يوم مقاتل «العمال الكردستاني» يبدأ في الرابعة فجرًا.. والنساء فيه بعدد الرجال

«الشرق الأوسط» تتجول في معقل الحزب بجبال قنديل وترصد مشاهد الحياة اليومية فيه

TT

يوم مقاتل «العمال الكردستاني» يبدأ في الرابعة فجرًا.. والنساء فيه بعدد الرجال

بعد أن قطعنا مسافة 30 كيلومترًا من آخر نقطة تفتيش تابعة لحكومة إقليم كردستان، وصلنا إلى أول نقطة تفتيش تابعة لقوات حماية الشعب، الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني، تعتبر البوابة الجنوبية لمعقل الحزب.
رسم مقاتلو الحزب على رابية تسمى «كورتك» علم حزبهم وصورة لزعيمهم المعتقل في جزيرة إمرالي التركية عبد الله أوجلان، الذي اعتقلته تركيا في 15 فبراير (شباط) من عام 1999. وعند المدخل، وبعد استفسارات عن أسباب الزيارة والجهة التي نقصدها، التأكد من صحة معلوماتنا، سمح لنا بالتوجه إلى العمق، وكانت النقطة الأولى في رحلتنا إلى معقل العمال زيارة نصب قتلى الحزب. رافقنا في الجولة هفال لات، أي «الرفيق لات» إذ ينادي عناصر الحزب بعضهم بعضا بـ«هفال». تحدث هفال لات لـ«الشرق الأوسط» عن النصب وتاريخ إنشائه وأقسامه، وقال: «شيد هذا النصب عام 2006، ويسمى (مقبرة محمد قراسنكول) نسبة إلى أحد مقاتلينا الذي قتل عام 1983، إذ دفنه أحد القرويين في منزله، ومن ثم أبلغنا فنقلناه إلى هنا وتم تشييد هذا النصب الذي يتكون من خمسة أقسام؛ قسمان منه يضمان قتلى الحزب، وثالث مخصص كساحة لمراسيم إلقاء التحية الأخيرة على القتيل قبل دفنه، وقسم رابع عبارة عن متحف يضم صورا فوتوغرافية لغالبية قتلى الحزب منذ تأسيسه في عام 1974 إلى جانب عدد من أغراض المقاتلين التي كانت بحوزتهم لدى مفارقتهم الحياة. وهناك أيضا حديقة تحمل اسم أوجلان.
وتضم المنطقة 61 قرية تدار من قبل بلدية سفح قنديل، وتنعم هذه القرى الواقعة على جانبي الطريق الرئيسي بالخدمات الرئيسية من ماء وكهرباء وخدمات بلدية ومركز صحي ومدارس لأبناء القرى، إذ مدتها حكومة الإقليم بالطاقة الكهربائية والخدمات، وهي من الناحية الإدارية تابعة لقصبة «سنكسر» التابعة لقضاء رانيا.
وتُدار البلدية بنظام الرئاسة المشتركة، أي برئيسين؛ رجل وامرأة، وهذا النظام متبع في الأحزاب الكردية في تركيا. وأبلغ مسؤولو البلدية «الشرق الأوسط» بأن حزب العمال الكردستاني منع صيد الحيونات البرية في المنطقة الخاضعة له منعا باتا، كذلك منع قطع الأشجار ورمي النفايات وفرض مجموعة من العقوبات على المخالفين.
ويتوسط المنطقة مركز صحي يعمل فيه طبيب ألماني اختار لنفسه اسما كرديا هو «الدكتور ميديا»، الذي جاء إلى جبال قنديل في تسعينات القرن الماضي متطوعا لعلاج جرحى قوات حماية الشعب ومعالجة المواطنين في المنطقة، ولم يتوانَ ولو للحظة عن واجبه، فهو يواصل تقديم خدماته لمراجعيه ليل نهار، لكنه رفض الإدلاء بأي تصريح.
القرى التي مرت بها «الشرق الأوسط» خلال الرحلة كانت مهجورة، لكن سكانها بدأوا بالعودة إليها خلال العامين الماضيين، بعد توقف قصف الطائرات التركية لها في عام 2013، فبدأت الحياة تدب في ربوع الجبال، وتنتشر على أطراف الشارع الذي يمر بين هذه القرى الكثير من محلات البقالة، التي تعتمد على المنتجات الزراعية لسكان القرى الذين يعملون في الزراعة ورعي الحيوانات.
وقبل يومين من وصول مراسل «الشرق الأوسط» إلى المنطقة عاودت الطائرات الحربية التركية، ولأول مرة منذ عام 2013 قصفها على المناطق الخاضعة لسيطرة مقاتلي حزب العمال الكردستاني في منطقة آفشين الواقعة على الحدود بين العراق وتركيا. لكن مصدرًا في قوات حماية الشعب أكد لـ«الشرق الأوسط» عدم وقوع أي خسائر بشرية في صفوف مقاتليهم.
الجانب الآخر من الحياة في قنديل تتمثل بالحياة العسكرية لقوات حماية الشعب التي تضم تحت لوائها مقاتلين أكرادا من تركيا وسوريا وإيران والعراق، بالإضافة إلى عدد من المقاتلين العرب والأتراك والإيرانيين والأوروبيين. ويقول مسؤولو قسم الإعلام في حزب العمال الكردستاني، الذي عرف لنا نفسه بهفال روبار عن يوميات المقاتلين في جبال قنديل: «تبدأ التدريبات العسكرية للمقاتلين في الساعة الرابعة فجرا، وتشمل تدريبات بدنية مختلفة وتدريبات على كيفية خوض المعارك والخطط العسكرية لحرب الجبال والمدن، فنحن نعد أنفسنا لكل أنواع المعارك، وإضافة إلى التدريبات العسكرية يخضع المقاتل في قوات حماية الشعب إلى تدريبات فكرية وثقافية وسياسية تساهم في إعداد المقاتل من كل النواحي، وهذه التدريبات تستمر حتى نهاية اليوم».
وعن الاهتمام بتعليم المقاتلين، قال المسؤول: «قنديل مليئة بالمدارس التي ترفد المقاتل الكردي بالثقافة الحديثة من خلال الحلقات التعليمية، فكل مجموعة من المقاتلين تكون حلقة يبحثون فيها مايقرأونه من الكتب، بالإضافة إلى وجود مكتبة عامة في الجبل، فضلا عن أن لكل مقاتل مكتبة خاصة به تضم كل أنواع الكتب، من ضمنها كتب عبد الله أوجلان. كما نحرص على تثقيف مقاتلينا فكريا وفلسفيا عبر محاضرات مستمرة».
وتابع هفال روبار: «وهناك تدريبات خاصة أخرى، مثلا لدينا في إطار التدريبات السياسية تدريبات دبلوماسية».
وعن النشاطات الفنية والثقافية في جبال قنديل، أوضح هفال روبار: «لدينا منظمة خاصة بالثقافة والفن، تحت اسم مركز الثقافة الديمقراطية الذي يضم عددا من الفرق التراثية والفنية الخاصة به، ونشاطاتهم هي بحسب ما يحتاج إليه الشعب من هذه الفرق فرقة ألحان الجبل وفرق أخرى مسرحية وموسيقية، إضافة إلى الاهتمام بتأليف الكتب، إذ تؤلف سنويا في جبال قنديل العشرات من الكتب، التي تنشر في الجبال وداخل كردستان».
وعن كيفية استقبالهم لمقاتلين جدد، أوضح هفال روبار أن «المقاتل الجديد يتلقى تدريبا ابتدائيا لمدة ثلاثة أشهر، على كيفية استخدام السلاح ويعد إعدادا فكريا حسب فكر زعيم الحزب أوجلان، ويتلقى محاضرات في التنظيم وفي تاريخ الكرد وتاريخ حزب العمال الكردستاني وتاريخ المرأة، وهذه التدريبات تشمل الذكور والإناث، فتدريباتنا كلها مختلطة بين الجنسين، ثم نرى ما يمتلكه المقاتل من مهارات، فإن كانت مهاراته عسكرية حينها يتم تحويله إلى الجانب العسكري، أما إذا تمتع بمهارات سياسية فسيتم تحويله إلى الأقسام السياسية، وكذلك الحال بالنسبة للثقافية الفنية، فتوزيع المقاتلين على أقسام الحزب يكون حسب ما يمتلكونه من مهارات وقدرات، والمقاتل يقترح القسم الذي يتلاءم مع طاقته»، مؤكدا أن الحزب «لا يضغط على أي شخص للانضمام إليه».
وعن وسائل الاتصال، وتوفرها في الجبل، بيّن المسؤول الحزبي أن «وسائل الاتصال من إنترنت وهواتف جوالة ليست متاحة لكل المقاتلين، وهي فقط تتاح لأعضاء القسم الإعلامي لحاجتهم إليها في الرد على الصحافيين وإصدار البيانات الصحافية، أما التلفزيونات وأجهزة الاستقبال الأخرى فهي موجودة في جميع مناطقنا، حيث نتابع من خلالها الأخبار والأحداث في العالم».
وبخصوص كيفية إعداد الطعام ومصادره في الجبل، أوضح هفال روبار قائلا: «نحن نزرع الكثير من الخضراوات والفواكه في الجبل ونشجع على الزراعة، بالإضافة إلى أن أبناء شعبنا يتبرعون لنا بقسم مما نحتاجه من طعام، ونحن أيضا نشتري من السوق حاجاتنا الأخرى، هذا إلى جانب جمع النباتات البرية في الربيع وتجفيف جزء كبير منها لاستخدامها في إعداد الطعام في الصيف والشتاء»، نافيا في الوقت ذاته ممارسة الحزب لأي معاملات تجارية في المنطقة.
المقاتلة فيان تحدثت عن حياة المرأة ضمن صفوف مقاتلي قوات حماية الشعب في جبال قنديل، وقالت: «لدينا في حزب العمال الكردستاني منظمة خاصة بنا نحن النساء تسمى (منظومة نساء كردستان)، ولنا دور الريادة في نضال حزب العمال الكردستاني. أما نسبة النساء في صفوف الحزب فهي تساوي نسبة الرجال، وهن حاضرات في كل المجالات السياسية والعسكرية والفنية والثقافية والفكرية، ولنا دور بارز في الحرب ضد (داعش)، والدليل على دورنا هذا هو لقاء الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند لمقاتلاتنا في قصر الإليزيه، وتقديمه الشكر لهن».
بدوره، قال مقاتل آخر قدم نفسه باسم شورش، ويبلغ من العمر 25 عامًا: «أفتخر بأنني اليوم أنتمي إلى قوات حماية الشعب، فأنا الآن أناضل من أجل حرية الشعوب ومن أجل حرية رئيسنا أوجلان، وشاركت في الكثير من المعارك ضد (داعش)»، وأضاف: «الحرب ضد (داعش) ساهمت في تقوية الوعي القومي لدى الشعب الكردي، فما يجري حاليا في الشرق الأوسط من أحداث وتغييرات، ستنصب في النهاية في صالح الشعب الكردي، ورئيسنا أوجلان يقول إن القرن الحادي والعشرين هو قرن الكرد».



اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث ميناءين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.


العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.