مراسلات حسين وجلال أمين عن برد لندن وبرنارد شو و«جدار برلين»

جزء أول من «أخي العزيز» يلقي ضوءاً على تطورهما الفكري والثقافي

مراسلات حسين وجلال أمين عن برد لندن وبرنارد شو و«جدار برلين»
TT

مراسلات حسين وجلال أمين عن برد لندن وبرنارد شو و«جدار برلين»

مراسلات حسين وجلال أمين عن برد لندن وبرنارد شو و«جدار برلين»

ينتمي الشقيقان أحمد أمين (1932 - 2014) وجلال أمين (1935 - 2018) إلى تيار فاعل في الثقافة يمكن القول بأنه يجسد إلى حد ما مفهوم «المثقف العضوي»، من حيث اشتباكه المباشر مع قضايا المجتمع. التحق الأول بالسلك الدبلوماسي وعمل في سفارات مصر بالعديد من الدول إلى أن تقلد منصب سفير البلاد لدى الجزائر، وعكست مؤلفاته ومنها «دليل المسلم الحزين إلى مقتضى السلوك في القرن العشرين» و«ألف حكاية وحكاية من الأدب العربي القديم» اهتماما خاصاً بالعلاقة بين الحاضر والتراث. أما الثاني فهو مفكر وعالم اقتصاد وأكاديمي حظيت مؤلفاته بشهرة واسعة مثل «ماذا حدث للمصريين» و«ماذا علمتني الحياة» وعصر الجماهير الغفيرة».
من هنا تأتي أهمية كتاب «أخي العزيز» الذي يضم الجزء الأول من مراسلاتهما في الفترة من 1950 حتى 1960، فهي تتجاوز الشأن الخاص العابر وتعكس أبرز القضايا التي شغلت المثقف العربي في تلك الفترة.
الكتاب صادر عن دار «الكرمة» بالقاهرة وقام بجمع الرسائل وتحريرها كمال صلاح الدين، حفيد حسين أمين، الذي يقول إن مضمون الخطابات بين الشقيقين يلقي ضوءا على حياتهما وعلى مراحل تطورهما الفكري والثقافي من زوايا مختلفة كما أن موضوعاتها الثقافية والفلسفية والدينية تجعلها مفيدة للقارئ العام.
تبدأ المراسلات عام 1950 وتمتد حتى عام 1987، أي منذ كان عمرهما ثمانية عشر وخمسة عشر عاماً على التوالي إلى أن بلغا الخامسة والخمسين والثانية والخمسين من العمر، أقاما خلال تلك السنوات في لندن وكامبردج وموسكو وكندا ونيجيريا والكويت وألمانيا والبرازيل ولوس أنجليس والقاهرة، كما زارا عدداً من الدول الأخرى واطلعا على ثقافات وحضارات مختلفة وبدآ في نشر العديد من كتابتهما وإنتاجهما الثقافي.
تبدأ الخطابات المتبادلة بينهما بخطابين غير مؤرخين كتبهما حسين أثناء تواجده في لندن للمرة الأولى في رحلة صيفية استمرت ثلاثة أشهر وكان عمره آنذاك ثمانية عشر عاماً وكان والدهما، الكاتب والمؤرخ أحمد أمين، صاحب فكرة إرسالهما لقضاء العطلة الصيفية في لندن لاعتقاده بأهمية تعلم لغة أجنبية في سن مبكرة نظراً للصعوبات التي لاقاها في تعلم اللغة الإنجليزية في سن متقدمة فأرسل «حسين» عام 1950 إلى لندن ثم أرسل «جلال» في رحلة مماثلة عام 1951.
يروى حسين كيف جمع من الإنجليز أكبر معلومات ممكنة عن حياة الأديب «سمرست موم» وقرأ له 16 كتابا وينتوي أن يكتب عنه سلسلة من المقالات. بدأ أيضاً يعد بحثا عن «دي جي موباسان» وأسلوبه في القصة القصيرة واختلافها عن قصص معاصريه ثم تأثير «جوستاف فلوبير» عليه، والفرق بينه وبين «أنطوان تشيخوف». وقد خطر لي فكرة قصة طويلة وسيبدأ في تنقيحها وكتابتها وهو في الباخرة مبحرا إلى مصر. وحين سأل عن «سمرست موم» في «ماي فير» أخبروه أنه يقضي الصيف في الريفيرا الفرنسية وقد شعر بالأسف الشديد لأنه لم يقابله. أما «برنرد شو» فهو في المستشفى والآلاف من أكاليل الأزهار تصله كل يوم وفي الراديو يذيعون مسرحياته متمنين قبلها الشفاء له وفي السينما يعرضون صورته.
عمل «حسين» بعد تخرجه في كلية الحقوق عام 1953 مذيعا في الإذاعة المصرية ورغم أنه لم يبق في عمله هذا سوى أقل من عام فإنه وجد نفسه أكثر من مرة في موقف العداء المتبادل مع رئيسه في الإذاعة حتى نقله الأخير من قسم المذيعين إلى قسم التسجيلات فتقدم لاختبارات هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» للالتحاق كمذيع في القسم العربي ولما نجح ولم يتبق سوى الحصول على موافقة الإذاعة المصرية رفض وزير الإرشاد إعطاءه إياها، فما كان منه إلا أن سافر إلى لندن بدون إخطار الإذاعة بذلك.
تبدأ خطابات هذه المرحلة من ديسمبر (كانون الأول) 1954 حين تولى حسين مهامه كمذيع في القسم العربي من هيئة الإذاعة البريطانية فيكتب لوالدته وإخوته عن أخباره وحياته في لندن وما يحدث في كواليس الإذاعة وعن الفرق بين العمل في الإذاعتين المصرية والبريطانية وسياسات «إل بي بي سي» غير المعلنة وخاصةً بعد العدوان الثلاثي على مصر وكيف وجد نفسه مضطرا للاختيار بين وطنه وتطلعاته الأدبية من جانب وعمله لصالح إذاعة العدو من جانب آخر.
ويشكو حسين من سقوط المطر باستمرار في لندن وكيف أن «السماء كئيبة مظلمة نحتاج معها إلى إضاءة النور في المكتب حتى منتصف النهار... صحيح أن الجو لم يعد باردا كما كان وأن الشخص يستطيع الآن الدخول إلى الفراش في المساء دفعة واحدة لا سنتميتر فسنتميتر كما كنا ندخل البحر في الإسكندرية وكما كنت أفعل في الشتاء ولكن الجو كئيب للغاية».
على الجانب الآخر، عمل جلال أمين عقب تخرجه في كلية الحقوق لفترة قصيرة كمعيد في نفس الكلية بقسم الشريعة الإسلامية رغم عدم حصوله على شهادة أزهرية، إذ لم يكن ذلك شرطا من شروط التقدم للوظيفة آنذاك، لكن ما إن علم بوجود بعثة حكومية لدراسة الاقتصاد في الخارج حتى تقدم بأوراقه إلى إدارة البعثات وحصل على بعثة حكومية إلى «مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية» التي تعد واحدة من أشهر الكليات في العالم. ويروي جلال كيف أنه عند حصوله على البعثة حذره بعض أساتذته في مصر من أنه سائر بقدمه إلى عرين الأسد وحذروه من أن يعود «دكتورا» في الاقتصاد ولكن سيكون أميا في كل شيء آخر.
وفي يناير (كانون الثاني) 1958 كان جلال يودع عائلته في بورسعيد صاعدا إلى الباخرة المتوجهة إلى إنجلترا وهو في الثالثة والعشرين من عمره واستمرت إقامته في لندن ست سنوات تزوج خلالها من فتاة إنجليزية وحصل على شهادة الدكتوراه قبل أن يعود هو وزوجته إلى مصر عام 1964. ووصف جلال تلك السنوات الست كما وصف حسين سنوات إقامته في لندن من قبل بأنها أكثر سنوات حياته خصوبة.
يشترك الشقيقان أيضاً في المعاناة من صدمة الطقس البارد، إذ يكتب «جلال» إلى «حسين» من مسكنه الجديد وهو راقد على السرير وفوقه بطانيتان ولحاف وتحت قدميه قربتا ماء ساخن والمدفأة موقدة. ويلفت نظر شقيقه إلى مقال للفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر في صحيفة «الأوبزرفر» البريطانية التي أثارت ضجة كبرى حول قضية تعذيب محرر فرنسي على يد بعض من الجنود الفرنسيين في الجزائر لكي يتحصلوا منه على معلومات عن الثوار الجزائريين. لم يرضخ المحرر ونشر بعد الإفراج عنه كتابا بعنوان «الأسئلة» ذكر فيه الأساليب الفظيعة التي استخدموها في تعذيبه. ونشرت بعض الصحف الفرنسية مقتطفات من الكتاب فصادرتها الحكومة الفرنسية ثم كتب سارتر سلسلة مقالات عن القضية. ويعبر «جلال» عن اعتقاده بأهمية الاحتفاظ بهذه المقالات لإدانة السلوك الفرنسي ومساعدة القضية العربية لا سيما بعد نشرها في الصحف والمجلات المصرية.
ويحكي «جلال» في رسائله كيف أن أهم الأخبار السياسية في أوروبا عموما تدور حول الأسلحة الذرية قائلا: «الواقع أننا في مصر لم نكن نعطيها ولا نزال الأهمية التي تستحقها في حين الرأي العام الغربي وخاصةً المثقف مشغول انشغالا تاما بالتجارب الذرية والخطر الذي يهدد العالم لو استعملت الأسلحة نفسها وأنا أتساءل لماذا لا تتكون في مصر جمعية تعمل للدعاية ضد هذه الأسلحة نفسها وضد تجاربها بحيث تتعاون مع مثيلاتها في العالم كله، ألا تعتقد أن الموضوع يستحق الاهتمام؟ وعلى رأي مجلة «نيو استيتمان» فإنه إذا كان العالم أقل جبنا من الجاهل فإن هذه القاعدة لا تنطبق في حالة الأسلحة الذرية إننا كلما ازدادت معرفتنا بها كلما ازداد خوفنا».
ويروي جلال انطباعاته عن ألمانيا الشرقية التي زارها آنذاك وهي خاضعة للنفوذ السوفياتي في إطار الحرب الباردة مع الغرب بقيادة الولايات المتحدة: «في شرق برلين دون غربها تجد صبية بين السادسة عشرة والعشرين يبدو عليهم إرهاق العمل، يرتدون ملابس رخيصة لا يعتنون بهندامهم ويشربون السجاير والبيرة بكثرة مما لا يتفق وعمرهم ولكنهم مؤدبون ومخلصون وتحس أنهم ناضجون قبل الأوان، هذا الوصف ينطبق على البنات كما ينطبق على الأولاد».
ويلاحظ أن المحلات شرق جدار برلين قريبة الشبه جدا بالمحلات الصغيرة التي تجدها في مكان كحي «الظاهر» الشعبي بمصر... كما أن جزءا كبيرا من الملابس الرخيصة المعروضة تشبه نظيرتها في الأحياء المصرية الشعبية مثل العتبة أو شارع عبد العزيز.
ومن باب الإنصاف، يذكر أن شارعا واحدا جميلا جدا وبذلت فيه كل عناية هو «طريق ستالين» وهو شارع يبلغ طوله حوالي «شارع فؤاد» بالقاهرة حيث صفت المباني الفخمة على جانبيه وكلها بناها الروس على طراز واحد جميل. والمحلات التجارية في هذا الشارع رائعة التنسيق وفي منتصف الشارع تمثال لستالين وبجواره مكتبة ضخمة اسمها مكتبة «كارل ماركس» تحوي بالطبع كل كتب ماركس وانجلز ولينين بالألمانية ولكنها لا تحتوي من الأدب الروسي غير كتب غوركي.


مقالات ذات صلة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض
TT

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

لم يعد دخول الذكاء الاصطناعي إلى عيادة الأسنان سؤالاً نظرياً يُطرح في المؤتمرات، بل أصبح واقعاً سريرياً يتشكّل بهدوء داخل تفاصيل الممارسة اليومية، حيث تبدأ الخوارزميات بقراءة الصور الشعاعية وتحليل البيانات قبل أن يلتقي الطبيب بالمريض.

في هذا السياق، صدر حديثاً كتاب للدكتور عميد خالد عبد الحميد، بعنوان «Dental Intelligence: Artificial Intelligence, Ethics, and the Future of Dentistry» (ذكاء الأسنان: الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات ومستقبل طب الأسنان)، وهو عمل علمي وفكري لا يكتفي بوصف هذه الثورة، بل يسعى إلى تفكيكها وفهم آثارها العميقة على طبيعة القرار الطبي، وعلى العلاقة الدقيقة بين خبرة الطبيب وحدود الحكم الخوارزمي داخل العيادة الحديثة.

ينطلق الكتاب من سؤال محوري لم يعد نظرياً، بل أصبح جزءاً من الممارسة اليومية للأطباء حول العالم: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطوّر الطب دون أن ينتزع منه روحه الإنسانية؟ فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها على تحليل البيانات أو قراءة الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية، تبقى في جوهرها أداة تُحسّن القرار ولا تصنعه، وتدعم الطبيب دون أن تختزل خبرته أو تحلّ محل حكمه السريري، ذلك الحكم الذي لا يتكوّن في المعالجات الرقمية وحدها، بل يتشكّل عبر سنوات من التفاعل الإنساني المباشر مع المرضى.

غير أن الكتاب لا يكتفي بعرض الجانب التقني لهذه الثورة الطبية، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك أبعادها الأخلاقية بعمق. فمع تزايد اعتماد الأطباء على الأنظمة الذكية، تبرز أسئلة لم تعد قابلة للتأجيل: من يتحمّل مسؤولية القرار الطبي عندما تشارك الخوارزميات في التشخيص؟ وكيف يمكن ضمان شفافية هذه الأنظمة وعدالتها؟ وأين ينبغي أن تقف حدود الاعتماد على الآلة في الرعاية الصحية؟ وفي هذا السياق، يطرح الكتاب مفهوماً محورياً يمكن تسميته بـ«الشراكة الذكية» بين الطبيب والآلة؛ حيث لا تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الطبيب، بل أداة تُوسّع قدرته على الفهم والتحليل واتخاذ القرار. فالطب، كما يؤكد المؤلف، لن يفقد طبيعته الإنسانية؛ لأنه يقوم في جوهره على الخبرة والتجربة والقدرة على فهم الإنسان... قبل فهم المرض.

صدر الكتاب في نسختين؛ الأولى باللغة الإنجليزية بعنوان «Dental Intelligence» موجّهة إلى القارئ الدولي، والأخرى باللغة العربية بعنوان «الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان: الثورة السريرية الرابعة»، في خطوة تهدف إلى نقل النقاش العلمي حول الذكاء الاصطناعي من نطاقه العالمي إلى الفضاء العربي، وفتح حوار معرفي أوسع حول مستقبل هذه التقنيات في الطب والرعاية الصحية في المنطقة. ويُعدّ الكتاب ثمرةً فكرية لتراكم بحثي وكتابي امتدّ لسنوات، حيث يجمع بين دفتيه عدداً من المقالات والدراسات التي نشرها المؤلف في الصحافة العلمية، ولا سيما صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، التي يكتب فيها بانتظام حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وقد حظي الكتاب باهتمام الأوساط العلمية الدولية، حيث تناولت «British Dental Journal» خبر صدوره، مشيرة إلى أنه يقدّم رؤية متوازنة لدور الذكاء الاصطناعي في تطوير التشخيص والعلاج في طب الأسنان، مع تأكيد واضح على أن القرار الطبي النهائي يجب أن يبقى بيد الطبيب، بوصفه المسؤول الأول عن التقدير السريري والحكم المهني.

والمؤلف، الدكتور عميد خالد عبد الحميد، طبيب أسنان وباحث في مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، يشغل منصب أستاذ زائر في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي بجامعة شرق لندن في المملكة المتحدة، ويكتب بانتظام في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط» حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وفي وقت تتسارع فيه قدرة الخوارزميات على تحليل البيانات الطبية والتنبؤ بالأمراض بدقة غير مسبوقة، يذكّر هذا الكتاب بأن مستقبل الطب لن يُبنى على الذكاء الاصطناعي وحده، بل على توازن دقيق بين قوة التقنية وحكمة الطبيب، وبين دقة الخوارزمية ومسؤولية القرار الإنساني. فالطب، في نهاية المطاف، ليس علماً بالبيانات فحسب، بل هو فنّ فهم الإنسان... قبل أن يكون تشخيصاً للمرض.

والكتاب متوفر حالياً عبر منصة «أمازون» بنسختيه الورقية والرقمية.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.