أفلام من كل مكان... وجمهور متحمس

«الشرق الأوسط» في مهرجان القاهرة السينمائي (3)

النجم حسين فهمي رئيس مهرجان القاهرة السينمائي مع المنتج محمد حفظي في ليلة الافتتاح (أ.ف.ب)
النجم حسين فهمي رئيس مهرجان القاهرة السينمائي مع المنتج محمد حفظي في ليلة الافتتاح (أ.ف.ب)
TT

أفلام من كل مكان... وجمهور متحمس

النجم حسين فهمي رئيس مهرجان القاهرة السينمائي مع المنتج محمد حفظي في ليلة الافتتاح (أ.ف.ب)
النجم حسين فهمي رئيس مهرجان القاهرة السينمائي مع المنتج محمد حفظي في ليلة الافتتاح (أ.ف.ب)

هناك مهرجانان يُقامان في وقت واحد لكنهما على اختلاف كبير كل واحد عن الآخر.
هناك القاهرة، وهو مهرجان لسينما العالم. كبير ومليء بالحضور ومتمتع بميزانية عالية (40 مليون جنيه إسترليني) ويعرض أفلامه في عدد كبير من الأقسام داخل وخارج المسابقة الدولية.
ومهرجان أصغر حجماً من كل ما سبق من هذه المزايا يُقام في مدينة لوس أنجليس ويتخصص بعرض الأفلام القادمة من آسيا.
الفارق ليس فقط بالحجم بل كذلك بالاختصاص، لكنّ المهرجانين يلتقيان عند نقطة واحدة: حب العطاء في سبيل إتقان الجهد المبذول. أفلام مهرجان آسيا وصلتني جميعاً، وبذلك أتابع في الواقع مهرجانين معاً. الأول في صالات السينما الموزعة في دار الأوبرا في الزمالك، والآخر على شاشة الكومبيوتر. ويا لها من متعة مزدوجة!

ترحيب وتقدير
اليوم (الأربعاء)، يدخل مهرجان القاهرة يومه الثالث. عارضاً ما مجموعه 29 فيلماً روائياً طويلاً، والمجموعة الأولى من الأفلام القصيرة المشاركة. وكان المهرجان عرض في يومه الثاني 24 فيلماً في صالات ممتلئة أو شبه ممتلئة ما يدل، مرة أخرى وكما الحال في الدورات السابقة، على أن الجمهور المصري شغوف لاستقبال أفلام لا توزعها شركات التسويق الحالية، ولا توجد هناك فرص أخرى لمشاهدتها.

من فيلم «شاطئ بعيد»

والترحيب الذي استقبل به رئيس المهرجان حسين فهمي خلال كلمته في حفل الافتتاح يمكن أخذه كإشارة على رغبة مصر الدولة ومصر المجتمع في تطوير المهرجان ودفعه بعيداً عن بعض تلك السنوات التي تعرض فيها لمشاكل إدارية كُتب عنها في حينها.
الذين سارعوا لانتقاد إسناد مهمة رئاسة المهرجان للممثل حسين فهمي على أساس توقعاتهم بأن ليس كل ممثل جيد بالضرورة سيكون مسؤولا سينمائيا صالحا لمهمة كهذه، أخطأوا في حكمهم المسبق هذا. فالرجل لم يكن ليصل لهذه المكانة دون ثقافة سينمائية كبيرة. التمثيل كان التعبير عن حبه للسينما وهذا الحب لا يمكن أن يتجزأ، بل هو آيل للتطور دوماً.
كلمة حسين فهمي في الافتتاح كانت تلقائية وعفوية وموجزة. هو شخصية محببة وجذابة، وله حضور يختلف عن حضور معظم من تولوا الرئاسة إلى الآن. في تلك الكلمة أثنى على الجهود المبذولة، وتحدث عن السينما المصرية التي أحبها منذ أيام الأبيض والأسود.
ترجمة كل ذلك إلى برنامج العروض، تبرر الحماسة التي يشعر بها الجميع حيال المهرجان هذا العام.
بالأمس تم عرض «جلال الدين» للمخرج المغربي حسن بنجلون. دراما حول الصوفي منسوجة بأحداث يمتزج فيها الواقع مع الروحانيات. كان خسر زوجته التي أحبها فاعتزل الحياة الاجتماعية، وأمضى سنوات عديدة في صومعة الأفكار والبحث عن الذات، إلى أن قرر العودة كرجل صوفي يريد أن ينقل الصفاء الذي في داخله إلى سواه.
فيلم عربي آخر تم عرضه يوم أمس (ويعاد عرضه اليوم) هو «بعيداً عن النيل». هذا فيلم تسجيلي موشح بموسيقى فولكلورية بديعة صورها المخرج كعروض مسرحية حية. الرسالة التي يحملها الفيلم هي المساهمة في إحياء تلك الموسيقى الثرية، والمخرج شريف القطشة يستفيد من الموضوع المختار على أفضل وجه تتيحه الإمكانيات التي اشتغل بها.


«كلوندايك»  امرأة على الحدود

على جبهة القتال
في قسم «عروض رسمية خارج المسابقة» عرض المهرجان كذلك فيلم «كلوندايك» الأوكراني. يحمل بالطبع دلالة خاصة بسبب ما يقع هناك اليوم، ولو أن المخرجة مارينا إر غورباش تستعيد أحداثاً وقعت خلال الحرب السابقة (سنة 2014) بطلتها عائلة صغيرة تعيش على خط النار بين الجانبين الروسي والأوكراني.
الفيلم مروي من وجهة نظر امرأة اسمها إركا (أوكسانا شركاشينا) تعيش في بيت يقع عند خطوط التماس بين فريقي القتال. قنبلة يطلقها الوطنيون الأوكرانيون بالخطأ تهدم جدار البيت وتنشر الخراب داخله. لا أحد يعتذر عن هذا «الخطأ» بل يجد الزوجان نفسيهما في دوامة ليسا مسؤولين عنها.
إركا حامل وتنتظر الوضع قريباً. علاقتها مع زوجها توليك (سيرغي شادرين) مضطربة وتزداد توتراً بعد هذا الحادث. يحاول إرضاءها لكنها تعزف عنه وتنتقده غالب الأحيان. هي لا تريد المساومة على مسألة تركهما المنزل بل تصر على البقاء. في لحظة لاحقة تسقط طائرة مدنية في الأفق وهي اللحظة التي تبدأ فيها إركا مراجعة موقفها. في الواقع الطائرة هي تلك الماليزية التي أصيبت بصاروخ خلال مرورها في سماء المنطقة في السابع عشر من يوليو (تموز) سنة 2014، لا يقترب الفيلم منها أو يحكي شيئا عنها. فقرار المخرجة بتصوير بعيد جداً لسقوط الطائرة يفي مشهدياً وفكرياً بالمقصود.
يحثها شقيقها يوريك (أولغ شربينا) على ذلك، ويعتقد أن توليك هو من يمنعها من ذلك. عندما يكتشف أن الزوج متطوع لحساب الروس يشهر مسدسه يريد قتله، لكنه يمتنع واصفاً الزوج بأنه خائن. هناك العديد من الأحداث التي تختار المخرجة وقوعها خارج الكادر، ومن بينها قيام الزوج بسجن شقيق زوجته في كوخ تابع للبيت. كل ذلك والوضع العام يسوء. الوطنيون الأوكرانيون جائعون وعلى الزوج ذبح البقرة الوحيدة التي لديه لإطعامهم. يستعيرون سيارته التي يريد نقل زوجته بها إلى المستشفى. كل ذلك وسواه قبل أن يصل الجنود الروس إلى المكان، بينما تشهد إركا آلام وضع مبكر ومؤلم. هذا لا يهم الجنود وحين يكتشفون وجود شقيقها يطلبون من الزوج قتله. أمر لا يستطيع أن يقوم به.
ترقب إركا كل ما يحدث من بداية الفيلم بيأس شديد ونرقب الوضع البائس الذي تعيشه. هي المحور لفيلم تعمد مخرجته إلى سرده بهدوء وتروٍ وبلقطات طويلة سارحة. هناك دوماً شيء ما يقع في الخلفية. دخان بعيد. رجال يقتربون. سيارات تمر. أخرى تتوقف... إلخ. في كل ذلك، تحسن المخرجة فعل التأمل، ويحسن الجميع فعل الأداء وبإحساس عميق.

حكاية يابانية
أما اليوم فمن بين ما سيعرض من مشاركات عربية الفيلم الأخير للمخرج رضا الباهي «جزيرة الغفران» الذي يدور حول عائلة مسيحية تعيش فوق جزيرة تونسية (أيام الاحتلال الفرنسي)، وتشهد وضعاً يهددها بالرضوخ لمتغيرات غير متوقعة.
نقد الفيلم (الذي شوهد مسبقاً) غداً لكن الناتج، في إيجاز هو دراما آسرة وذات إيقاع هادئ ربما أكثر مما يجب بقليل.
من العروض التي تنتمي إلى برنامج العروض الرسمية خارج المسابقة هو الفيلم الياباني «شاطئ بعيد» (A Far Shore). دراما موجعة في أكثر من مكان من المخرج ماساكي كودو.
تتمحور الدراما هنا حول زوجة شابة تعمل في الحانات كمضيفة للزبائن الذين يودون الجلوس مع الإناث (على الأقل). تصد عن نفسها رغبة بعضهم في التمادي، وتتقاضى أجرها من تلك الحانات التي تعمل فيها مع أخريات.
خلف ابتسامتها للجميع وبث الشعور بالألفة والمودة، هناك حياة أخرى بائسة تعيشها الزوجة التي لديها طفل ترعاه وزوج سكير لا يعمل. حين تتمنع عن منحه المال لشراء ما يشرب، يضربها. وبعد حين تقرر أن تتحول إلى مومس لكي تستطيع أن تعيل عائلتها. الحال بعد ذلك يتحدر ويواصل انحداره والنهاية شبه السعيدة لا تغير الكثير مما يختزنه المُشاهد من شعور بالأسف.
هذا هو ثالث فيلم للمخرج الشاب (سبق عرضه في مهرجان لوكارنو) لكن معالجته ليست ميلودرامية أو ساذجة. يضع الكاميرا في مواجهة ما يحدث من دون إلهاء يخفف من حدة الموضوع. ويباشر عمله بأسلوب مبني على سرد داكن الصورة (عموماً) كحال الحياة الداكنة التي تعيشها بطلة الفيلم كوتوني هناسي.



«اختبارات البحرين»: لوكلير يحقق أسرع زمن في اليوم الأخير

شارل لوكلير سائق فيراري تألق في اختبارات حلبة الصخير (رويترز)
شارل لوكلير سائق فيراري تألق في اختبارات حلبة الصخير (رويترز)
TT

«اختبارات البحرين»: لوكلير يحقق أسرع زمن في اليوم الأخير

شارل لوكلير سائق فيراري تألق في اختبارات حلبة الصخير (رويترز)
شارل لوكلير سائق فيراري تألق في اختبارات حلبة الصخير (رويترز)

اختتمت بطولة العالم لسباقات «فورمولا 1» للسيارات، الجمعة، اختبارات ما قبل الموسم في البحرين، حيث كان شارل لوكلير سائق فيراري الأسرع، بينما حقّق الصاعد أرفيد ليندبلاد سائق «ريسنغ بولز» رقماً قياسياً بعدما أجرى 165 لفة في يوم واحد.

وكان أفضل زمن سجّله لوكلير هو دقيقة واحدة و31.922 ثانية، متفوقاً بفارق 0.879 ثانية عن الزمن الذي حققه بطل العالم سائق مكلارين، لاندو نوريس، الذي جاء في المركز الثاني بعدما كان الأسرع في اليوم الثاني من الاختبارات التي استمرت 3 أيام.

واحتل ماكس فرستابن، بطل العالم 4 مرات، المركز الثالث مع فريق «رد بول»، بفارق 1.117 ثانية عن الصدارة، بينما حلّ جورج راسل، المرشح الأبرز قبل بداية الموسم، رابعاً مع مرسيدس، بفارق كبير عن أفضل زمن حقّقه كيمي أنتونيلي الخميس، وهو دقيقة واحدة و32.803 ثانية.

وقضى لوكلير اليوم بأكمله في السيارة، بينما شاهده زميله في الفريق وبطل العالم 7 مرات لويس هاميلتون من المرآب، وأكمل 132 لفة على حلبة الصخير.

واحتل بيير غاسلي سائق ألبين المركز الخامس، بينما احتل أوليفر بيرمان سائق هاس المركز السادس، وجاء غابرييل بورتوليتو سابعاً مع فريق أودي الذي حلّ محل فريق ساوبر على شبكة الانطلاق.

واحتل ليندبلاد، السائق الوحيد الجديد هذا الموسم، المركز التاسع وسجّل رقماً قياسياً لعدد اللفات في يوم واحد في البحرين مع سيارة «ريسنغ بولز» التي بدت قوية مع محرك «رد بول» الجديد.

وتفوق ليندبلاد على الرقم القياسي السابق الذي حققه أوسكار بياستري سائق مكلارين الأسبوع الماضي، وهو 161 لفة.

وعلى الجانب الآخر من جدول الترتيب، أكمل فريق «أستون مارتن» المتعثر 6 لفات فقط، وكان من المقرر أن يقود لانس سترول السيارة طوال اليوم، لكنه فشل في تسجيل أي وقت بسبب مشكلة في البطارية.

ويبدأ الموسم، المكون من 24 جولة في أستراليا، في 8 مارس (آذار).


مراقبون يصفون مسار محادثات أوكرانيا بأنه «مسرحية سياسية» و«سلام على الورق»

جانب من المحادثات بين أوكرانيا وروسيا التي تقودها واشنطن في جنيف لإنهاء الحرب بأوكرانيا (رويترز)
جانب من المحادثات بين أوكرانيا وروسيا التي تقودها واشنطن في جنيف لإنهاء الحرب بأوكرانيا (رويترز)
TT

مراقبون يصفون مسار محادثات أوكرانيا بأنه «مسرحية سياسية» و«سلام على الورق»

جانب من المحادثات بين أوكرانيا وروسيا التي تقودها واشنطن في جنيف لإنهاء الحرب بأوكرانيا (رويترز)
جانب من المحادثات بين أوكرانيا وروسيا التي تقودها واشنطن في جنيف لإنهاء الحرب بأوكرانيا (رويترز)

بينما تتوالى البيانات «المتفائلة» عقب كل جولة مفاوضات روسية أوكرانية، تبدو عملية السلام وكأنها تدور في حلقة مغلقة. جولة جنيف الأخيرة، على سبيل المثال، انتهت كما انتهت جولات سابقة: كلمات منمّقة عن «نقاشات جوهرية»، بلا اختراقٍ في العقد الأساسية. رئيس الوفد الروسي فلاديمير ميدينسكي عدّ الاجتماعات «صعبة لكن عملية»، فيما تحدث كبير المفاوضين الأوكرانيين رستم عمروف عن محادثات «مثمرة»، وذهب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف إلى الحديث عن «تقدمٍ ذي معنى» من دون تفاصيل واضحة.

ورغم الإطراء وصعوبة المحادثات، قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، الجمعة، إنه لا يستطيع حتى الآن تأكيد موعد ومكان انعقاد جولة جديدة من المحادثات.

وأفادت وكالة تاس الروسية للأنباء في وقت سابق من الجمعة، نقلاً عن مصدر، بأن المحادثات المقبلة ستعقد في جنيف بمشاركة ثلاثة وفود، من روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مرحِّباً بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في فلوريدا يوم 28 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

هذه الفجوة بين اللغة والنتائج هي ما دفع مراقبين إلى وصف المسار بأنه «مسرحية سياسية»، هدفها عدم تحميل أي طرف مسؤولية الفشل أمام دونالد ترمب.

الفكرة الحاكمة هنا أن موسكو وكييف لا تريدان أن يبدوا في صورة «المعطِّل»، لأن تكلفة إغضاب ترمب تختلف لكنها باهظة للطرفين. أوكرانيا تخشى مزيداً من تآكل المساعدة الأميركية التي تراجعت فعلياً، بينما تخشى روسيا أن ينقلب المزاج في واشنطن إلى تشديد عقوباتٍ قد تضغط على اقتصادٍ بدأ يُظهر علامات إنهاك. وفي خلفية المشهد، يلوح عامل إضافي: اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأميركية، وما يعنيه ذلك من إمكانية تقلص اهتمام البيت الأبيض بالملف إذا طال المسار بلا إنجاز.

صفقات لإبقاء ترمب سعيداً

الطاقم الأميركي في مفاوضات جنيف حول أوكرانيا (أ.ب)

التقاء الهدف التكتيكي بين موسكو وكييف في «عدم إغضاب ترمب» أظهر أيضاً أن مسار الحرب لم يعد منفصلاً عن «سوق الصفقات» الذي تحاول موسكو فتحه مع واشنطن. فقد أشار تقرير لـ«رويترز» إلى أن مستثمراً أميركياً، هو غينتري بيتش، وقّع اتفاقاً، أواخر 2025، يتعلق بمشروع غاز في ألاسكا مع شركة نوفاتيك الروسية، في خطوة تُقرأ باعتبارها اختباراً مبكراً لمدى قابلية «فك العزلة الاقتصادية» قبل انتهاء الحرب فعلياً.

كبير المفاوضين الروس فلاديمير ميدينسكي يغادر فندق إنتركونتيننتال في جنيف (أ.ف.ب)

هذه الفكرة، «الصفقات مقابل المناخ السياسي»، لا تعني بالضرورة أن الشركات الأميركية ستعود سريعاً إلى روسيا، لكنها تمنح موسكو أداة إضافية في مخاطبة رئيس أميركي «صفقاتي» بطبيعته، وإقناع دوائر استثمارية بأن ما كان مستحيلاً في سنوات سابقة قد يصبح ممكناً إذا تغيّر سقف القيود. وفي المقابل، تتسع هوة الشك الأوروبية: أجهزة استخبارات أوروبية عبّرت عن اعتقادها بأن موسكو تستخدم مسار التفاوض لتليين العقوبات وعقد ترتيبات تجارية، لا لإنهاء الحرب سريعاً.

كبير المفاوضين الروس فلاديمير ميدينسكي يغادر فندق إنتركونتيننتال في جنيف (أ.ف.ب)

أوروبا تدفع الفاتورة

إذا كان «المسرح» يحفظ ماء الوجه السياسي، فإن الأرقام تكشف أين أصبحت الرافعة الحقيقية لصمود كييف. معهد «كيل للاقتصاد العالمي» وثّق تحولاً حاداً في 2025؛ المساعدات العسكرية الأوروبية المخصصة لأوكرانيا ارتفعت بنسبة 67 في المائة مقارنة بمتوسط 2022 – 2024، بينما ارتفعت المساعدات المالية والإنسانية بنسبة 59 في المائة مقارنة بالفترة نفسها. وفي الاتجاه المعاكس، هبطت المساعدة العسكرية الأميركية بنحو 99 في المائة في 2025 وفق التقرير نفسه، ما جعل أوروبا عملياً «محرك البقاء» في العام الرابع للحرب.

زيلينسكي خلال مشاركته في أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن 14 فبراير (أ.ف.ب)

لكن الصورة ليست وردية بالكامل: مع الانسحاب الأميركي، بقي إجمالي المخصصات العسكرية في 2025 أدنى بنحو 13 في المائة من متوسط 2022 - 2024، وبقي أيضاً دون مستوى 2022، الذي كان يُعد أصلاً أدنى عام في المساعدات العسكرية منذ بداية الحرب، بنحو 4 في المائة. معنى ذلك أن أوروبا نجحت في سد جزء كبير من الفجوة، لكنها لم تعُد بالأرقام إلى قمم الدعم التي عرفتها سنوات سابقة، وهو ما يفسر استمرار الشكاوى الأوكرانية بشأن الدفاع الجوي والذخائر.

ومن هنا جاء الاعتماد المتزايد على صيغة «الشراء بدل المنح»؛ حلفاء ضمن حلف شمال الأطلسي موّلوا مشتريات من الولايات المتحدة عبر آلية المتطلبات الأوكرانية ذات الأولوية. الناتو أعلن عن تعهدات تتجاوز 4 مليارات دولار لمعدات وذخائر مصدرها الولايات المتحدة ضمن هذه المبادرة. وتقرير آخر استند إلى بيانات معهد «كيل»، أشار إلى أن مانحين اشتروا بنحو 4.39 مليار دولار من أسلحة أميركية لصالح كييف في 2025، بينها منظومات دفاع جوي ومعدات مدفعية.

أرشيفية للمستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (إ.ب.أ)

الذروة السياسية لهذا التحول تمثلت في قرار أوروبي بآلية تمويل ضخمة للسنوات 2026 - 2027؛ سفراء الاتحاد الأوروبي وضعوا اللمسات النهائية لقرض بقيمة 90 مليار يورو، على أن يذهب ثلثاه للمساعدة العسكرية والثلث لدعم الموازنة، مع تشجيع الشراء من الاتحاد وأوكرانيا ومنطقة اقتصادية أوروبية أوسع، مع استثناءات عند الحاجة. هذه الأرقام ليست تفصيلاً تقنياً؛ إنها تعيد ترتيب «حقوق التمثيل» في التفاوض. فحين تصبح أوروبا المموّل الأكبر فعلياً، يتعزز منطق أن لها كلمة في شروط ما بعد الحرب؛ من مراقبة وقف إطلاق النار، إلى شكل الضمانات الأمنية، وصولاً إلى التموضع الدفاعي شرقاً. غير أن المشكلة أن واشنطن ما زالت تمسك بمفاتيح لا يمكن استبدالها بسهولة، مثل الاستخبارات، وبعض قدرات الدفاع الجوي، إضافة إلى مبيعات السلاح التي تمر عبر الأوروبيين. النتيجة هي معادلة هجينة؛ أوروبا تدفع أكثر، لكن الولايات المتحدة تملك أوراقاً نوعية تجعلها شريكاً حاسماً حتى عندما تقل مساهمتها المباشرة.

وبالتوازي مع ساحة الدعم، تحاول بروكسل تثبيت المسار السياسي طويل الأمد لكييف. أنطونيو كوستا قال إن الاتحاد الأوروبي يريد فتح مفاوضات الانضمام «في أقرب وقت ممكن» من دون تحديد تاريخ، وسط حديث عن تصورات أميركية تربط إنهاء الحرب بأفق انضمام أوكرانيا للاتحاد بحلول يناير (كانون الثاني) 2027، وهو موعد يراه كثيرون غير واقعي.

ألمح رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان إلى أن المجر قد تقطع إمدادات الطاقة عن أوكرانيا المجاورة إذا استمرت كييف في عرقلة تسليم النفط الروسي. وقال أوربان لصحافيين مجريين في واشنطن، الخميس: «لا أريد أن أهدد أو أستبق أي شيء. لكن أوكرانيا تتلقى جزءاً كبيراً من الكهرباء عبر المجر». وذكر الزعيم المجري أنه يتعين على كييف الكفّ عما وصفه بمحاولات إثارة الاضطرابات وممارسة «الابتزاز»، مضيفاً أن بودابست قد تنظر في اتخاذ «خطوات انتقامية».

ومنذ أن شنّت روسيا غزوها لأوكرانيا قبل نحو 4 سنوات، سعى أوربان إلى عرقلة مساعدات الاتحاد الأوروبي لكييف والعقوبات المفروضة على موسكو، واصفاً سياسة التكتل تجاه أوكرانيا بأنها «تحريض على الحرب».

زيلينسكي كع فيطتور اوربان(رويترز)

إشارات تعب لاقتصاد روسيا

على الضفة الروسية، لا يزال الحديث عن «صمود الاقتصاد» صحيحاً بالمعنى الكلي، لكنه بات أقل بريقاً في التفاصيل اليومية. وكالة «رويترز» رصدت تسارع إغلاق مطاعم ومقاهٍ في أنحاء روسيا، من موسكو إلى فلاديفوستوك، مع تباطؤ الاستهلاك حتى في المدن الغنية وارتفاع التكلفة والإيجارات والضرائب، وتحوّل الإنفاق في قطاع المطاعم إلى أدنى مستوى في 3 سنوات خلال أواخر 2025، بينما سجّل يناير 2026 أكبر انخفاض في عدد منافذ تقديم الطعام منذ 2021.

هذه اللوحة تشرح لماذا يبدو الكرملين حريصاً على فتح «نوافذ اقتصادية» مع الغرب من دون استعجال اتفاق سياسي نهائي؛ الاقتصاد لا ينهار، لكنه يدفع أثماناً متزايدة، ما يجعل أي تخفيف للعقوبات أو أي قنوات تجارية واستثمارية محتملة مكسباً استراتيجياً بحد ذاته. وفي المقابل، تدرك كييف أن أي وقف نار بلا ضمانات قد يتحول إلى استراحة قصيرة قبل جولة جديدة، بينما ترى أوروبا أن استمرار الحرب، ولو بإيقاع أبطأ، سيبقى مرجحاً ما لم تتغير تكلفة موسكو أو تُحسم معادلة الأمن في أوكرانيا.


«البارالمبية الدولية»: مشاركة الروس في الألعاب البارالمبية كانت قراراً «ديمقراطياً»

«البارالمبية الدولية» أيدت مشاركة روسيا (اللجنة البارالمبية الدولية)
«البارالمبية الدولية» أيدت مشاركة روسيا (اللجنة البارالمبية الدولية)
TT

«البارالمبية الدولية»: مشاركة الروس في الألعاب البارالمبية كانت قراراً «ديمقراطياً»

«البارالمبية الدولية» أيدت مشاركة روسيا (اللجنة البارالمبية الدولية)
«البارالمبية الدولية» أيدت مشاركة روسيا (اللجنة البارالمبية الدولية)

قالت اللجنة البارالمبية الدولية لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الجمعة، إنها تتفهم استياء عدة دول بعد السماح لمواطنين روس بالمشاركة في ألعاب 2026 بصفة رسمية، لكنها شدّدت على أن هذا القرار كان نتيجة تصويت «ديمقراطي» لأعضاء المنظمة.

وأضاف ممثل اللجنة، كريغ سبنسر، للوكالة: «نحن نتفهم استياء كثير من الدول من هذا القرار، لكنه تم ضمن عملية ديمقراطية للغاية. لقد عرضنا هذا القرار على تصويت جميع أعضائنا، الذين أيدوا عودة روسيا وبيلاروسيا»، وذلك بعد إعلان تشيكيا وأوكرانيا مقاطعة حفل الافتتاح.

وكشف سبنسر أن تشيكيا ودولاً أخرى كانت قد قررت مسبقاً عدم إرسال رياضيين إلى الحفل المقرر بفيرونا في 6 مارس (آذار)، نظراً إلى مشاركتهم في مسابقات في اليوم التالي، بعيداً عن هذه المدينة الإيطالية.

وأضاف: «كثير من الدول التي لم تكن تنوي إرسال أي ممثلين للحفل لأسباب تتعلق بالمنافسات، تدّعي الآن أن الأمر مقاطعة».

كما أكّد أن اللجنة لم تتلقَّ أي «معلومات رسمية» من براغ أو كييف بشأن مقاطعة، رغم أن اللجنتين البارالمبيتين في كلا البلدين، أصدرتا بيانات أعلنتا فيها أن وفودهما لن تشارك في الحفل.