«مؤسسة الفكر العربي» تراجع أولوياتها لتواكب الانقلابات المفصلية

هنري العويط: «جائزة الإبداع العربي» تصل تكلفتها إلى 800 ألف دولار سنويًا

لوغو جائزة الإبداع العربي  -  هنري العويط المدير العام
لوغو جائزة الإبداع العربي - هنري العويط المدير العام
TT

«مؤسسة الفكر العربي» تراجع أولوياتها لتواكب الانقلابات المفصلية

لوغو جائزة الإبداع العربي  -  هنري العويط المدير العام
لوغو جائزة الإبداع العربي - هنري العويط المدير العام

خمسة عشر عامًا مضت على تأسيس «مؤسسة الفكر العربي». لم تكن المسيرة سهلة، ولا ظروف المنطقة بالمشجعة للبحث والمعرفة، خاصة في السنوات الأخيرة.
انطلقت المؤسسة بالتزامن مع احتفالية «بيروت عاصمة للثقافة العربية»، حيث أعلن الأمير خالد الفيصل، من بيروت حينها عن ولادة مبادرة أهلية تجمع بين رأس المال والفكر، من أجل الإسهام في التضامن والنهضة العربيين. رغم كل الأحداث الحالكة، استمرت المؤسسة في نشاطها، بل هي وسعت نطاق اهتماماتها، تدريجيًا، لتطال مع مضي الوقت التعليم، لا سيما تطوير مناهج اللغة العربية وأساليب التعاطي اليومي معها، وأطلقت برنامجا للشباب، كما أصدرت نشرة شهرية ثقافية، وبدأت منذ سنوات منح جوائز سخية تشجيعًا منها للخلاقين العرب. هذا عدا التقارير والدراسات السنوية وترجمة للكتب من لغات عدة.
وهذه السنة وللعام التاسع على التوالي فتحت المؤسسة باب الترشح لـ«جائزة الإبداع العربي» بفروعها السبع: العلمي، والتقني، والإعلامي، والمجتمعي، والأدبي، والاقتصادي والفني، وكذلك جائزة أهم كتاب عربي، التي يستمر الترشح إليها جميعًا حتى 30 من أغسطس (آب) المقبل. وتبلغ قيمة الجائزة لكل فرع 25 ألف دولار أميركي في ما ترتفع جائزة أهم كتاب عربي لتبلغ 50 ألف دولار. ويشرح الدكتور هنري العويط، المدير العام لمؤسسة الفكر العربي لـ«الشرق الأوسط»، أن «الجائزة كان قد تقدم لنيلها العام الماضي 300 مرشح من 20 دولة عربية، أما العام الحالي، وخلال أقل من أسبوعين، وصلت ترشيحات من 16 دولة، وتسعى المؤسسة، لحث من تتوافر فيهم الشروط للترشح، من خلال إيصال المعلومة إلى كل بلد عربي، كما تم تطوير استمارة الترشح الموجودة على موقع المؤسسة، وعليه أيضا يجد المهتمون، المعايير العامة والخاصة المعتمدة لاختيار الفائزين».
والجائزة متميزة لمرونتها وديناميكيتها، لأنها تكافئ الإبداع، بمختلف صوره، ولا تمنح فقط للكتب، ففي المجال الإعلامي قد تعطى لمشروع خلاق أو موقع إلكتروني، كما في المجال الفني قد تمنح لأسطوانة أو مسار أو إنجاز ما، كما أنها في المجال المجتمعي قد تنالها جمعية قامت بأعمال مشهود لها. وقد منحت جائزة الإبداع العلمي العام الماضي، مثلاً، للدكتور ألفرد نعمان والدكتور عصام خليل (لبنان) عن مشروع «تطوير دواء MM - MTA للعلاجات اللبيّة»؛ في ما فاز بجائزة الإبداع التقني الدكتور مشهور مصطفى بني عامر (الأردن) عن «النظام العلاجي الذكي».
لكن المشكلة المزمنة للجوائز في العالم العربي، هي عدم النظر إليها بمصداقية، وثمة شكوك دائمًا تحوم حولها. الدكتور هنري العويط يؤكد على أن كل جائزة «تثبت مصداقيتها بنفسها فبعد الإعلان عن أي عمل فائز يحكم عليه الناس بأنفسهم إن كان يستحق أم لا». ويقول الدكتور العويط: «لم يحدث لغاية الآن أن تقدم أحد باعتراض على أي من الأعمال التي فازت بالجائزة، وهي تتمتع بشفافية كبيرة، وللاختيارات معايير وضعت سلفًا تتم على أساسها التصفيات، كما أن المؤسسة حريصة على أن يكون أعضاء لجان التحكيم من ذوي الاختصاص والكفاءة ومشهود لهم في ميدان عملهم».
«المراجعات النقدية الذاتية، جزء من عمل المؤسسة، وضرورة للتطوير المستمر، يتم ذلك من خلال اجتماعات ومشاورات دائمة، لضبط المعايير وأدوات العمل»، بحسب المدير العام للمؤسسة.
ولكن لماذا لا يعلن عن أسماء أعضاء اللجان التحكيمية.. نسأل الدكتور العويط الذي يعتبر أن لا سرية في العمل، بل على العكس، عند الإعلان عن الفائزين في مؤتمر صحافي، يكون أعضاء اللجان حاضرين، لكن قبل ذلك يفضل أن تبقى الأسماء سرية لإبعاد الأعضاء كما المشرف على كل لجنة عن الضغوط التي يمكن أن يتعرضوا لها.
لكل فرع من الجائزة لجنة تحكيمية خاصة، تتكون من أصحاب الاختصاص ومشرف عليها، وبحسب مدير المؤسسة، فإن «عدد أعضاء لجنة التحكيم، يتغير تبعًا لعدد المرشحين. فإذا تقدمت للجائزة الأدبية مائة رواية أو عمل شعري، فبالضرورة أن عدد أعضاء اللجنة سيكون مختلفًا عنها حين يكون عدد المرشحين مائة، مما يستدعي عددًا أكبر من القارئين والمحكمين، بحيث يأتي كل عضو بالعلامات التي وضعها لكل عمل أدبي قرأه، وهنا تتم التصفيات على مراحل». وهي عملية آلية ومضبوطة تشبه عمل لجنة أكاديمية عند مناقشة أطروحة دكتوراه، مثلاً.
عند موضوع المصداقية يتوقف الدكتور هنري العويط ليقول: «العام الماضي فازت عن جائزة الإبداع المجتمعي، جمعية مجهولة من حضرموت، من أقاصي اليمن. هم أنفسهم لم يصدقوا أنهم ربحوا الجائزة. ليس بالضرورة أن تكون الجهة الفائزة معروفة أو مشهورة، لكن من المهم أن تكون قد قدمت عملاً جليلا ربما في قرية نائية في السودان أو فلسطين، مثل جمعية «فرح العطاء» في لبنان التي قامت بخدمات إنسانية كبيرة في منطقة محرومة مثل «باب التبانة» أو لنزلاء السجون.
تصل كلفة جائزة الإبداع العربي إلى 800 ألف دولار، ولكن ماذا تحقق أكثر من توزيع المبلغ على الفائزين، هل من متابعة؟ الدكتور العويط يقول: «أود أن ألفت إلى أن غالبية الجوائز العربية تحمل أسماء مموليها أو مانحيها. أما هذه الجائزة فتحمل اسم (الإبداع العربي)، وهذا يحسب لها فهي تسير عكس التيار الذي ينفخ في الزعيم أو المسؤول. وبالتالي فهي تكرم المتفوقين في مجالاتهم، وهي لخدمة الفكر والفن والإعلام والمجتمع المدني، في زمن التعصب والتطرف، وتحاول أن تضيء على صورة أخرى مختلفة للعرب. البعد الثاني للجائزة هو تحفيزي، بحيث نقول للفائز هناك من يرعاك ويشجعك ويعنى بك، ونحن في المؤسسة منفتحون على المستقبل».
بدأت «مؤسسة الفكر العربي» عملها بمؤتمرات ومشاريع بحثية، ثم تشعبت اهتماماتها في اتجاهات مختلفة، ألا يؤثر هذا على فعالية العمل؟ نسأل د. العويط الذي يجيب بالقول: «نحن نطرح هذا السؤال على أنفسنا، لكن العالم العربي حاجاته كثيرة، وكيفما عملنا نجد أنفسنا نسد ثغرة. قضية اللغة العربية، مثلاً، محورية، بمعنى ما هي الوسائل التي يمكن أن تخدم اللغة وتحافظ عليها، لأنها أداة التنموية الرئيسية. برنامج الترجمة ضرورة هو الآخر للانفتاح على العالم، نحن نترجم عن الصينية والهندية والإسبانية والفرنسية، خدمة للغة العربية. والشباب هم المستقبل وعليهم الاتكال الكبير، لذلك نشعر أن من واجبنا أن نعنى بهم. الأبحاث أيضًا، لا نستطيع أن نغفلها لذلك نصدر مجلة (أفق) الشهرية». لكن د. العويط وبعد أن يشرح المهمات التي تضطلع به المؤسسة يستدرك بالقول: «يبقى هناك تفكير دائم بالقطاع الذي يستحسن أن نعتبره أولويتنا ونوليه جهدنا الأكبر. نحن في ورشة كبيرة لجوجلة الأفكار».
وعما تتمخض عنه، في الوقت الراهن، هذه المراجعات المستمرة لتحديد الأولويات يقول الدكتور هنري العويط: «لعلنا متجهون لتحويل المؤسسة إلى مركز للأبحاث، وذلك بالعمل مع باحثين دائمين داخل المؤسسة، وآخرين نتعاون معهم من خارجها، كأي مركز أبحاث في العالم. وهذا حاليًا،، موضوع ورشة تفكير كبيرة، بالتعاون مع جهات عدة».
مجلس الأمناء هو الذي يرسم خريطة الطريق الاستراتيجية لهذه المؤسسة الثقافية العربية التي تعمل منذ عقد ونصف، والأهداف التأسيسية ستبقى بحسب ما يقول مديرها العام هي نفسها، ولن يكون أي حياد عنها. لكن طريقة الوصول إلى الغايات هو الذي يتم بحثه باستمرار، خاصة أن حاجات الدول العربية بعد ما أصابها تغيرت ولا بد من ديناميكية لمتابعة هذه التحولات التاريخية الكبرى.
لهذا فإن المؤتمر السنوي الذي اعتادت إن تعقده المؤسسة، سيكون هذه المرة من 6 إلى 8 ديسمبر (كانون الأول) المقبل حول «التكامل العربي: تجارب، تحديات، آفاق» في الماضي والحاضر والمستقبل. وهو مؤتمر يعقد في القاهرة لمواكبة الاحتفال بمرور سبعين سنة على تأسيس الجامعة العربية. ويشرح الدكتور العويط: «الهدف هو التساؤل حول ما يجب أن نفعل، ونقد المرحلة السابقة، وما ارتكب فيها من أخطاء. نحن مؤسسة بناءة ونعتمد المراجعات التقييمية. والمؤتمر سيكون استكمالاً للذي سبقه في الصخيرات في المغرب العام الماضي، حول التكامل العربي: حلم الوحدة وواقع التقسيم».
يشرح المدير العام للمؤسسة بأن «مؤتمر القاهرة سيقام برعاية جمهورية مصر العربية، وبالتعاون مع جامعة الدول العربية، وسيقدم توصيات لتفعيل دورها».



الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»
TT

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

يسلّم العاهل الإسباني فيليبي السادس اليوم الجائزة الأهمّ للآداب الإسبانية، «سرفانتيس»، إلى الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو الذي نال جائزة هذا العام عن أعماله التي وصفتها اللجنة التحكيمية بأنها «تجمع صفاء الفكر النقدي إلى الغوص في الهوية العاطفية والفقدان». وكما جرت العادة منذ عام 1976 عندما منحت الجائزة لأول مرة إلى الشاعر خورخي غيّين، يجري حفل تسليم الجائزة في جامعة Alcala de Henares «قلعة النهر» القريبة من مدريد، حيث شهد النور ميغيل دي سرفانتيس صاحب «دون كيخوتي». جاء في بيان هيئة التحكيم أنها قررت منح سيلوريو الجائزة التي تبلغ قيمتها النقدية 125 ألف يورو «عن نتاجه الأدبي الاستثنائي والعميق الذي أثرى اللغة الإسبانية... وعن نظرته الكئيبة التي يرميها على الذاكرة». ورأى البعض في هذا القرار لفتة من وزارة الثقافة الإسبانية ترمي من ورائها إلى تنقية الأجواء السياسية المتعكرة بين إسبانيا والمكسيك منذ بداية عهد الرئيس المكسيكي السابق لوبيز أوبرادور الذي طالب الحكومة الإسبانية باعتذار تاريخي عن تجاوزات الفاتحين الإسبان خلال «اكتشاف» القارة الأميركية أواخر القرن الخامس عشر. وكانت إسبانيا قد منحت قبل أشهر جائزة «الوئام» لمتحف الأنثروبولوجيا الوطني في مكسيكو، وجائزة الفنون التصويرية للمكسيكية غراسيلا ايتوربيدي. يعدّ سيلوريو من أبرز الروائيين والباحثين والأكاديميين المكسيكيين المعاصرين، وتتميّز أعماله بشغف عميق باللغة، وتدور معظم رواياته حول التاريخ العائلي، وحياة الروائيين الذين تواصل معهم ونتاجهم. في كتابه الأخير الذي صدر مطلع العام الماضي بعنوان «هذه الكومة من المرايا المتكسرة» قرر أن يتناول حياته فيما يشبه المذكرات التي تتعمق في «الدعوة الأدبية» التي جاءته في سن مبكرة، وفي تكوينه الفكري وأنشطته الأكاديمية. ويقول سيلوريو إن العنوان مقتبس من إحدى قصائد بورخيس الذي يعدّه أفضل الذين عرّفوا الذاكرة، ويضيف: «يراكم هذا الكتاب ذكريات مبعثرة تعكس بعض مراحل حياتي. لكنها مجرد انعكاسات؛ لأن اللغة تحرّف ما تسعى إلى اختزانه في الذاكرة. وهو ليس سيرة ذاتية على الإطلاق، بل عبور على بعض الجوانب الأثيرة في حياتي»، ويستشهد بما كتبه الفيلسوف الفرنسي Montaigne على أعمدة بيته الخشبي في القرن السادس عشر «تمتّع بالحاضر، وما عداه لا يعنيك». يُعرَف عن سيلوريو أنه يملك واحدة من أكبر المكتبات الخاصة في أميركا اللاتينية، ويقول إن مطالعاته المفضلة كانت دوماً تدور حول أعمال الشاعرين غارسيا لوركا وميغيل هرنانديز، وحول روايات بلزاك وخوان رولفو وخوليو كورتازار، والأعمال الكاملة لمغيل دي سرفانتيس. ويقول عنه زملاؤه في أكاديمية اللغة المكسيكية إنه مثال «الكاتب الكلّي والنهضوي» الذي لم يقتصر إنتاجه على الدراسات الأدبية والروايات، بل شمل الدراسات اللغوية وكرّس حياته للتعليم والبحث الأكاديمي. في دردشة طويلة مع سيلوريو جمعته بعدد من وسائل الإعلام، بينها «الشرق الأوسط»، في المركز الثقافي المكسيكي بمدريد، اعترف سيلوريو بأنه منذ سنوات يعيش هاجس الوقت بعد أن تبدّلت العلاقة بين الماضي والحاضر «في الماضي كان رصيدي كبيراً من المستقبل، أما اليوم فصار رصيدي الأكبر من الماضي، وهذا ما دفعني إلى كتابة هذه المذكرات»، ويقول: «الذاكرة هي الخزّان الأول لكتاباتي، فيها أستعيد التاريخ والحكايات، وقصص الأسرة والأصدقاء والرفاق الذين رحلوا، وأيضاً الأحداث التي مررت بها ولم أدرك في حينه أهميتها ومدى تأثيرها على حياتي الأدبية... لا يمكن أن نعرف من نحن إذا لم نعرف من كنّا ومن أين جئنا ومن هم أجدادنا وما هي محدداتنا التاريخية. والهدف من كل هذا البحث ليس فحسب لمجرد تحديد الهوية واستعادة الماضي وقراءة الحاضر، بل أيضاً، وقبل أي شيء آخر، لاستشراف المستقبل الذي يتكشّف أمامنا يوماً بعد يوم». لكنه سرعان ما يستدرك ليقول إنه هو أيضاً ضحية التناقضات: لأني أكتب أيضاً كي أنسى؛ لأن الحياة لم تنته بعد، وثمة أمل في أن ننسى، كما يقول خوان كارلوس أونيتي». على أعتاب الثمانين من عمره يبدو سيلوريو هزيلاً في صحته التي يقول إنها تدهورت بسرعة خلال جائحة «كوفيد» التي أعادت إليه أمراضاً كان يظنّ أنه تعافى منها، وهو يتحدث بصوت خشن وغليظ بسبب تقطّع في حباله الصوتية: «هذا الانهيار الصحي والجسدي حرمني من لذّة السفر والتنقّل، لكني أعوّض عن ذلك بالحيوية التي أجدها بشكل أساسي في الكتابة». وعندما نسأله أين يضع الحدود في رواياته بين ما عاشه وما تخيّله يجيب: «في الواقع لا توجد حدود؛ لأن كل ما نتذكّره ويعشعش في ذاكرة ما عشناه في حياتنا، يخضع لعوامل الزمن واللغة. فاللغة ليست هي الواقع، بل هي الوسيلة التي تدلّنا على الواقع، وأعتقد أن كل أدب تاريخي هو خيالي؛ لأن اللغة في أساسها ليست سوى خيال، كالأدب الذي هو دائماً، بشكل أو بآخر، ضروب مختلفة من السير الذاتية». ويضيف: «عندما ننقل التجارب الشخصية إلى عالم الأدب، يولد واقع جديد أكثر واقعية من تلك التجارب، وهنا يكمن سحر الأدب، وقوة الإبداع الذي نبني به عالماً أكثر حيوية وواقعية من الذي كان نقطة الانطلاق». عن أسلوبه الكتابي الذي وصفه كارلوس فونتيس بأنه «فعل إرادة صلبة ومثابرة أكاديمية نادرة» يقول: «الأسلوب هو الحد الفاصل بين الكلمة والواقع المتجسّد في الكتابة. هو الذي يحدد هويتنا، ويمثّلنا، ويميّزنا عن غيرنا؛ لأن الأسلوب لا يقبل الاستنساخ. قد يكون أسلوب الكاتب خاضعاً لتأثيرات عدّة لأن الكاتب هو أيضاً قارئ، لكن أسلوبه يبقى فريداً. أما أسلوبي فهو على صلة وثيقة بمفاقمة الإمكانات اللغوية بأخصب الطرق المتاحة؛ لأني أكره القيود على اللغة، ولا أحب معاقبتها وتعذيبها وقمع براعمها». يعود سيلوريو في هذه الدردشة الطويلة إلى الاستشهاد بكارلوس فونتيس ليقول: «إن الكتّاب قوم أشرار وخبثاء والسذاجة ليست من خصائلهم. الرواية فيها الكثير من القذارة، لو استثنينا منها الروايات الغنائية؛ لأنها تنهل من كل جوانب الحياة، الجميل منها والقبيح والمشين. ولذلك؛ فإن الرواية لا تنتهي، بل إن الكاتب هو الذي يقرر التخلّي عنها ويغادرها بعد أن يدرك أنه قطع المسافة التي كان عليها أن يقطعها. الرواية عمل شاق؛ لأنها تقتضي الكثير من المثابرة والانضباط، وهذا ما يشكّل الفارق الكبير بين القصة والرواية. القصة درّة، والرواية هي حكاية البحث عن هذه الدرّة». ويضيف: «في العادة لا أضع شروطاً مسبقة عندما أباشر كتابة الرواية، كمن يرمي نفسه في البحر ويصغي إلى ما تهمس به الحواري. إنها مغامرة رائعة لا نعرف ماذا ينتظرنا فيها أو كيف ستكون نهايتها». ويكشف لنا سيلوريو عن أن الأبحاث الأخيرة التي أجراها بيّنت أن أول رواية ظهرت في القارة الأميركية كانت تلك التي وضعها المفكر المكسيكي خوسيه خواكين فرنانديز دي ليزاردي مطالع القرن التاسع عشر بعنوان «محطة الأحلام»، (وكان دي ليزاردي صحافياً مشهوراً قضى فترات في السجن بسبب آرائه المؤيدة للحركات الاستقلالية). وعندما نسأله عن الأدباء المكسيكيين المتحدرين من أصول عربية، يحيلنا فوراً إلى الكتاب المرجع الذي وضعته مؤخراً الروائية والناشرة روز ماري سلّوم، المتحدرة من أصول لبنانية، والذي يستعرض أعمال عدد من الروائيين والشعراء المتحدرين من أصول عربية، مثل سلّوم، وكارلوس مارتينيز أسعد، ونايف يحيى، وبابلو مخلوف، وليون رودريغيز زهّار وأنور خليفة، الذين، كما يقول: «رصّعوا الإنتاج الأدبي المكسيكي بأعمال قيّمة جداً». وينهي سيلوريو باسماً: «من حسن طالعي أني كرّست حياتي للأدب الذي لا يرجى منه نفع، لكني تمتعت به طيلة حياتي».

استحق سيلوريو الجائزة لنتاجه الأدبي الاستثنائي والعميق الذي أثرى اللغة الإسبانية… وعن نظرته الكئيبة التي يرميها على الذاكرة

هيئة التحكيم


روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».