، ليس بالكتابة وحدها، بل بالرسم واللون. تعترف بورتر أنها من عشاق هذا الخط الفني، وهو ما ظهر في معارض سابقة، نسّقتها الخبيرة، مثل «انعكاسات» في المتحف البريطاني، و«أماكن» في جدة هذا العام، كما دأبت على عرض بعض الدفاتر في جانب من قاعة البخاري للفن الإسلامي، ضمن المعروضات الدائمة.

أتحدث مع بورتر حول المعرض الذي يفتح نافذة على نوع من الفن الغربي، استخدمه فنانون عرب للتعبير عن آراء سياسية في الغالب، وطوّروا فكرة «كتاب الفنان» Livre d›artist التي انطلقت من فرنسا، لتصبح بمثابة أرشيف من نوع خاص بهم، يحمل حميمية خاصة. تأخذني بورتر في جولة خاصة على المعرض، تتحدث بحماسة وحب حول «دفاتر الفنانين»، تقول إن هذا النوع من الفن لطالما كان ساحراً بالنسبة لها، «لفتني كيف استخدم الفنانون العراقيون تحديداً شكل الدفتر أو الكتاب للحديث، ليس فقط عن الشعر، بل أيضاً عن النزاع وتدمير التراث».

تتحدث عن المعرض الحالي: «هنا المعروضات كلها من مجموعة المتحف البريطاني، وعددها نحو 50 قطعة موزعة بحسب الموضوع. القسم الأول عام، يتناول فكرة الدفاتر بشكل عام، انطلاقاً من ظهورها في باريس، ومنها نرى كتاباً للفنان أندريه ديران من 1912، وننتقل بعده لكتاب من عمل الفنان شفيق عبود، وهو أول الفنانين العرب دخولاً في غمار الدفاتر».


عمل للفنان ضياء العزاوي (المتحف البريطاني)


تشير لدفتر شفيق عبود، الذي يحكي قصة خيالية، بها من السحر والرمزية الكثير: «صُنع هذا الكتاب في 1954، وفيه استخدم الفنان حكاية من الفلكلور الفرنسي عن امرأة تتوق لإنجاب الأطفال، ولكنها لا تستطيع، وتبتهل للسماء أن تمنحها أي شيء، تقول؛ أريد أطفالاً حتى لو كانوا فئراناً، وبالفعل تلد آلاف الفئران، ويقوم زوجها بقتل الفئران، ما عدا واحداً، تغمره بحبها وتغزل له قبعات».

الكتاب أمامنا مفتوح على صفحتين، فنرى رسماً بديعاً يصور المرأة، وفي الصفحة المقابلة كلمات ورسومات مختلفة، تبدو الكتب أمامي مغرية للتصفح، ولمس أوراقها، ومتابعة الرسومات والكلمات، والغوص في أفكار الفنان، لكن للأسف لن نستطيع ذلك، ونكتفي بالنظر للمعرض أمامنا. أسأل بورتر إن كانت تلك المعروضات متاحة بشكل آخر للجمهور لرؤيتها كاملة: «للأسف، لا يمكن ذلك، لكن من جانبي أحاول وضع المعروضات على موقع المتحف لمنح الجمهور نظرة أعمق لمحتوياته».


من عمل الفنان كريم ريسان (المتحف البريطاني)


تعود للفنان شفيق عبود، وتقول إن النص المكتوب أمامنا هو بخط يد الفنان، «أحب أن أرى خط الفنان، إنه يعبر عن الكثير. في الكتاب الأول اعتمد الفنان على كلمات من نص فرنسي، لكن في الخزانة الثانية نرى كيف بدأ عبود في التعاون مع شعراء عرب، وخاصة أدونيس».

هنا أيضاً دفاتر من عمل الفنان ضياء العزاوي، الذي بدأ في عمل الدفاتر متأثراً بالفنان الفرنسي هنري ماتيس، وتذكر هنا أن للفنانين العراقيين ارتباطاً خاصاً بهذا النوع من الفن.

فن الدفاتر بين الشخصي والعام


خزانة العرض الأولى بوصفها مقدمة لفن دفاتر الفنانين تعرض نماذج مختلفة، من دفتر الفنانة إيتيل عدنان، الذي يتناول الحرب الأهلية في لبنان، إلى دفتر الفنان شفيق عبود، بقصته الخيالة، ثم هناك دفتر للفنان عبد القادري، الذي يحمل عنوان «قبر أبي»، ونفذه الفنان خلال فترة الجائحة، قيّم فيه علاقته مع والده، يعبر عن صمت القبر، وأيضاً عن علاقته مع والده التي تميزت بالصمت أيضاً.

عند هذه النقطة أسألها؛ هل يصنع الفنانون هذه الكتب لأنفسهم أم للجمهور؟ تجيب قائلة: «هذا سؤال مهم، لأن كثيراً من الفنانين يصنعون تلك الدفاتر إلى جانب أعمالهم الأخرى، مثل ضياء العزاوي الذي صنع كتابه بتضفير رسوماته مع شعر أدونيس، لكنه أيضاً يقوم برسم اللوحات وتكوين المنحوتات، أعتقد أنهم يصنعون الدفاتر لأنفسهم بمفهوم ما، لكنهم أيضاً يلاحظون القيمة التجارية لها». تدفعني الإجابة للتساؤل؛ هل يعرض الفنانون هذه الدفاتر للجمهور؟ وتأتي إجابة الخبيرة بالنفي، وتستطرد: «هذا سؤال هام آخر، رغم أن الدفاتر تمثل نوعاً فنياً مستقلاً، كتراث أوروبي، ولم توضع في الحسبان بشكل كبير في السابق، لكن الجمهور بدأ الآن الاهتمام بها بشكل متزايد، ولهذا قام الفنان عبد القادري (وهو حريص جداً على هذا النوع) بتقديم معرض متميز العام الماضي في فلورنسا؛ حيث كلّف عدداً من الفنانين بصنع الدفاتر، وسيقدمها الفنان ضياء العزاوي في معرضه بمتحف أشموليت بأكسفورد الأسبوع المقبل».

الشعر موجود ومخفي


في إشارة لدفتر آخر للفنان فادي يازجي، تمضي بورتر في عرضها، وتقول: «هذا الكتاب يضم أشعاراً للقاضي اللبناني تامر ملاط، الذي عاش خلال الحقبة العثمانية في أوائل القرن العشرين. أخذ فادي يازجي الكتاب، وقام بالرسم على صفحاته».

هل الرسومات مرتبطة بالأشعار؟ أسألها. وتجيب: «في هذه الحالة، لا، الفنان يستخدم الكتاب كلوحة قماشية لرسوماته، العلاقة بين النص والرسومات هو أمر مثير للاهتمام عموماً، في بعض الحالات استخدم الفنانون الكتب كقماش لرسوماتهم، وفي مثال عزاوي نرى كيف تعامل مع كلمات أدونيس وتجاوب معها، ما يعطينا إحساساً بأن الاثنين يعملان سوياً بشكل متناغم». نمر في العرض على كتاب من القطع الضخم، تلفتنا فيه صورة للملكة الراحلة إليزابيث الثانية في شبابها، تشرح بورتر: «هذا الكتاب أصدرته دار تاشن بمناسبة اليوبيل الماسي للملكة الراحلة، وقامت 3 فنانات إيرانيات بالرسم على صفحاته بشكل مبدع وطريف».

تتحدث بورتر عن الدفاتر بترنم شاعري: «هذه الكتب جميلة جداً، عندما نمسك بها ونحس بملمس الورق ونتمعن في الرسومات والكلمات، سواء كان باليد أم مطبوعة، ونتأمل طريقة تنسيق الكتابة وموضعها من الصفحة، نجده أمراً بديعاً جداً. أعود لسؤالك؛ هل يصنعون الكتب لأنفسهم؟ أعتقد أنهم يصنعونها لأنفسهم، وهو ما يصلنا، فنحن نحس بالمتعة التي أحسها الفنان عند رسمها، أحس بأننا نختلس النظر لهذه الكتب، كمن يتطفل على الآخرين».

نتحول للخزانة الثانية، المخصصة للفنان رشيد قريشي، التي تحمل عنوان «الطفل (جاز) والحرب»، وهنا نرى لوحة طولية تتكون من شرائط عرضية من الرسومات، تتلوها كلمات، تقول؛ إن الأشعار هي لمحمد ديب الشاعر الجزائري الذي عاش منفياً في فرنسا: «رشيد قام بترجمة النص من الفرنسية للعربية، نرى رسومات رشيد التي نألفها، هي حروفية، وأيضاً من عالم السحر، تدور حول الجزائر أثناء الحرب الأهلية». أسفل اللوحة نرى مجموعة الكتب المجلدة، اثنان منها مفتوحان على صفحات محددة مكتوبة بخط عربي جميل، تقول: «هذه الكتب تدور حول 7 رهبان قتلوا على يد متشددين، كل كتاب يحمل اسم أحد الرهبان، وكل كتاب يحمل نصاً لكاتب معين، هنا تركت الكتاب مفتوحاً على نص للكاتب البريطاني جون بيرغر جميل جداً... بالنسبة لي، هذه الكتب تطرح قصصاً عميقة بأسلوب جميل، وغير عدواني، ما يجعلها مؤثرة جداً».

بالنسبة لفناني الشرق الأوسط، يأتي الإلهام من شعراء القرون الوسطى الفارسيين جلال الدين الرومي وحافظ، أو حكايات ألف ليلة وليلة (مثل عمل الفنان نجا مهداوي في خزانة تالية)، أو أعمال الشعراء العرب أدونيس ومحمود درويش. كل هؤلاء الشعراء موجودون هنا أمامنا جنباً لجنب مع رسومات وخطوط الفنانين المختلفين. نرى دفتراً آخر لشفيق عبود، تعاون فيه مع أدونيس، ثم نرى كتاب المدن لزياد دلول: «قام هو وأدونيس باختيار المدن، مراكش ونيويورك وبترا وغيرها»، ثم نرى كتاباً لأدونيس رسمه بنفسه.

يتفرد كتاب صغير، رشقت فيه المسامير لتغطي على الكتابات، الكتاب للفنان خليل رباح، وعرض من قبل في معرض «الكلمة في الفن» عام 2006: «لا نتخيل كم هو صعب غرس المسامير في الورق، الورق صعب جداً، قد لا يلاحظ الناس ذلك، يمنحنا الكتاب الإحساس بالقوة».

بينما يسلط الفنان العراقي كريم ريسان (مواليد 1960) الضوء على الآثار المروعة للانفجار المميت في شوارع بغداد عام 2005، بالنسبة للفنانة الهندية ناليني مالاني (مواليد 1946) فهي تأثرت بتجربتها كلاجئة من تقسيم الهند في 1947.

في هذا العرض الصغير، لكنه قويّ، سلطت الأعمال التي قام بها فنانون من نيويورك إلى دمشق وما وراءها الضوء على العلاقة بين الفنانين والشعراء، والتأثيرات التي تُنقل عملهم، من الأسرة، إلى السياسة، وكل شيء بينهما. وبينما أحسّ نفسي كالمتلصص على صفحات مذكرات خاصة وحميمية للفنانين، أخرج من المعرض، وفي رأسي أسئلة وخيالات وإحساس بجمال الكتب، سواء المكتوبة أو المرسومة.


اختيارات المحرر

فيديو