«مؤسسة الفكر العربي» تراجع أولوياتها لتواكب الانقلابات المفصلية

هنري العويط: «جائزة الإبداع العربي» تصل تكلفتها إلى 800 ألف دولار سنويًا

لوغو جائزة الإبداع العربي  -  هنري العويط المدير العام
لوغو جائزة الإبداع العربي - هنري العويط المدير العام
TT

«مؤسسة الفكر العربي» تراجع أولوياتها لتواكب الانقلابات المفصلية

لوغو جائزة الإبداع العربي  -  هنري العويط المدير العام
لوغو جائزة الإبداع العربي - هنري العويط المدير العام

خمسة عشر عامًا مضت على تأسيس «مؤسسة الفكر العربي». لم تكن المسيرة سهلة، ولا ظروف المنطقة بالمشجعة للبحث والمعرفة، خاصة في السنوات الأخيرة.
انطلقت المؤسسة بالتزامن مع احتفالية «بيروت عاصمة للثقافة العربية»، حيث أعلن الأمير خالد الفيصل، من بيروت حينها عن ولادة مبادرة أهلية تجمع بين رأس المال والفكر، من أجل الإسهام في التضامن والنهضة العربيين. رغم كل الأحداث الحالكة، استمرت المؤسسة في نشاطها، بل هي وسعت نطاق اهتماماتها، تدريجيًا، لتطال مع مضي الوقت التعليم، لا سيما تطوير مناهج اللغة العربية وأساليب التعاطي اليومي معها، وأطلقت برنامجا للشباب، كما أصدرت نشرة شهرية ثقافية، وبدأت منذ سنوات منح جوائز سخية تشجيعًا منها للخلاقين العرب. هذا عدا التقارير والدراسات السنوية وترجمة للكتب من لغات عدة.
وهذه السنة وللعام التاسع على التوالي فتحت المؤسسة باب الترشح لـ«جائزة الإبداع العربي» بفروعها السبع: العلمي، والتقني، والإعلامي، والمجتمعي، والأدبي، والاقتصادي والفني، وكذلك جائزة أهم كتاب عربي، التي يستمر الترشح إليها جميعًا حتى 30 من أغسطس (آب) المقبل. وتبلغ قيمة الجائزة لكل فرع 25 ألف دولار أميركي في ما ترتفع جائزة أهم كتاب عربي لتبلغ 50 ألف دولار. ويشرح الدكتور هنري العويط، المدير العام لمؤسسة الفكر العربي لـ«الشرق الأوسط»، أن «الجائزة كان قد تقدم لنيلها العام الماضي 300 مرشح من 20 دولة عربية، أما العام الحالي، وخلال أقل من أسبوعين، وصلت ترشيحات من 16 دولة، وتسعى المؤسسة، لحث من تتوافر فيهم الشروط للترشح، من خلال إيصال المعلومة إلى كل بلد عربي، كما تم تطوير استمارة الترشح الموجودة على موقع المؤسسة، وعليه أيضا يجد المهتمون، المعايير العامة والخاصة المعتمدة لاختيار الفائزين».
والجائزة متميزة لمرونتها وديناميكيتها، لأنها تكافئ الإبداع، بمختلف صوره، ولا تمنح فقط للكتب، ففي المجال الإعلامي قد تعطى لمشروع خلاق أو موقع إلكتروني، كما في المجال الفني قد تمنح لأسطوانة أو مسار أو إنجاز ما، كما أنها في المجال المجتمعي قد تنالها جمعية قامت بأعمال مشهود لها. وقد منحت جائزة الإبداع العلمي العام الماضي، مثلاً، للدكتور ألفرد نعمان والدكتور عصام خليل (لبنان) عن مشروع «تطوير دواء MM - MTA للعلاجات اللبيّة»؛ في ما فاز بجائزة الإبداع التقني الدكتور مشهور مصطفى بني عامر (الأردن) عن «النظام العلاجي الذكي».
لكن المشكلة المزمنة للجوائز في العالم العربي، هي عدم النظر إليها بمصداقية، وثمة شكوك دائمًا تحوم حولها. الدكتور هنري العويط يؤكد على أن كل جائزة «تثبت مصداقيتها بنفسها فبعد الإعلان عن أي عمل فائز يحكم عليه الناس بأنفسهم إن كان يستحق أم لا». ويقول الدكتور العويط: «لم يحدث لغاية الآن أن تقدم أحد باعتراض على أي من الأعمال التي فازت بالجائزة، وهي تتمتع بشفافية كبيرة، وللاختيارات معايير وضعت سلفًا تتم على أساسها التصفيات، كما أن المؤسسة حريصة على أن يكون أعضاء لجان التحكيم من ذوي الاختصاص والكفاءة ومشهود لهم في ميدان عملهم».
«المراجعات النقدية الذاتية، جزء من عمل المؤسسة، وضرورة للتطوير المستمر، يتم ذلك من خلال اجتماعات ومشاورات دائمة، لضبط المعايير وأدوات العمل»، بحسب المدير العام للمؤسسة.
ولكن لماذا لا يعلن عن أسماء أعضاء اللجان التحكيمية.. نسأل الدكتور العويط الذي يعتبر أن لا سرية في العمل، بل على العكس، عند الإعلان عن الفائزين في مؤتمر صحافي، يكون أعضاء اللجان حاضرين، لكن قبل ذلك يفضل أن تبقى الأسماء سرية لإبعاد الأعضاء كما المشرف على كل لجنة عن الضغوط التي يمكن أن يتعرضوا لها.
لكل فرع من الجائزة لجنة تحكيمية خاصة، تتكون من أصحاب الاختصاص ومشرف عليها، وبحسب مدير المؤسسة، فإن «عدد أعضاء لجنة التحكيم، يتغير تبعًا لعدد المرشحين. فإذا تقدمت للجائزة الأدبية مائة رواية أو عمل شعري، فبالضرورة أن عدد أعضاء اللجنة سيكون مختلفًا عنها حين يكون عدد المرشحين مائة، مما يستدعي عددًا أكبر من القارئين والمحكمين، بحيث يأتي كل عضو بالعلامات التي وضعها لكل عمل أدبي قرأه، وهنا تتم التصفيات على مراحل». وهي عملية آلية ومضبوطة تشبه عمل لجنة أكاديمية عند مناقشة أطروحة دكتوراه، مثلاً.
عند موضوع المصداقية يتوقف الدكتور هنري العويط ليقول: «العام الماضي فازت عن جائزة الإبداع المجتمعي، جمعية مجهولة من حضرموت، من أقاصي اليمن. هم أنفسهم لم يصدقوا أنهم ربحوا الجائزة. ليس بالضرورة أن تكون الجهة الفائزة معروفة أو مشهورة، لكن من المهم أن تكون قد قدمت عملاً جليلا ربما في قرية نائية في السودان أو فلسطين، مثل جمعية «فرح العطاء» في لبنان التي قامت بخدمات إنسانية كبيرة في منطقة محرومة مثل «باب التبانة» أو لنزلاء السجون.
تصل كلفة جائزة الإبداع العربي إلى 800 ألف دولار، ولكن ماذا تحقق أكثر من توزيع المبلغ على الفائزين، هل من متابعة؟ الدكتور العويط يقول: «أود أن ألفت إلى أن غالبية الجوائز العربية تحمل أسماء مموليها أو مانحيها. أما هذه الجائزة فتحمل اسم (الإبداع العربي)، وهذا يحسب لها فهي تسير عكس التيار الذي ينفخ في الزعيم أو المسؤول. وبالتالي فهي تكرم المتفوقين في مجالاتهم، وهي لخدمة الفكر والفن والإعلام والمجتمع المدني، في زمن التعصب والتطرف، وتحاول أن تضيء على صورة أخرى مختلفة للعرب. البعد الثاني للجائزة هو تحفيزي، بحيث نقول للفائز هناك من يرعاك ويشجعك ويعنى بك، ونحن في المؤسسة منفتحون على المستقبل».
بدأت «مؤسسة الفكر العربي» عملها بمؤتمرات ومشاريع بحثية، ثم تشعبت اهتماماتها في اتجاهات مختلفة، ألا يؤثر هذا على فعالية العمل؟ نسأل د. العويط الذي يجيب بالقول: «نحن نطرح هذا السؤال على أنفسنا، لكن العالم العربي حاجاته كثيرة، وكيفما عملنا نجد أنفسنا نسد ثغرة. قضية اللغة العربية، مثلاً، محورية، بمعنى ما هي الوسائل التي يمكن أن تخدم اللغة وتحافظ عليها، لأنها أداة التنموية الرئيسية. برنامج الترجمة ضرورة هو الآخر للانفتاح على العالم، نحن نترجم عن الصينية والهندية والإسبانية والفرنسية، خدمة للغة العربية. والشباب هم المستقبل وعليهم الاتكال الكبير، لذلك نشعر أن من واجبنا أن نعنى بهم. الأبحاث أيضًا، لا نستطيع أن نغفلها لذلك نصدر مجلة (أفق) الشهرية». لكن د. العويط وبعد أن يشرح المهمات التي تضطلع به المؤسسة يستدرك بالقول: «يبقى هناك تفكير دائم بالقطاع الذي يستحسن أن نعتبره أولويتنا ونوليه جهدنا الأكبر. نحن في ورشة كبيرة لجوجلة الأفكار».
وعما تتمخض عنه، في الوقت الراهن، هذه المراجعات المستمرة لتحديد الأولويات يقول الدكتور هنري العويط: «لعلنا متجهون لتحويل المؤسسة إلى مركز للأبحاث، وذلك بالعمل مع باحثين دائمين داخل المؤسسة، وآخرين نتعاون معهم من خارجها، كأي مركز أبحاث في العالم. وهذا حاليًا،، موضوع ورشة تفكير كبيرة، بالتعاون مع جهات عدة».
مجلس الأمناء هو الذي يرسم خريطة الطريق الاستراتيجية لهذه المؤسسة الثقافية العربية التي تعمل منذ عقد ونصف، والأهداف التأسيسية ستبقى بحسب ما يقول مديرها العام هي نفسها، ولن يكون أي حياد عنها. لكن طريقة الوصول إلى الغايات هو الذي يتم بحثه باستمرار، خاصة أن حاجات الدول العربية بعد ما أصابها تغيرت ولا بد من ديناميكية لمتابعة هذه التحولات التاريخية الكبرى.
لهذا فإن المؤتمر السنوي الذي اعتادت إن تعقده المؤسسة، سيكون هذه المرة من 6 إلى 8 ديسمبر (كانون الأول) المقبل حول «التكامل العربي: تجارب، تحديات، آفاق» في الماضي والحاضر والمستقبل. وهو مؤتمر يعقد في القاهرة لمواكبة الاحتفال بمرور سبعين سنة على تأسيس الجامعة العربية. ويشرح الدكتور العويط: «الهدف هو التساؤل حول ما يجب أن نفعل، ونقد المرحلة السابقة، وما ارتكب فيها من أخطاء. نحن مؤسسة بناءة ونعتمد المراجعات التقييمية. والمؤتمر سيكون استكمالاً للذي سبقه في الصخيرات في المغرب العام الماضي، حول التكامل العربي: حلم الوحدة وواقع التقسيم».
يشرح المدير العام للمؤسسة بأن «مؤتمر القاهرة سيقام برعاية جمهورية مصر العربية، وبالتعاون مع جامعة الدول العربية، وسيقدم توصيات لتفعيل دورها».



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.