نقاد بريطانيون وأميركيون.. ثلاثة قرون من النقد الثقافي

ناقد الأدب حين يكون شخصية عامة

صموئيل جونسون  -  ماثيو أرنولد  -  تي. إس. إليوت
صموئيل جونسون - ماثيو أرنولد - تي. إس. إليوت
TT

نقاد بريطانيون وأميركيون.. ثلاثة قرون من النقد الثقافي

صموئيل جونسون  -  ماثيو أرنولد  -  تي. إس. إليوت
صموئيل جونسون - ماثيو أرنولد - تي. إس. إليوت

«الناقد في العالم الحديث» عنوان كتاب جديد صدر في 2014 عن دار بلومزبري للنشر بنيويورك ولندن، من تأليف الناقد الأسترالي جيمز لي، رئيس تحرير «مجلة سيدني لعرض الكتب» ويحمل الكتاب عنوانًا فرعيًا هو «النقد العمومي من صمويل جونسون إلى جون وود».
James Ley,The Critic in the Modem World، Bloomsbury، 2014.
وعبارة «النقد العمومي» يقصد بها النقد الذي لا يكون موجهًا إلى المتخصصين والأكاديميين فحسب، وإن كان موجهًا إليهم أيضا - وإنما هو موجه إلى جمهور عريض من القراء المتعلمين، ممن تعنيهم قضايا الثقافة والمجتمع. ويتناول الكتاب ستة نقاد بريطانيين وأميركيين يمتدون من القرن الثامن عشر إلى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. نحن هنا نلتقي بثلاثة قرون من التاريخ الثقافي، ونرى الدور الذي يلعبه ناقد الأدب حين يكون شخصية عامة، وكيف واجه مشكلات العالم الغربي الحديث، وقضايا الديمقراطية والليبرالية والتصنيع، وأخيرًا العولمة، وإذ يخصص الكتاب فصلا مستقلا لكل ناقد من نقاده الستة، فإنه يؤطر الكتاب بمقدمة في البداية وبحاشية وببليوغرافيا في النهاية. وفيما بين هذين الإطارين يفحص - من حيث العمق - نقادًا على كلا شاطئي الأطلنطي كان كل منهم يمثل لحظة تاريخية بعينها.
الفصل الأول من الكتاب يتناول الناقد والشاعر الإنجليزي الدكتور صمويل جونسون (1709 - 1784) الذي كان يمثل اتجاها كلاسيكيًا جديدًا، وكان إلى جانب الشاعر ألكسندر بوب - أبرز شخصيات العصر الأوغطسي في القرن الثامن عشر في إنجلترا. كان جونسون هو الديكتاتور الأدبي لعصره، أشبه بعباس محمود العقاد في زمنه، وإلى جانب تحريره أعمال شكسبير، وكتبه النقدية مثل «سير الشعراء» وروايته المسماة «راسيلاس أمير الحبشة» وقصائد بالإنجليزية واللاتينية، وضع أول قاموس للغة الإنجليزية على أسس تاريخية، متتبعًا تاريخ كل كلمة ومصدرها واستخداماتها المختلفة على أقلام الكتاب عبر العصور، وصولا إلى عصره.
يقول جيمز لي إن جونسون قد لخص نظرته إلى الأدب على لسان إيملاك، أحد شخصيات روايته «راسيلاس» فعند إيملاك أن الأدب (وأبرز نماذجه الشعر) يعتد بالحقائق العامة لا الحالات الفردية. إنه يتناول العواطف الثابتة في الطبيعة البشرية، لا الأهواء العابرة أو الصرعات الزائلة.
وهو بهذه المثابة يتجاوز الزمان والمكان والمجتمعات ليصل إلى الجوهر المشترك بين بني الإنسان؛ فالشاعر لا ينظر في أحوال الفرد وإنما في أحوال الجنس البشرى بعامة. إنه - بتعبير جونسون - لا يحصي عدد الخطوط على زهرة التيوليب وإنما يلم بكل أبعاد الزهرة من جدر وساق وأوراق. فالشاعر مشرع للبشرية، يخترق مقولات الزمان والمكان المحدودة.
والناقد الثاني الذي يتناوله الكتاب هو وليم هازليت (1778 - 1830) الذي كان - على النقيض من جونسون - نصيرًا للرومانتيكية، وصديقًا لعدد من الأدباء الرومانتيكيين (على الأقل في مرحلتهم الثورية الباكرة) وكانت اتجاهاته معقدة لا تخلو من متناقضات حتى لقد وصفه أحد مؤرخي حياته بأنه «مثالي رومانتيكي واقعي «والشعر في نظره لغة عالمية تنقل ما هو جوهري في طبائعنا، وتمتزج بكل خبراتنا الوجدانية». يقول: «إنما الخوف شعر، والأمل شعر، والازدراء والغيرة والندم والإعجاب والتعجب والشفقة والقنوط والجنون كلها شعر»، ونحن جميعًا شعراء بالقوة أو بالإمكان (إذا استخدمنا التعبير الفلسفي) حتى ولو لم ننظم شعرًا، لأننا جميعًا قادرون على استشعار هذه الحالات الوجدانية الحادة.
وينتقل جيمز لي في فصله الثالث إلى ناقد من أبرز مفكري العصر الفيكتوري في القرن التاسع عشر هو الشاعر الناقد ماثيو أرنولد (1822 - 1888). لقد كان أرنولد بكتاباته في الأدب والنقد والسياسة والدين والاجتماع، أول نقاد العصر الحديث. وقد وضع الأجندات الفكرية التي سار بمقتضاها كثير من نقاد القرن العشرين، سواء وافقوه أو خالفوه - مثل ت. س. إليوت وف. ر. ليفيس ولايونيل تريلنغ وريموند ويليامز. دعا أرنولد إلى أن يكون النقد نشاطًا ذهنيًا منزهًا عن الغرض، ومستقلا عن أي اعتبارات نفعية عملية. فالنقد هو محاولة أن نرى الأشياء على ما هي عليه في الحقيقة، دون تزوير أو تحريف. والشعر «نقد للحياة» وأبيات الشعراء العظام (هوميروس ودانتي وشكسبير وملتون)، هي «المحك» الذي نفحص به أي شعر جديد لنتبين قيمته، حين نوازن بينه وبين كلمات أولئك العظماء.
والفصل الرابع من الكتاب مخصص لـ«ت. س. إليوت» (1888 - 1965) الذي وصف نفسه في 1928 بأنه «كلاسيكي في الأدب، ملكي في السياسة، أنجلو - كاثوليكي في الدين». لقد كان يشارك أرنولد جديته وسعيه إلى موضوعية النقد، ولكنه كان أقرب إلى المحافظة في حين كان أرنولد أقرب إلى الليبرالية. إن إليوت يؤمن بأهمية التقاليد الدينية والفلسفية والاجتماعية، والدور الحاسم الذي يلعبه الوعي بالموروث الأدبي السابق في تشكيل الموهبة الفردية، فالشعر عنده يتولد من هذا اللقاء بين تقاليد الماضي والموهبة الفردية. من هنا ألح على ضرورة أن يكون الشاعر فكريًا ووجدانيًا وتقنيًا - على وعي بكل منجزات الشعر الأوروبي منذ هوميروس حتى يومنا هذا. لقد كان كلاسيكيًا مجددًا، أو تقليديًا ثوريًا، إن جاز التعبير.
ومن إليوت المولود في أميركا قبل أن يهاجر إلى بريطانيا ينتقل جيمز لي في فصله الخامس إلى ناقد أميركي آخر هو لايونيل تريلنغ (1905 - 1975). كان تريلنغ أستاذا بجامعة كولومبيا ثم بجامعة هارفرد، وواحدًا من أبرز مفكري مدينة نيويورك، وقد خلف أثرًا باقيًا في النقد بكتبه «الخيال الليبرالي» و«ما وراء الثقافة» و«الإخلاص والأصالة» ودراساته عن جون كيتس وماثيو أرنولد وفورستر وغيرهم. وتريلنغ نموذج للمفكر الهيوماني الليبرالي الذي اشتبك بمشكلات العصر، وتأثر في مطلع حياته بماركس وفرويد، وظل محتفظًا حتى النهاية ببعض جوانب فكرهما، كذلك تأثر تريلنغ بالرؤية التشاؤمية للفيلسوف الألماني أوزفالد شبنغلر صاحب كتاب «اضمحلال الغرب» وفى ذلك يقول تريلنغ: «إني أحب الغرب، وأتمنى أن يكف عن الاضمحلال». فكتاباته محاولة لمواجهة تحديات العصر الحديث وأزمات المجتمع الغربي (وهي التي بلغت ذروتها بدخوله حربين عالميتين مدمرتين) ومواجهة لما دعاه فرويد «الحضارة ومنغصاتها».
ويختم جيمز لي كتابه بفصل عن الناقد المعاصر جيمز وود (المولود في 1965 وهو الوحيد على قيد الحياة بين من يتناولهم) أستاذ النقد الأدبي بجامعة هارفرد الأميركية. لقد بدأ حياته صحافيا ثم تحول إلى العمل الأكاديمي، وهو في هذا يقف على النقيض من الذين بدأوا أكاديميين ثم تحولوا إلى الصحافة، مثل ف. ر. ليفيس ولايونيل تريلنغ وفرانك كيرمود وهارولد بلوم وإدوارد سعيد وتري إيجلتون، وقد أصدر وود أربعة كتب حتى الآن هي: «الميراث المحطم: مقالات عن الأدب والاعتقاد» (2000) و«النفس اللامسؤولة: حول الضحك والرواية» (2004) و«كيف تعمل القصة؟» (2008) و«مادة الفكاهة ومقالات أخرى» (2013)، ورغم ضآلة هذا الإنتاج نسبيًا، فقد جعله من أقوى الأصوات النقدية في عالم اليوم.
وينصب اهتمام وود أساسًا على فن القصة في العصر الحديث. ويشارك نقادًا سابقين مثل ميلان كونديرا وإيان وات وإريك أويرباخ اهتمامهم بالنمو الشكلي لطرق تمثيل الواقع في الأدب. ويهتم بوجه خاص بابتكار الرواية طرقًا جديدة للمحاكاة أو التمثيل، ومن ثم فهم الواقع المعقد للسلوك الإنساني والتدرج الدقيق لألوان الوعي الفردي. والقصاصون الذين يحلون أعلى مكان، في سلم قيمه، هم تولستوي وتشيخوف.
وفى نهاية هذه الجولة مع ستة نقاد يقول جيمز لي إنهم يشتركون في كونهم «نقادًا وصفيين» بمعنى أنهم يصفون خصائص العمل الأدبي الذي يتناولونه، ويفككونه إلى مكوناته (وهذا هو المقصود بالتحليل) ثم يعيدون تركيبها. ثم هم نقاد عموميون يكتبون عن قضايا تهم المجتمع كله، لا المثقفين فحسب. ولكنهم يشتركون - بدرجات متفاوتة - في أن لهم أجندات فلسفية وسياسية واجتماعية تستخفي تحت سطح التحليل الأدبي. إنهم منظرون حتى ولو كانوا - مثل ماثيو أرنولد - يجهرون بعدائهم للنظريات المجردة، وحتى لو كان فكرهم يشتمل على عناصر لا عقلانية أو استجابات وجدانية وجمالية منحازة إلى هذا الاتجاه أو ذاك.



رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.