مومباي.. المختصر المفيد

إذا أردت أن تعرف ما في الهند يجب أن تعرف ما في المدينة الأكثر ديناميكية

بومباي مدينة الفوضى غير المنظمة
بومباي مدينة الفوضى غير المنظمة
TT

مومباي.. المختصر المفيد

بومباي مدينة الفوضى غير المنظمة
بومباي مدينة الفوضى غير المنظمة

إذا ما رغبت في أن ترى الهند بأكملها في مدينة واحدة، فعليك إذن بزيارة مومباي، التي تضم في جنباتها بوليوود التي لا تنام. وتحمل هذه المدينة وعودًا بتوفير تجارب تثري جميع حواسك. قد تكون دلهي عاصمة الهند، لكن مومباي تحتضن جميع العناصر الديناميكية والفوضوية المكونة للهند الحديثة. في مومباي، ستجد كل شيء بدءًا من الأطعمة التي تعد في الشوارع وصولاً إلى أفخر المطاعم، ومن أقسى درجات الفقر إلى الثراء الفاحش. كما تنفرد مومباي بضمها لأكبر منطقة أزقة على مستوى آسيا. باختصار يمكن القول بأن مومباي تمثل الهند في صورتها النشطة المفعمة بالحياة، بجمالها وقبحها.
تتميز مومباي بتاريخ فريد ينبع من نشأتها داخل عدد من الجزر الصغيرة ثم نموها حتى وصلت لما وصلت إليه الآن. منذ عام 1534، وقعت جزر مومباي تحت سيطرة البرتغاليين، ثم سلمها ملك البرتغال إلى سيطرة التاج الإنجليزي، كمهر مقدم إلى ملك إنجلترا تشارلز الثاني، عام 1662. وفي عام 1668، انتقلت السيطرة عليها إلى شركة الهند الشرقية.
في البرتغالية، تعني عبارة «بوم بايا» «وداعًا»، لذا أطلق عليها البريطانيون «بومباي»، والذي تحول الآن إلى مومباي. كما تعرف المنطقة بأنها «أرض التوابل» و«مدينة الفرص» و«بوابة الهند» و«مكة المعمار الفيكتوري في آسيا» و«المدينة الفيكتورية الفريدة» و«جزيرة النخيل» و«ملكة المدن الآسيوية» و«مدينة الذهب» و«الميناء العظيم»، بجانب وصف بعض الرحالة الغربيين لها بأنها البوابة الغربية للهند، والتي عن طريقها تمر التجارة والحضارة وتنتشر في ربوع البلاد.
ومثلما الحال في مدينة نيويورك، توصف هذه المدينة بأنها مدينة الأحلام، خصوصا وأنها تضم بين سكانها بعض أكثر الهنود ثراءً وكذلك نجوم بوليوود. بالنسبة للسياح العرب، تعد أمطار مومباي من عناصر الجذب الكبرى. وتتساقط هذه الأمطار خلال موسم هبوب الرياح الموسمية، حيث يصل عدد الزائرين العرب إلى أقصاه. وإذا قمت بزيارة المدينة وشعرت بالحيرة حيال أي الأماكن ينبغي أن تزورها، فإنه بجانب الشواطئ، يمكنك معاينة بعض أروع مشاهد غروب الشمس على ضفاف البحر العربي. وفيما يلي سنطرح قائمة بأبرز الأماكن التي عليك زيارتها.
في مومباي، يمثل الليل البداية الحقيقية لليوم. لذلك، تحمل مومباي اسم «المدينة التي لا تنام!» خلال الشهور القليلة المقبلة، من المحتمل أن تصبح مومباي المدينة الهندية الأولى التي تبقى مفتوحة طيلة ساعات اليوم على مدار الأسبوع.
ويجري النظر إلى نصب «بوابة الهند» باعتباره نقطة البداية التي ينطلق منها غالبية السياح الراغبين في التجول بمختلف أرجاء المدينة. ويعد هذا النصب واحدًا من أبرز المعالم الأثرية بالهند، ويبلغ ارتفاعه 26 مترًا، وبه أربعة أبراج، بجانب زخارف متشابكة معقدة منقوشة على حجر بازلت أصفر. ويمثل الأثر نموذجًا للعمارة الهندوسية - مسلمة، وجرى تشييده لتكريم الملك البريطاني جورج الخامس والملكة ماري. وأقيم النصب الضخم عام 1924، ويطل على ميناء مومباي ويحده البحر العربي. ويبقى هذا النصب بمثابة رمز لافت على حقبة الحكم البريطاني. وبعد انتهاء هذه الحقبة عام 1947، غادر آخر الجنود البريطانيين الهند عبر هذه البوابة. وقد صممت البوابة لتكون أول ما يراه الزائرون لدى اقترابهم من مومباي بحرًا. في الوقت الحاضر، يشبه المناخ العام المحيط بالنصب في بعض الأحيان السيرك، مع وجود أعداد كبيرة من البائعين يعرضون سلعًا كثيرة تتنوع بين البالونات والشاي الهندي. عام 2011، ضمت مؤسسة «لونلي بلانيت» «بوابة الهند» إلى قائمة أحد أفضل المزارات العالمية المجانية.
ومن بين أفضل المتاحف في الهند متحف أمير ويلز المتميز بعمارته المثيرة التي تمثل مزيجًا بين العمارة الهندوسية والإسلامية والبريطانية. ويضم المتحف أكثر من 50 ألف قطعة أثرية تعود إلى التاريخ الهندي القديم، وكذلك عصور ماضية بدول أخرى. كما يعرض المتحف قطعًا فنية من حضارة وادي السند، وكذلك بقايا من آثار الهند من العصور القديمة والوسطى.

بوابة الهند

كما تتميز الهند ببعض المباني الأثرية الأخاذة، حيث يمكن أن تستمتع بمعاينة نماذج من المعمار المميز لفترة الاستعمار. عبر «بوابة الهند»، يمكنك رؤية فندق تاج محل الرائع في الخلفية. يقع الفندق في الشارع المجاور للبوابة، وقد تركزت عليه أنظار العالم عندما تعرض لهجوم إرهابي بشع عام 2008، أسفر عن مقتل الكثيرين. يتجاوز عمر الفندق 100 عام، حيث بني عام 1903، وهو من الأماكن التي يجب زيارتها في المدينة. وقد أعيد بناء الفندق بعد الهجوم، وخصص أحد أقسامه لمن لقوا حتفهم خلال الهجوم. إذا تمكنت من الإقامة في الفندق، فهذا خيار ممتاز. أما إذا عجزت عن ذلك، فيمكنك إذن تناول القهوة هناك على الأقل.
أيضًا، تعد كهوف إليفانتا من أهم المزارات في أوساط الزائرين المحليين والأجانب. من جانبها، ضمت منظمة «اليونيسكو» هذه الكهوف لقائمة التراث الإنساني. وتقع الكهوف على جزيرة تبعد مسافة 10 كيلومترات شرق ميناء مومباي. كما يطلق عليها «مدينة الكهوف»، وتضم بقايا أثرية قديمة تعد دليلاً على الماضي الثقافي الثري للهند. ويعود عمر هذه الكهوف إلى منتصف القرن الخامس والقرن السادس.
كما يوجد كهفان بوذيان، ضمتهما «اليونيسكو» أيضا لقائمة التراث العالمي. ولدى تجولك بمختلف أرجاء «إليفانتا»، عليك توخي الحذر حيال القرود الكثيرة التي تجول بالمكان. ويعد هذا تحديدًا المكان المناسب لزيارته إذا رغبت في الاستمتاع بالهدوء بعيدًا عن صخب مومباي.
أيضًا، يمكن زيارة «نافورة فلورا»، المعروفة كذلك باسم «هوتاتما تشوك»، ويعود تاريخ بنائها لعام 1864. وتعد النافورة واحدة من أهم مواقع التراث بالهند.

أهم المزارات

من بين المزارات الأخرى «مضمار ماهالاكشمي» لسباق الخيول، الذي يحظى بشهرة واسعة على مستوى البلاد، وهو أحد أبرز مضامير السباق على مستوى آسيا. كما أن «غراندستاند» الموجودة بالمضمار، موجودة بقائمة مواقع التراث الهندية.
وتعتبر محطة «تشهاتراباتي شيفاجي ترمينس» أو «فيكتوريا ترمينس» للسكك الحديدية بمثابة أعجوبة معمارية. بنيت المحطة عام 1888 بأسلوب معماري قوطي فيكتوري، مطعم ببعض عناصر العمارة الهندية التقليدية. وتوجد المحطة على قائمة «اليونيسكو» للتراث العالمي. وعندما تسير أمام المحطة الفيكتورية ومكتب البريد الملحق بها تشعر وكأنك في باريس، لكن صخب الحركة المحيطة يعود بك مجددًا إلى الهند.
أيضًا، من بين المعالم السياحية للمدينة «مارين درايف»، ويعد من أبرز نقاط الجذب للسائحين وظهر في كثير من أفلام بوليوود، وهو عبارة عن طريق سريع على شكل «سي» بالأجنبية يطل على البحر ولا يخلو من صخب السيارات المسرعة قط. بعد الغروب، تجري إضاءة الطريق بالآلاف من مصابيح إنارة الشوارع، ويشار إلى منظر الطريق من أعلى وهو مضيء ليلاً باسم «عقد الملكة».
من المزارات أيضا مسجد ومقبرة الحاج علي، والذي بني عام 1431 من جانب تاجر مسلم ثري وشيخ صوفي يدعى الحاج علي شاه بخاري، والذي دفعه إلهام لتبديل مسار حياته بعد زيارته مكة. يوجد المسجد والمقبرة التي تضم جسد الحاج علي في قلب المحيط، لذا لا يمكن الوصول إليه سوى خلال فترات الجزر عبر ممشى ضيق يمتد لمسافة 500 ياردة.

بعيدا عن صخب المدينة

ويمكن للزائر التماس الهدوء بمنأى عن صخب المدينة بالذهاب إلى سواحل المدينة الرائعة ومشاهدة الشروق والغروب بها. وتوجد بعض أشهر شواطئ المدينة في «جوهو غيرغوم» و«باندرا». وتضم المناطق المحيطة بهذه الشواطئ منازل الأثرياء من سكان مومباي. ويحرص كثير من زائري المدينة على مشاهدة منزل نجم السينما أميتاب باتشان على طريق مؤدٍ لشاطئ جوهو. وكثيرًا ما يجري تصوير أفلام لبوليوود بهذا المكان. وفي الصباح، يمكن رؤية كثير من المشاهير يتنزهون بأرجاء الشاطئ.
قرب شواطئ «باندرا»، المعروفة باسم «باندستاند»، يقف العشرات من المعجبين لرؤية منزل شاروخان وسلمان خان. بوجه عام، من الممتع زيارة كلا الشاطئين، حيث يسود جو عام شبيه بأجواء الكرنفالات، خصوصا خلال عطلات نهاية الأسبوع. وأهم ما يميز الشاطئين إمكانية مشاهدة النجوم والمشاهير، أما العطش فيمكنك التغلب عليه باحتساء ماء جوز الهند الطازج.

ابحث عن غاندي في بومباي

إذا كنت تبحث عن صلة غاندي بمومباي، فإن «ماني بهافان» هي المكان الأمثل لزيارته، حيث يضم معروضات من كتابات أدبية وصورًا لغاندي، بجانب معروضات مجسدة ثلاثية الأبعاد لأحداث من حياة الزعيم الهندي الشهير. كما يضم المعرض مقتنيات شخصية لغاندي من غرفة نومه وكتبه وملابسه. وقد شهد هذا المكان تعلم غاندي للمرة الأولى كيفية استخدام عجلة المغزل.
ويقع المنزل المؤلف من طابقين على طريق لابورنوم في غامدفي. ومن داخل هذا المنزل، أطلق غاندي حملة عدم التعاون وحركات أخرى مناهضة للاستعمار البريطاني.
ويعد جسر «باندرا وورلي سي لينك» واحدا من المعجزات الهندسية الحديثة. ويمر هذا الجسر المؤلف من 8 ممرات فوق البحر، ويوفر تجربة قيادة ممتعة، حيث يستمتع الكثيرون بالقيادة فوقه مع التمتع بمشاهدة منظر البحر، لكن لا يسمح لأحد بالتوقف في أي مكان على الجسر.
من ناحية أخرى، تعتبر مومباي قلب صناعة بوليوود المزدهرة. ومن الأماكن الرائعة المرتبطة بهذه الصناعة سينما إروس، ذات الطراز المعماري الأخاذ، والتي تجاوز محطة سكة حديد «تشرتش غيت»، وهي مكان رائع لمشاهدة أحدث إبداعات بوليوود. ويمكنك كذلك القيام بجولة إلى قلب «فيلم سيتي» (مدينة الأفلام) لمعاينة عالم صناعة السينما عن قرب.
وتعتبر «إسيل وورلد» و«أدلابس إماجيكا ثيم» من أكبر المتنزهات وأروعها على مستوى الهند، وهي من المناطق المفضلة للزائرين من الأسر بوجه خاص.

أفضل وقت للزيارة

بالنسبة للوقت الأمثل لزيارة مومباي، فإنه نظرًا لقرب المدينة من البحر العربي نجد أنها بطبيعتها مدينة ذات مناخ رطب. ونظرًا لوجود مومباي في المنطقة المدارية، وغالبًا ما تحظى بالمناخ ذاته دون اختلاف يذكر على مدار العام. ومع ذلك، فإن الوقت الأمثل لزيارة المدينة للراغبين في تجنب التعرض للشمس المحرقة ما بين نوفمبر (تشرين الثاني) وفبراير (شباط) . ودائمًا ما تهب الرياح الموسمية على مومباي في نهاية يونيو (حزيران) . وخلال تلك الفترة، تتحول زيارة المدينة لتجربة يصعب نسيانها مع هطول الأمطار بغزارة واستمرار.
وتصبح المدينة في أزهى صورها خلال شهري سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) ، حيث تضيف الشوارع والمتاجر المزخرفة بكثرة إلى جمال المدينة وثرائها البصري. لذا، فإن الشهور من أكتوبر إلى فبراير هي الوقت الأمثل لزيارة المدينة.

التسوق

الملاحظ أنه على امتداد السنوات، ومع نيل البلاد استقلالها، تحولت مومباي إلى مدينة عامرة بأسواقها المزدهرة وكثير من المجتمعات المتنوعة. وتمثل هذه المدينة الساحرة العاصمة المالية للهند ومركز الغالبية العظمى من المعاملات التجارية والاستثمارية، علاوة على كونها مركزًا ثقافيًا، علاوة على تميزها بأرقى العلامات التجارية في عالم الموضة.
أيضًا، تعج المدينة بحركة تجارية صاخبة ومتنوعة، من التجار الذين يشغلون جوانب الشوارع إلى سوق تشور بازار ثيفز المذهل، ما يجعلها مكانًا مثاليًا للتسوق. ويمكنك شراء تذكارات ساحرة من كولابا كوزواي، والتمتع بأحذية رخيصة من لينكنغ رود، والتجول عبر أزقة تشور بازار بحثًا عن الأنتيكات.

افعل ولا تفعل

من الأفضل التجول عبر المدينة برفقة أحد أبنائها، مما سيفيد كثيرًا في التعامل مع الباعة بالشوارع وسائقي سيارات الأجرة الذين عادة يبالغون في الأسعار التي يطالبون بها السياح، علاوة على الحصول على نصائح مهمة بخصوص الأماكن التي يمكن زيارتها والأخرى التي ينبغي تجنبها.
ورغم أن مومباي أقل محافظة من الناحية الاجتماعية عن المدن الهندية الأخرى، فإنه يبقى من الأفضل للنساء التزام الملابس المحتشمة، وكذلك من الضروري التزام الهدوء والجدية داخل أماكن العبادة على اختلافها، وضرورة خلع الأحذية قبل الدخول إليها. كما أن بعض الأماكن المقدسة تتطلب الفصل بين الرجال والنساء.
ومن الأفضل تجنب ركوب القطارات خلال ساعات الذروة من 7 إلى 11.30 صباحًا ومن 4 إلى 11 مساءً. وكذلك تجنب تناول الأطعمة السريعة التي قد لا يلتزم معدوها بالأساليب الصحية، ولا ينبغي قبول أي مأكولات أو مشروبات من غرباء.



من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
TT

من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)

لم تعد المطارات مجرد محطات عبور للمسافرين، بل أصبحت شبكة عالمية شديدة الترابط. ولهذا فإن عطلاً تقنياً في نظام ملاحة جوية، أو انقطاعاً في الكهرباء، أو طائرة مسيّرة قرب مدرج، يمكن أن يحوّل مشكلة محلية إلى أزمة تمتد آثارها إلى عشرات الدول.

وهذا ما حصل في بريطانيا أخيراً، بعدما أدى خلل تقني في نظام معالجة بيانات الرحلات التابع لخدمات الملاحة الجوية الوطنية البريطانية «ناتس» إلى شلل واسع في حركة الطيران. وامتدت التداعيات إلى مطارات رئيسية بينها هيثرو وغاتويك ومانشستر وستانستد، مع إلغاء أكثر من ألفي رحلة وتأثر نحو 330 ألف مسافر، فيما استمرت آثار الأزمة حتى اليوم التالي بسبب تراكم الرحلات والركاب والأمتعة.

واللافت أن الأزمة لم تكن نتيجة إغلاق مدرج بسبب طقس سيئ أو حادث طائرة، بل نتيجة خلل في البنية التحتية الرقمية التي تعتمد عليها صناعة الطيران الحديثة. وقد أكدت السلطات البريطانية أن الحادث لم يكن هجوماً إلكترونياً، فيما طلبت الحكومة من رئيس «ناتس» تقديم تقرير عن أسباب الخلل، وأعلنت هيئة الطيران المدني البريطانية إجراء مراجعة مستقلة.

مسافرون عند مكاتب تسجيل الوصول التابعة للخطوط الجوية البريطانية في مطار هيثرو بلندن (رويترز - أرشيفية)

أزمة هيثرو الحالية ليست الأولى التي تثبت مدى هشاشة شبكة الطيران أمام الأعطال الاستثنائية. ففي مارس (آذار) 2025، أدى حريق في محطة كهرباء قريبة إلى انقطاع الكهرباء عن مطار هيثرو وإغلاقه ليوم كامل تقريباً. وتسببت الواقعة في إلغاء أكثر من ألف و300 رحلة وتأثر نحو 200 ألف مسافر، إضافة إلى تحويل رحلات إلى مطارات أخرى في بريطانيا وأوروبا وأميركا الشمالية.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2018، أدى ظهور طائرات مسيّرة قرب مدرج مطار غاتويك إلى إغلاق المطار بصورة متكررة خلال موسم عيد الميلاد، ما أثر في نحو 140 ألف مسافر وأدى إلى تحويل أو إلغاء نحو ألف رحلة.

أما في الولايات المتحدة، فقد تسبب انقطاع كهربائي ضخم في مطار أتلانتا هارتسفيلد جاكسون عام 2017 في إلغاء أكثر من ألف رحلة، بعدما توقفت أنظمة المطار، بما فيها الإضاءة والسلالم المتحركة وقطارات نقل الركاب والجسور المؤدية إلى الطائرات.

وتكشف هذه الحوادث حقيقة واحدة وهي أن المطار لا يعمل بمعزل عن بقية شبكة الطيران. فإذا تعطل مطار محوري مثل هيثرو، لا تتأثر الرحلات التي تصل إليه أو تغادر منه فقط، وإنما تتأثر الطائرات والأطقم ومواعيد الرحلات المتصلة في مدن ودول أخرى.

هل يحصل المسافر على تعويض؟

هنا تبدأ النقطة الأكثر أهمية بالنسبة للمسافرين. في بريطانيا، تحكم حقوق المسافرين قواعد UK261. وهي الإطار البريطاني الذي ينظم حقوق الركاب في حالات التأخير والإلغاء ورفض الصعود إلى الطائرة.

لكن وجود تأخير طويل لا يعني تلقائياً أن شركة الطيران مطالبة بدفع تعويض مالي. العامل الحاسم هو سبب التأخير.

فإذا كان التأخير أو الإلغاء نتيجة أمر يقع ضمن مسؤولية شركة الطيران، فقد يكون المسافر مؤهلاً لتعويض مالي. أما إذا كان السبب من قبيل «الظروف الاستثنائية» الخارجة عن سيطرة شركة الطيران، فقد لا يكون التعويض المالي مستحقاً. وتوضح هيئة الطيران المدني البريطانية أن التأخير الناتج عن ظرف استثنائي لا يوجب التعويض.

فالخلل في نظام مراقبة الحركة الجوية قد يصنف، بحسب ظروف القضية وتقييم المسؤولية، ضمن الظروف الاستثنائية التي تعفي شركة الطيران من دفع التعويض المالي. ولذلك فإن مجرد وصول المسافر متأخراً ثلاث ساعات أو أكثر لا يعني بالضرورة حصوله على مبلغ تعويض في هذه الحالة.

لكن «لا تعويض» لا تعني «لا حقوق» هذه نقطة يقع فيها كثير من المسافرين. حتى عندما لا يكون التعويض المالي مستحقاً تبقى على شركة الطيران التزامات تجاه المسافر.

فعند التأخير، قد يكون للمسافر حق في الرعاية والمساعدة، بما في ذلك الطعام والشراب ووسائل الاتصال، والإقامة الفندقية عند الضرورة، بحسب مدة التأخير والمسافة وظروف الرحلة.

ولهذا ينصح المسافر بالاحتفاظ بالفواتير والإيصالات الخاصة بالمصروفات الضرورية والمعقولة التي تحملها بسبب التعطل، لأن شركة الطيران قد تكون مطالبة بردها وفقاً للظروف والقواعد المطبقة.

وفي حالة إلغاء الرحلة، يكون للمسافر عموماً خيار بين استرداد قيمة التذكرة أو إعادة توجيهه إلى وجهته وفق الحقوق التي تنطبق على رحلته.

متى يكون التعويض المالي مستحقاً؟

بصورة مبسطة، يمكن للمسافر في الرحلات المشمولة بـUK261 أن يطالب بالتعويض عندما:

*يصل إلى وجهته النهائية متأخراً أكثر من ثلاث ساعات.

*أو تُلغى رحلته في ظروف تجعل التعويض مستحقاً.

*أو يُرفض صعوده إلى الطائرة في حالات معينة.

*ويكون سبب المشكلة من مسؤولية شركة الطيران وليس نتيجة ظرف استثنائي خارج سيطرتها.

وقد يصل التعويض في الحالات المؤهلة إلى 520 جنيهاً إسترلينياً للمسافر، بحسب مسافة الرحلة وظروفها.

لكن هناك فارقاً جوهرياً بين التعويض والرعاية.

فحتى إذا لم يكن المسافر مستحقاً للتعويض المالي بسبب ظرف استثنائي، قد تبقى حقوقه في الطعام أو الفندق أو إعادة التوجيه أو استرداد قيمة التذكرة قائمة.

هل للوجهة علاقة بقيمة التعويض؟

الوجهة لا تحدد وحدها ما إذا كان المسافر يستحق التعويض، سبب المشكلة ونقطة انطلاق الرحلة والقواعد القانونية التي تنطبق عليها عوامل أساسية.

لكن المسافة بين نقطة الانطلاق والوجهة تدخل في تحديد قيمة التعويض عندما يكون التعويض مستحقاً أصلاً. ولهذا تختلف قيمة التعويض بين الرحلات القصيرة والمتوسطة والطويلة.


جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)
ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)
TT

جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)
ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)

لم نعد نختار المدن لمجرد رؤية معالمها، بل لنستكشفها وجبة بعد وجبة.

تُظهر بيانات شركة «هيلوتيكتس» أن البحث عن عطلات قصيرة في وجهات تتمتع بهوية طهي قوية قد ارتفع بنسبة تتجاوز 30 في المائة. ويعكس هذا التحول أسلوباً جديداً في السفر: أكثر عفوية، وأكثر إثارة للحواس، وأكثر انغماسا في المذاقات حيث أصبحت الأسواق، والمخابز، وقاعات الطعام، والطاولات، والمأكولات المحلية الشهيرة لا تقل أهمية عن المعالم السياحية الكلاسيكية.

باليرمو من المدن التي يقصدها السياح لتذوق أطباقها (بيكسلز)

واليوم، لم تعد العطلات القصيرة في المدن تُبنى فقط على ما ينبغي لك رؤيته، بل أيضاً على ما تتوق لتذوقه؛ فمكان لاحتساء القهوة حُفظت تفاصيله مسبقاً، أو أكلة محلية تُتناول في أثناء السير، أو سوقاً تضج بالحياة، أو عنواناً في أحد الأحياء أوصى به السكان المحليون باتت هي اللحظات التي تحدد معالم الرحلة بصورة متزايدة.

ويقول خورخي دياز لارغو، الرئيس التنفيذي لشركة «هيلوتيكتس»: «نشهد عدداً متزايداً من المسافرين يختارون المدينة بناءً على التجارب اليومية التي يمكنهم خوضها هناك: فنجان قهوة، أو قطعة معجنات، أو سوق محلية، أو أكلة شعبية خاصة. إنها طريقة أكثر حرية وحيوية ومباشرة لاكتشاف الوجهة السياحية».

كوبنهاغن من المدن المميزة بمطبخها (بيكسلز)

تلك المدن التي ربما لم تكن لترتب سفرك إليها لمجرد رؤية معالمها السياحية فحسب، لكنها تغدو عصية على النسيان في اللحظة التي تبدأ فيها باستكشاف معالمها أكلة بعد أكلة.

تبليسي: المدينة التي تحجز رحلتك إليها بدافع الفضول، وتغادرها وأنت لا تفكر إلا بوجباتها.

من خشب «الخاتشابوري» المتبخر بالحرارة، والخبز الطازج الخارج لتوه من الفرن، إلى الزلابية العملاقة، والمطاعم الصغيرة المريحة، والموائد الطويلة السخية: تمتلك تبليسي تلك القدرة النادرة على تحويل كل وجبة إلى جزء أصيل من تجربة السفر. إنها مدينة دافئة، وتفيض بالحيوية، ومناسبة للميزانية على نحو معقول، مدينة يشعر فيها المرء بأن الطعام جزء متغلغل في عمق الحياة اليومية.

تبليسي معروفة بمأكولاتها اللذيذة (بيكسلز)

باليرمو: الفوضى المثالية لعطلة نهاية أسبوع مخصصة للتذوق والتنقل بين مختلف المعالم.

من كرات «الأرانشيني» المقرمشة، وأقراص «البانيلي» المصنوعة من دقيق الحمص، وبيتزا «الشفينشوني» الحافلة بالنكهات، إلى الأسواق المكشوفة المفعمة بالحيوية الصاخبة، والمناضد البسيطة التي تتسم بتواضع ظاهر، لكنها لا تخيب أملك أبداً: باليرمو لا تتصنع لتسحرك، وهذا هو السبب تحديداً في أنها تعيش في ذاكرتك ولا تفارقها. إنها مدينة يُفهم جوهرها على النحو الأفضل وأنت واقف على قدميك تتناول شيئاً ساخناً، بدلاً من اتباع جدول سياحي مُعد بعناية فائقة، وتصنّع مفرط.

بورتو: المدينة التي تجعلك ترغب في التوقف باستمرار.

بورتو في البرتغال (بيكسلز)

شطائر رائعة، ومعجنات طازجة، وأطعمة معلبة فاخرة، ومقاهٍ وأماكن بسيطة دون أي استعراض بلا داعٍ: تُعد بورتو وجهة مثالية للمسافرين الذين يفضلون المدن القريبة من النفس والإنسان، والتي تتمتع بالجمال دون تباهٍ، وبالمتعة دون تصنع أو استعراض. إنها نوعية الأماكن التي يشعر فيها المرء بأن تناول الطعام الجيد فيها أمر يسير، ولا يتطلب أي عناء.

ليون: المدينة الفرنسية التي تظن أنك تعرفها بالفعل... حتى تزورها لمجرد الأكل فقط.

غالباً ما ترتبط ليون بعالم الطهي الرفيع والفخم، غير أن المدينة تبدو مختلفة تماماً عندما تقصدها بحثاً عن الوجبات الخفيفة، والتجول، والأكل في أثناء السير عبر أرجائها. إن المخابز، ومتاجر المعجنات، وطاولات الطعام، والمأكولات المحلية الجاهزة تجعل منها واحدة من أوضح الأمثلة على هذا النمط الجديد من العطلات القصيرة في المدن.

كوبنهاغن: حيث تشعر بأن الوجبة الخفيفة قد أُعدت ببراعة وذوق رفيع.

ثقافة المخابز، والمقاهي المصممة بجمال وإتقان، والأطباق الصغيرة المبتكرة والراقية، والأسواق المحلية، واستراحات التذوق للأطباق اللذيذة، والهوس الهادئ بالتفاصيل: تحول كوبنهاغن كل وقفة فيها إلى شيء مشتهى ومحط إعجاب. إنها مدينة الرغبات الأنيقة، والاستراحات الموزونة بدقة، والملذات البسيطة التي صيغت لتغدو جذابة ومثالية بصورة مذهلة.

الرفاهية الحقيقية الآن هي في المدينة التي تثير شهيتك وتجعلك جائعاً.

وراء صعود اتجاه «العطلات القصيرة القائمة على الطعام أولاً» يكمن أيضاً شعور واضح بالإرهاق والملل من الرحلات التي تبدو مفرطة في التخطيط، والتدقيق، والتكرار المألوف.

وبالطبع، لا يزال المسافرون يرغبون في الشعور بالتنقل والارتحال إلى عالم آخر؛ غير أنهم باتوا يفتشون أيضاً عن مدن تتمتع بطابع وشخصية أكثر أصالة، وأقل تصنعاً وصقلاً، مدن لديها ما تقوله، وتفصح عنه منذ الساعة الأولى. أماكن يمكنك أن تخرج فيها، وتمشي لمدة 20 دقيقة، لتدخل بقعة ما بناءً على نزوة نابعة من لحظتها — وتتعثر صدفة بأجمل لحظات عطلة نهاية الأسبوع.

وقد يكون هذا هو ما يكشفه بحق هذا النمط الجديد من السفر: لم نعد نبحث عن مجرد وجهة جميلة فحسب.

وإنما نقتفي أثر مدينة تتمتع بالذوق الرفيع، وبكل ما تحمله الكلمة من معانٍ.


3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)
TT

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)

هذه المرة، لن تقتصر جولتك السياحية في لبنان على المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية، ولا على شواطئه وجباله. فقد اخترنا لك ثلاث وجهات مختلفة في بلدات كوسبا وبخعون وحمانا، حيث تختبئ معالم مميزة تستحق الزيارة، وتروي كل منها حكاية خاصة تجعلها محطة سياحية غير تقليدية.

ففي كل بلدة من هذه البلدات قصر أثري يستحق الزيارة والتعرّف إلى قصته، وحكاية تشييده، وخصوصية عمارته. لذلك اخترنا لك ثلاثة قصور أثرية تفتح أمامك أبوابها للتعرّف إليها عن كثب، واكتشاف تفاصيلها، وخوض مغامرة سياحية فخمة ومختلفة لا تشبه سواها. وتتألف هذه المعالم من «قصر الأحلام» في بلدة بخعون.

و«القصر الأسود» في بلدة كوسبا وقصر «مزهر» المشهور باسم «لامارتين» في حمانا.

قصور بتصاميم مميزة (الشرق الأوسط)

قصر الأحلام

حين يتحول الخيال إلى حجر في أعالي الضنية، وتحديداً في بلدة بخعون، يصعب أن تمرّ من أمام «قصر الأحلام» من دون أن تتوقف للحظة. فالمبنى الذي ينتشر على مساحة تتجاوز خمسة آلاف متر مربع، ويضم طبقات وأروقة وساحات واسعة، يبدو أقرب إلى عالم من قصص الخيال منه إلى منزل تقليدي. وقد تحول مع مرور السنوات إلى أحد المعالم السياحية اللافتة في المنطقة.

لكن جمال القصر لا يكمن في حجمه فقط، بل في حكايته؛ فقد بدأ المشروع من حلم راود محمد هوشر منذ سنوات، ثم تطور إلى عمل طويل شارك فيه مع ابنته داليدا وصديقه محمد أحمد الفران. وتحوّلت الأفكار والرسومات إلى حجر وموزاييك وفسيفساء ومنحوتات، في ورشة استمرت سنوات طويلة. ويتردّد أن العمل في القصر بدأ في ثمانينات القرن الماضي. وما يميز المكان أن زائره لا يدخل إلى قصر ذي طابع معماري واحد، بل إلى عالم يجمع رموزاً مستوحاة من حضارات وحقبات مختلفة. فهناك إشارات إلى الحضارات الفرعونية والفينيقية والرومانية والعربية، إلى جانب عناصر من التراث اللبناني. كما تنتشر في أرجائه منحوتات ورسومات ونقوش وأشكال تستعيد قلاعاً ومعالم لبنانية، فيما تشكل الأرزة أحد الرموز البارزة في المكان.

حتى تفاصيل القصر الصغيرة تحمل طابعاً خاصاً؛ فالحجر الملون والموزاييك والفسيفساء والرسومات تتداخل في الجدران والأروقة، بينما تستقبل الساحات الخارجية الزائر بمجموعة من العناصر والمنحوتات الضخمة. ولهذا تبدو زيارة المكان أشبه بجولة بين صفحات كتاب مصوّر، كل زاوية فيه تحمل فكرة أو حكاية.

القصر الأسود (الشرق الأوسط)

القصر الأسود... قلعة ولدت من قلب الحرب

من بخعون ننتقل إلى كوسبا في قضاء الكورة، حيث ينتظر الزائرَ معلمٌ مختلفٌ تماماً في شكله وحكايته. هناك، في منطقة تطل على امتداد وادي قاديشا يرتفع مبنى دائري ضخم يعرف باسم «القصر الأسود» أو Château du Liban. اللون هو أول ما يلفت الانتباه.

فقد شُيّد القصر من الحجر البركاني الأسود، الذي جُلب من منطقة عكار، وهو ما منحه مظهره الداكن وجعله يبدو من بعيد كأنه قلعة خرجت من إحدى الحكايات الأوروبية القديمة. ويتألف البناء من سبعة طوابق، تحيط به مساحة واسعة تجمع بين العمارة والطبيعة.

أما وراء هذا الشكل غير المألوف، فتوجد قصة الطبيب الراحل إيلي صرّاف، الذي راوده حلم إقامة معلم ثقافي وسياحي في بلدته الأم كوسبا. وعاد إلى لبنان في خضم الحرب. وبدأ العمل على مشروعه رغم الظروف الصعبة وغياب الدعم. واختار له في البداية اسم «قلعة لبنان»، قبل أن يعرف لاحقاً باسم «القصر الأسود».

وشارك صرّاف بنفسه في هندسته وبنائه، مستعيناً بعائلته وبعض أبناء المنطقة. وبدأت الخطوة الأولى للمشروع عام 1984، فيما اكتمل البناء الأساسي عام 1990.

لكن القصر لا يكتفي بالواجهة الحجرية، فقد أراده صاحبه مساحة تجمع الفن والتراث والثقافة. وتضم أرجاؤه أعمالاً فنية ومقتنيات ومجسمات، إضافة إلى متاحف ومساحات ثقافية. ونجد فيه الأرزة اللبنانية والرماح والسيف والترس والبنادق والقارب البدائي. ومنقوشات محفورة على حيطانه ومجسمات لصخرة الروشة وقلعتي المسيلحة وعنجر وغيرها، وجميعها مصنوعة من الحجر اللبناني. فيما تظهر في محيطه عناصر تستعيد جوانب من الحياة اللبنانية القديمة. وتتحول الزيارة بذلك إلى رحلة في عالم صاحبه الفني، لا إلى مجرد جولة داخل مبنى غريب الشكل.

قصر مزهر وثّق جماله لامارتين في مؤلفاته

أما المحطة الثالثة فتأخذنا إلى حمانا، حيث يختلف المشهد كلياً؛ فهنا لا نكون أمام قصر حديث نسبياً أو مشروعاً فردياً نشأ من حلم شخصي، بل أمام بناء تاريخي ارتبط بتاريخ البلدة وبعائلة مزهر، وبشخصية أدبية تركت بدورها أثراً في ذاكرة المكان.

يقف قصر المقدمين، المعروف أيضاً بقصر عائلة مزهر، على جرف صخري تتدفق المياه عند قدميه في فصل الربيع، في مشهد يجمع بين العمارة والطبيعة. وتصفه بلدية حمانا بأنه يتميز بهندسة رشيقة وسحر خاص، فيما يستند البناء إلى صخور قديمة تحتضنه في محيطه الطبيعي.

وترتبط عائلة مزهر بتاريخ قديم في المنطقة، وكان لها دور في حكم المنطقة. واستمر القصر في لعب دور بارز في تاريخ البلدة، ولا سيما خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

لكن حكاية صارت تتردد على كل شفّة ولسان بعد أن سكنه الشاعر والكاتب الفرنسي ألفونس دو لامارتين. ففي مارس (آذار) 1833، وخلال رحلته إلى الشرق، حلّ لامارتين ضيفاً في القصر بعد الوفاة المأساوية لابنته جوليا. وقد ترك وصفاً للمكان عبّر فيه عن إعجابه الكبير بأناقته وموقعه، وقارنه بالقلاع القوطية الرائعة في أوروبا. وهناك ولدت قصائد وأشعار شهيرة كتبها حزناً على وفاة ابنته.

لم تغب محطّة حمانا عن كتابه «رحلة إلى الشرق». وقد وثّقها بوصفه للقصر الحمّاني فقال: «قصر شيخ حمّانا يتفوّق في الأناقة والنعمة والسمو على كل ما رأيته من هذا النوع... ولا يمكن مقارنته إلا بأحد أروع قصورنا القوطية في العصور الوسطى». وهكذا لا تكون زيارة قصر مزهر مجرد اكتشاف لبناء قديم، بل فرصة للوقوف في المكان نفسه الذي استقبل أحد أبرز أدباء فرنسا في القرن التاسع عشر. كما يمكن استكمال الجولة بالتجول في حمانا القديمة، واكتشاف أزقتها ومعالمها التراثية وطبيعتها الجبلية، لتتحول الزيارة إلى رحلة تجمع التاريخ والأدب والعمارة.