أفلام من كل مكان... وجمهور متحمس

«الشرق الأوسط» في مهرجان القاهرة السينمائي (3)

النجم حسين فهمي رئيس مهرجان القاهرة السينمائي مع المنتج محمد حفظي في ليلة الافتتاح (أ.ف.ب)
النجم حسين فهمي رئيس مهرجان القاهرة السينمائي مع المنتج محمد حفظي في ليلة الافتتاح (أ.ف.ب)
TT

أفلام من كل مكان... وجمهور متحمس

النجم حسين فهمي رئيس مهرجان القاهرة السينمائي مع المنتج محمد حفظي في ليلة الافتتاح (أ.ف.ب)
النجم حسين فهمي رئيس مهرجان القاهرة السينمائي مع المنتج محمد حفظي في ليلة الافتتاح (أ.ف.ب)

هناك مهرجانان يُقامان في وقت واحد لكنهما على اختلاف كبير كل واحد عن الآخر.
هناك القاهرة، وهو مهرجان لسينما العالم. كبير ومليء بالحضور ومتمتع بميزانية عالية (40 مليون جنيه إسترليني) ويعرض أفلامه في عدد كبير من الأقسام داخل وخارج المسابقة الدولية.
ومهرجان أصغر حجماً من كل ما سبق من هذه المزايا يُقام في مدينة لوس أنجليس ويتخصص بعرض الأفلام القادمة من آسيا.
الفارق ليس فقط بالحجم بل كذلك بالاختصاص، لكنّ المهرجانين يلتقيان عند نقطة واحدة: حب العطاء في سبيل إتقان الجهد المبذول. أفلام مهرجان آسيا وصلتني جميعاً، وبذلك أتابع في الواقع مهرجانين معاً. الأول في صالات السينما الموزعة في دار الأوبرا في الزمالك، والآخر على شاشة الكومبيوتر. ويا لها من متعة مزدوجة!

ترحيب وتقدير
اليوم (الأربعاء)، يدخل مهرجان القاهرة يومه الثالث. عارضاً ما مجموعه 29 فيلماً روائياً طويلاً، والمجموعة الأولى من الأفلام القصيرة المشاركة. وكان المهرجان عرض في يومه الثاني 24 فيلماً في صالات ممتلئة أو شبه ممتلئة ما يدل، مرة أخرى وكما الحال في الدورات السابقة، على أن الجمهور المصري شغوف لاستقبال أفلام لا توزعها شركات التسويق الحالية، ولا توجد هناك فرص أخرى لمشاهدتها.

من فيلم «شاطئ بعيد»

والترحيب الذي استقبل به رئيس المهرجان حسين فهمي خلال كلمته في حفل الافتتاح يمكن أخذه كإشارة على رغبة مصر الدولة ومصر المجتمع في تطوير المهرجان ودفعه بعيداً عن بعض تلك السنوات التي تعرض فيها لمشاكل إدارية كُتب عنها في حينها.
الذين سارعوا لانتقاد إسناد مهمة رئاسة المهرجان للممثل حسين فهمي على أساس توقعاتهم بأن ليس كل ممثل جيد بالضرورة سيكون مسؤولا سينمائيا صالحا لمهمة كهذه، أخطأوا في حكمهم المسبق هذا. فالرجل لم يكن ليصل لهذه المكانة دون ثقافة سينمائية كبيرة. التمثيل كان التعبير عن حبه للسينما وهذا الحب لا يمكن أن يتجزأ، بل هو آيل للتطور دوماً.
كلمة حسين فهمي في الافتتاح كانت تلقائية وعفوية وموجزة. هو شخصية محببة وجذابة، وله حضور يختلف عن حضور معظم من تولوا الرئاسة إلى الآن. في تلك الكلمة أثنى على الجهود المبذولة، وتحدث عن السينما المصرية التي أحبها منذ أيام الأبيض والأسود.
ترجمة كل ذلك إلى برنامج العروض، تبرر الحماسة التي يشعر بها الجميع حيال المهرجان هذا العام.
بالأمس تم عرض «جلال الدين» للمخرج المغربي حسن بنجلون. دراما حول الصوفي منسوجة بأحداث يمتزج فيها الواقع مع الروحانيات. كان خسر زوجته التي أحبها فاعتزل الحياة الاجتماعية، وأمضى سنوات عديدة في صومعة الأفكار والبحث عن الذات، إلى أن قرر العودة كرجل صوفي يريد أن ينقل الصفاء الذي في داخله إلى سواه.
فيلم عربي آخر تم عرضه يوم أمس (ويعاد عرضه اليوم) هو «بعيداً عن النيل». هذا فيلم تسجيلي موشح بموسيقى فولكلورية بديعة صورها المخرج كعروض مسرحية حية. الرسالة التي يحملها الفيلم هي المساهمة في إحياء تلك الموسيقى الثرية، والمخرج شريف القطشة يستفيد من الموضوع المختار على أفضل وجه تتيحه الإمكانيات التي اشتغل بها.


«كلوندايك»  امرأة على الحدود

على جبهة القتال
في قسم «عروض رسمية خارج المسابقة» عرض المهرجان كذلك فيلم «كلوندايك» الأوكراني. يحمل بالطبع دلالة خاصة بسبب ما يقع هناك اليوم، ولو أن المخرجة مارينا إر غورباش تستعيد أحداثاً وقعت خلال الحرب السابقة (سنة 2014) بطلتها عائلة صغيرة تعيش على خط النار بين الجانبين الروسي والأوكراني.
الفيلم مروي من وجهة نظر امرأة اسمها إركا (أوكسانا شركاشينا) تعيش في بيت يقع عند خطوط التماس بين فريقي القتال. قنبلة يطلقها الوطنيون الأوكرانيون بالخطأ تهدم جدار البيت وتنشر الخراب داخله. لا أحد يعتذر عن هذا «الخطأ» بل يجد الزوجان نفسيهما في دوامة ليسا مسؤولين عنها.
إركا حامل وتنتظر الوضع قريباً. علاقتها مع زوجها توليك (سيرغي شادرين) مضطربة وتزداد توتراً بعد هذا الحادث. يحاول إرضاءها لكنها تعزف عنه وتنتقده غالب الأحيان. هي لا تريد المساومة على مسألة تركهما المنزل بل تصر على البقاء. في لحظة لاحقة تسقط طائرة مدنية في الأفق وهي اللحظة التي تبدأ فيها إركا مراجعة موقفها. في الواقع الطائرة هي تلك الماليزية التي أصيبت بصاروخ خلال مرورها في سماء المنطقة في السابع عشر من يوليو (تموز) سنة 2014، لا يقترب الفيلم منها أو يحكي شيئا عنها. فقرار المخرجة بتصوير بعيد جداً لسقوط الطائرة يفي مشهدياً وفكرياً بالمقصود.
يحثها شقيقها يوريك (أولغ شربينا) على ذلك، ويعتقد أن توليك هو من يمنعها من ذلك. عندما يكتشف أن الزوج متطوع لحساب الروس يشهر مسدسه يريد قتله، لكنه يمتنع واصفاً الزوج بأنه خائن. هناك العديد من الأحداث التي تختار المخرجة وقوعها خارج الكادر، ومن بينها قيام الزوج بسجن شقيق زوجته في كوخ تابع للبيت. كل ذلك والوضع العام يسوء. الوطنيون الأوكرانيون جائعون وعلى الزوج ذبح البقرة الوحيدة التي لديه لإطعامهم. يستعيرون سيارته التي يريد نقل زوجته بها إلى المستشفى. كل ذلك وسواه قبل أن يصل الجنود الروس إلى المكان، بينما تشهد إركا آلام وضع مبكر ومؤلم. هذا لا يهم الجنود وحين يكتشفون وجود شقيقها يطلبون من الزوج قتله. أمر لا يستطيع أن يقوم به.
ترقب إركا كل ما يحدث من بداية الفيلم بيأس شديد ونرقب الوضع البائس الذي تعيشه. هي المحور لفيلم تعمد مخرجته إلى سرده بهدوء وتروٍ وبلقطات طويلة سارحة. هناك دوماً شيء ما يقع في الخلفية. دخان بعيد. رجال يقتربون. سيارات تمر. أخرى تتوقف... إلخ. في كل ذلك، تحسن المخرجة فعل التأمل، ويحسن الجميع فعل الأداء وبإحساس عميق.

حكاية يابانية
أما اليوم فمن بين ما سيعرض من مشاركات عربية الفيلم الأخير للمخرج رضا الباهي «جزيرة الغفران» الذي يدور حول عائلة مسيحية تعيش فوق جزيرة تونسية (أيام الاحتلال الفرنسي)، وتشهد وضعاً يهددها بالرضوخ لمتغيرات غير متوقعة.
نقد الفيلم (الذي شوهد مسبقاً) غداً لكن الناتج، في إيجاز هو دراما آسرة وذات إيقاع هادئ ربما أكثر مما يجب بقليل.
من العروض التي تنتمي إلى برنامج العروض الرسمية خارج المسابقة هو الفيلم الياباني «شاطئ بعيد» (A Far Shore). دراما موجعة في أكثر من مكان من المخرج ماساكي كودو.
تتمحور الدراما هنا حول زوجة شابة تعمل في الحانات كمضيفة للزبائن الذين يودون الجلوس مع الإناث (على الأقل). تصد عن نفسها رغبة بعضهم في التمادي، وتتقاضى أجرها من تلك الحانات التي تعمل فيها مع أخريات.
خلف ابتسامتها للجميع وبث الشعور بالألفة والمودة، هناك حياة أخرى بائسة تعيشها الزوجة التي لديها طفل ترعاه وزوج سكير لا يعمل. حين تتمنع عن منحه المال لشراء ما يشرب، يضربها. وبعد حين تقرر أن تتحول إلى مومس لكي تستطيع أن تعيل عائلتها. الحال بعد ذلك يتحدر ويواصل انحداره والنهاية شبه السعيدة لا تغير الكثير مما يختزنه المُشاهد من شعور بالأسف.
هذا هو ثالث فيلم للمخرج الشاب (سبق عرضه في مهرجان لوكارنو) لكن معالجته ليست ميلودرامية أو ساذجة. يضع الكاميرا في مواجهة ما يحدث من دون إلهاء يخفف من حدة الموضوع. ويباشر عمله بأسلوب مبني على سرد داكن الصورة (عموماً) كحال الحياة الداكنة التي تعيشها بطلة الفيلم كوتوني هناسي.



ترمب يلتقي زعيم فيتنامي ويتعهد بإزالة هانوي من قوائم الحظر

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يلتقي زعيم فيتنامي ويتعهد بإزالة هانوي من قوائم الحظر

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

التقى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، ​بالأمين العام للحزب الشيوعي الفيتنامي الحاكم تو لام، وقال إنه سيعمل على إزالة هانوي من ‌قوائم الدول المحظور ‌حصولها على التكنولوجيا ​الأميركية ‌المتقدمة، وذلك بحسب ​ملخص للمحادثات ⁠نُشر على الموقع الإخباري للحكومة الفيتنامية.

وعقد أول لقاء رسمي بينهما في البيت الأبيض بعد ⁠أن حضر لام الاجتماع ‌الافتتاحي ‌لمجلس السلام في ​واشنطن.

وجاء ‌الاجتماع عقب الإعلان ‌عن صفقات بقيمة تزيد على 30 مليار دولار، ستشتري بموجبها شركات الطيران ‌الفيتنامية 90 طائرة من شركة بوينغ الأميركية ⁠لصناعة ⁠الطائرات.

وأعلن ترمب أمس الجمعة فرض رسوم جمركية جديدة بنسبة 10 بالمئة على معظم الواردات من جميع البلدان، بعد أن ألغت المحكمة العليا بعض الرسوم الجمركية ​الشاملة التي فرضها ​في وقت سابق.


مقتل 3 أشخاص في قصف أميركي لسفينة في شرق المحيط الهادي

لقطة لقارب استهدفته غارة أميركية في الكاريبي (أرشيفية - رويترز)
لقطة لقارب استهدفته غارة أميركية في الكاريبي (أرشيفية - رويترز)
TT

مقتل 3 أشخاص في قصف أميركي لسفينة في شرق المحيط الهادي

لقطة لقارب استهدفته غارة أميركية في الكاريبي (أرشيفية - رويترز)
لقطة لقارب استهدفته غارة أميركية في الكاريبي (أرشيفية - رويترز)

قال الجيش ​الأميركي إنه قصف سفينة في شرق المحيط الهادي، مما أسفر ‌عن مقتل ‌ثلاثة ​رجال، ‌في ⁠أحدث واقعة ​من هذا ⁠النوع خلال الأشهر القليلة الماضية.

وتشيد إدارة ⁠الرئيس دونالد ‌ترمب ‌بنجاحها ​في ‌تدمير سفن ‌يشتبه في تهريبها للمخدرات في المنطقة.

وقال الجيش الأميركي في ‌منشور على منصة إكس إن السفينة ⁠كانت «⁠تشارك في عمليات تهريب مخدرات».


«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».