ارتباط الإرهابيين بشبكات الجريمة المنظمة يثير قلقاً دولياً

أدلة ومؤشرات على عمليات اندماج وتحالفات مصالح

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

ارتباط الإرهابيين بشبكات الجريمة المنظمة يثير قلقاً دولياً

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

قال مسؤولون في وزارة الخزانة الأميركية، إن واشنطن ترصد صلات واضحة بين بعض الكيانات الإرهابية وشبكات الجريمة في أفريقيا. وأعلنت الوزارة في بيان، الثلاثاء، فرض عقوبات على ثمانية أفراد وشركة واحدة بتهمة التورط في الجهود المستمرة منذ سنوات لتهريب أسلحة بملايين الدولارات بين اليمن والصومال.
يأتي هذا في حين تحدث تقرير لمعهد الدراسات الأمنية، ومقره بريتوريا بجنوب أفريقيا، عن «أدلة ومؤشرات متزايدة» على عمليات اندماج أو تحالفات مصالح تضم مجموعات متطرفة عنيفة بارزة في نيجيريا وحوض بحيرة تشاد في غرب أفريقيا.
ورأى التقرير، الصادر مؤخراً، أن التحرك لتوسيع وتوحيد العمليات بين ثلاث جماعات، هي (أنصارو، وأهل السنة للدعوة والجهاد، وتنظيم الدولة في غرب أفريقيا)، قد يؤدي إلى «إقامة روابط غير محتملة، ليس فقط بين الجماعات الإرهابية، لكن بينها وبين جماعات الجريمة المنظمة كذلك».

تهريب وقرصنة

وتستهدف العقوبات الأميركية «شبكة مهربي الأسلحة وشركائهم والمتورطين في نقل الأسلحة إلى العديد من المجموعات الإرهابية»، بحسب «سي إن إن». ونقل بيان وزارة الخزانة عن بريان نيسلون، وكيل وزارة الخزانة لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، قوله، إن «من تم تحديدهم تورطوا في أنشطة إجرامية أخرى من بينها القرصنة والصيد غير القانوني، وهو ما يوضح مدى اندماج (داعش - الصومال) مع تلك الشبكات غير المشروعة والمنظمات الإرهابية الأخرى العاملة في المنطقة».
وقال مسؤول كبير في وزارة الخزانة لشبكة «سي إن إن»، إن إدارة بايدن تكثف تركيزها على فضح وتعطيل شبكات تمويل الإرهاب في أفريقيا. ويرى المسؤول، أن هناك «صلة واضحة» بين الإرهاب والجريمة المنظمة، مشيراً إلى أن الشبكة التي تم فرض عقوبات عليها «متورطة بشدة في أنشطة تهريب السوق السوداء والقرصنة العنيفة والجرائم البيئية».
ومن بين المستهدفين بالعقوبات، عبد الرحمن فاهي، الذي يُعتقد أنه يقود العمليات اليومية لـ«داعش» في الصومال، ومحمد أحمد، رئيس جناح استخبارات «داعش» في الصومال، وعيسى محمود يوسف، وهو قرصان سابق يعمل على مد «داعش» بالأسلحة.
وأورد تقرير معهد الدراسات الأمنية أمثلة على التعاون والاندماج بين الجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة، بينها «واقعة اختطاف ركاب قطار في كادونا، نيجيريا، في مارس (آذار) الماضي، وعملية الهروب من السجن التي أدت إلى هروب سجناء تابعين لـ(بوكو حرام) في أبوجا بنيجيريا، في يوليو (تموز) الماضي».
وشرح التقرير «انطوت الواقعة الأولى على تعاون بين جماعة (بوكو حرام) وجماعة (أنصارو)، وجماعة (أهل السنة للدعوة والجهاد) وعصابات إجرامية يشار إليها باسم قطاع الطرق، أما الواقعة الثانية فقد مثلت تعاوناً بين (بوكو حرام) وجماعتي (أنصارو) و(تنظيم الدولة في إقليم غرب أفريقيا)».

تجاوز الجغرافيا

وقال بيان وزارة الخزانة، إن «الأفراد والكيانات المشمولة بالعقوبات على صلة وثيقة مع تنظيم (داعش - الصومال)»، وإن «هذه الشبكات لها علاقات قوية مع تنظيم (القاعدة في شبه الجزيرة العربية)». وذكر البيان، أن العقوبات تشمل أيضاً «أحد الداعمين الرئيسيين لـ(داعش - الصومال) في البرازيل حاول العمل كجهة اتصال للجماعة الإرهابية».
ولفت تقرير معهد الدراسات الأمنية إلى أن الهجمات التي شهدت اندماجاً وتعاوناً تشير إلى قدرة الجناة على استهداف العواصم خارج الحدود، ويأتي في هذا السياق استهداف «بوكو حرام» لـ«نجامينا» في تشاد.
وأشار إلى أن المنظمات الإرهابية في غرب أفريقيا، ومنها «بوكو حرام»، «تعمل على امتداد أنشطتها الإرهابية إلى ما وراء حوض بحيرة تشاد؛ ما يجعل هذه الجماعات بعيدة عن متناول فرقة العمل المشتركة متعددة الجنسيات في المنطقة».

فوضى وأرباح كبيرة

شانون زيمرمان، المحاضرة في الدراسات الاستراتيجية بكلية الحرب الأسترالية، قالت لـ«الشرق الأوسط»: «هناك روابط طويلة الأمد بين الإرهاب والجريمة المنظمة، فغالباً ما تستخدم الشبكات الإرهابية الجريمة المنظمة لتمويل أنشطتها»، وضرب مثالاً بـ«القاعدة» التي تفعل ذلك، مشيرة إلى أن «جزءاً كبيراً من هذه الجريمة يتعلق بالأنشطة العابرة للحدود مثل الاتجار بالمخدرات والبشر والتهريب».
وأضافت زيمرمان «نظراً لأن مناطق الساحل على وجه التحديد أصبحت تشهد فوضى خاصة بعد أحداث ليبيا عام 2011، أصبح هذا عملاً مربحاً للغاية، كما أصبح سهلاً أيضاً على الشبكات الإرهابية تجنيد ونقل المقاتلين الإرهابيين الأجانبـ«.
وتابعت «تلك البلاد تمتلك حدوداً طويلة جداً ولا تزال تفتقر إلى التدريب والمعدات اللازمة لتأمين هذه المناطق بشكل كامل، ورغم أن جائحة كورونا أبطأت أنشطة كل من الإرهاب والجريمة المنظمة لفترة؛ لأن السفر أصبح أكثر صعوبة ولكن الأمور عادت للتأجج مرة أخرى». وأشارت زيمرمان إلى أن الانقلابات الأخيرة، ومنها على سبيل المثال انقلاب مالي، أدت إلى تغيير سياق العناصر الإرهابية التي تقوم بأنشطة إجرامية في المنطقة.
وقالت «كان الانقلاب في مالي جيداً للعصابات والجماعات الإرهابية من بعض النواحي لأنه دفع الفرنسيين بعيداً، لكن الأمر كان سيئاً بطرق أخرى لأن الحكومة المالية - بمساعدة مجموعة فاغنر الروسية الآن - من المرجح أن تستخدم القوة القصوى للتصدي للتهديدات الإرهابية وتأمين حدودها».
ورصد تقرير معهد الدراسات الأمنية، أنه في 16 يونيو (حزيران) 2022 - من «نشرة النبأ»، وهي إحدى منتجات تنظيم (داعش) - أعلن تنظيم «داعش»، أفريقيا «أرض الهجرة والجهاد، ودعا أعضاءه إلى الانتقال إلى الدول الأفريقية».
وبين يناير (كانون الثاني) ويونيو 2022، شهدت نيجيريا ثاني أكبر عدد من الهجمات التي أعلن تنظيم «داعش» مسؤوليته عن (305) هجمات، خلف العراق مباشرة وقبله سوريا عند 337 و142 على التوالي.
ويؤدي تحقيق رغبة تنظيم «داعش» في «البقاء والتوسع» في أفريقيا إلى تدويل صراع كان حتى الآن محلياً بشكل أساسي، بحسب التقرير.
وبحسب المؤشر العالمي للإرهاب، تم تسجيل 7234 هجوماً إرهابياً في قارة أفريقيا، حيث أودى الإرهاب بحياة 28 ألفاً و960 ضحية عام 2021، كما أنه يوجد قرابة 30 كياناً إرهابياً متمركزاً في أفريقيا، مسجلاً في قائمة عقوبات مجلس الأمن الدولي.

تكافل وتغذية متبادلة

بدوره، يرى إريك إلدا، وهو باحث دكتوراه في الجامعة الأميركية بواشنطن، أن الروابط بين الجماعات المتمردة والجماعات الإرهابية والشبكات الإجرامية في جميع أنحاء أفريقيا تتسع وتتعمق.
وقال إلدا، المتخصص في شؤون الإرهاب والجريمة، لـ«الشرق الأوسط» عبر البريد الإلكتروني «في الماضي كانت العمليات متوازية ومتقاطعة أحياناً تقوم بها كيانات منفصلة ومتميزة، أما الآن نشهد كيانات أصبحت أكثر تكافلاً تغذي بعضها بعضاً؛ ما يؤدي إلى نمو الكيانات والمنظمات التي كانت تعمل بمفردها، وتحولها بوتيرة متزايدة إلى كيانات جديدة أكثر انتشاراً وقوة، وينطبق ذلك على منطقة الساحل وغرب أفريقيا عبر ومنطقة القرن الأفريقي في الشرق أيضاً».

طبيعة سائلة

أكد إلدا، أن عمل الجماعات المتطرفة في المناطق الجغرافية نفسها التي تعمل فيها شبكات الإجرام، يعتمد على تساهل تلك الشبكات مع بعضها البعض، إن لم يكن الدعم والمساعدة المباشرين. وقال «تتمتع الجماعات الإرهابية والشبكات الإجرامية بطبيعة سائلة تسهل التداخل والتماهي، والجريمة والإرهاب لا يستبعد أحدهما الآخر في الطريقة التي يعبّران بها عن أنفسهما ومن حيث تأثيرهما على المجتمعات، حيث الأعمال الإجرامية تولد الرعب وأعمال الإرهاب تتسم بشخصية إجرامية. وتعمل العوامل الاجتماعية والاقتصادية مثل الفقر والبطالة ونقص الخدمات الحكومية، بما في ذلك المجتمع والأمن الشخصي، كعوامل دفع للنشاط الإجرامي، والتي بدورها غالباً ما تغذي جذب آيديولوجية التطرف للسكان»
وأصدرت «المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية» ومقرها جنيف تقريراً في سبتمبر (أيلول) الماضي، خلصت فيه إلى أن قارة أفريقيا تشهد نشاطاً مكثفاً يزعزع الاستقرار في أفريقيا. وقال التقرير، إن دول غرب أفريقيا منطقة جاذبة لبؤر لتلك المنظمات الإجرامية، وخاصة النيجر وتشاد وليبيا.
وبحسب التقرير؛ فإن تلك الجماعات تعمل في مجالات مثل تهريب الوقود والغذاء والمخدرات والأسلحة والمهاجرين، إضافة إلى الاتجار بالأعضاء البشرية والتنقيب عن الذهب.
ونوّه التقرير إلى أن القوات المحلية في تلك البلاد لا تستطيع مواجهة أنشطة تلك الشبكات بسبب امتلاكها عتاداً وسلاحاً قوياً، كما أشار إلى أن السلطات السياسية في تلك الدول لديها ملفات تصرف انتباهها عن شبكات الجريمة مثل ملف مواجهة التطرف وملفات اقتصادية وملفات ظهرت كتبعات لجائحة كورونا.

الاحتياجات الأساسية

في هذا السياق، يقول إلدا «إن الظهور والتقارب الحاليين لأزمات متعددة ومتوالية على المستوى المحلي والإقليمي والدولي إلى تعزيز التقارب بين هذه الكيانات، وتؤدي أزمات مثل الأزمات الاقتصادية إلى التوسع في النشاط الإجرامي، الذي يفاقم سخط الشعوب، وبالتالي يجد السكان وبخاصة في أفريقيا في آيديولوجيات المنظمات الإرهابية أكثر جاذبية».
ويرى إلدا، أن المعالجة الأمنية والعسكرية التي تكرر نفسها ولا تهتم بالمشاكل الاقتصادية والاجتماعية تسبب ضرراً فادحاً. ويقول «في ظل الإخفاق المحلي والدولي، تتفاقم الأزمة، حيث يرى سكان الدول الهشة أن احتياجاتهم الأساسية تؤجل طوال الوقت بذريعة أنه ستتم معالجتها في وقت ما في المستقبل بعد كسب الحرب ضد الإرهابيين والمجرمين وفي النهاية لا يحدث أي من الأمرين ويتعزز التوجه للتطرف والجريمة لتأمين الاحتياجات».



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».