ليز تراس... حكاية صعود حكومة وسقوطها

ليز تراس... حكاية صعود حكومة وسقوطها

الناشر اضطر لوقف توزيع كتاب عن رئيسة الوزراء السابقة وأعيد تحرير النص ليبدو نعياً سياسياً لها
الخميس - 1 جمادى الأولى 1444 هـ - 24 نوفمبر 2022 مـ رقم العدد [ 16067]
صورة النسخة التي كانت معدة للنشر

انهارت الحكومة البريطانية التي شكلتها ليز تراس بعد 44 يوماً من توليها مقاليد السلطة التنفيذية في المملكة المتحدة بعدما تعرضت خططها الاقتصادية إلى ردود فعل سلبيّة للغاية من قبل الأسواق العالميّة، لتتردى قيمة الجنيه الإسترليني أمام الدّولار الأميركيّ إلى أدنى مستوياتها التاريخيّة على الإطلاق، وترتفع تكلفة الاقتراض الحكوميّ لأكثر من التكلفة التي يطلب من حكومات دول مفلسة (مثل اليونان) دفعها. ولم تفلح محاولات الرئيسة لإنقاذ الموقف عبر التراجع عن بعض مضامين خطتها؛ بل ولم يجدها نفعاً حتى طرد وزير ماليتها ومستشارها وأقرب حلفائها، كواسي كوارتينغ، من منصبه، إلى أن أبلغها رئيس لجنة النظام الداخليّ في الحزب الحاكم ضرورة الاستقالة من منصبها أو مواجهة تمرّد نواب الحزب عليها في الحكومة والبرلمان. وهكذا انسحبت تراس من الواجهة، وسارع الحزب الحاكم إلى اختيار خليفة لها متجاوزاً في ذلك الإجراءات التقليدية لتصعيد رؤساء الوزراء الجدد من صفوفه، مما جعل فترة تصريفها الأعمال أقصر حتى من فترة حكمها.

لكن إذا كانت تراس؛ خريجة جامعة أكسفورد والنائبة في مجلس العموم، قد واجهت ما يمكن تسميته «الحظ السيئ» في أثناء إقامتها القصيرة في «10 داونينغ ستريت» - مقر الحكومات بالعاصمة لندن - مقارنة برفاق لها لا يفوقونها ذكاء، فإنّها على الأقل حصلت مثلهم على بعض مغانم الحد الأدنى: إذ انتهت براتب دائم مدى الحياة، وبلقب رئيسة وزراء بريطانيّة سابقة، ويمكنها العودة إلى ممارسة واجباتها في نطاق مقعدها النيابي ضمن حزب الأغلبية (المحافظين) الحاكم. لكن الأمر مختلف تماماً بالنسبة إلى الكاتبين هاري كول أو جيمس هيل، اللذين كانا قد بذلا خلاصة جهدهما خلال 10 أسابيع لنشر كتابهما عن سيرة تراس المعنون: «من قلب الغموض: الصعود المذهل لليز تراس» ترافقاً مع توليها السلطة، لينهار كل شيء أمام أعينهما، مما اضطر ناشرهما إلى وقف توزيع النسخ المطبوعة واستدعاء الكاتبين لتحوير النصّ كي يبدو نعياً سياسيّاً للمرأة التي فقدت المنصب لتوّها. كان المؤلفان قد وقعا عقد الكتاب في أغسطس (آب) الماضي بينما كانت تراس تخوض منافسة انتخابيّة حزبيّة لاختيار خليفة لبوريس جونسون رئيس الوزراء الذي أجبر على الاستقالة مع بداية يوليو (تموز) الماضي، وبدا حينها أن حظوظها أفضل من حظوظ منافسيها. وقد حُدد تاريخ 29 أكتوبر (تشرين الأول) موعداً لصدور العمل، مع توقعات بعامين على الأقل من المبيعات والعرض على الرفوف وفاترينات متاجر الكتب؛ بالطبع دون أن يدرك الكاتبان المفاجأة التي كان يخبئها لهما القدر.

أنفق كول وهيل وقتهما في جمع الشهادات من أصدقاء تراس وزملائها ورفاقها في الحزب، إضافة إلى معجبيها، وتضمن ذلك سهرات مطولة في مشارب بلدة غرينيتش حيث تقيم الرئيسة منذ 20 عاماً، وكذلك في حانات ويسمنستر بالقرب من مقر البرلمان البريطانيّ حيث مقرّ عملها منذ انتخابها نائبة في 2019 ضمن دورة البرلمان الحالية، وأيضاً زيارات لغرف الأرشيف في جامعة أكسفورد والمكتبة البريطانية، ولقاءات مع الصحافيين المختصين بالشؤون السياسيّة في بريطانيا، وبالضرورة مقابلات معها قبل أسبوعين من انتقالها إلى «10 داونينغ ستريت»، وأخرى في عطلة نهاية أسبوع بعد توليها السلطة. وأُجلت مقابلة ثالثة نظراً إلى انشغال الرئيسة بالأوضاع المتفجرة.

وجد الكاتبان أن لتراس رصيداً من الإصلاحات الفاشلة في وزارة التعليم؛ أول حقيبة وزارية تولتها في 2012 (حكومة ديفيد كاميرون)، مما يمكن عدّه إرهاصات أولى حول الفشل فلكي الأبعاد الذي انتهت إليه رئيسة للوزراء، لكنّهما ولأغراض الكتاب حاولا التركيز على صفاتها الشخصيّة التي أهلتها للصعود في كوكب ويسمنستر: إيمانها الذي لا يتزعزع بذاتها، وغرائزها النقديّة تجاه كل مؤسسة أو هيكليّة قائمة.

وبحكم أن الكاتبين كول وهيل كانا يعدان سيرة الرئيسة للنشر؛ فإن الأبواب فتحت أمامهما للاقتراب من أجوائها في قلب مصنع الحدث، وهو ما سمح لهما بملاحظة معالم الانهيار الآتي، ولتتحوّل آمالهما تدريجياً في كتاب ناجح ومبيعات مديدة إلى كوابيس مفزعة، وآمالهما في عامين من المبيعات إلى أسابيع قليلة ربّما حتى أعياد رأس السنة فقط، ليتحطّم كل شيء مع مؤتمر حزب المحافظين في بيرمنغهام مع بداية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث بدا أن النّهاية أقرب مما تصورا بداية، وأصبح الضغط عليهما مضاعفاً من قبل الناشر لتعديل الكتاب ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

لكن الوقت كان قد فات؛ إذ عمد بعضهم إلى نشر صورة لغلاف الكتاب مع ملصق تخفيضات أسعار عليه بـ99 بنساً (أي أقل من جنيه إسترليني واحد مقابل السعر الأصلي للكتاب بـ20 جنيهاً)، وهي الصيغة التي يلجأ إليها بائعو الكتب البريطانيّون عادة للتخلص سريعاً من بعض العناوين التي فقدت أسباب استمرار عرضها. وانتشرت الصورة على مواقع التواصل الاجتماعي انتشار النار في الهشيم، وتناقلها الناس للتندر بشكل واسع ضمن مجموعاتهم على «واتساب» و«تلغرام» و«ريديت»، وكتب أستاذ إدارة أعمال أميركي في صفحته على «لينكد»: «تخيّل أن تكون سيئ الحظ مثل كول وهيل، فتستثمر وقتك ومالك في مشروع مثل كتابهما الذي انتهى كليّة حتى قبل أن يبدأ»، ودعا أحدهم على موقع «تويتر» إلى «الصلاة والدعاء من أجل الكاتبين اللذين سيصدر كتابهما في 8 ديسمبر (كانون الأول) المقبل». ونشرت شركة مراهنات صورة مزيفة على صفحتها في «فيسبوك» تظهر مئات النسخ من الكتاب بينما يجري إتلافها، فيما استخدم السير كير ستارمر، زعيم حزب العمّال المعارض، عنوان الكتاب للسخرية من رئيسة الوزراء أثناء الاستجوابات الاعتيادية في مجلس العموم.

«لقد كان الوضع سوريالياً»؛ يقول الكاتبان في مقال لهما عن تجربتهما المُذلة تلك؛ لا سيّما بعد أن تدفقت عليهما طلبات وسائل الإعلام من حول العالم للتحدث حول مشاعرهما بينما تسقط تراس فيما ينتظر كتابهما عن صعودها أسابيع عدة مقبلة للنشر!

في ظل تلك الظروف، قرر الكاتبان والناشر الانحناء للعاصفة والسعي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر تعديل عنوان الكتاب بعد اقتراحات عدة ليصبح: «من قلب الغموض: القصة من الداخل للصعود غير المتوقع والسقوط السريع لـ(ليز تراس)»، وسيوزع للعموم في نسخة مغلفة بداية من 24 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي.

وبالطبع؛ فإن كثيرين يشككون منذ اليوم في قيمة الكتاب، ويرون أنّه متعجّل وسيفشل كاتباه في تقييم تجربة تراس تماماً كما فشلا في توقع سقوطها السريع، وأنّه من نوعية الكتب الدعائيّة التي تنتَج بشكل خاطف للاستفادة من الهالة المحيطة بالشخصيات الصاعدة إلى مصاف الشهرة دون كبير تمحيص ولا تروٍ ولا نظرة متأملة، أو يستخدمها هؤلاء الصاعدون لتقديم نسخ منها للمعجبين والأصدقاء؛ وإن تفرّق هؤلاء من حول تراس الآن ولم يبق منهم أحد تقريباً. فيما يتوقع خبراء سوق الكتب أنّه «احترق» بتلاشي مكانة صاحبة السيرة، ولن تباع منه حتى ألف نسخة، وإذا حدث فسيذهب أغلبها لمكتبات المدارس الثانوية والجامعات ولأفراد أسرة تراس والكاتبين والمقربين منهم.

لكن الدرس الأكبر من التجربة بمجملها كان أن كتابة التاريخ لا يمكن تعليبها وطيها واستجوابها لخدمة حاضر متسم بالسيولة، وأنّه ينبغي اقتصار تلك المحاولات على الصحافة السيارة لحين نضوج الأحداث وظهور تأثيراتها وأبعادها. درس لا بدّ من أن كول وهيل تعلماه بثمن باهظ، وهما حتماً لن يجتمعا مرّة أخرى لكتابة سيرة رئيس وزراء بريطانيّ آخر في مستهل صعوده للسلطة.


اختيارات المحرر

فيديو