المتطرفون.. مشكلة تواجه المثقفين العرب المغتربين

يشبهون أوروبيّي العصور الوسطى الغابرة وقد خرجوا من قبورهم

المتطرفون.. مشكلة تواجه المثقفين العرب المغتربين
TT

المتطرفون.. مشكلة تواجه المثقفين العرب المغتربين

المتطرفون.. مشكلة تواجه المثقفين العرب المغتربين

من المؤسف أن وسائل الإعلام لا تتحدث عن الهجرة والمهاجرين إلا في أوقات الانتخابات عندما تحمى النفوس كثيرا. وعندئذ يستغل اليمين المتطرف هذه الظاهرة لتعبئة الرأي العام ضد العمال المغتربين أو العرب والمسلمين والأفارقة السود أيضا. نقول ذلك في حين أن دراسة موضوع حساس وخطير كموضوع الهجرة تحتاج إلى برودة أعصاب لمعالجته. السؤال المطروح بداية هو التالي: كم عدد المهاجرين في فرنسا؟ طبقا لبعض الإحصاءات يمكن القول بأنه يوجد في فرنسا نحو خمسة ملايين عربي أو مسلم مغترب. وهذا يعني أنهم يشكلون نسبة 8 في المائة من عدد سكان فرنسا. ونسبة أربعين في المائة من هؤلاء يحملون الجنسية الفرنسية؛ أي نحو المليوني نسمة. أما أولئك الذين لا يحملون الجنسية الفرنسية فيصل عددهم إلى 2.96 مليون نسمة؛ أي نسبة 60 في المائة من كل المهاجرين. بالطبع فهذه الأرقام تقريبية.
ينبغي العلم بأن الهجرات الوافدة إلى فرنسا للعيش فيها قديمة العهد؛ ففي القرون الوسطى كما في العصور الحديثة استقبلت فرنسا أناسا من مختلف الأنواع والأصناف. ولكن موجات الهجرة لم تكبر ولم تأخذ كل أبعادها إلا في نهاية القرن التاسع عشر مع الثورة الصناعية؛ فقد احتاجت فرنسا عندئذ إلى أيدٍ عاملة كثيرة لإدارة عجلات المصانع كما يقال. وبما أن فرنسا عانت آنذاك من نقص في الولادات، وبالتالي من تدهور في عدد السكان، فإنها اضطرت لاستقبال الموجة الكبرى الأولى من موجات الهجرة. وقد استمرت من عام 1870 حتى عام 1910. وبعد الحرب العالمية الأولى وسقوط مليون ونصف المليون قتيل في ساح الوغى، اضطرت فرنسا من جديد لاستقبال موجة ثانية من الهجرة الأجنبية نظرا لنقص الرجال لديها. وأصبحت عندئذ البلد الثاني لاستقبال المهاجرين في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية. ولكن هذه الهجرات الأولى كانت أوروبية في معظمها؛ أي إيطالية، وإسبانية، وبرتغالية، وبولونية، إلخ. لم يكن هناك عرب أو مسلمون إلا القليل.
ولكن بعد الحرب العالمية الثانية أيضا اضطرت فرنسا إلى استقبال الموجة الثالثة من الهجرة لنفس السبب، ثم لأن اليد العاملة الأجنبية أرخص ولا تسبب مشكلات واحتجاجات ومطالبات، على عكس العامل الفرنسي. وكانت الهجرة هذه المرة في معظمها من دول شمال أفريقيا وبعض دول أفريقيا السوداء. بمعنى آخر فإنها كانت عربية إسلامية أمازيغية في معظمها. وهي التي تشكل الآن التحدي الأكبر للمجتمع الفرنسي بعد أن وصلت هذه الهجرة إلى مستوى الجيل الثاني والثالث بل وحتى الرابع.
إن اليمين المتطرف يستخدم مشكلة المغتربين كسلاح فعال للحصول على أصوات الناخبين الفرنسيين. وللأسف فإن متطرفي الجالية يقدمون له الحجج على طبق من ذهب؛ فهو يحذر السكان من خطورة الأجانب عليهم وأنهم يأكلون خبزهم اليومي. ويرفع اليمين المتطرف الشعار التالي: فرنسا للفرنسيين. وهناك حجة أخرى يستخدمها ألا وهي أن الهجرات السابقة؛ أي الإيطالية والبولونية والبرتغالية، كانت مسيحية أوروبية، وبالتالي يسهل امتصاصها ودمجها في المجتمع لأنها تنتمي إلى نفس الحضارة والدين. هذا في حين أن الهجرات الأخيرة كانت مغاربية أو عربية إسلامية أو أفريقية، وبالتالي فيستعصي دمجها داخل الحضارة الفرنسية. ولكن هذا اليمين المتطرف ينسى أن الشعب الفرنسي كان يستخدم ضد موجات المهاجرين الأولى - وهي أوروبية - نفس المحاجات السلبية التي يستخدمها الآن ضد العرب والمسلمين. فقد كان يكره الإيطاليين ويتهمهم بأنهم جاءوا لسرقة خبزه اليومي، وأنهم متخلفون، وسخون، لا يحبون فرنسا. ويكفي أن نفتح جرائد تلك الحقبة التي تعود إلى أوائل القرن العشرين لكي نتأكد من ذلك. عندئذ سنجد نفس الشتائم واللعنات التي استخدمت ضد الإيطاليين تُستخدم ضد المغاربة حاليا. وهذا ما يؤكده المطرب الشهير إيف مونتان الذي هو من أصل إيطالي. انظروا الكتاب الجميل الذي صدر عنه بعنوان «كما ترى. لم أنس ولن أنسى».. بالطبع بعد أن أصبح نجما عالميا لم يعد أحد يمارس ضده أو ضد عائلته أي عنصرية، بل على العكس أصبحوا يفتخرون به ويتباهون. ولكن قبل ذلك؟
وبالتالي فما أشبه الليلة بالبارحة! ثم من قال بأن المسلمين أو العرب لا يندمجون في المجتمع الفرنسي أو الأوروبي عموما؟ الكثيرون اندمجوا بمئات الآلاف حاليا. فهناك العمال المحترفون، والأطباء، والصيادلة، وأساتذة الجامعات، والمهندسون، ورؤساء الشركات، بل وحتى النواب والوزراء! وزيرة التربية والتعليم في فرنسا حاليا مغربية: نجاة فالو بلقاسم. وعمدة مدينة روتردام في هولندا السيد أحمد أبو طالب هو مغربي أيضا، إلخ.. وروتردام مدينة ضخمة وليست بلدة صغيرة.. وبالتالي فوصوله إلى سدة السلطة فيها يعتبر شبه معجزة. وهذا يعني أن المسلم الحضاري المستنير قادر على قيادة أوروبا وليس فقط على الاندماج فيها. إنه مؤهل للتفاعل مع مجتمع الحداثة إذا ما أتيحت له الفرصة لكي يثبت جدارته وكفاءاته. وقد تصدى أحمد أبو طالب مؤخرا للمتطرفين داخل الجالية قائلا: «إما أن تقبلوا بالقوانين الهولندية والأوروبية عموما، وإما أن تغادروا هذه البلاد فورا، فلا أحد يجبركم على البقاء فيها أو العيش في ظل قوانينها». وأضاف: «عندما تصبح مواطنا هولنديا فهذا يعني أنك قبلت ضمنيا بالدستور الهولندي والقيم الأساسية للمجتمع التنويري الحديث. وهي قيم حضارية لا تكفيرية. إنها تقر بحق الاختلاف في الرأي والمعتقد. فهنا توجد عدة أديان وعدة مذاهب لا دين واحد أو مذهب واحد، وكلها تتعايش بشكل سلمي وأخوي؛ فلا أحد يكفر أحدا أو يعتدي على أحد لأنه لا ينتمي إلى دينه أو طائفته ومذهبه. والجميع لهم الحق في ممارسة طقوسهم وشعائرهم دون استثناء، سواء أكانوا مسيحيين من سكان البلاد الأصليين أو مسلمين أو يهودا أو بوذيين.. إلخ. كما يحق لهم عدم ممارستها على الإطلاق دون أن يخشوا على وظيفتهم أو حياتهم أو حقوقهم المدنية. فالتدين أو عدم التدين مسألة شخصية، ولكن ليس الإخلال بالواجب. هنا يكمن مكتسب الحداثة الذي لا يقدر بثمن. وبالتالي فكفانا أوصياء على الدين أو متاجرون به». ثم وصف المتطرفين الهولنديين الذين يذهبون إلى منطقة الشرق الأوسط لمشاركة الدواعش القتل والذبح بأنهم خانوا المبادئ الإنسانية وقيم العالم المتحضر. وقال لا شيء يبرر قطع رؤوس الأبرياء باسم الله! الإسلام الوسطي العقلاني الصحيح لا يقر هذا إطلاقا. والمسلمون لا يمكن أن يقبلوا بأن تُستغل عقيدتهم بمثل هذا الشكل الفاضح. ولحسن الحظ فإن غالبية المسلمين في هولندا لا تصطف خلف هذا الفكر الهمجي المتطرف. هذا كلام رجل عاقل ومسؤول وحريص على مصلحة جالياتنا المهاجرة ويعرف كيف يدافع عنها بشكل مقنع وحضاري.
لكن ينبغي الاعتراف بأن المسألة أعوص من ذلك وأكبر بكثير. إنها تتجاوزنا جميعا ولا حل لها في المدى المنظور. ينبغي العلم بأن الأصولية الظلامية الداعشية وغير الداعشية تمثل أكبر مشكلة للفكر العربي، وقد تكسر ظهره للوهلة الأولى. وبالتالي فمواجهتها قد تستغرق عشرات السنين. ولن تكون المعركة الفكرية أقل شراسة من المعركة العسكرية الدائرة حاليا. ولكن المسار الحضاري الذي هضمته الشعوب الأوروبية خلال ثلاثة قرون لا يمكن أن تهضمه الشعوب العربية أو الإسلامية خلال ثلاثة عقود!
أحيانا يخيل إلي أن المتطرفين الذين حطت بهم الطائرة فجأة في مجتمعات الحداثة أو ما بعد الحداثة يشبهون أوروبيّي العصور الوسطى الغابرة وقد خرجوا من قبورهم بقدرة قادر ورأوا ما رأوه فصعقوا وجن جنونهم. ما هذا المجتمع الكافر؟ ما هذا المجتمع المتحرر من كل دين أو تدين؟ الكنائس فارغة وقد تحولت إلى ما يشبه المتاحف! لقد اختفى الدين المسيحي كليا من الساحة العامة للمجتمع. ما هذا المجتمع المليء بالحريات الدينية والسياسية بل وحتى الجنسية؟ هل يعقل هذا؟ (تذكروا سيد قطب عندما سافر إلى أميركا ورأى ما رآه وكانت الصدمة المروعة!). ولذلك لووا أعناقهم وفضلوا العودة إلى قبورهم سالمين، ناجين بأرواحهم من هذا المجتمع الشيطاني النجس الرجس. أبالغ بطبيعة الحال بل وأهلوس إلى حد ما، ولكن فقط لتوضيح الصورة. ألا تعلمون بأن الظلامية المسيحية، وبخاصة في نسختها البابوية الكاثوليكية، حاربت الحداثة طيلة ثلاثة قرون متواصلة؟ فلماذا لا تحاربها ظلاميتنا الداعشية طيلة أربعين أو خمسين سنة على الأقل. إنكم واهمون إذا ما اعتقدتم أننا سنخرج من هذه المحنة في ظرف سنوات معدودات. نحن دخلنا الآن في نفق مظلم نرى بداياته ولا نرى نهاياته. ولا أقول ذلك لتثبيط عزيمتكم أو للتمتع بإحباطكم والتلذذ بتعذيبكم وإنما فقط على سبيل «تشاؤم الفكر وتفاؤل الإرادة» كما يقال. فأنا شخصيا لن أستسلم حتى ولو بلغ السيل الزبى. وقد وطنت نفسي على المقاومة حتى النفس الأخير. هنا تكمن مقاومتي الحقيقية، قضيتي الأساسية. والله ستكون روحي رخيصة في سبيلها. أنا مسؤول عنها شخصيا أمام ملايين العرب والمسلمين.



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».