السياسة.. بين ماكس فيبر وغاندي

الأول يفكر من داخل نسق القوة.. والثاني من داخل نسق الضعف

السياسة.. بين ماكس فيبر وغاندي
TT

السياسة.. بين ماكس فيبر وغاندي

السياسة.. بين ماكس فيبر وغاندي

لقد اخترت عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر والزعيم الهندي غاندي معا، وربطتهما في مقال واحد، نظرا لأسباب عدة.. أول هذه الأسباب، أنهما عاشا معا في الحقبة نفسها؛ فماكس فيبر ولد سنة 1864، أما غاندي فقد ولد سنة 1869. والسبب الثاني أنهما درسا التخصص نفسه، وهو الحقوق. وإذا كان غاندي قد مارس المحاماة، فقد حلم فيبر بذلك بينما كان يدرس القانون. أما السبب الثالث، فيعود إلى اهتمامات الرجلين الواضحة بالسياسة؛ ممارسة وتنظيرا. والسبب الرابع، والأهم، هو أن فيبر ينظر إلى السياسة من منطلق غربي، ويرى أن العنف هو قدر الدولة، بينما غاندي، الشرقي، يؤسس للسياسة من مدخل اللاعنف، أو ما يسمى «ساتياغراها»، فالأول يفكر من داخل نسق القوة؛ فألمانيا كانت في حرب مع دول الاستعمار. أما الثاني، فيفكر من داخل نسق الضعف، لأن الهند تحت قبضة الاحتلال البريطاني.

سنسعى في مقالنا هذا إلى الوقوف عند كل فلسفة على حدة، لكي نتبين، عن قرب، وجهي السياسة العنيف والسلمي معا، متسائلين: هل هما وجهان متناقضان، أم وجهان لعملة واحدة؟

فيبر: مشروعية عنف الدولة

ولد عالم الاجتماع الشهير ماكس فيبر في ألمانيا سنة 1864، لعائلة بورجوازية بروتستانتية. التحق بالخدمة العسكرية وهو في سن الـ19. درس في جامعة برلين ليحصل على الإجازة في القانون سنة 1886، ثم حصل بعدها على الدكتوراه، مما مكنه من أن يصبح أستاذا جامعيا.
لم يعمر ماكس فيبر طويلا، فهو مات جراء إصابته بالتهاب رئوي حاد سنة 1920، أي عن عمر يناهز 56 سنة، إلى درجة أنه لم يكمل عمله حول «سوسيولوجيا الأديان». نعم لم تكن حياته بالطويلة، لكنها كانت عريضة وحافلة، خاصة في الشق السياسي؛ فالرجل استفاد كثيرا من أبيه الذي كان زعيما سياسيا يقيم الصالونات ويجمع فيها المفكرين والقادة السياسيين، الأمر الذي عمق لدى فيبر الإشكالات السياسية.
نريد في هذا المقال أن نطل فقط على جانب من تنظيرات فيبر السياسية، وبالضبط سنقف عند رأيه في مشروعية عنف الدولة.
يعرف ماكس فيبر السياسة، في كتابه «رجل العلم والسياسة»، بأنها: «تلك المجهودات المبذولة من أجل المشاركة في الحكم، أو للتأثير في عملية توزيع السلطة سواء بين الدول أو بين مختلف التجمعات داخل الدولة»، فالنشاط السياسي يحتاج أرضا للتجمع، كما يحتاج قوة للإكراه البدني من أجل فرض احترام القوانين والمساطر. ينطلق ماكس فيبر من فكرة تفيد بأنه ما دام لا يوجد مجال لتصور دولة دونما عنف، فالعلاقة بينهما وطيدة وحميمية. فوجود الدولة عبر تاريخها، يعني وجود تنظيم وتجمع سياسي له الصلاحيات والسلطة التي تمكنه من فرض الأوامر، وإلزام الناس بالطاعة. فالدولة تتمتع بسلطة قسرية وقاهرة تمنع فوضى الغاب. إن العنف المادي، وإن لم يكن هو الوسيلة العادية في يد الدولة، فهو الوسيلة المميزة التي لا يمكنها الاستغناء عنها. وفي كثير من الأحيان، لا تكون هذه القوة ظاهرة، بل هي تستخدم بطرق غير محسوسة. إن ماكس فيبر يظهر داروينية واضحة؛ فالصراع أمر حتمي داخل الدولة، فإذا كان هناك انتقاء طبيعي، فهناك انتقاء اجتماعي أيضا. وما يسمى «الشفقة في السياسة»، لهو أمر بئيس، وما يسمى «السلم» هو بالمثل، مجرد تكتيك أو تعديل في شكل الصراع بين الأعداء.
إن الذي يسأل: هل يجب استخدام القوة في السياسة؟ كالذي يسأل: هل يجب استخدام الذكاء في العلم؟ إلا أنه يجب فهم أن الدولة الحديثة قد بلغت في احتكار السلطة مبلغا عاليا، إلى درجة أنها أصبحت المصدر الوحيد لممارسة العنف. فالدولة بما أنها تجمع بشري في رقعة جغرافية معينة، أي الوطن، أصبحت، وعن طريق الآلية الديمقراطية، تشرعن لهذا العنف، وذلك عن طريق الاختيار الحر؛ فالسيادة أصبحت للقانون، والقانون من وضع الشعب، وكل خرق لهذا القانون يؤدي إلى المعاقبة المباشرة.. هذه المعاقبة يرضخ لها المواطن دون إحساس بالحيف والظلم، لأنه هو من صادق على القوانين وعلى نوع السيادة، فلا أحد في الدولة الحديثة له صلاحية العنف، فالعنف كله أصبح في يد هيئة سيادية، تعد بمثابة طرف نزيه ومحايد، يسهر على تنظيم الشأن العام وضمان التوازن والانسجام الاجتماعي.
لقد أصبحت الدولة الحديثة أكثر عقلانية، وسلطتها أصبحت إكراها منظما، وعنفها المحتكر أخذ طريق الشرعية، لأنها تقوم بمهمة الانتقام بطلب من أفراد الشعب، مما يعني أنه لم يتم في الزمن الحديث إلغاء الطبيعة، أي القصاص، بل كل ما هنالك أنه تمت مأسستها.

غاندي: العنف حيواني ولا مشروعية له

ينعت غاندي (1869 - 1948) بالمهاتما، وتعني «الروح العظيمة». إنه المحامي والزعيم الهندي الشهير الذي شكل، حقا، حالة فريدة ومتميزة في تاريخ البشرية. عاش بين الهند وبريطانيا وجنوب أفريقيا.. ناضل ضد الاستعمار، ووقف مع الملونين والمظلومين بشجاعة، وجابه التمييز العنصري. ولاقى في ذلك ما لاقى من صنوف الأذى. فهو، حقا، عاش حياة مليئة بالأشواك؛ حيث تعرض للضرب والإهانة والتمييز، لأنه ليس من البيض، بل الرجل سجن وعذب، لكن الذي جعله يلقى الصدى العالمي إلى درجة رفعه نحو المثال، هي طريقته المتميزة في الرد، والمتمثلة في الابتسامة الهادئة، فالرجل كان يتحرك بأفق نظري واضح، قائم على فلسفة سميت الـ«ساتياغراها».. فما ملامح هذه الفلسفة؟
لقد كان غاندي، بالإضافة إلى ثقافته الحقوقية بحكم كونه محاميا، كثير الاطلاع على الفلسفة الهندية القديمة، وعلى الديانة البوذية، وعلى الكتاب المقدس عند المسيحيين. كما أنه كان مطلعا أيضا على معاني القرآن الكريم. فهو كان، كما يبدو، يمتح أسلوبه من الثقافة الدينية، ناهيك بأنه كان قارئا للكاتب الروسي تولستوي، وكذلك لكارل ماركس، خاصة كتابه الشهير «رأس المال». ومن كل هذا الغنى الثقافي، استطاع أن يصنع لنفسه فلسفة تتمركز حول مجابهة العنف باللاعنف، سميت الـ«ساتياغراها».
ولفظة «ساتياغراها»، سنسكريتية، تعبر عن نظرية «المقاومة السلبية». ولكن معناها الحرفي هو «النضال السلمي في سبيل الحق». إنها قوة الروح، أو قوة الحب من أجل الحصول على الحق. ويمكن أن يستخدمها الأفراد كما المجتمعات. وهي قوة لا تقهر. يقول غاندي، «اللاعنف هو أعظم القوى في خدمة الجنس البشري، وأقوى سلاح ابتدعته عبقرية الإنسان». وإنه لغير صحيح إطلاقا، بحسب غاندي، القول بأن قوة اللاعنف قد أوجدها الضعفاء، ما داموا أنهم غير قادرين على مجابهة العنف بالعنف، فهي ما تبقى لهم من حيلة. إنه وهم ناشئ من عدم وجود ترجمة صحيحة كاملة لتعبير «ساتياغراها»، ذلك لأنه من المستحيل على أولئك الذين يعتبرون أنفسهم من الضعفاء أن يستخدموا ويطبقوا هذه القوة، فلا يمكن أن يكون من المقاومين السلبيين إلا أولئك الذين يدركون بأن في الإنسان شيئا أسمى من الطبيعة الوحشية الغاشمة، وأن تلك الطبيعة القاسية يمكن أن تخضع لذلك «الشيء». يقول غاندي: «أنا أسعى لأن أفل سيف المستبدين ليس عن طريق مواجهته بسيف أكثر مضاء، بل بمفاجأته بأن أخيب أمله في أن يراني أواجهه فيزيائيا، لأواجهه بمقاومة روحية تفلت من تقديره وتحكمه».
إن استخدام «ساتياغراها» يتطلب الصبر، وترويض النفس على عدم الاهتمام بأمر الكساء والغذاء، ومجابهة البغضاء بالمحبة، والباطل بالحق، والعنف بالعذاب الطوعي، حتى يشعر الطغاة بخستهم وحقارتهم.
إن العنف عند غاندي لا مكان له في نظريته، فاستخدام القوة المادية والبدنية في الـ«ساتياغراها» محظور حتى في أحسن الظروف الملائمة لذلك. «فليس اللاعنف أبدا منهجا من مناهج القسر، فهو منهج من مناهج الإقناع بالحسنى. وهكذا يجب أن يكون شعارنا دائما؛ إقناع الخصم وديا. ويجب أن نرفض، بتصميم وعناد، اعتبار خصومنا أعداء. ولما كان الـ(ساتياغراهي) يودع الخوف، فإنه لا يخشى إطلاقا أن يثق بالخصم. وحتى لو خدعه الخصم عشرين مرة، فإن عليه أن يكون مستعدا للوثوق به للمرة الحادية والعشرين، لأن الثقة المطلقة في الطبيعة الإنسانية هي جوهر عقيدته بالذات».
إن غاندي بعكس ماكس فيبر تماما، يعتبر أن العنف هو دوما عنف، والعنف رذيلة. إن اللاعنف هو القانون الذي يحكم النوع الإنساني، مثلما أن العنف هو القانون الذي يحكم النوع الحيواني. هكذا ربما سيظل الإنسان يتأرجح معلقا بين واقعية شرسة وطموح سلمي مثالي.

* استاذ فلسفة



الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟
TT

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

هل توجد فلسفة للشعر يا ترى؟ هل يحتوي الشعر على أعماق فلسفية؟ دون شك. ولكنه لا يعبر عنها بطريقة نثرية منطقية عقلانية وإنما بطريقة مجازية شعرية جنونية. نقول ذلك على الرغم من أن هناك فلاسفة أكبر شعرياً من الشعر. من أشهرهم نيتشه في الغرب. «هكذا تكلم زرادشت» أقوى شعرياً من كل شعر لأنها تحتوي في ضربة واحدة على عبقرية الشعر وعبقرية الفكر. إنه يحلق فيها إلى أعلى الأعالي أو يهبط إلى أسفل سافلين. إنه يتلاعب باللغة والفكر كيفما شاء عندما يجن جنونه وتتوهج عبقريته.

وجان جاك روسو في اعترافاته العبقرية ألا تحتوي على الشعر؟ ألا تحتوي على شعر أكبر فنياً وجمالياً من كل شعر. وقس على ذلك... ولكن ليس كانط. لا تطلب من كانط أن يكون شاعراً. مستحيل. كانط صفر على الشمال قياساً إلى نيتشه من هذه الناحية. وقلَّ الأمر ذاته عن هابرماس: كانط العصور الحديثة. فهو صاحب أسلوب وعر ومزعج ومرهق. وينبغي أن تصبر عليه صبر أيوب لكي تصل إلى نتيجة هذا إذا ما وصلت. وبالتالي فلا متعة في قراءته ولا ماء ولا حياة في أسلوبه.

وأما في جهتنا العربية، فقد وُصف أبو حيان التوحيدي بأنَّه «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء» لأنَّه يمزج بين جمال الأسلوب وعمق الفكرة. يكفي أن نغطس في مؤلفاته لكي ندرك ذلك. المقابسات، البصائر والذخائر، الإمتاع والمؤانسة، الصداقة والصديق، الإشارات الإلهية... تحف ما بعدها تحف، جواهر ما بعدها جواهر. وأما المعري فقد وصفوه بأنه «شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء». اسم على مسمى. هل هناك أعمق منه فكرياً في قصائده؟ «غير مجدٍ في ملتي واعتقادي» تعتبر أعمق قصيدة فلسفية وأروع قصيدة فلسفية ليس فقط على مستوى الآداب العربية وإنما على مستوى الآداب الكونية بأسرها.

كان الناقد الفرنسي هنري لوميتر قد نشر كتاباً بعنوان: «الانفجار الرومانطيقي والحداثة الشعرية». لاحظوا العنوان ما أجمله: «الانفجار الرومانطيقي». الشعر العظيم ينبثق انبثاقاً أو ينفجر انفجاراً وإلا فليس شعراً. وكان الناقد الكبير جان بيير ريشار قد نشر كتاباً مهماً وممتعاً جداً بعنوان «الشعر والعمق». وفيه كرَّس فصلاً كبيراً لبودلير بعنوان: «عمق بودلير». ذلك أنَّ بودلير، بحسب وجهة نظره، هو شاعر الأعماق العميقة، الأعماق السحيقة. مَن يعلم إلى أي المهاوي المرعبة كان يهبط بودلير عندما يجن جنونه في خلواته؟ مَن كان يعرف حجم اكتشافاته وابتكاراته الشعرية؟ مَن كان يعرف حجم الآفاق اللانهائية التي توصَّل إليها؟ ولذلك رثاه رينيه شار قائلاً:

لا تبحث عن تخوم البحر

إنها ملكك، بين يديك

لقد وهبت لك في ذات اللحظة

كحياتك المتبخرة العابرة

العاطفة كما تعلم

هي بنت المادة

إنها نظرتها المتموجة الرائعة.

شاعر كبير يتحدث عن شاعر كبير آخر: ماذا تريدون أكثر من ذلك؟

في الكتاب ذاته يخصِّص جان بيير ريشار فصلاً كاملاً لرامبو بعنوان: «رامبو وشعر الصيرورة المتجددة الرائعة». وهو يستهله بهذه الكلمات لرامبو:

«الثالثة فجراً. وحدي في الغرفة. الشمعة تذوب رويداً رويداً وتكاد تنطفئ. فجأة العصافير تزقزق كلها دفعة واحدة في الأشجار. جوقة موسيقية رائعة. انتهت السهرة. انتهى العمل. لم يبقَ لي إلا أن أراقب الأشجار والسماء من نافذتي وأنا في حالة من الذهول والانخطاف لا تكاد توصف. إني أعيش اللحظة الحاسمة: لحظة موت اليوم السابق وولادة اليوم الجديد. يا إلهي ما أحلاها من لحظة. إني مذهول بهذه اللحظة الخارقة للفجر».

يعلق جان بيير ريشار على ذلك قائلاً: «هذه اللحظة الخارقة، هذه اللحظة التي لا يكاد يستبين فيها الخيط الأبيض من الخيط الأسود، هذه اللحظة التي تمثل الولادة السعيدة والمعجزة لليوم الجديد، هي لحظة رامبو بامتياز. إنه يبيع حياته كلها من أجلها. إنه مستعد لأن يسهر الليل كله لكي يراها». ولكن هناك لحظة أخرى قد لا تقل أهمية، هي تلك التي يتحدث عنها بودلير في آخر ديوانه «أزهار الشر»، لنستمع إذن إلى هذا المقطع الذي يعبِّر فيه عن حنينه إلى لحظة الموت بعد أن ضجر وملَّ من هذه الحياة:

آه يا موت، أيها القبطان القديم،

لقد آن الأوان! فلنقلع الأشرعة!

هذه البلاد تضجرنا، آه يا موت!

فلنرحل!

إذا كانت السماء والبحر أسودين كالحبر

فإنَّ قلوبنا، التي تعرفها، مفعمة بالنور

صبّ علينا سمومك لكي تقوّينا

نريد، ما دامت هذه النار تشعل رؤوسنا،

أن نغطس في أعماق الهاوية،

جحيم أم جنة؟

لا فرق

لا يهم

نريد أن نرحل

آه يا موت!

تقنا للإبحار في أعماق المجهول

عسى أن نكتشف طعماً جديداً!

كان بودلير قد جرَّب كل شيء في الحياة وملَّ من كل شيء ولم يعد هناك شيء آخر لكي يجربه إلا الموت. كان تواقاً لكي يتعرَّف عليه، لكي يذوق طعمه، لكي يعرف ما هو بالضبط. هل للموت طعم يا ترى؟ هل له مذاق خاص؟ كيف هو؟

مع بودلير حصلت النقلة من الشعر الرومانطيقي إلى الشعر الحديث. من شعر اللغة المباشرة، إلى شعر اللغة الرمزية أو المرموزة. من شعر العواطف الجياشة الفائضة، إلى شعر العواطف الملجومة الباردة. من الشعر الذاتي، إلى الشعر الموضوعي. باختصار شديد حصلت الحداثة الشعرية التي كرَّست لها أطروحة الدكتوراه في السوربون يوماً ما. أقصد الحداثة الشعرية العربية التي تلت الفرنسية بعد 100 سنة. ولم تكن أقل بهاءً وروعةً منها. لم يعد الشاعر يسمح لوهم الغنائية المباشرة أو حتى المائعة في أحيان كثيرة أن تسيطر عليه. أصبح رأسمال الشاعر هو: عدد الصور الجديدة أو المجازات الجديدة التي دشَّنها أو ابتكرها من العدم. وكل الشعراء الذين يتلونه يصبحون عالةً عليه أو على مجازاته الخارقة حتى يجيء شاعرٌ آخر كبير قادر على «قتله»: أي على تجاوزه والانحراف عنه، عن طريق تدشين فضاءات أخرى للشعر، عن طريق ابتكار مجازات وصور أخرى لم تخطر على بال بشر من قبل قط. هنا تكمن معجزة الشعر. لم يصبح رامبو شاعراً كبيراً إلا بعد أن «قتل» بودلير: أي بعد أن تخلّص من تأثيره، وطار بجناحيه مستقلاً عنه. وقل الأمر ذاته عن المتنبي بالقياس إلى أبي تمام، أو المعري بالقياس إلى المتنبي. ولكن مَن يستطيع أن يقتل المتنبي؟ لم تلده أمه بعد.

أخيرا من أهم ما كُتب عن فلسفة الشعر رسائل ريلكه الشهيرة إلى شاعر شاب طلب نصيحته. إنها تنفذ إلى جوهر الشعر، إلى أعماق الشعر، إلى مطبخ الشعر: أي إلى الكيمياء السحرية المولدة للشحنات الشعرية. قال له: إذا لم يكن الشعر بالنسبة لك مسألة حياة أو موت فلا داعي لأن تعذِّب نفسك وتكرس حياتك لشيء لم تخلق له. بهذا المعنى وبالمختصر المفيد. مَن يستطيع أن ينسى صوت ريلكه، حنين ريلكه، الجنون الداخلي لريلكه؟ ومع ذلك فلم يحظَ بجائزة نوبل وإنما حظي بها شاعر فرنسي يدعى: سولي برودوم.

هل سمعتم باسمه؟ حتماً لا. مَن هو هذا الأحمق الذي يجهل عظمة ريلكه، عبقرية ريلكه؟ ليس هيدغر على أي حال. ومعلوم أنَّ الفيلسوف الكبير كرَّس له دراسة مطولة في كتابه المعروف: «دروب تؤدي إلى لا مكان». وهذا العنوان مأخوذ حرفياً من عنوان قصيدة لريلكه ذاته. وبالتالي فهو ليس من هيدغر على عكس ما نظن.أخيراً ربما كان أهم كتاب عن فلسفة الشعر هو تلك الدراسات المطولة التي كرَّسها هيدغر لشعر هولدرلين بعنوان: «مقاربات هولدرلين»، أو إضاءات مسلطة على شعر هولدرلين. ومنها نستنتج ما يلي: بالنسبة لهيدغر فإنَّ الشعر ليس فقط مجرد فن أدبي من جملة فنون أخرى وإنما هو عصارة اللغة والمحل الذي تتجلى فيه حقيقة الكينونة وجوهر الوجود. إنه يتيح للإنسان أن يهرب من الجفاف التكنولوجي للعالم الحديث. إنه يتيح له أن يسكن الأرض شعرياً. ومن كثرة إعجاب هيدغر بشعر هولدرلين طلب منهم أن يقرأوا على قبره قبل الدفن بعض قصائد شاعر ألمانيا الأكبر.

وُصف أبو حيان التوحيدي بأنه «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء» لأنه يمزج بين جمال الأسلوب وعمق الفكرة


«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة

«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة
TT

«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة

«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة

لا يختزل كتاب «لسنا أرقاماً: أصوات شباب غزة»، الصادر بالعربية عن دار «العربي» في القاهرة، القضية الفلسطينية في أرقام الضحايا من القتلى والمصابين أو النازحين، بل يكشف، برهافة وحس إنساني يسعى لتجاوز محنة الألم، ما وراء هذا الأرقام من حياة كاملة وأحلام مشروعة وذكريات وتفاصيل حميمة عابرة لأصوات القصف ودوي القنابل وأزير الرصاص الذي يلاحق المدنيين والأبرياء.

يتجاوز العمل فكرة التوثيق التقليدي للحرب، ليقدم غزة من خلال شهادات وتجارب شبابها، وهو من تحرير الفلسطيني أحمد الناعوق والأميركية بام بايلي، ترجمة محمد فؤاد، وتقع الطبعة العربية في 336 صفحة، تجمع نصوصاً مختارة من مقالات وتأملات مفتوحة تستكشف قضايا وهموم الذاكرة والعائلة والمنفى والصداقة والمقاومة والأمل.

تستعيد تلك الكتابات تفاصيل الحياة اليومية بما فيها من طموحات مهنية وثقافة، وتتوقف عند أماكن عزيزة على قلوب أصحابها، وحتى أبسط الأشياء التي تمنح الحياة معناها وسط الحصار والعنف.

من هنا يرفض هذا العمل فكرة «القصة الواحدة» عن غزة، فالقارئ يجد أشباح الخوف والموت والفقد تطل برأسها عبر النصوص، لكنه يجد كذلك الحب والطموح والدراسة والفن والمرح والحنين إلى الأماكن والأحلام المؤجلة، بتوقيع فتيات وفتيان يتحدثون عن حياتهم بلغتهم وتجاربهم، كما يكشف كيف لا تلغي المأساة الرغبة في الحياة. على هذه الخلفية، وصفت فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، هؤلاء الشباب بأنهم جعلوا من الكتابة «فعلاً تحررياً ووسيلة لمقاومة محو غزة من الوعي العالمي». وأوضح أحمد الناعوق، في تصريح لصحيفة «الغارديان» البريطانية، أنه كان حريصاً منذ البداية على تشجيع الكتاب الشباب على الكتابة عن جمال غزة وأهلها وثقافتها ومساجدها وكنائسها ومقابرها، حتى لا تظل صورة القطاع مرتبطة فقط بالدمار. من النماذج اللافتة التي يتضمنها الكتاب، قصة فتاة مراهقة تحدق في سقف منزلها وتتمنى ألا ينهار فوق رأسها، في مشهد قد يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يلخص كيف يمكن للحرب أن تتسلل إلى أكثر التفاصيل اليومية عادية، حتى يصبح السقف الذي يُفترض أن يمنح الإنسان الأمان مصدراً للخوف. وفي نموذج آخر، يروي شاب تجربته في البحث عبر الإنترنت عن صور المكتبات في أنحاء العالم، حيث يحلم بأن يتمكن يوماً من زيارتها، على نحو يكشف أن الطموح والتعليم والمعرفة مفردات ربما تستمر في الإلحاح على وعي الأفراد حتى وسط الظروف الأكثر قسوة.

وتتعدد القصص الإنسانية في الكتاب، فهذه فتاة تتجول في شوارع المدينة وتدوّن أسماء المباني التي تحلم بإصلاحها، وهذا شاب يحاول متابعة شغفه بعلم الفلك في مكان يصعب فيه الوصول إلى التلسكوبات، كما تتناول إحدى القصص التعقيدات غير المعتادة للتسوق عبر الإنترنت في ظل القيود المفروضة على غزة.

ومن النماذج اللافتة نص للكاتبة ندى حماد عن غزة بعد حرب 2014، حيث تصف انتقال المشهد تدريجياً من اللون الرمادي الذي خلفه الدمار إلى بقع صغيرة من الألوان، عبر طلاء أحد الجدران وظهور الرسوم على جدران المساكن المؤقتة. والفكرة هنا أن إعادة تلوين المكان تصبح فعلاً رمزياً للحياة، فالسكان لا يحاولون فقط نسيان ما حدث، وإنما يؤكدون قدرتهم على الاستمرار.

اللافت هنا أن الكتاب لا يقتصر على أحداث الحرب الأخيرة، فالنسخة الأصلية تجمع 74 نصاً مختاراً من نتاج مشروع «We Are Not Numbers» أو «لسنا أرقاماً» على مدى نحو عقد، وتتحرك النصوص زمنياً عبر سنوات مختلفة، بحيث يستطيع القارئ رؤية كيف تغيرت حياة جيل كامل من الشباب الفلسطيني مع تعاقب الحروب والحصار والأزمات.

وتعد العائلة واحدة من أكثر الموضوعات حضوراً في هذا السياق، وهو أمر مفهوم في ظل طبيعة التجربة الفلسطينية في غزة، لكن الكتاب لا يتحدث عن فقدان «عدد من الأشخاص» فقط، وإنما عن آباء وإخوة وأبناء وأصدقاء، وعن ذكريات مرتبطة بهم. وتكتسب تلك المسألة بعداً شخصياً بالغ الأهمية بالنسبة إلى محرر الكتاب أحمد الناعوق، الذي فقد 21 فرداً من عائلته في غارة إسرائيلية على غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، من بينهم والده وإخوته وأطفالهم، بحسب ما روى في مقابلته مع «الغارديان». اللافت أن مشروع «لسنا أرقاماً» نفسه بدأ قبل الحرب الأخيرة بسنوات، في أعقاب حرب غزة عام 2014. ووفق الرواية التي قدمها الناعوق، فقد دفعته وفاة شقيقه إلى كتابة قصة شخصية عن فقدانه، بمساعدة بام بايلي، وبعد نشرها تلقى رسائل تعاطف من أشخاص خارج غزة.

ومن هنا جاءت فكرة إنشاء منصة تمنح شباب غزة فرصة سرد تجاربهم بأنفسهم لجمهور عالمي، فيما انطلق المشروع عام 2015 مع نحو 20 كاتباً شاباً، ثم توسع تدريجياً، ونشر خلال السنوات التالية أكثر من 1500 نصاً.


تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته

تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته
TT

تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته

تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته

عبر نصوص سردية متفاوتة البنية، يضع الكاتب والروائي المصري حاتم حافظ في مجموعته القصصية «عندما تحوّلت إيمان خيري إلى طائر» فكرة التحوّل في قلب عالمه القصصي، بوصفها مدخلاً لاختبار صور مختلفة للوجود، مستعيناً بالغرائبي لإعادة النظر في شكل الحضور الإنساني.

المجموعة الصادرة أخيراً عن دار الشروق بالقاهرة، تتنقل فيها مقاعد الأبطال بين حاضر وغائب، إنسان وطائر، متفرج ومادة للفرجة، وهي انتقالات لا تقوم جميعها على التحوّل بمعناه الجسدي، بقدر ما تنشأ أحياناً من تبدل الموقع الذي تحتله الشخصية، أو الزاوية التي ترى منها حياتها.

يبدو التحوّل في تجليه الأكثر وضوحاً في القصة التي تمنح المجموعة عنوانها، حين تستيقظ البطلة في غرفة الرعاية الفائقة لتجد أن جسدها قد اختفى، وحلّ محله جسد ضئيل ملوّن، بمنقار وجناحين قادرين على حملها إلى خارج الغرفة والمستشفى.

ومنذ عبارته الأولى: «حين استيقظت إيمان خيري ذات صباح، على إثر أحلام سادها الاضطراب»، يستدعي النص استهلال «المسخ» لفرانز كافكا، لكن التحوّل الكافكاوي، وإن ظل حاضراً في الاستهلال، ينهض هنا على دلالة مغايرة؛ فبدلاً من الجسد الذي يتحول إلى سجن ويعزل صاحبه عن العالم، يبدو الجسد الجديد في هذه القصة أكثر خفةً وقدرةً على تحرير صاحبته من المرض والألم.

وإذا كان جريجور سامسا ينكفئ بعد تحوله داخل غرفته وتتآكل صلته تدريجياً بالآخرين، فإن إيمان تطير إلى خارج غرفتها، ترى الشمس وتستنشق الهواء، قبل أن تتسلل إلى من أحبتهم عبر أحلامهم، ليصبح التحوّل عتبة حياة ثانية لا تنقطع تماماً عن الحياة الأولى، وإنما تستعيد صلاتها بها من موقع جديد.

تتفتت القصة إلى أحلام قصيرة يرويها أشخاص مختلفون تزورهم البطلة إيمان، غير أن اللافت أن الحالمين أنفسهم يبدون واعين بتحوّلها وبقدرتها على العبور بين الهيئتين؛ فهم يرونها بطلة «تبدل هويتها كطائر وكإنسان بخفة»، ويخشى كلما لاح حضورها البشري في الحلم «أن تتبدل إلى طائر مرة أخرى».

مع تكرار هذه الزيارات، لا يعود التحوّل واقعةً غرائبيةً معزولة، إنما صيغة جديدة للوجود، تستفيد فيها القصة من مدلول «الطائر» المرتبط بالتحليق والقدرة على عبور الحدود، لتمنح بطلتها وجوداً يتجاوز الموت وحدود الجسد وعالمه.

ولا تتوقف فكرة التحوّل عند حدود تلك القصة الرئيسية للمجموعة، فتلوح عبر القصص في صور أقل مباشرةً، ففي قصة «شخصيتين في رواية» ينتقل التحوّل من الجسد إلى الوعي؛ إذ يتبنى الراوي هُوية «شخصية روائية»، ويتعامل مع هذا اليقين الفانتازي كحقيقة يحاول إشراك من حوله فيها.

لا يبدو ثمة موقع ثابت للشخصية هنا، فيتصور الراوي أن الرجل «قد يكون في خفة الفراشات في روايتي، لكنه قد يكون بطلاً في رواية أخرى»، فلا تتبدل الهيئة هذه المرة، إنما تتبدل مواقع الشخصيات، في لعبة سردية تبحث في موقع الإنسان داخل حكايات الآخرين. يتأمل الراوي الرجل المقابل له ويتخيل الحياة التي كتبها له مؤلف الرواية، قبل أن يصل إلى إدراك أكثر اتساعاً: «كلنا شخصيات في روايات بعضنا البعض».

ويصنع حافظ هنا تناصاً مع عالم الروائي الجنوب أفريقي ج. م. كوتزي، مستدعياً شخصيته «إليزابيث كوستلو»، التي عبرت من رواية إلى أخرى داخل أعماله. لكنه يدفع اللعبة خطوةً أبعد، حين يتخيل أن كوتزي نفسه قد يكون شخصيةً روائيةً في نص يكتبه مؤلف آخر، فتتسع لعبة تبدل المواقع لتشمل الكاتب وشخصياته معاً.

تمتد فكرة تبدل المواقع تلك إلى قصة «الحكاية غير العادية للأشخاص العاديين»، التي تقوم إحدى مفارقاتها على تلصص متبادل بين الجيران، يتحول تدريجياً إلى ما يشبه تبادل الحيوات؛ إذ تتنقل الشخصيات بين موقعي المتفرج والمُشاهَد. غير أن القصة لا تبني مفارقتها على الغرائبي، بقدر ما تستخرج الغرابة من قلب اليومي الرتيب، كأن يشتري أحد أبطال القصة بطانية أطفال مستفيداً من خصم كبير في «تصفيات الشتاء»، ويفكر في أنها سوف تفيده في الشتاءات المقبلة، قبل أن يعقب السارد: «وكان بصحة جيدة؛ فلم يفكر في أن موته قبل الشتاء القادم أمر محتمل».