مخرجون عرب يطرقون باباً واحداً اسمه «الأوسكار»

يحتشدون لفرصة الفوز بتحقيق الحلم الكبير

المخرج السعودي محمد السلمان
المخرج السعودي محمد السلمان
TT

مخرجون عرب يطرقون باباً واحداً اسمه «الأوسكار»

المخرج السعودي محمد السلمان
المخرج السعودي محمد السلمان

هناك تسعة مخرجين عرب على موعد مهم خلال الأشهر المقبلة. ففي التاسع من فبراير (شباط) 2023 تُعلن القائمة القصيرة للأفلام العالمية التي سيتم التصويت على خمسة منها لكي تدخل نطاق مسابقة الفيلم الدولي.
هؤلاء المخرجون هم السعودي محمد السلمان والجزائري رشيد بوشارب والعراقي شوكت أمين كوركي والأردنية دارين سلاّم والمخرجان الزوجان جوانا حاجي توما وخليل جريج والمغربية مريم توزاني والفلسطينية مها الحاج والتونسية أريج سحيري.
في الواقع يمكن اعتبارهم ثمانية على أساس أن لديهم ثمانية أفلام فقط وليس تسعة. هذا لأن اللبنانيان جوانا حاجي توما وخليل جريج يعملان معاً منذ فيلمهما الروائي الأول «البيت الزهر» سنة 1999 وفيلمهما المتقدّم لنيل حظّه المنتظر في هذه المسابقة هو فيلمهما الحادي عشر.
هما وباقي المخرجين المذكورين، باستثناء الجزائري رشيد بوشارب، لم يسبق لهم دخول معترك الأوسكار من قبل. ويقفون، بالتالي، على خط واحد من الاحتمالات حتى الآن.

المخرجة الفلسطينية مها حاج

{أغنية الغراب}
أما الأفلام التي دخلوا بها هذا المحراب فهي «أغنية الغراب» لمحمد السلمان و«إخوتنا» لرشيد بوشارب و«الامتحان» لشوكت أمين كوركي و«فرحة» لدارين سلّام و«دفتر مايا» لجوانا حاجي توما وخليل جريج و«القفطان الأزرق» لمريم توزاني و«حمي البحر المتوسط» لمها حاج و«تحت شجرة التين» لأريج سحيري.
بتفكيك هذه الأفلام ومعطيات مخرجيها نلحظ أن غالبية المخرجين هم من الإناث: جوانا حاجي توما ومها الحاج وأريج سحيري ومريم توزاني ودارين سلاّم. بينما لا يصنع هذا وحده أي حظوة أو تحبيذ، إلا أنه يساعد المصوّتين في أكاديمية العلوم والفنون السينمائية في هوليوود على وضع نقطة اعتبار في البال إذا دخل أحد هذه الأفلام ذات الإخراج النسائي إلى مرحلة القائمة القصيرة.
الجو العام المحبّذ للمرأة في مجال الإخراج حول العالم، هذه الأيام، والعدد الكبير من النساء عضوات الأكاديمية يساعد على هذا التبني لكن قيمة الفيلم بحد ذاته هي التي ستتغلب. هذا ومدى قوّة الأفلام غير العربية المتنافسة على المسابقة ذاتها. هذا عامل ما يتناساه المراقبون والنقاد عادة.
بالنسبة لفيلم «أغنية الغراب» هو سادس اشتراك يمثل المملكة العربية السعودية. وكانت الترشيحات السعودية لجوائز الأكاديمية بدأت سنة 2013 عندما تم تقديم «وجدة» لهيفاء المنصور كأول دخول سعودي لترشيحات مسابقة الفيلم الدولي (كان يُسمى «الأجنبي» حينها). المحاولة التالية كانت عبر «بركة يقابل بركة» لمحمد صبّاغ بعد ثلاث سنوات وبعد ثلاث سنوات أخرى تم تقديم فيلم آخر لهيفاء المنصور هو «المرشّحة المثالية». في العام التالي، 2020. شاركت شهد أمين بفيلمها «سيدة البحر» وفي العام الماضي وجدنا السعودي عبد العزيز الشلاحي يقدّم فيلمه «حد الطار» لدخول المسابقة.
ولا واحد من هذه الأفلام تقدّم للخطوة التالية وهي الترشيحات الرسمية، لكنها أوجدت موقعاً لسينما شابّة ولمخرجين يملكون الطموح المطلوب لتحقيق أفلام تتيح لهم مثل هذه الفرصة.

مشهد من الفيلم اللبناني «دفاتر مايا»

ملاحظة عراقية
بالنسبة للسينما العراقية وجدناها ترسل من عام 2005 عشرة أفلام حتى عام 2001. هذه السلسلة من الاشتراكات بدأت بفيلم «قدّاس الثلج» لجميل رستامي الذي كان، في الواقع فيلماً مشتركاً مع إيران. في العام التالي أرسل محمد الدراجي فيلمه «أحلام» تلاه في سنة 2007 المخرج جميل رستامي بفيلم عراقي بالكامل هو Jani Gal.
تواصلت هذه المحاولات من عام 2010 عندما عرض محمد الدراجي «ابن بابليون»، تلاه، في سنة 2014 المخرج باتن غوبادي بفيلم «ماردان» ثم فيلم «ذكريات الحجر» لشوكت أمين كوركي سنة 2015 (ما يجعل اشتراكه هذا العام هو الثاني له) و«الكلاسيكو» إخراج حالكوت مصطفى (2016) ثم «العاصفة السوداء» لحسين حسّان (2017) و«الرحلة» كثالث اشتراك لمحمد الدراجي (2018) و«أوروبا» لحيد رشيد (2021).
لم ينتج عن هذه الاشتراكات أي ترشيح رسمي، وبالتالي لم يخرج أحدها بأي جائزة، لكن الملاحظة هنا هي أن أفلام محمد الدراجي هي الوحيدة الناطقة بالعربية والمنتجة خارج كردستان. باقي الأفلام كانت من إخراج سينمائيين كرد ونطقت بالكردية (ولو أن «العاصفة السوداء» جمع بين اللغتين).
بالنسبة للأردن عدد أفلامها المقدمة سابقاً خمسة وذلك من عام 2015 عندما تقدّم ناجي أبو نوّار بفيلمه «ديب» ووصل عبره إلى الترشيحات الرسمية. بعد ذلك تكررت المحاولات مع «كابتن أبو رائد» لأمين مطالقة (2008) و«3000 ليلة» لمي المصري (2016) ثم «200 متر» لأمين نايفة 2020) بلا نتيجة مرضية.
وحدث في العام الماضي أن تم تقديم ثم سحب فيلم «أميرة» للمصري محمد دياب بسبب موضوعه الذي لم ترضَ عنه الدولة التي تقدّم الفيلم باسمها.
لبنان كان له باع كبير من التجارب: 17 فيلماً منذ سنة 1998 (عندما عرض زياد الدويري «بيروت الغربية») وحتى العام الماضي عندما شارك «كوستا برافا ليبانون» بالترشيحات الأولى. معظم هذه الأفلام التي تم إرسالها للأكاديمية لتمثل لبنان كانت جيدة، مثل «سكر بنات» لنادين لبكي (2007) و«تحت القصف» لفيليب عرقتنتجي (2008) «القضية 23» لزياد الدويري (2017) لكن ما هو جيد خارج إطار الترشيحات قد لا يكون جيداً بما فيه الكفاية داخلها.

الفوز الوحيد
المغرب دخلت الترشيحات 17 مرّة أيضاً بدءاً بفيلم الراحل سهيل بن بركة «عرس الدم» سنة 1977. إحدى عشر سنة من الغياب مرّت قبل أن يقدّم نبيل عيّوش فيلمه «مكتوب» ثم توالت الأفلام الأخرى وإحداها فقط وصل إلى «القائمة القصيرة» وهو «عمر قتلني» لرشدي زم. آخر المحاولات جرت في العام الماضي مع «علي صوتك» لنبيل عيّوش الذي بقي خارج الترشيحات الرسمية.
حظ فلسطين كان أوفر بسبب المخرج هاني أبو أسعد الذي دخل الترشيحات الرسمية مرّتين الأولى سنة 2005 بفيلم «الجنّة الآن» والثانية سنة 2013 بفيلم «عمر». باقي الترشيحات السابقة (9) بقيت خارج الاعتبار بينها فيلم أبو هاني الثالث «يا طير الطاير» (2016) وفيلم إيليا سليمان «لا بد أنها الجنّة» (2019).
شاركت السينما التونسية منذ عام 1995 (بفيلم «السحر» لعز الدين ميليتي) بتسعة أفلام فشلت جميعها في الوصول إلى الترشيحات الرسمية باستثناء «الرجل الذي باع ظهره» لهنية بن كلثوم قبل عامين. الحظوظ والآمال ارتفعت كثيراً آنذاك لكن الجائزة ذهبت إلى الفيلم السويدي Another Round لتوماس فنتربيرغ.
أما السينما الجزائرية فهي الوحيدة التي كان لها أعلى رقم من الاشتراكات (24 اشتراكاً حتى الآن) وتمتعت بأعلى كم من الترشيحات الرسمية (4) وبالفوز الفعلي الوحيد بين الأفلام العربية الأخرى.
فوزها ذاك حدث باكراً عندما انتزع فيلم Z للمخرج الفرنسي كوستا - غافراس أوسكار أفضل فيلم أجنبي. حقق غافراس فيلمه السياسي هذا لحساب الجزائر التي موّلته. كذلك موّلت فيلم الإيطالي الراحل إيتورا سكولا «قاعة الرقص» (1963) الذي حاز على ترشيح رسمي كذلك حال فيلم رشيد بوشارب «غبار الحياة» (1995) ثم كرر ذلك بفيلمه التالي «بلديون» (أو «أيام المجد») (1995). في عام 2010 نجح في الوصول إلى الترشيحات للمرّة الثالثة بفيلمه «خارجون عن القانون» بذلك يكون المخرج العربي الأول في عدد الأفلام التي وصلت إلى الترشيحات الرسمية.



أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.


شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)

Only Rebels Win

«لمن يجرؤ» ★★★

• إخراج:‫ دانيال عربيد‬

• لبنان/ فرنسا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

هناك تناقض بين ما يسرده الفيلم وبين العنوان التسويقي الذي اختاره وهو (Only Rebels Win) («لمن يجرؤ»). هذا لأن العلاقة بين سوزان المسيحية الفلسطينية الأصل (الجيد هيام عبّاس) وبين السوداني عثمان (أمين بن رشيد) لا تنتهي بأي ربح. بعد علاقة حب متبادل بين الأرملة التي تبلغ 63 سنة والعامل السوداني عثمان ذي الـ 27 سنة يمشي كل منهما في درب مختلف. تعود هي إلى كنفها وواقعها ويبعث لها برسالة بعدما هاجر إلى بلد آخر.

لا غبار على الحكاية ذاتها: سوزان تنقذ عثمان من شبّان تعرّضوا له بالضرب. تأويه إلى شقّتها في تلك الليلة التي تلتها ليالٍ أخرى حفلت بحب كلٍّ للآخر عاطفياً وجسدياً. هي تجد فيه أملاً أن تُحب من جديد، وهو يجد فيها أمل الاستقرار من حياة من العوز وعدم الاستقرار.

حديث عن زواجهما المحتمل (والذي لا يتم) يُضاعف من ردّ الفعل الذي يفوح بالعنصرية. تصبح سوزان حديث محيطها الاجتماعي في بيروت (حيث تدور الأحداث)، وسبباً في مواجهات وخناقات بينها وبين ابنتها وابنها، كما بين جيرانها.

الفحوى هنا يكاد يكون أهم ما يعرضه الفيلم. عربيد تعرف ما تتحدّث فيه وتعرض مواقف عنصرية عانى منها، كما يذكر الفيلم، الفلسطينيون والسوريون وأجانب آخرون. هنا تصبح سوزان عرضة لانتقاد القريب والبعيد لها على أساس أنها تعاشر سودانياً مسلماً. هناك فصول يشوبها الضعف (كمشهد سرقة بغية دفع عثمان لتكاليف السفر)، كذلك أن الانتقالات بين كل مشهد وآخر لا تقوم على الربط بينها في سياق مشدود. وبينما كل الشخصيات تعكس واقعاً وعمقاً، فإن شخصية عثمان تقوم على الفكرة وليس التجسيد.

TRACES

«آثار»

★★1/2

• إخراج:‫ أليسا كوڤالنكو، مرسيا نيكيوك‬

• أوكرانيا/ بولندا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

الفيلم الخامس للمخرجة الأوكرانية أليسا كوڤالنكو.

في العام 2014، خلال احتلال الروس لمقاطعة دونباس، تعرّضت المخرجة أليسا كوڤالنكو للاغتصاب والعنف، ثم لمحاولات «إعادة تأهيلها». خرجت من التجربة وقد حدّدت هدفاً ثابتاً لها، وهو مساعدة أخريات عانين ما عانته. الناتج هو هذا الفيلم، الذي تشرح فيه ما حدث لها وكيف قررت إنشاء جمعية للاعتناء بالنساء اللواتي تعرّضن للتجربة ذاتها (تُعرف الجمعية بأحرفها الأولى CRSV).

«آثار» (مهرجان برلين)

هذا فيلم كاميرا تصوّر نساءً يتحدّثن أكثر من تصوير الأحداث ذاتها. لا ملامة هنا، إذ لا يمكن استعادة هذه الحكايات روائياً وإلا لخرج الفيلم عن كونه تسجيلياً، لكن بصرف النظر عن قيمة تلك المعاناة كما تتبدّى تباعاً عبر المقابلات، فإن القيمة الفنية محدودة. كل حكاية مروية هنا من قبل الضحايا (ستة) تستحق التسجيل، لكن لا شيء أبعد من ذلك على صعيد التأليف الجيد، باستثناء اعتماد المخرجتين على شريط الصوت وكيفية تصوير شخصياتهما في إضاءة خافتة. الفيلم، بطبيعة ما يسرده، مُحمّل بالعاطفة، وحسنته في هذا المجال هي مساحات من الصمت تسود بعض مشاهده لتسجّل المشاعر الحزينة والأمل بالتغلّب على ذاكرة قاسية.

AROUND PARADISE حول الفردوس

‫يوليا لوكشينا

• ألمانيا (2026)

• تسجيلي | ألوان (120 د)

• مهرجان برلين (بانوراما) | ★★★

في أواخر القرن التاسع عشر، سعت إليزابث فورستر نيتشه، شقيقة الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه، لتأسيس «عالم جديد» في منطقة نائية في باراغواي، قريباً من الموقع المسمّى بـ«الفردوس الأخضر»، والذي اختاره حديثاً رجل أعمال ألماني امتلك مساحات أرض كبيرة بغية بناء مجتمع جديد ينأى بنفسه عن العالم المحيط وما يدور فيه.

«حول الفردوس» (مهرجان برلين)

أحد أهم مشاهد الفيلم هو الذي يُبدي فيه أحد المستثمرين قلقه من أن يختلط سكانه البيض بآخرين من عناصر أخرى.

يكشف المشهد نفسه عن أمر آخر عندما يعبّر البعض عن شكوكهم حول المشروع بعدما استثمروا فيه، ليجدوا أنه ما زال أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة.

ما يوحي إليه الفيلم هو أن فكرة إقامة شعب مختار بعناية عرقياً وطبقياً تراءت للأوروبيين منذ قرون سابقة، بصرف النظر عما انتهت إليه تلك الأحلام.

عرفت المخرجة كيف تكسب ثقة أصحاب المشروع وتُصوّر ما تريد، قبل أن تقوم بعملية توليف هادفة سياسياً وتحمل تحذيراً اجتماعياً. هناك تناسق بين المشاهد داخل المحمية وخارجها، ومتابعة لعدة شخصيات. هذا وحده لا يجعل الفيلم مميّزاً على صعيد الحرفة، بقدر ما يتبلور ككشف لهاجس يعكس فكرة خوف الإنسان من العالم المحيط به.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
TT

أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)

ما الذي يجعل هذا الممثل جيداً وذاك أقلّ جودة؟ كيف الحكم على مستوى التمثيل بين ممثل وآخر؟ البعض يعتقد أنّ درجة التصديق مهمّة في هذا المجال. نعم، تصديق الممثل حين يلعب دوراً ما هو فعل مهم، لكنه ناتج عما هو أهم: مدى نجاح الممثل في تشخيص الدور المُسند إليه ليتبناه كما لو كان بالفعل هو. درجة التبنّي تصبح الهدف والإنجاز. لذلك صدّقنا أنطوني هوبكنز عندما لعب شخصية هانيبال في «صمت الحملان»، وصدّقنا مارلون براندو في «العرّاب»، وفانيسا ردغريف في «جوليا».

خيارات صعبة

إذ ينطلق حفل الأوسكار، الأحد المقبل، سنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً، التي هي عملية فرز وانتقاء تقوم على حسابات متداخلة وصعبة، كون المنافسة بين الممثلين المرشّحين للأوسكار، نساءً ورجالاً، صعبة ومربكة.

بينيسيو دل تورو وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى» (مشهد من الفيلم)

عدد المتنافسين 20 ممثلاً في 4 أقسام (أفضل ممثل في دور رئيسي، أفضل ممثلة في دور رئيسي، أفضل تمثيل رجالي مساند وأفضل تمثيل نسائي مساند)، معظمهم يستحقون الترشيح وبعضهم يستحقون الفوز.

ليست الغاية هنا الحديث عن التوقّعات (هذا نتركه لتحقيق آخر)، بل البحث في جوهر أداء كلّ من مايكل ب. جوردان في «خاطئون»، وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى»، وإيثان هوك في «بلو مون»، وتيموثي شالامي في «مارتي سوبريم»، وواغنر مورا في «العميل السرّي» في الجانب الرجالي، وجوهر أداء جيسي باكلي عن «هامنت»، وإيما ستون عن «بوغونيا»، ورينات راينسفي في «قيمة عاطفية»، وكايت هدسون في «سونغ سونغ بلو»، وروز بيرن في «لو كانت لدي ساقان لرفستك».

إيما ستون في «بوغونيا» (مشهد من الفيلم)

على صعيد الممثلات، انضمّت إيما ستون إلى فريق من المرشّحات والفائزات السابقات مثَّلن أدواراً خاصة يُستَخدم فيها الجسد وقدرة الممثلة على تجسيد الألم النفسي درامياً. في «بوغونيا»، تؤدّي ستون شخصية امرأة تتعرَّض للعنف الجسدي ولحلق الرأس وبعض الضرب كذلك. تؤدّي ذلك بامتثال وليس بعكس قدرات من نوع الانسجام فعلياً مع الدور.

هي في مستوى جيسي باكلي ورينات راينسفي وروز بيرن عينه لجهة أنّ كلاً منهنّ يؤدّي الدور كما أوصى المخرج بذلك. راينسفي هي الأفضل لأن الشخصية وحواراتها هما الأفضل، وهذا ينطبق على كايت هدسون أيضاً.

ينطلق حفل الأوسكار يوم الأحد وسنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً

براهين

رجالياً يمكن طرح السؤال عمّا إذا كان تيموثي شالامي يؤدّي «نمرة» مكتوبة وموجَّهة، أم لعب الدور مستقلاً وبدفع من موهبته. في أيّ من الحالتين هو أفضل ما في الفيلم الذي تولّى بطولته.

ليوناردو ديكابريو هضم الشخصية التي يؤدّيها في «معركة تلو الأخرى» جيداً. هذا مبرهَن عليه بالمَشاهد التي تتوالى. على عكس شخصية مارتي كما لعبها شالامي التي انتهجت خطاً واحداً لا يتغيّر. ديكابريو فهم السيناريو ويؤدّيه وفق تطوّراته وكلّ مرحلة زمنية منه.

إذا كان هناك من ممثل عمد إلى فنّ التمثيل عاكساً مفهوماً كلاسيكياً بنجاح، فهو مايكل ب. جوردان عن «خاطئون»، يليه في المضمار ذاته إيثان هوك في «بلو مون»، والبرازيلي واغنر مورا في «العميل السرّي».

لكن المنافسة حامية أيضاً في مسابقة أفضل ممثل في دور مساند. يكفي هنا أن نجد ممثلين آخرين في فيلم «معركة تلو الأخرى» يتنافسان على هذه الجائزة هما بينيسيو دل تورو وشون بن. الممثل المخضرم دلروي ليندو أدّى دوره في «خاطئون» بمعية ذلك الحنين الزمني لموسيقى البلوز. جاكوب إلوردي لعب شخصية الوحش في «فرانكنشتاين»، وهذا تفعيل جسدي أكثر منه درامياً مهما كانت موهبة الممثل. ستيلان سكارسغارد في «قيمة عاطفية» هو فنان أداء في دور مناسب.

ليس عن انحياز من أيّ نوع، لكن أداء تيانا تايلور في «معركة تلو الأخرى» أكثر فاعلية من زميلاتها المرشَّحات لأوسكار أفضل تمثيل نسائي مساند، وهنّ إنغا إبسدوتر (قيمة عاطفية)، ويونومي موساكو (خاطئون)، وإيمي ماديجان (سلاح)، وإيل فانينغ عن «قيمة عاطفية».

ما سبق ذكره قادر على أن يعكس إلى أيّ مدى تبلغ حدّة المنافسة بين الأسماء العشرة المذكورة. إنه قراءة قائمة على التعرُّف إلى الأساليب التي تكوَّنت من خلالها بعض الأداءات، علماً بأنّ تصويت الناخبين قد يأتي مُطابقاً لما ورد هنا أو مختلفاً تبعاً لحسابات قد لا تكون محض فنّية.