موسكو تواصل استهداف منشآت البنى التحتية

إجلاء عشرات الآلاف من خيرسون استعداداً لتوسيع هجوم أوكرانيا

يافطة تقول إن خيرسون اختارت أن تكون روسية ولا رجعة عن ذلك (رويترز)
يافطة تقول إن خيرسون اختارت أن تكون روسية ولا رجعة عن ذلك (رويترز)
TT

موسكو تواصل استهداف منشآت البنى التحتية

يافطة تقول إن خيرسون اختارت أن تكون روسية ولا رجعة عن ذلك (رويترز)
يافطة تقول إن خيرسون اختارت أن تكون روسية ولا رجعة عن ذلك (رويترز)

تزامن الإعلان صباح الثلاثاء عن إطلاق صفارات الإنذار في غالبية المدن الأوكرانية، مع تصاعد المخاوف الأوكرانية من إصابة قطاع الطاقة بشلل كامل مع اقتراب دخول فصل الشتاء، وبدا أن الضربات الروسية على منشآت البنى التحتية في عمق الأراضي الأوكرانية بات يحمل أكثر من هدف، في ظل تواصل الهجمات المضادة الأوكرانية في منطقة الجنوب، خصوصاً في خيرسون التي أطلقت السلطات الانفصالية فيها عملية واسعة جديدة لإجلاء المدنيين على طول شريط خطوط التماس بعرض 15 كيلومتراً.
وجاء الإعلان عن إنذار جوي في جميع أنحاء أوكرانيا، وفقاً لبيانات الخريطة الإلكترونية لوزارة التنمية الرقمية للبلاد، ليشير إلى توقعات بوقوع هجمات روسية جديدة على منشآت الطاقة، بعد تعرض البلاد لغارات مكثفة الاثنين أسفرت عن انقطاع مؤقت للتيار الكهربائي في العاصمة كييف وعدد كبير من المدن الأخرى، فضلاً عن تعرض أنظمة الاتصالات لأضرار بالغة، وتوقف إمدادات مياه الشرب عن بعض المناطق. وقال دانييل غتمانتسيف، رئيس لجنة الضرائب في البرلمان الأوكراني، إن اقتصاد البلاد يخسر حوالي 7.5 مليا هريفنيا (203 ملايين دولار) بسبب الغارات الجوية واسعة النطاق خلال يوم العمل.
وكانت القوات المسلحة الروسية وجهت منذ العاشر من الشهر الماضي، سلسلة ضربات مركزة على أهداف القيادة العسكرية وأنظمة الاتصالات والطاقة في أوكرانيا. وكشف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مساء الاثنين، جانباً من أهداف الهجمات التي شهدتها المدن الأوكرانية خلال النهار، وقال إن هذا «رد على الهجوم الإرهابي على جسر القرم الذي نظمته كييف وهجمات أخرى على أهداف مدنية في روسيا». وزاد أن «ضربات اليوم (أمس) على منشآت البنية التحتية في أوكرانيا كانت في جزء منها رداً على الهجوم الإرهابي الأوكراني ضد السفن الروسية في سيفاستوبول»، محذراً من أن «هذا ليس كل ما يمكننا فعله».
وكانت وزارة الدفاع الروسية، اتهمت في وقت سابق كييف، بـ«مشاركة مختصين بريطانيين، في تنفيذ هجوم إرهابي في سيفاستوبول ضد سفن أسطول البحر الأسود وسفن مدنية تشارك في عمليات ضمان أمن ممر الحبوب من أوكرانيا».
وعلقت موسكو بعد التطور تعليق مشاركتها في «صفقة إمدادات الحبوب»، وصعدت من هجماتها على المنشآت الأوكرانية. وحذر بوتين «نظام كييف من ردود فعل قاسية على مثل هذه الأعمال».
لكن توسيع الهجمات الروسية على منشآت البنى التحتية في الأيام الأخيرة، عكس وفقاً لخبراء عسكريين وجود أهداف إضافية لموسكو تتمثل في ممارسة أقسى ضغط عسكري على كييف، في مقابل تصعيد الهجوم الأوكراني في مناطق الجنوب، خصوصاً في خيرسون.
ورغم أن وزارة الدفاع أكدت في بياناتها خلال اليومين الماضيين، أن القوات الروسية نجحت في صد هجمات جديدة للأوكرانيين في المنطقة، لكن إعلان السلطات الانفصالية في الإقليم عن تنظيم عمليات إجلاء واسعة جديدة للسكان المدنيين من المناطق المتاخمة لخطوط التماس، دل على تعاظم المخاوف الروسية بسبب نجاح الهجمات المضادة في توسيع رقعة المعارك وتعزيز تقدم القوات المهاجمة.
وقال القائم بأعمال حاكم المقاطعة فولوديمير سالدو، الاثنين، إن منطقة خيرسون بدأت إجلاء سكان الضفة اليسرى لنهر دنيبر. ووفقاً له، تخطط قيادة المنطقة لإعادة توطين ما يصل إلى 70 ألف شخص.
وزاد خلال مداخلة تلفزيونية أنه تم توسيع منطقة إجلاء السكان في منطقة خيرسون بمسافة 15 كيلومتراً على الضفة اليسرى لنهر دنيبر بسبب معلومات حول استعداد كييف لهجوم صاروخي ضخم على سد محطة كاخوفسكايا لتوليد الطاقة الكهرومائية. وزاد: «نحن نتحدث عن مناطق سكنية في نوفوكاخوفسكي وجولوبريستانسكي وأليشكينسكي وكاخوفسكي وغورنوستيفسكي وفيليكوليبيتيكسكي وفيركنيروغاتشيكسكي».
وأوضح المسؤول الموالي لموسكو، أن المنطقة التي يجري إجلاء السكان فيها وفقاً للخطة الجديدة «تمتد على مسافة خمسة عشر كيلومتراً على طول الضفة اليسرى لنهر دنيبر، بدءاً من كاخوفكا وحتى غولا بريستان (...) سنقوم الآن بالفعل بهذا العمل. وعلينا إعادة توطين ونقل ما يصل إلى 70 ألف شخص إلى الداخل في منطقة خيرسون، وكذلك إلى مناطق أخرى في روسيا». وفقاً له، فإن قرار توسيع منطقة الإخلاء سيسمح بإنشاء دفاع متعدد المستويات. ودعت الحكومة الانفصالية السكان إلى التزام الهدوء والهدوء، والامتثال لجميع التعليمات وعدم إشاعة الذعر.
في وقت سابق، كان قائد مجموعة القوات المشتركة الجنرال سيرغي سوروفيكين، قال إن القوات المسلحة لأوكرانيا تقوم بإعداد قوات على طول خط الجبهة في اتجاه خيرسون وزوباروجيا لشن هجوم واسع النطاق. وأشارت معلومات استخبارية روسية إلى «احتمال استخدام نظام كييف لأساليب حرب محظورة في منطقة خيرسون والاستعداد لهجوم صاروخي واسع النطاق على سد محطة كاخوفسكايا لتوليد الطاقة الكهرومائية». ووصفت الأوضاع في عاصمة المنطقة بأنها «خطيرة».
اللافت أن السلطات الانفصالية كانت أجلت في وقت سابق نحو 60 ألفاً من سكان المناطق المحاذية لخطوط التماس، بهدف تعزيز الدفاعات في المنطقة.
في مقابل ذلك، قال كيريل ستريموسوف، نائب رئيس الإدارة الإقليمية في المنطقة، إن القوات الروسية «صدت جميع محاولات القوات المسلحة الأوكرانية لاختراق الدفاعات في منطقة خيرسون».
وقال في شريط فيديو بثه على «تلغرام»، «كل شيء تحت السيطرة في الوقت الحالي. النازيون يحاولون تنفيذ اختراق باتجاه بيريسلاف. وتم إيقاف كل المحاولات».
وطالبت وزارة الخارجية الأوكرانية بطرد روسيا من مجموعة العشرين بعد «إقرار» رئيسها فلاديمير بوتين علناً بأنه أمر بتنفيذ هجمات صاروخية على البنية التحتية في أوكرانيا.
وذكرت وكالة الأنباء الوطنية الأوكرانية (أوكرينفورم)، أمس الثلاثاء، أن المتحدث باسم وزارة الخارجية أوليج نيكولينكو، غرد عبر موقع «تويتر»، قائلاً: «أقر بوتين علناً بإعطاء الأوامر لتنفيذ هجمات صاروخية على المدنيين والبنية التحتية في أوكرانيا». وأضاف: «لا يجب السماح له بالجلوس إلى الطاولة مع زعماء العالم ويداه ملطختان بالدماء. يجب إلغاء دعوة بوتين، وطرد روسيا من مجموعة العشرين». وذكرت «أوكرينفورم» أن بوتين «أقر»، في وقت لاحق من أمس، بتنفيذ الهجمات على منشآت الطاقة الأوكرانية، وقال إنها جاءت رداً على التفجيرات التي وقعت في ميناء سيفاستوبول.
ومن المقرر أن تعقد القمة السابعة عشرة لقادة دول مجموعة العشرين في جزيرة بالي الإندونيسية يومي 15 و16 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي.


مقالات ذات صلة

غوتيريش يندد بتصاعد «شريعة القوة» في العالم

الولايات المتحدة​ نازحون فلسطينيون ينتظرون ملء المياه في مخيم الرمال بمدينة غزة أول من أمس (أ.ف.ب)

غوتيريش يندد بتصاعد «شريعة القوة» في العالم

حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اليوم (الاثنين) من أن حقوق الإنسان تتعرّض إلى «هجوم شامل حول العالم».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أوروبا رجل إطفاء أوكراني يعمل على إخماد حريق بموقع هجوم روسي في أوديسا (أ.ف.ب)

3 قتلى بضربات روسية في أنحاء أوكرانيا

أسفرت ضربات روسية بالمسيّرات والصواريخ استهدفت أوكرانيا ليلاً عن مقتل 3 أشخاص على الأقل وإصابة عدد آخر بجروح، حسبما أفاد به مسؤولون إقليميون، اليوم (الاثنين).

«الشرق الأوسط» (كييف)
تحليل إخباري وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال لقائه نظيره الصيني وانغ يي في ميونيخ (رويترز) p-circle

تحليل إخباري 4 سنوات على حرب أوكرانيا... ولادة قيصرية لأوروبا الجديدة

أصبح الأوروبيون أمام واقع كانوا يناورون لتجاهله لسنوات، وأدركوا أن أمنهم لا يمكن أن يبقى مرهوناً بمزاج حليف أميركي تبدّلت أولوياته وبات في خانة المنافسين.

شوقي الريّس (بروكسل)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف (أ.ف.ب) p-circle

زيلينسكي: بوتين بدأ بالفعل حرباً عالمية ثالثة

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنه يعتقد أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «بدأ بالفعل» حرباً عالمية ثالثة.

«الشرق الأوسط» (كييف)
تحليل إخباري خلال تدريب «الناتو» في بحر البلطيق قبالة ميدان بوتلوس للتدريب العسكري بألمانيا 18 فبراير 2026 (أ.ب) p-circle

تحليل إخباري واشنطن تعيد توزيع الأدوار في الحرب الروسية - الأوكرانية

مع دخول الحرب الأوكرانية عامها الخامس، قلّصت إدارة ترمب تدريجياً دورها المباشر في قيادة جهود دعم كييف، مقابل هندسة ترتيبات تجعل أوروبا المموّل الرئيسي.

إيلي يوسف (واشنطن)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended