ليز تراس... حكاية صعود حكومة وسقوطها

الناشر اضطر لوقف توزيع كتاب عن رئيسة الوزراء السابقة وأعيد تحرير النص ليبدو نعياً سياسياً لها

صورة النسخة التي كانت معدة للنشر
صورة النسخة التي كانت معدة للنشر
TT

ليز تراس... حكاية صعود حكومة وسقوطها

صورة النسخة التي كانت معدة للنشر
صورة النسخة التي كانت معدة للنشر

انهارت الحكومة البريطانية التي شكلتها ليز تراس بعد 44 يوماً من توليها مقاليد السلطة التنفيذية في المملكة المتحدة بعدما تعرضت خططها الاقتصادية إلى ردود فعل سلبيّة للغاية من قبل الأسواق العالميّة، لتتردى قيمة الجنيه الإسترليني أمام الدّولار الأميركيّ إلى أدنى مستوياتها التاريخيّة على الإطلاق، وترتفع تكلفة الاقتراض الحكوميّ لأكثر من التكلفة التي يطلب من حكومات دول مفلسة (مثل اليونان) دفعها. ولم تفلح محاولات الرئيسة لإنقاذ الموقف عبر التراجع عن بعض مضامين خطتها؛ بل ولم يجدها نفعاً حتى طرد وزير ماليتها ومستشارها وأقرب حلفائها، كواسي كوارتينغ، من منصبه، إلى أن أبلغها رئيس لجنة النظام الداخليّ في الحزب الحاكم ضرورة الاستقالة من منصبها أو مواجهة تمرّد نواب الحزب عليها في الحكومة والبرلمان. وهكذا انسحبت تراس من الواجهة، وسارع الحزب الحاكم إلى اختيار خليفة لها متجاوزاً في ذلك الإجراءات التقليدية لتصعيد رؤساء الوزراء الجدد من صفوفه، مما جعل فترة تصريفها الأعمال أقصر حتى من فترة حكمها.
لكن إذا كانت تراس؛ خريجة جامعة أكسفورد والنائبة في مجلس العموم، قد واجهت ما يمكن تسميته «الحظ السيئ» في أثناء إقامتها القصيرة في «10 داونينغ ستريت» - مقر الحكومات بالعاصمة لندن - مقارنة برفاق لها لا يفوقونها ذكاء، فإنّها على الأقل حصلت مثلهم على بعض مغانم الحد الأدنى: إذ انتهت براتب دائم مدى الحياة، وبلقب رئيسة وزراء بريطانيّة سابقة، ويمكنها العودة إلى ممارسة واجباتها في نطاق مقعدها النيابي ضمن حزب الأغلبية (المحافظين) الحاكم. لكن الأمر مختلف تماماً بالنسبة إلى الكاتبين هاري كول أو جيمس هيل، اللذين كانا قد بذلا خلاصة جهدهما خلال 10 أسابيع لنشر كتابهما عن سيرة تراس المعنون: «من قلب الغموض: الصعود المذهل لليز تراس» ترافقاً مع توليها السلطة، لينهار كل شيء أمام أعينهما، مما اضطر ناشرهما إلى وقف توزيع النسخ المطبوعة واستدعاء الكاتبين لتحوير النصّ كي يبدو نعياً سياسيّاً للمرأة التي فقدت المنصب لتوّها. كان المؤلفان قد وقعا عقد الكتاب في أغسطس (آب) الماضي بينما كانت تراس تخوض منافسة انتخابيّة حزبيّة لاختيار خليفة لبوريس جونسون رئيس الوزراء الذي أجبر على الاستقالة مع بداية يوليو (تموز) الماضي، وبدا حينها أن حظوظها أفضل من حظوظ منافسيها. وقد حُدد تاريخ 29 أكتوبر (تشرين الأول) موعداً لصدور العمل، مع توقعات بعامين على الأقل من المبيعات والعرض على الرفوف وفاترينات متاجر الكتب؛ بالطبع دون أن يدرك الكاتبان المفاجأة التي كان يخبئها لهما القدر.
أنفق كول وهيل وقتهما في جمع الشهادات من أصدقاء تراس وزملائها ورفاقها في الحزب، إضافة إلى معجبيها، وتضمن ذلك سهرات مطولة في مشارب بلدة غرينيتش حيث تقيم الرئيسة منذ 20 عاماً، وكذلك في حانات ويسمنستر بالقرب من مقر البرلمان البريطانيّ حيث مقرّ عملها منذ انتخابها نائبة في 2019 ضمن دورة البرلمان الحالية، وأيضاً زيارات لغرف الأرشيف في جامعة أكسفورد والمكتبة البريطانية، ولقاءات مع الصحافيين المختصين بالشؤون السياسيّة في بريطانيا، وبالضرورة مقابلات معها قبل أسبوعين من انتقالها إلى «10 داونينغ ستريت»، وأخرى في عطلة نهاية أسبوع بعد توليها السلطة. وأُجلت مقابلة ثالثة نظراً إلى انشغال الرئيسة بالأوضاع المتفجرة.
وجد الكاتبان أن لتراس رصيداً من الإصلاحات الفاشلة في وزارة التعليم؛ أول حقيبة وزارية تولتها في 2012 (حكومة ديفيد كاميرون)، مما يمكن عدّه إرهاصات أولى حول الفشل فلكي الأبعاد الذي انتهت إليه رئيسة للوزراء، لكنّهما ولأغراض الكتاب حاولا التركيز على صفاتها الشخصيّة التي أهلتها للصعود في كوكب ويسمنستر: إيمانها الذي لا يتزعزع بذاتها، وغرائزها النقديّة تجاه كل مؤسسة أو هيكليّة قائمة.
وبحكم أن الكاتبين كول وهيل كانا يعدان سيرة الرئيسة للنشر؛ فإن الأبواب فتحت أمامهما للاقتراب من أجوائها في قلب مصنع الحدث، وهو ما سمح لهما بملاحظة معالم الانهيار الآتي، ولتتحوّل آمالهما تدريجياً في كتاب ناجح ومبيعات مديدة إلى كوابيس مفزعة، وآمالهما في عامين من المبيعات إلى أسابيع قليلة ربّما حتى أعياد رأس السنة فقط، ليتحطّم كل شيء مع مؤتمر حزب المحافظين في بيرمنغهام مع بداية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث بدا أن النّهاية أقرب مما تصورا بداية، وأصبح الضغط عليهما مضاعفاً من قبل الناشر لتعديل الكتاب ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
لكن الوقت كان قد فات؛ إذ عمد بعضهم إلى نشر صورة لغلاف الكتاب مع ملصق تخفيضات أسعار عليه بـ99 بنساً (أي أقل من جنيه إسترليني واحد مقابل السعر الأصلي للكتاب بـ20 جنيهاً)، وهي الصيغة التي يلجأ إليها بائعو الكتب البريطانيّون عادة للتخلص سريعاً من بعض العناوين التي فقدت أسباب استمرار عرضها. وانتشرت الصورة على مواقع التواصل الاجتماعي انتشار النار في الهشيم، وتناقلها الناس للتندر بشكل واسع ضمن مجموعاتهم على «واتساب» و«تلغرام» و«ريديت»، وكتب أستاذ إدارة أعمال أميركي في صفحته على «لينكد»: «تخيّل أن تكون سيئ الحظ مثل كول وهيل، فتستثمر وقتك ومالك في مشروع مثل كتابهما الذي انتهى كليّة حتى قبل أن يبدأ»، ودعا أحدهم على موقع «تويتر» إلى «الصلاة والدعاء من أجل الكاتبين اللذين سيصدر كتابهما في 8 ديسمبر (كانون الأول) المقبل». ونشرت شركة مراهنات صورة مزيفة على صفحتها في «فيسبوك» تظهر مئات النسخ من الكتاب بينما يجري إتلافها، فيما استخدم السير كير ستارمر، زعيم حزب العمّال المعارض، عنوان الكتاب للسخرية من رئيسة الوزراء أثناء الاستجوابات الاعتيادية في مجلس العموم.
«لقد كان الوضع سوريالياً»؛ يقول الكاتبان في مقال لهما عن تجربتهما المُذلة تلك؛ لا سيّما بعد أن تدفقت عليهما طلبات وسائل الإعلام من حول العالم للتحدث حول مشاعرهما بينما تسقط تراس فيما ينتظر كتابهما عن صعودها أسابيع عدة مقبلة للنشر!
في ظل تلك الظروف، قرر الكاتبان والناشر الانحناء للعاصفة والسعي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر تعديل عنوان الكتاب بعد اقتراحات عدة ليصبح: «من قلب الغموض: القصة من الداخل للصعود غير المتوقع والسقوط السريع لـ(ليز تراس)»، وسيوزع للعموم في نسخة مغلفة بداية من 24 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي.
وبالطبع؛ فإن كثيرين يشككون منذ اليوم في قيمة الكتاب، ويرون أنّه متعجّل وسيفشل كاتباه في تقييم تجربة تراس تماماً كما فشلا في توقع سقوطها السريع، وأنّه من نوعية الكتب الدعائيّة التي تنتَج بشكل خاطف للاستفادة من الهالة المحيطة بالشخصيات الصاعدة إلى مصاف الشهرة دون كبير تمحيص ولا تروٍ ولا نظرة متأملة، أو يستخدمها هؤلاء الصاعدون لتقديم نسخ منها للمعجبين والأصدقاء؛ وإن تفرّق هؤلاء من حول تراس الآن ولم يبق منهم أحد تقريباً. فيما يتوقع خبراء سوق الكتب أنّه «احترق» بتلاشي مكانة صاحبة السيرة، ولن تباع منه حتى ألف نسخة، وإذا حدث فسيذهب أغلبها لمكتبات المدارس الثانوية والجامعات ولأفراد أسرة تراس والكاتبين والمقربين منهم.
لكن الدرس الأكبر من التجربة بمجملها كان أن كتابة التاريخ لا يمكن تعليبها وطيها واستجوابها لخدمة حاضر متسم بالسيولة، وأنّه ينبغي اقتصار تلك المحاولات على الصحافة السيارة لحين نضوج الأحداث وظهور تأثيراتها وأبعادها. درس لا بدّ من أن كول وهيل تعلماه بثمن باهظ، وهما حتماً لن يجتمعا مرّة أخرى لكتابة سيرة رئيس وزراء بريطانيّ آخر في مستهل صعوده للسلطة.



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً