قال مسؤولون في وزارة الخزانة الأميركية، إن واشنطن ترصد صلات واضحة بين بعض الكيانات الإرهابية وشبكات الجريمة في أفريقيا. وأعلنت الوزارة في بيان، الثلاثاء، فرض عقوبات على ثمانية أفراد وشركة واحدة بتهمة التورط في الجهود المستمرة منذ سنوات لتهريب أسلحة بملايين الدولارات بين اليمن والصومال.
يأتي هذا في حين تحدث تقرير لمعهد الدراسات الأمنية، ومقره بريتوريا بجنوب أفريقيا، عن «أدلة ومؤشرات متزايدة» على عمليات اندماج أو تحالفات مصالح تضم مجموعات متطرفة عنيفة بارزة في نيجيريا وحوض بحيرة تشاد في غرب أفريقيا.
ورأى التقرير، الصادر مؤخراً، أن التحرك لتوسيع وتوحيد العمليات بين ثلاث جماعات، هي (أنصارو، وأهل السنة للدعوة والجهاد، وتنظيم الدولة في غرب أفريقيا)، قد يؤدي إلى «إقامة روابط غير محتملة، ليس فقط بين الجماعات الإرهابية، لكن بينها وبين جماعات الجريمة المنظمة كذلك».
تهريب وقرصنة
وتستهدف العقوبات الأميركية «شبكة مهربي الأسلحة وشركائهم والمتورطين في نقل الأسلحة إلى العديد من المجموعات الإرهابية»، بحسب «سي إن إن». ونقل بيان وزارة الخزانة عن بريان نيسلون، وكيل وزارة الخزانة لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، قوله، إن «من تم تحديدهم تورطوا في أنشطة إجرامية أخرى من بينها القرصنة والصيد غير القانوني، وهو ما يوضح مدى اندماج (داعش - الصومال) مع تلك الشبكات غير المشروعة والمنظمات الإرهابية الأخرى العاملة في المنطقة».
وقال مسؤول كبير في وزارة الخزانة لشبكة «سي إن إن»، إن إدارة بايدن تكثف تركيزها على فضح وتعطيل شبكات تمويل الإرهاب في أفريقيا. ويرى المسؤول، أن هناك «صلة واضحة» بين الإرهاب والجريمة المنظمة، مشيراً إلى أن الشبكة التي تم فرض عقوبات عليها «متورطة بشدة في أنشطة تهريب السوق السوداء والقرصنة العنيفة والجرائم البيئية».
ومن بين المستهدفين بالعقوبات، عبد الرحمن فاهي، الذي يُعتقد أنه يقود العمليات اليومية لـ«داعش» في الصومال، ومحمد أحمد، رئيس جناح استخبارات «داعش» في الصومال، وعيسى محمود يوسف، وهو قرصان سابق يعمل على مد «داعش» بالأسلحة.
وأورد تقرير معهد الدراسات الأمنية أمثلة على التعاون والاندماج بين الجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة، بينها «واقعة اختطاف ركاب قطار في كادونا، نيجيريا، في مارس (آذار) الماضي، وعملية الهروب من السجن التي أدت إلى هروب سجناء تابعين لـ(بوكو حرام) في أبوجا بنيجيريا، في يوليو (تموز) الماضي».
وشرح التقرير «انطوت الواقعة الأولى على تعاون بين جماعة (بوكو حرام) وجماعة (أنصارو)، وجماعة (أهل السنة للدعوة والجهاد) وعصابات إجرامية يشار إليها باسم قطاع الطرق، أما الواقعة الثانية فقد مثلت تعاوناً بين (بوكو حرام) وجماعتي (أنصارو) و(تنظيم الدولة في إقليم غرب أفريقيا)».
تجاوز الجغرافيا
وقال بيان وزارة الخزانة، إن «الأفراد والكيانات المشمولة بالعقوبات على صلة وثيقة مع تنظيم (داعش - الصومال)»، وإن «هذه الشبكات لها علاقات قوية مع تنظيم (القاعدة في شبه الجزيرة العربية)». وذكر البيان، أن العقوبات تشمل أيضاً «أحد الداعمين الرئيسيين لـ(داعش - الصومال) في البرازيل حاول العمل كجهة اتصال للجماعة الإرهابية».
ولفت تقرير معهد الدراسات الأمنية إلى أن الهجمات التي شهدت اندماجاً وتعاوناً تشير إلى قدرة الجناة على استهداف العواصم خارج الحدود، ويأتي في هذا السياق استهداف «بوكو حرام» لـ«نجامينا» في تشاد.
وأشار إلى أن المنظمات الإرهابية في غرب أفريقيا، ومنها «بوكو حرام»، «تعمل على امتداد أنشطتها الإرهابية إلى ما وراء حوض بحيرة تشاد؛ ما يجعل هذه الجماعات بعيدة عن متناول فرقة العمل المشتركة متعددة الجنسيات في المنطقة».
فوضى وأرباح كبيرة
شانون زيمرمان، المحاضرة في الدراسات الاستراتيجية بكلية الحرب الأسترالية، قالت لـ«الشرق الأوسط»: «هناك روابط طويلة الأمد بين الإرهاب والجريمة المنظمة، فغالباً ما تستخدم الشبكات الإرهابية الجريمة المنظمة لتمويل أنشطتها»، وضرب مثالاً بـ«القاعدة» التي تفعل ذلك، مشيرة إلى أن «جزءاً كبيراً من هذه الجريمة يتعلق بالأنشطة العابرة للحدود مثل الاتجار بالمخدرات والبشر والتهريب».
وأضافت زيمرمان «نظراً لأن مناطق الساحل على وجه التحديد أصبحت تشهد فوضى خاصة بعد أحداث ليبيا عام 2011، أصبح هذا عملاً مربحاً للغاية، كما أصبح سهلاً أيضاً على الشبكات الإرهابية تجنيد ونقل المقاتلين الإرهابيين الأجانبـ«.
وتابعت «تلك البلاد تمتلك حدوداً طويلة جداً ولا تزال تفتقر إلى التدريب والمعدات اللازمة لتأمين هذه المناطق بشكل كامل، ورغم أن جائحة كورونا أبطأت أنشطة كل من الإرهاب والجريمة المنظمة لفترة؛ لأن السفر أصبح أكثر صعوبة ولكن الأمور عادت للتأجج مرة أخرى». وأشارت زيمرمان إلى أن الانقلابات الأخيرة، ومنها على سبيل المثال انقلاب مالي، أدت إلى تغيير سياق العناصر الإرهابية التي تقوم بأنشطة إجرامية في المنطقة.
وقالت «كان الانقلاب في مالي جيداً للعصابات والجماعات الإرهابية من بعض النواحي لأنه دفع الفرنسيين بعيداً، لكن الأمر كان سيئاً بطرق أخرى لأن الحكومة المالية - بمساعدة مجموعة فاغنر الروسية الآن - من المرجح أن تستخدم القوة القصوى للتصدي للتهديدات الإرهابية وتأمين حدودها».
ورصد تقرير معهد الدراسات الأمنية، أنه في 16 يونيو (حزيران) 2022 - من «نشرة النبأ»، وهي إحدى منتجات تنظيم (داعش) - أعلن تنظيم «داعش»، أفريقيا «أرض الهجرة والجهاد، ودعا أعضاءه إلى الانتقال إلى الدول الأفريقية».
وبين يناير (كانون الثاني) ويونيو 2022، شهدت نيجيريا ثاني أكبر عدد من الهجمات التي أعلن تنظيم «داعش» مسؤوليته عن (305) هجمات، خلف العراق مباشرة وقبله سوريا عند 337 و142 على التوالي.
ويؤدي تحقيق رغبة تنظيم «داعش» في «البقاء والتوسع» في أفريقيا إلى تدويل صراع كان حتى الآن محلياً بشكل أساسي، بحسب التقرير.
وبحسب المؤشر العالمي للإرهاب، تم تسجيل 7234 هجوماً إرهابياً في قارة أفريقيا، حيث أودى الإرهاب بحياة 28 ألفاً و960 ضحية عام 2021، كما أنه يوجد قرابة 30 كياناً إرهابياً متمركزاً في أفريقيا، مسجلاً في قائمة عقوبات مجلس الأمن الدولي.
تكافل وتغذية متبادلة
بدوره، يرى إريك إلدا، وهو باحث دكتوراه في الجامعة الأميركية بواشنطن، أن الروابط بين الجماعات المتمردة والجماعات الإرهابية والشبكات الإجرامية في جميع أنحاء أفريقيا تتسع وتتعمق.
وقال إلدا، المتخصص في شؤون الإرهاب والجريمة، لـ«الشرق الأوسط» عبر البريد الإلكتروني «في الماضي كانت العمليات متوازية ومتقاطعة أحياناً تقوم بها كيانات منفصلة ومتميزة، أما الآن نشهد كيانات أصبحت أكثر تكافلاً تغذي بعضها بعضاً؛ ما يؤدي إلى نمو الكيانات والمنظمات التي كانت تعمل بمفردها، وتحولها بوتيرة متزايدة إلى كيانات جديدة أكثر انتشاراً وقوة، وينطبق ذلك على منطقة الساحل وغرب أفريقيا عبر ومنطقة القرن الأفريقي في الشرق أيضاً».
طبيعة سائلة
أكد إلدا، أن عمل الجماعات المتطرفة في المناطق الجغرافية نفسها التي تعمل فيها شبكات الإجرام، يعتمد على تساهل تلك الشبكات مع بعضها البعض، إن لم يكن الدعم والمساعدة المباشرين. وقال «تتمتع الجماعات الإرهابية والشبكات الإجرامية بطبيعة سائلة تسهل التداخل والتماهي، والجريمة والإرهاب لا يستبعد أحدهما الآخر في الطريقة التي يعبّران بها عن أنفسهما ومن حيث تأثيرهما على المجتمعات، حيث الأعمال الإجرامية تولد الرعب وأعمال الإرهاب تتسم بشخصية إجرامية. وتعمل العوامل الاجتماعية والاقتصادية مثل الفقر والبطالة ونقص الخدمات الحكومية، بما في ذلك المجتمع والأمن الشخصي، كعوامل دفع للنشاط الإجرامي، والتي بدورها غالباً ما تغذي جذب آيديولوجية التطرف للسكان»
وأصدرت «المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية» ومقرها جنيف تقريراً في سبتمبر (أيلول) الماضي، خلصت فيه إلى أن قارة أفريقيا تشهد نشاطاً مكثفاً يزعزع الاستقرار في أفريقيا. وقال التقرير، إن دول غرب أفريقيا منطقة جاذبة لبؤر لتلك المنظمات الإجرامية، وخاصة النيجر وتشاد وليبيا.
وبحسب التقرير؛ فإن تلك الجماعات تعمل في مجالات مثل تهريب الوقود والغذاء والمخدرات والأسلحة والمهاجرين، إضافة إلى الاتجار بالأعضاء البشرية والتنقيب عن الذهب.
ونوّه التقرير إلى أن القوات المحلية في تلك البلاد لا تستطيع مواجهة أنشطة تلك الشبكات بسبب امتلاكها عتاداً وسلاحاً قوياً، كما أشار إلى أن السلطات السياسية في تلك الدول لديها ملفات تصرف انتباهها عن شبكات الجريمة مثل ملف مواجهة التطرف وملفات اقتصادية وملفات ظهرت كتبعات لجائحة كورونا.
الاحتياجات الأساسية
في هذا السياق، يقول إلدا «إن الظهور والتقارب الحاليين لأزمات متعددة ومتوالية على المستوى المحلي والإقليمي والدولي إلى تعزيز التقارب بين هذه الكيانات، وتؤدي أزمات مثل الأزمات الاقتصادية إلى التوسع في النشاط الإجرامي، الذي يفاقم سخط الشعوب، وبالتالي يجد السكان وبخاصة في أفريقيا في آيديولوجيات المنظمات الإرهابية أكثر جاذبية».
ويرى إلدا، أن المعالجة الأمنية والعسكرية التي تكرر نفسها ولا تهتم بالمشاكل الاقتصادية والاجتماعية تسبب ضرراً فادحاً. ويقول «في ظل الإخفاق المحلي والدولي، تتفاقم الأزمة، حيث يرى سكان الدول الهشة أن احتياجاتهم الأساسية تؤجل طوال الوقت بذريعة أنه ستتم معالجتها في وقت ما في المستقبل بعد كسب الحرب ضد الإرهابيين والمجرمين وفي النهاية لا يحدث أي من الأمرين ويتعزز التوجه للتطرف والجريمة لتأمين الاحتياجات».


