نقاد بريطانيون وأميركيون.. ثلاثة قرون من النقد الثقافي

ناقد الأدب حين يكون شخصية عامة

صموئيل جونسون  -  ماثيو أرنولد  -  تي. إس. إليوت
صموئيل جونسون - ماثيو أرنولد - تي. إس. إليوت
TT

نقاد بريطانيون وأميركيون.. ثلاثة قرون من النقد الثقافي

صموئيل جونسون  -  ماثيو أرنولد  -  تي. إس. إليوت
صموئيل جونسون - ماثيو أرنولد - تي. إس. إليوت

«الناقد في العالم الحديث» عنوان كتاب جديد صدر في 2014 عن دار بلومزبري للنشر بنيويورك ولندن، من تأليف الناقد الأسترالي جيمز لي، رئيس تحرير «مجلة سيدني لعرض الكتب» ويحمل الكتاب عنوانًا فرعيًا هو «النقد العمومي من صمويل جونسون إلى جون وود».
James Ley,The Critic in the Modem World، Bloomsbury، 2014.
وعبارة «النقد العمومي» يقصد بها النقد الذي لا يكون موجهًا إلى المتخصصين والأكاديميين فحسب، وإن كان موجهًا إليهم أيضا - وإنما هو موجه إلى جمهور عريض من القراء المتعلمين، ممن تعنيهم قضايا الثقافة والمجتمع. ويتناول الكتاب ستة نقاد بريطانيين وأميركيين يمتدون من القرن الثامن عشر إلى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. نحن هنا نلتقي بثلاثة قرون من التاريخ الثقافي، ونرى الدور الذي يلعبه ناقد الأدب حين يكون شخصية عامة، وكيف واجه مشكلات العالم الغربي الحديث، وقضايا الديمقراطية والليبرالية والتصنيع، وأخيرًا العولمة، وإذ يخصص الكتاب فصلا مستقلا لكل ناقد من نقاده الستة، فإنه يؤطر الكتاب بمقدمة في البداية وبحاشية وببليوغرافيا في النهاية. وفيما بين هذين الإطارين يفحص - من حيث العمق - نقادًا على كلا شاطئي الأطلنطي كان كل منهم يمثل لحظة تاريخية بعينها.
الفصل الأول من الكتاب يتناول الناقد والشاعر الإنجليزي الدكتور صمويل جونسون (1709 - 1784) الذي كان يمثل اتجاها كلاسيكيًا جديدًا، وكان إلى جانب الشاعر ألكسندر بوب - أبرز شخصيات العصر الأوغطسي في القرن الثامن عشر في إنجلترا. كان جونسون هو الديكتاتور الأدبي لعصره، أشبه بعباس محمود العقاد في زمنه، وإلى جانب تحريره أعمال شكسبير، وكتبه النقدية مثل «سير الشعراء» وروايته المسماة «راسيلاس أمير الحبشة» وقصائد بالإنجليزية واللاتينية، وضع أول قاموس للغة الإنجليزية على أسس تاريخية، متتبعًا تاريخ كل كلمة ومصدرها واستخداماتها المختلفة على أقلام الكتاب عبر العصور، وصولا إلى عصره.
يقول جيمز لي إن جونسون قد لخص نظرته إلى الأدب على لسان إيملاك، أحد شخصيات روايته «راسيلاس» فعند إيملاك أن الأدب (وأبرز نماذجه الشعر) يعتد بالحقائق العامة لا الحالات الفردية. إنه يتناول العواطف الثابتة في الطبيعة البشرية، لا الأهواء العابرة أو الصرعات الزائلة.
وهو بهذه المثابة يتجاوز الزمان والمكان والمجتمعات ليصل إلى الجوهر المشترك بين بني الإنسان؛ فالشاعر لا ينظر في أحوال الفرد وإنما في أحوال الجنس البشرى بعامة. إنه - بتعبير جونسون - لا يحصي عدد الخطوط على زهرة التيوليب وإنما يلم بكل أبعاد الزهرة من جدر وساق وأوراق. فالشاعر مشرع للبشرية، يخترق مقولات الزمان والمكان المحدودة.
والناقد الثاني الذي يتناوله الكتاب هو وليم هازليت (1778 - 1830) الذي كان - على النقيض من جونسون - نصيرًا للرومانتيكية، وصديقًا لعدد من الأدباء الرومانتيكيين (على الأقل في مرحلتهم الثورية الباكرة) وكانت اتجاهاته معقدة لا تخلو من متناقضات حتى لقد وصفه أحد مؤرخي حياته بأنه «مثالي رومانتيكي واقعي «والشعر في نظره لغة عالمية تنقل ما هو جوهري في طبائعنا، وتمتزج بكل خبراتنا الوجدانية». يقول: «إنما الخوف شعر، والأمل شعر، والازدراء والغيرة والندم والإعجاب والتعجب والشفقة والقنوط والجنون كلها شعر»، ونحن جميعًا شعراء بالقوة أو بالإمكان (إذا استخدمنا التعبير الفلسفي) حتى ولو لم ننظم شعرًا، لأننا جميعًا قادرون على استشعار هذه الحالات الوجدانية الحادة.
وينتقل جيمز لي في فصله الثالث إلى ناقد من أبرز مفكري العصر الفيكتوري في القرن التاسع عشر هو الشاعر الناقد ماثيو أرنولد (1822 - 1888). لقد كان أرنولد بكتاباته في الأدب والنقد والسياسة والدين والاجتماع، أول نقاد العصر الحديث. وقد وضع الأجندات الفكرية التي سار بمقتضاها كثير من نقاد القرن العشرين، سواء وافقوه أو خالفوه - مثل ت. س. إليوت وف. ر. ليفيس ولايونيل تريلنغ وريموند ويليامز. دعا أرنولد إلى أن يكون النقد نشاطًا ذهنيًا منزهًا عن الغرض، ومستقلا عن أي اعتبارات نفعية عملية. فالنقد هو محاولة أن نرى الأشياء على ما هي عليه في الحقيقة، دون تزوير أو تحريف. والشعر «نقد للحياة» وأبيات الشعراء العظام (هوميروس ودانتي وشكسبير وملتون)، هي «المحك» الذي نفحص به أي شعر جديد لنتبين قيمته، حين نوازن بينه وبين كلمات أولئك العظماء.
والفصل الرابع من الكتاب مخصص لـ«ت. س. إليوت» (1888 - 1965) الذي وصف نفسه في 1928 بأنه «كلاسيكي في الأدب، ملكي في السياسة، أنجلو - كاثوليكي في الدين». لقد كان يشارك أرنولد جديته وسعيه إلى موضوعية النقد، ولكنه كان أقرب إلى المحافظة في حين كان أرنولد أقرب إلى الليبرالية. إن إليوت يؤمن بأهمية التقاليد الدينية والفلسفية والاجتماعية، والدور الحاسم الذي يلعبه الوعي بالموروث الأدبي السابق في تشكيل الموهبة الفردية، فالشعر عنده يتولد من هذا اللقاء بين تقاليد الماضي والموهبة الفردية. من هنا ألح على ضرورة أن يكون الشاعر فكريًا ووجدانيًا وتقنيًا - على وعي بكل منجزات الشعر الأوروبي منذ هوميروس حتى يومنا هذا. لقد كان كلاسيكيًا مجددًا، أو تقليديًا ثوريًا، إن جاز التعبير.
ومن إليوت المولود في أميركا قبل أن يهاجر إلى بريطانيا ينتقل جيمز لي في فصله الخامس إلى ناقد أميركي آخر هو لايونيل تريلنغ (1905 - 1975). كان تريلنغ أستاذا بجامعة كولومبيا ثم بجامعة هارفرد، وواحدًا من أبرز مفكري مدينة نيويورك، وقد خلف أثرًا باقيًا في النقد بكتبه «الخيال الليبرالي» و«ما وراء الثقافة» و«الإخلاص والأصالة» ودراساته عن جون كيتس وماثيو أرنولد وفورستر وغيرهم. وتريلنغ نموذج للمفكر الهيوماني الليبرالي الذي اشتبك بمشكلات العصر، وتأثر في مطلع حياته بماركس وفرويد، وظل محتفظًا حتى النهاية ببعض جوانب فكرهما، كذلك تأثر تريلنغ بالرؤية التشاؤمية للفيلسوف الألماني أوزفالد شبنغلر صاحب كتاب «اضمحلال الغرب» وفى ذلك يقول تريلنغ: «إني أحب الغرب، وأتمنى أن يكف عن الاضمحلال». فكتاباته محاولة لمواجهة تحديات العصر الحديث وأزمات المجتمع الغربي (وهي التي بلغت ذروتها بدخوله حربين عالميتين مدمرتين) ومواجهة لما دعاه فرويد «الحضارة ومنغصاتها».
ويختم جيمز لي كتابه بفصل عن الناقد المعاصر جيمز وود (المولود في 1965 وهو الوحيد على قيد الحياة بين من يتناولهم) أستاذ النقد الأدبي بجامعة هارفرد الأميركية. لقد بدأ حياته صحافيا ثم تحول إلى العمل الأكاديمي، وهو في هذا يقف على النقيض من الذين بدأوا أكاديميين ثم تحولوا إلى الصحافة، مثل ف. ر. ليفيس ولايونيل تريلنغ وفرانك كيرمود وهارولد بلوم وإدوارد سعيد وتري إيجلتون، وقد أصدر وود أربعة كتب حتى الآن هي: «الميراث المحطم: مقالات عن الأدب والاعتقاد» (2000) و«النفس اللامسؤولة: حول الضحك والرواية» (2004) و«كيف تعمل القصة؟» (2008) و«مادة الفكاهة ومقالات أخرى» (2013)، ورغم ضآلة هذا الإنتاج نسبيًا، فقد جعله من أقوى الأصوات النقدية في عالم اليوم.
وينصب اهتمام وود أساسًا على فن القصة في العصر الحديث. ويشارك نقادًا سابقين مثل ميلان كونديرا وإيان وات وإريك أويرباخ اهتمامهم بالنمو الشكلي لطرق تمثيل الواقع في الأدب. ويهتم بوجه خاص بابتكار الرواية طرقًا جديدة للمحاكاة أو التمثيل، ومن ثم فهم الواقع المعقد للسلوك الإنساني والتدرج الدقيق لألوان الوعي الفردي. والقصاصون الذين يحلون أعلى مكان، في سلم قيمه، هم تولستوي وتشيخوف.
وفى نهاية هذه الجولة مع ستة نقاد يقول جيمز لي إنهم يشتركون في كونهم «نقادًا وصفيين» بمعنى أنهم يصفون خصائص العمل الأدبي الذي يتناولونه، ويفككونه إلى مكوناته (وهذا هو المقصود بالتحليل) ثم يعيدون تركيبها. ثم هم نقاد عموميون يكتبون عن قضايا تهم المجتمع كله، لا المثقفين فحسب. ولكنهم يشتركون - بدرجات متفاوتة - في أن لهم أجندات فلسفية وسياسية واجتماعية تستخفي تحت سطح التحليل الأدبي. إنهم منظرون حتى ولو كانوا - مثل ماثيو أرنولد - يجهرون بعدائهم للنظريات المجردة، وحتى لو كان فكرهم يشتمل على عناصر لا عقلانية أو استجابات وجدانية وجمالية منحازة إلى هذا الاتجاه أو ذاك.



رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.


الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.