كيف دخلت جامعة سعودية نادي الكبار في تكنولوجيا «النانو»؟

«كاوست» تلعب دوراً متزايداً في تطوير الرقائق الإلكترونية والذكاء الصناعي

كيف دخلت جامعة سعودية نادي الكبار في تكنولوجيا «النانو»؟
TT

كيف دخلت جامعة سعودية نادي الكبار في تكنولوجيا «النانو»؟

كيف دخلت جامعة سعودية نادي الكبار في تكنولوجيا «النانو»؟

في مطلع عام 2020، حين شلّت جائحة «كورونا» والإغلاقات المترتبة عليها العالم، تضاعف حجم استهلاكنا لكل وسائل التقنية الحديثة من أجهزة الكومبيوتر والألعاب والهواتف المحمولة والأجهزة المنزلية، بالتزامن مع اضطراب كبير في سلاسل الإمداد لكافة السلع على مستوى العالم.
كان القاسم المشترك بين هذه الأجهزة، وغيرها الكثير، اعتمادها على رقاقة إلكترونية صغيرة جداً من مواد تسمى «أشباه الموصلات».
دفع النقص الحاد في رقائق «أشباه الموصلات» الذي حدث خلال العامين الماضيين بعد شلل سلاسل التوريد، عدداً من الدول، بينها السعودية، إلى بذل جهود حثيثة لبناء سلسلة توريد قوية لها في الداخل. وكانت جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية «كاوست»، إحدى المؤسسات التي لعبت دوراً في هذا الإطار، ودخلت هذا العام نادي الكبار في أبحاث تقنيات النانو، باختيارها الجامعة الـ18 عالمياً في هذا المجال.
ويؤكد الدكتور توني تشان، رئيس جامعة «كاوست»، أن «الأحداث والاتجاهات الأخيرة سلطت الضوء على الأهمية الاستراتيجية لأشباه الموصلات على مستوى العالم وقدرتها على تحويل الاقتصاد الرقمي للسعودية وصناعات السيارات وقطاع الصناعة والتصنيع الدفاعي».

ماهي «أشباه الموصلات»؟

لكن لنتوقف قليلاً لنشرح ما هي أشباه الموصلات.
تمتلك أشباه الموصلات أو ما نطلق عليه الرقاقة الالكترونية خصائص كهربائية معينة تمكنها من العمل كأساس لأجهزة الكومبيوتر والأجهزة الإلكترونية الأخرى.
لدى المواد شبه الموصلة مثل السليكون والجرمانيوم وزرنيخ الجاليوم، خصائص كهربائية في مكان ما في الوسط بين المواد الموصلة والمواد العازلة. هي إذن ليست موصلات جيدة ولا عوازل جيدة، ولهذا سميت «أشباه الموصلات».
هذه المواد بها عدد قليل من الإلكترونات الحرة لأن ذراتها مجمعة معاً في نمط بلوري يسمى «الشبكة البلورية»، ومع ذلك فإن قدرتها على التوصيل الكهربائي يمكن تحسينها كثيراً عن طريق إضافة بعض «الشوائب» لهذه البنية البلورية، وبالتالي تنتج إلكترونات حرة أكثر من الفجوات أو العكس بالعكس.
هذه الرقاقة التي تُصنع عادةً من شرائح رقيقة من السيليكون في الوقت الحالي، مع مكونات معقدة موضوعة عليها في أنماط محددة. تتحكم هذه الأنماط في تدفق التيار باستخدام مفاتيح كهربائية تسمى «الترانزستور».
ويعود أول اكتشاف لظاهرة «أشباه الموصلات» الى عام 1833، حينما لاحظ العالم البريطاني مايكل فاراداي طبيعتها، وتأثير الحرارة على موصليتها؛ إذ لاحظ انخفاض المقاومة الكهربائية لكبريتيد الفضة مع زيادة درجة الحرارة.
منذ التاريخ توالت الأبحاث والاكتشافات في هذا المجال حتى وصلنا اليوم إلى الجيل الثالث من مواد «أشباه الموصلات» ذات الفجوة الواسعة النطاق.

رقائق إلكترونية

وبسبب أهميتها البالغة للصناعة، تمتلك معظم الدول المتقدمة قدرات كبيرة في مجال تقنية أشباه الموصلات المسؤولة عن تشغيل كل شيء في حياتنا اليومية من هواتف محمولة وسيارات وأجهزة منزلية وطبية إلى الأسلحة والطائرات المقاتلة وأنظمة الصواريخ المتطورة التقليدية منها والنووية، إلى آخر القائمة.
كما أنها أساسية اليوم في تحقيق التوجه العالمي نحو تطوير تقنيات الطاقات المتجددة، ويمكن القول إن هذه التقنيات، وتحديداً شريحة الدائرة المتكاملة، أصبحت الأساس المادي الأكثر أهمية للثورة الصناعية الثالثة والرابعة.
وبرزت «أشباه الموصلات المركبة» خلال السنوات القليلة الماضية كثاني أكثر أنواع «أشباه الموصلات» استخدامًا بعد السيليكون. وهذا يرجع جُزْئِيًّا إلى قدرتها على امتلاك العديد من الخصائص الأساسية المتفوقة في وقت واحد، مثل زيادة معدل السرعة والطاقة، وانبعاث الضوء وامتصاصه بكفاءة عالية. فهي قوية للغاية وفعالة من حيث إضافة الى كل ذلك، فان لديها آفاق تطبيق مهمة في مجالات الدفاع، والطيران، والفضاء، واستكشاف النفط، والتخزين البصري. كما يمكن أن تقلل من خسائر الطاقة بأكثر من 50٪ في العديد من الصناعات الاستراتيجية مثل اتصالات النطاق العريض، والطاقة الشمسية، وتصنيع السيارات، وإضاءة «أشباه الموصلات»، والشبكات الذكية.
باختصار يمكن القول بان هذه الرقائق أصبحت اليوم هي عصب العصر الحديث، وقد لا يعلم الكثيرون أن شركات التقنية في جميع أنحاء العالم تعتمد بشكل كبير على الرقائق المقدمة من شركة «تايوان لصناعة أشباه الموصلات»، مما يضعها في قلب الصراعات الدولية، خاصة بين واشنطن وبكين، لأهمية هذا القطاع من ناحية السيطرة على سلاسل التوريد وفرض الدول لحضورها السياسي والاقتصادي.

«لا ذكاء صناعي من دون أشباه موصلات»

سعودياً، بدت الاستعانة بجامعة «كاوست» في هذا الجهد أمراً طبيعياً، خصوصاً أنها تضم خبرات مميزة في مجال أشباه الموصلات. ففي عام 2016، انضم البروفيسور زاوهانغ لي إلى «كاوست»، وهو يحمل معه خبرة بحثية واسعة في تقنيات أشباه الموصلات.
وتركز أبحاثه في المختبر على الأبحاث الأساسية والتطبيقية لهذه المواد، والأجهزة، والفيزياء والبرمجيات. ويقول زاوهانغ لي، الأستاذ المشارك في الهندسة الكهربائية وهندسة الحاسب الآلي في الجامعة، إن «الباحثين والمطورين المحليين في مجال أشباه الموصلات يمكن أن يؤدوا دوراً حاسماً في تنويع اقتصاد السعودية التي لديها طموح كبير لتطوير مشاريع في مجال الذكاء الصناعي وغيره من المجالات الحيوية التي تحتاج لهذه التقنية المتقدمة لنجاحها. فمن دون رقائق أشباه الموصلات، لا يوجد ذكاء صناعي».
ويهدف لي وفريقه إلى تطوير هذه المواد التي ستحدث ثورة في صناعات مختلفة مثل الطاقة والاتصالات والدوائر المتكاملة والسيارات الكهربائية واستكشاف الفضاء، مما يضع «كاوست» في مرحلة متقدمة جداً في أبحاث «أشباه الموصلات واسعة النطاق».
ويقول لي: «لدي اعتقاد راسخ أن أبحاثنا يمكنها أن تفيد بشكل كبير المملكة ورؤيتها 2030. حيث تمتلك تلك المواد المركبة إمكانات هائلة للبحث والابتكار والتصنيع، ولدينا العديد من أعضاء هيئة التدريس والباحثين الرائدين في هذا المجال. وبالتالي، فإن الجامعة مهيأة لتقديم مساهمات كبيرة ومؤثرة».
في عام 2019، عرض علماء «كاوست» تقنية جديدة لتقليل فقدان الضوء عند سطوح البنى النانوية شبه الموصلة، حيث يمكن لبعض المواد تحويل الإلكترونات الموجودة في التيار الكهربائي إلى ضوء، بكفاءة. وتُستخدم مواد «أشباه الموصلات» هذه في صنع صمامات ثنائية باعثة للضوء أو LED، وهي أجهزة صغيرة، وخفيفة، تتسم بالكفاءة في استهلاك الطاقة، وذات عمر طويل، وتنتشر على نحو متزايد في تطبيقات الإضاءة والعروض.

إلكترونيات ضوئية

قبل ذلك بعام، قام باحثو الجامعة بتخليق طبقة أحادية تدعى «جانوس» Janus، قد تساعد في التحول نحو تطبيقات جديدة لأشباه الموصلات في الإلكترونيات، وتحديدًا الإلكترونيات النانوية، التي تعتمد على التلاعب بمجموعات متناهية الصغر من الذرات.
وتمهد هذه الطريقة الفريدة في تركيب المادة، الطريق إلى تغيير الألواح ثنائية الأبعاد ذات السُّمك الذري الرقيق المصنوعة من تلك المواد، على المستوى الذري.
وإضافة إلى تطبيقات أشباه الموصلات التقليدية، يعتقد الباحثون أن مادتهم غير المتناظرة قد تكون مفيدة في مجال ناشئ يسمى «الإلكترونيات المغزلية» (spintronics). ويَستخدم هذا المجال التغيُّرات في واحدةٍ من خواص الإلكترونات تُعرف بالدوران المغزلي، عوضاً عن الاكتفاء بالشحنة الكهربائية وحدها كوسيلة لتغيير السلوك الإلكتروني في نطاقات ذرية.
وخلافاً للطرق التقليدية باهظة التكلفة والمتبعة حتى الآن في الأجهزة الكهروضوئية، للتحكّم في خصائص أشباه الموصلات، عن طريق الهندسة النانومترية المتناهية الصغر، فإن تقنية «كاوست» الجديدة فتعتمد على ما يُسمى بـ«الآبار الكمّية».
هذه التقنية عبارة عن أغشية من أشباه الموصلات لا يتجاوز سمكها بضع نانومترات (النانومتر هو جزء من مليار من المتر)، تقع بين طبقتين أكثر سمكاً تتكونان من مادة شبه موصلة مختلفة. ويعمل حاجز طاقة، يوجد بين هاتين المادتين، على منع حاملات الشحنة الكهربائية من مغادرة طبقة البئر الكمي، وهو ما يحدّ من حركتها ويؤدي إلى إحداث تغيير جذري في خصائص مواد البئر مما يجعلها، على سبيل المثال لا الحصر، أنشط ضوئياً.

أبحاث مرموقة

وتعتبر «كاوست» موطناً للعديد من كبار الباحثين وأعضاء هيئة التدريس الذين يعملون على مجموعة واسعة من تقنيات أشباه الموصلات ويقدمون مساهمات كبيرة لدعم رسالة الجامعة في أن تصبح من الرواد العالميين في هذا المجال. وهنا يمكننا أن نسلط الضوء على بعض تلك الإسهامات، على سبيل المثال لا الحصر.
وخلال هذا العام، اختيرت جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية «كاوست» كواحدة من أفضل الجامعات في العالم في مجال علوم النانو وتقنية النانو، وذلك بحسب تصنيف US News & World Report لأفضل الجامعات في الولايات المتحدة وحول العالم. فلقد احتلت الجامعة المرتبة 18 في قائمة أفضل جامعات علوم النانو وتقنية النانو لعام 2022، وقد تم تكريمها لأبحاثها الأساسية والتطبيقية على المستويين الجزيئي والنانو في مجموعة متنوعة من التخصصات – من الكيمياء إلى العلوم الطبية.



مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
TT

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)

أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، عن مبادرة لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها، وذلك خلال كلمة ألقاها مع ختام «ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي» بمركز الملك فهد الثقافي في الرياض، الخميس.

وشهد الحفل الختامي حضور عددٍ من المسؤولين والشخصيات الثقافية، وقيادات ومنسوبي منظمات القطاع الثقافي غير الربحي، ومنسوبي جهات حكومية ذات العلاقة، ومانحين وداعمين من الأفراد والقطاع الخاص، والمهتمين.

وقال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان في كلمته: «بدعم وتمكين مستمر يحظى به القطاع الثقافي من قيادتنا، نسعد اليوم بختام أعمال ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي، لنحتفي بمسيرة استثنائية لشركاء الأثر».

وأكد أن القطاع الثقافي غير الربحي شهد نقلة تاريخية، في ظل «رؤية المملكة 2030»، واستراتيجية الوزارة له، موضحاً أن عدد منظماته قفز من 30 إلى أكثر من 1650 منظمة، وسجل 20 ألف متطوع مليون ساعة تطوعية، كما أسهمت برامج الدعم التي تجاوزت 340 مليون ريال في تمكينه وتعزيز قدرته على الإنتاج والتأثير.

وأضاف وزير الثقافة السعودي: «قيمنا وإرثنا وثقافتنا تمثل عناصر القوة في القطاع الثقافي غير الربحي، وبفضلها ساهمت المجتمعات المحلية بمختلف مناطق المملكة في ترميم نحو ألف موقع للتراث العمراني».

وأشار الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان إلى أن المبادرة الجديدة تستهدف في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر يتضمن تقديم دعم مالي مماثل لما يقدم من قبل المنظمات غير الربحية لدعم وتمكين ملاك البلدات التراثية الراغبين في ترميم وإعادة تأهيل هذه البلدات على نفقتهم الخاصة.

وأبان أن هذه المبادرة تتوِّج شراكة مميزة وفاعلة بين العمل الحكومي ممثلاً في هيئة التراث، والعمل المجتمعي، للحفاظ على البلدات التراثية في مناطق السعودية، وتحفيز الجهود لتنميتها وإدارتها وتفعيلها وتحويلها إلى روافد ثقافية واقتصادية تسهم في تنمية المجتمعات المحلية، والحفاظ على الهوية العمرانية، مضيفاً أنه سيتم الإعلان عن فتح باب التقديم عليها خلال الربع الرابع من العام الحالي 2026.

واستعرضت الجلسة الختامية للملتقى منجزات القطاع الثقافي غير الربحي منذ إعلان وزارة الثقافة عن استراتيجيته خلال عام 2021، التي تضمّنت عدة مبادراتٍ تطويرية وتمكينية للمنظمات الثقافية غير الربحية. ومن أبرز المنجزات تأسيس جمعياتٍ مهنية واحتضانها، وتسريع عملية نموها، وتطوير منهجية متكاملة لتصحيح أوضاع الأندية الأدبية والجمعيات.

كما تضمنت المنجزات إطلاق برنامج الدعم مقابل الأداء لتمويل مشاريع مختلف فئات المنظمات الثقافية غير الربحية ذات الأثر؛ بما يسهم في تحقيق استدامته. وطوّرت الوزارة إطاراً لتقييم وتصنيف تلك المنظمات على الصعيدين المالي والإداري، وتطوير عدّة جمعيات من خلال تطوير خططها السنوية، وبناء القدرات والمعارف.

وشهد الملتقى على مدى يومين 14 جلسةً حوارية، ناقش فيها مجموعة من الخبراء والمختصين المحليين والدوليين واقع القطاع الثقافي غير الربحي الحالي، ودوره في صناعة المستقبل في ظل التوجُّهات الحديثة، والمستقبل الإنساني المشترك، ودور الثقافة بوصفها قوّةً ناعمة، وأهمية تمكين المنظمات الثقافية غير الربحية لبناء أثرٍ مستدام ثقافياً واقتصادياً.

واستعرض المشاركون نماذج التعاونيات الثقافية، ودور المسؤولية الاجتماعية في تنمية القطاع غير الربحي، بالإضافة إلى آفاقٍ ومساراتٍ مبتكرة للتمويل الثقافي، وأهمية التكامل الفعّال والمستدام، والتعاون الدولي ودوره في التمكين الثقافي، والممكنات والفرص التي تقدمها الوزارة للقطاع ومنظماته، وتطويرها لكفاءتها المؤسسية.

واشتمل الملتقى على عدّة أركان ومبادرات تفاعلية، حيث قدَّم «مختبر المعرفة» مجموعة ورش عمل تطبيقية متخصصة في الحوكمة وقياس الأثر وتنمية الموارد، لتمكين منسوبي المنظمات الثقافية غير الربحية، وأتاحت «جلسات المشورة» فرصة عقد لقاءات إرشادية فردية مع الخبراء، في حين أسهمت «لقاءات 360» في تعزيز التواصل وبناء الشراكات، واستعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة لمنظمات القطاع، وعرّفت «بوابة التمكين» المشاركين ببرامج الدعم وآليات الاستفادة منها.

ويأتي ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي ضمن جهود وزارة الثقافة لتمكينه، ودعم منظماته، لرفع مستوى تأثيرها الثقافي والمجتمعي، وذلك لتحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للثقافة، تحت مظلة «رؤية 2030».


الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
TT

الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)

بعد نجاح مسلسل «فريد»، اتجهت محطة «إم تي في» اللبنانية إلى توسيع تجربة الدبلجة بالعامية المحلية، فاختارت عرض مسلسلي «شراب التوت»، و«المشردون» بصوت لبناني. هذه الخطوة، التي شقّت طريقها بصعوبة في بداياتها، تبدو اليوم أكثر رسوخاً، لتؤكد أن المقولة القائلة بعدم استساغة اللهجة اللبنانية في الدراما المدبلجة ليست دقيقة. فقد تفاعل الجمهور مع هذه الأعمال بإيجابية، ما ساهم في كسر حاجز كان يُعد عائقاً أمام تطوّر هذا القطاع.

وسام بدين بدأ بصناعة الدوبلاج اللبناني من الصفر (وسام بدين)

ومع شركة «ديفكات ستوديوز»، التي يديرها وسام بدين، انطلقت عجلة الدبلجة اللبنانية بشكل فعلي، مستكملة مساراً كان قد بدأه في الثمانينات والتسعينات المخرج نقولا أبو سمح. يومها، فتح الباب أمام دبلجة المسلسلات المكسيكية إلى العربية الفصحى عبر استوديوهات «فيلملي»، واستطاع وضع لبنان على خريطة صناعة الدبلجة، من خلال أعمال أجنبية مدبلجة تركت أثرها لدى الجمهور اللبناني، ولا تزال حاضرة في الذاكرة حتى اليوم. وكان أول عمل هو «السندباد»، ثم توالت المسلسلات المكسيكية مثل «أنت أو لا أحد» و«سوف تدفع الثمن» و«ماريا مرسيدس» وغيرها.

غير أن انتشار الدبلجة باللهجة السورية لاحقاً أدى إلى تراجع حضور «فيلملي»، قبل أن يعيد بدين إحياء هذا المجال عبر تأسيس «ديفكات ستوديوز»، التي انطلقت بأعمال كرتونية وألعاب فيديو وبرامج إذاعية.

لم تولد فكرة الدبلجة باللهجة اللبنانية صدفة، بل جاءت بمبادرة من رئيس مجلس إدارة «إم تي في» ميشال المر، الذي رأى فيها مشروعاً واعداً. وكان «فريد» باكورة هذه التجربة، قبل أن تتوسع لتشمل أعمالاً تركية أخرى مثل «شراب التوت»، و«المشردون». ويؤكد بدين أن التخوّف من اللهجة اللبنانية تلاشى. فقد أبدى الجمهور حماسة لسماعها بأصوات ممثلين محليين، ما أضفى قرباً أكبر على مجريات العمل.

ويشير إلى أن اللهجة اللبنانية، بما تحمله من مرونة وانفتاح، قادرة على مواكبة الأعمال الأجنبية، ولا سيما أنها تتضمن مفردات دخيلة من لغات أخرى، ما يسهل اندماجها في سياقات درامية متنوعة، ولا يحصرها في نطاق الأعمال التركية فقط.

ويعلّق: «يشتهر لبنان بالانفتاح، ولهجته تشكّل نموذجاً حيّاً لتعدد الثقافات. وعادةً ما نستخدم عبارات ومفردات أجنبية، وقد اعتمدنا عليها في صناعتنا لتقديم نموذج واقعي يعكس أحاديثنا اليومية».

أحدث الأعمال المدبلجة المعروضة على «إم تي في» في «المشرّدون» (وسام بدين)

وقد أسهم حضور ممثلين لبنانيين بارزين في إنجاح هذه التجربة، من بينهم خالد السيد، وجمال حمدان، وجناح فاخوري، وتقلا شمعون، وميراي بانوسيان، ووجيه صقر، ورانيا عيسى وغيرهم. في حين يوقّع إخراج هذه الأعمال عدد من الأسماء المعروفة في هذا المجال، مثل رانيا حمندي، ومحمد قدورة، وريتا صبّاغة. وتشرف على تنفيذ هذه الأعمال ريتا نجم.

ورغم هذا النجاح، يلفت بدين إلى أن دعم «إم تي في» يبقى الأساس، داعياً محطات لبنانية أخرى إلى الانخراط في هذه الصناعة، لما توفره من فرص عمل لمئات العاملين في المجالين الفني والتقني. كما يوضح أن تكلفة دبلجة ساعة تلفزيونية أقل بكثير من إنتاج عمل درامي جديد، ما يدفع القنوات إلى اعتماد هذا الخيار في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

يؤكد بدين أن هيكلية هذه الصناعة وأسسها أصبحت راسخة في لبنان، وباتت قادرة على تلبية حاجات أسواق أخرى. ويضيف: «أنا متأكد من أن المشاهد العربي يتقبل اللهجة اللبنانية، ونلمس ذلك من خلال التعليقات التي نتلقاها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فقناة (إم تي في) يشاهدها الملايين خارج لبنان، وأعمالنا المدبلجة باللبنانية تحقق نسب مشاهدة مرتفعة».

وعن مستقبل هذه الصناعة، يقول: «أنا منكب على تطوير هذا المجال منذ فترة طويلة، ولا أترك باباً أو منبراً إلا وأطرقه للترويج له. لكن الأمر لا يتعلق بالتفاؤل أو التشاؤم، بل هو مسار طويل يتطلب المثابرة والجهد والتشجيع. فقد وُلدت هذه الصناعة من الصفر، حتى إننا استحدثنا مترجمين لتقديم نصوص تتلاءم مع خصوصية اللهجة اللبنانية. ونأمل أن تتحسن الأوضاع في البلاد لضمان استمرارية أفضل».

ويختم وسام بدين: «نتطلع أيضاً إلى المنصات والقنوات الإلكترونية، مثل (أمازون) و(إم بي سي) وغيرهما، ونأمل أن تكون قد لاحظت نجاح الدبلجة باللبنانية، فتتجه إليها في إنتاجاتها المستقبلية».


البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
TT

البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)

أخيراً، وبعد أن صار عمره 43 عاماً عثر البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» على أسرته بعدما خطفته من المستشفى سيدة ارتكبت جرائم اختطاف عدة، وتم القبض عليها، لكنها لم تفصح عن أسرته أو مكان اختطافه (أدت دورها في المسلسل الفنانة ريهام عبد الغفور). وظهر إسلام الذي أطلق على نفسه لقب «إسلام الضائع» عبر حسابه بـ«تيك توك» في بث مباشر مساء الأربعاء ليعلن عثوره على أسرته الحقيقية وأنه أخيراً لم يعد ضائعاً بعد تطابق تحليل البصمة الوراثية «DNA» لوالديه معه.

وتحدث إسلام خلال البث مع والدته المصرية، ووالده الليبي الجنسية، اللذين كانا قد اعتقدا أنه مات بعد أن أخبرتهم إدارة المستشفى في الإسكندرية أن طفلهما قد توفي وبعدها سافرت الأسرة إلي ليبيا، وقد أعيته الحيل للوصول إليهم. وكشف إسلام أن اسمه الحقيقي محمد وأن والده ليبي الجنسية، لكنه عاش في مصر وتزوج والدته المصرية، وأضاف أن لديه 20 شقيقاً وشقيقة، وكان قد كشف في تصريحات تلفزيونية سابقة عن إجرائه 55 تحليلاً مع أسر فقدت أبناءها ولم يستدل منها على أسرته.

واقعة خطف إسلام تطرق إليها مسلسل «حكاية نرجس» المأخوذ عن قصة حقيقية، وتصدر «الترند» على منصة «غوغل» الخميس، بعد إعلان إسلام عثوره على أسرته. ويروي المسلسل حكاية نرجس التي تواجه نظرة مجتمعية قاسية لكونها عاقراً، فتنزلق لسيل من الأكاذيب التي تقودها إلي جرائم خطف الأطفال ونسبهم لها وزوجها رسمياً، وتتواصل رحلتها في خطف المزيد منهم والمتاجرة بهم حتى تنتهي حياتها بشكل مأساوي.

ريهام عبد الغفور في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة)

وأدى الممثل يوسف رأفت شخصية «يوسف» التي تعادل شخصية إسلام في الواقع، حيث خطفته نرجس طفلاً وتمسكت بادعاء أنه ابنها. في المسلسل ترفض نرجس إخبار يوسف عن عائلته الحقيقية وتنهي حياتها بالقفز من أعلى بناية لتلقى حتفها وتتركه في حيرته.

ومنذ حلقته الأولى لقي المسلسل تفاعلاً واسعاً وتصدّر استفتاءات «أفضل مسلسل رمضاني»، ونالت بطلته الفنانة ريهام عبد الغفور لقب أفضل ممثلة، وأشاد الجمهور والنقاد ببراعتها وبأداء جميع أبطال المسلسل الذي خاض مخرجه وكاتب القصة سامح علاء من خلاله أولى تجاربه التلفزيونية، بينما كتب المؤلف عمار صبري السيناريو والحوار، وضم بين أبطاله سماح أنور، وحمزة العيلي، وتامر نبيل، وأحمد عزمي.

وأبدى المؤلف عمار صبري سعادته بعثور إسلام على أسرته وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «هذا خبر سعيد للغاية فإسلام هو الضحية الكبرى لهذه القصة وكنت أتابع منذ سنوات رحلة بحثه الطويلة عن أسرته، وإذا كان مسلسل (حكاية نرجس) قد تسبب في إثارة أزمته بشكل ساعد في وصوله لأسرته فهذا هدف نبيل للفن عامة»، وأشار إلى أن المسلسل يحكي قصة نرجس بينما جاءت قصة إسلام كحدث تابع.

وسادت فرحة كبيرة مواقع «السوشيال ميديا» لعثور إسلام على أسرته وأشاد متابعون بمسلسل «حكاية نرجس» لطرحه القصة التي كانت سبباً في إلقاء الضوء على أزمة إسلام، موجهين الشكر لأسرة العمل، فيما طالب بعض الجمهور بتقديم جزء ثانٍ من المسلسل بعد عودة إسلام، ونشرت الفنانة ريهام عبد الغفور عبر حسابها بـ«فيسبوك» خبر عثور إسلام على أسرته وعلقت عليه قائلة «الحمد لله».

إسلام البطل الحقيقي لمسلسل «حكاية نرجس» (فيسبوك)

ويقول عمار صبري عن ذلك: «قصة إسلام تستحق مسلسلاً خاصاً عنها لأنها ذات أبعاد درامية جذابة للغاية لقصة شاب عاش حياته متنقلاً بين أسر مختلفة يظن أن كلاً منها هي أسرته الحقيقية ولكنه يجد نفسه ضائعاً».

وعدت الناقدة الفنية المصرية، ناهد صلاح، أن مسلسل «حكاية نرجس» أول عمل درامي يساهم في عودة مختطف إلى أسرته ويكون عاملاً مهماً في أن يجد الطرفان بعضهما، محققاً رسالة إنسانية مهمة، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «لولا نجاح المسلسل ووصوله إلى الجمهور بهذه الطريقة لم تكن أسرة إسلام قد انتبهت وأجرت التحاليل اللازمة التي أكدت أنه ابنهم».

وأشارت ناهد إلى أن الدراما يمكن أن تكون عاملاً مساعداً ومهماً في قضايا عديدة كاسترداد حقوق وتغيير قوانين، «لكن العثور على مفقودين هي أول واقعة يحققها عمل فني فهناك كثير من الأفلام اللبنانية تناولت المفقودين في الحرب الأهلية اللبنانية ولم يتم العثور عليهم، من بينها الفيلم الروائي (مفقود) للمخرج بشير أبو زيد والوثائقي (خط التماس) إخراج سيلفي باليوت، مما يبرز قوة تأثير الدراما حين يتم تنفيذها بشكل متكامل. وتثير القصة أسئلة عامة عن حوادث خطف الأطفال الموجودة في المجتمع ولعل أقربها واقعة اختطاف طفلة رضيعة من مستشفى الحسين الجامعي قبل يومين».

في السياق؛ ألقت أجهزة الأمن المصرية القبض على السيدة المنتقبة التي اختطفت قبل يومين رضيعة بعد ساعات من ولادتها بمستشفى الحسين الجامعي (وسط القاهرة)، بعد أن تتبع فريق البحث الجنائي عبر كاميرات المراقبة المتهمة حتى العثور عليها بمنزلها بمدينة بدر.

وكانت والدة الطفلة قد أعطتها بحسن نية حسبما ذكرت في التحقيقات لسيدة منتقبة داخل المستشفى لتتمكن من تهدئة الطفلة لكنها غافلت الجميع واختفت في لحظات.

وأكد الإمام الأكبر شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، متابعته الشخصية لتطورات هذ الحادث، باعتباره يخص مستشفى تابعاً لجامعة الأزهر، وأصدر بياناً عبر فيه عن أسفه على اختطاف الرضيعة، موجهاً بضرورة تنسيق الجهود مع الجهات المعنية لسرعة التوصل للطفلة.