جو شليطا... استعار الخيط والإبرة من تاريخ الأزياء ليحيك أناقة لبنان

صفحته الإلكترونية تشكل مرجعاً لطلاب الجامعات

الراحلة صباح في محل للأقمشة ببيروت (جو شليطا)
الراحلة صباح في محل للأقمشة ببيروت (جو شليطا)
TT

جو شليطا... استعار الخيط والإبرة من تاريخ الأزياء ليحيك أناقة لبنان

الراحلة صباح في محل للأقمشة ببيروت (جو شليطا)
الراحلة صباح في محل للأقمشة ببيروت (جو شليطا)

كان لا يزال طفلاً في السابعة من عمره عندما عادت عائلته المهاجرة من أستراليا للاستقرار في ربوع لبنان. وفي مدينة جبيل، حيث سكن مع والدته جاكي، لفته كيفية اختيارها لأزيائها الخارجة عن المألوف. كان يتجول معها في أسواق جبيل القديمة ويشاهدها كيف تنتقي الأقمشة التي رسمت موديلاتها في خيالها. وفي مغطس الحمام كانت تعيد تلوينها بعد أن تضيف إليها صبغة معينة، فيتغير شكلها وتصبح بذلك جاهزة لتخيطها بأسلوبها السباق. كانت تتبضع أيضاً قماش الكروشيه وتصنع منه البنطال ذا قدم الفيل الواسعة (pas d’elephant)، وتصمم له جاكيتاً واسعاً أو قميصاً قصيراً، فيشار إليها في الصالونات بأنها واحدة من أكثر النساء أناقة في المدينة.


منى روس أشهر عارضة أزياء في السبعينات (جو شليطا)

هكذا بدأ حب تصميم الأزياء يكبر في مخيلة جو شليطا. وبعدما تخصص في مجال المحاماة ونال شهادته الجامعية فيها، قرر أن يحول طريق مستقبله 180 درجة. التفت نحو مجال تصميم الأزياء ليصبح اسماً لامعاً فيه. مسيرته غنية بمحطات مضيئة استهلها مع برنامج «ميشين فاشين»، وعلى أثره تزود بخبرة عالية من خلال العمل مع المصمم العالمي إيلي صعب. ومن ثم توالت نجاحاته في تصميم الأزياء لنجوم من لبنان وخارجه. اليوم وهو في العقد الرابع من عمره أجرى جو شليطا تحولاً جديداً في حياته. ترك مهنته وراءه كي يتفرغ لتاريخ لبنان في عالم الأزياء. أنشأ حساباً إلكترونياً عبر موقع «إنستغرام» سماه «تاريخ الموضة اللبنانية» (Lebanese fashion history)، فصار عنواناً إلكترونياً يتابعه الآلاف ليتعرفوا إلى موضة الأزياء في لبنان في حقب تمتد من الخمسينات حتى السبعينات. «لا نملك في لبنان أي مرجع دقيق في هذا الإطار، لذلك صنعت من هذه الصفحة عنواناً عبر القارات والمحيطات. تركت كل شيء كي أتفرغ لهذه الصفحة، لأني أرغب في ترك بصمة للتاريخ تتعلق ببلدي. فأنا المتخصص بالموضة. كان علي أن أخدم وطني بمهاراتي».
الأمر لن يتوقف عند هذه الصفحة الإلكترونية، لأن شليطا يكمل ما بدأه فيها من خلال إصداره قريباً كتاباً يحكي عن تاريخ الأزياء اللبنانية. أما الخطوة التالية من بعده فهي إقامة عرض أزياء يتنقل فيه حول العالم حاملاً معه عبق تاريخ الأناقة اللبنانية. ويشير شليطا في سياق حديثه إلى أن مغادرته لبنان منذ نحو سنتين، واستقراره في دولة الإمارات العربية، ولّدتا عنه ومنذ اللحظة الأولى، الحنين إلى الوطن. «ربما من خلال هجرتي هذه صرت أرى الأشياء بعيون لبناني مشتاق إلى بلده. وصار شغفي بتاريخ لبنان يكبر إلى أن ترجمته بهذه الصفحة».
لا يبحث شليطا عن الربح المادي، ولا عن وسائل تجارية تسوق لأبحاثه هذه. في رأيه الفنان الحقيقي هو الذي يهتم بقيمة الإبداع. يقول، «ما أقوم به لا يمكن تثمينه لأنه كناية عن مسار طويل وواسع لن ينتهي في يوم وليلة. أنا أتطلع دائماً لتوليد الجمال حتى لو تطلب مني ذلك دفع تكاليف هذه الولادات من جيبي الخاص».


جو شليطا الباحث في تاريخ الأزياء اللبنانية (جو شليطا)

بدأت أبحاثه في تاريخ الأزياء اللبنانية تتعمق يوماً بعد يوم، وسنة بعد سنة. ففتحت أمامه أبواباً كثيرة كي يجمع منها المعلومات والوثائق التي تفيده. وكما أرشيف شركة طيران الشرق الأوسط، وكازينو لبنان، كذلك شرعت له أبواباً مماثلة في فرنسا ولندن وأميركا.
«أفتخر بما توصلت له من خلال شغفي وإصراري على الكشف عن لبنان الجمال والثقافة. تلقيت منحة صغيرة من فرنسا تعود إلى شركة تشجع كل من يعمل في الحفاظ على أزياء منطقة الشرق الأوسط. ومن حظي أن لبنان يقع على خريطة هذه المنطقة. وبالمبلغ الذي تلقيته رحت أشتري ما يغني أبحاثي». نعم، صرف جو المبلغ على شراء أعداد من مجلة «فوغ» الفرنسية، وتبلغ كلفة كل عدد منها نحو 400 دولار واصل إلى مكان إقامته في الإمارات. «هي أعداد تذكر لبنان بحقبة الستينات، حين كان يومها منارة الشرق، ومحطة أساسية في عالم الأزياء. كنت أريد لفت النطر إلى هوية لبنان الحقيقية (باريس الشرق). رغبت في تسليط الضوء على علاقاته مع هيئات تعمل في الموضة عبر التاريخ. دعيت إلى إيطاليا والتقيت أنريكو كويتو، الذي يعمل هو أيضاً على تاريخ الأزياء الإيطالية».
هكذا بدأ بيكار تبادل المعلومات والأبحاث يتوسع مع جو شليطا، حتى طال أميركا وبريطانيا وفرنسا وأستراليا. هذا التعاون فتح له أيضاً مجالات واسعة لإغناء مشروعه، فهو يُعد نفسه «سفير لبنان الأزياء»، وسيحمل تاريخاً عريقاً في عرض أزياء مقبل يدور فيه حول العالم أجمع.
طلاب وتلامذة من لبنان وآخرون يدرسون في جامعات أجنبية يتابعون صفحته الإلكترونية. باتوا يجدون بشليطا مرجعاً لا يمكن الاستغناء عنه لإكمال اختصاصاتهم. يقول: «اتصلت بي جامعات في لبنان كي أعقد محاضرات في هذا المجال. وتلقيت اتصالات أخرى مشابهة من جامعة السوربون الفرنسية».
لم يكتفِ شليطا في البحث في أرشيفات مجلات وبرامج تلفزيونية، بل تجاوز ذلك ليلتقي ورثة مؤسسي فن الأزياء في لبنان. «مدام صالحة»، من أوائل من استحدثوا تصميم الأزياء في لبنان. خاطت فساتين أشهر نساء في لبنان وأميرات من بلدان عربية. وعن نجوم تلك الحقبات من مصممين، يستذكر شليطا، جوزف هاروني، الذي صمم فستان السمكة الشهير للراحلة صباح من فيلم «إزاي أنساك». وكذلك جان بيار ديليفر، الذي صمم غالبية فساتين فيروز في مسرحياتها. ومن بين هؤلاء أيضاً، جاك كاسيا، وبيار كاترا، وشويتر وغيرهم. «بالنسبة لي، كاسيا وهاروني ووليم خوري كانوا من مصممي الأزياء السباقين لأيامهم. تميل أعمالهم أكثر نحو أجواء الفضاء والفلك، إذ أدخلوا مواد جديدة على تصاميمهم. واستخدموا السلاسل الحديدية والبلاستيك والقصات الخارجة عن المألوف».
وعما إذا استطاع الحصول على أزياء تاريخية يحتفظ بها لمعرضه المقبل يرد: «لقد طلبت من جميع من اتصلت بهم أن يحافظوا على هذا التراث، ولو كان يتألف من قطعة قماش متبقية من فستان. فأنا جاهز لإعادة ترميم الزي وخياطته كي يعود إلى سابق عهده».
ينتقد شليطا بعض متاحف الأزياء الموجودة في لبنان، ويعلق: «لا نملك متاحف أزياء حقيقية، بل مجرد فساتين أو أزياء بالية إلى حد كبير. وهي لا تمثل لبنان الإبداع. حتى أن بعض الكتب التي تذكر هذا الموضوع أو تخصص فقرات له، تشوبها أخطاء كثيرة لا تمت بصلة للدقة والموضوعية. بينما في بلدان أخرى أجنبية، يعطون حيزاً كبيراً لهذا النوع من المتاحف. وقد رأيت في دبي عرض أزياء خاصاً بتاريخ روسيا، وكان رائعاً لما يحمل من تفاصيل جميلة وتثقيفية في آن».
شليطا، الذي تأثر بوالدته جاكي إلى حد جعله يشتري شمعداناً ويحول وروده بعد إعادة دهنها إلى قطع أكسسوار خاصة بالرأس والشعر، لا يمل من أبحاثه في تاريخ الأزياء اللبنانية. لا يهمه أن يصبح صاحب دار أزياء ينفذ تصاميمه موظفون عنده. فهو يحب تصميم وخياطة الزي بنفسه من دون أي مساعدة. ويوضح: «أنا جاهز في كل لحظة للسعي وراء كل ما يغني موسوعتي، ويُبرز خصائص لبنان في هذا المجال. وخطوة وراء خطوة سأتمكن من الوصول إلى مرادي، من إصدار كتاب، وعرض أزياء، وصولاً إلى متحف للأزياء». ويختم: «ما يهمني دائماً، هو ذكر بلدي لبنان المضيء بإبداعاته. وقد أعجبت أخيراً بفرقة (مياس) التي حملت لبنان إلى العالمية، وهي تكرر من دون توقف أن هويتها لبنانية. جذورنا لا تتمثل فقط بالطرطور والسروال، بل أيضاً بهويتنا وانتمائنا اللبناني بامتياز».



مدرب الحزم: نطمح لمقعد مؤهل للبطولات الخارجية

التونسي جلال قادري مدرب فريق الحزم (الشرق الأوسط)
التونسي جلال قادري مدرب فريق الحزم (الشرق الأوسط)
TT

مدرب الحزم: نطمح لمقعد مؤهل للبطولات الخارجية

التونسي جلال قادري مدرب فريق الحزم (الشرق الأوسط)
التونسي جلال قادري مدرب فريق الحزم (الشرق الأوسط)

أوضح التونسي جلال قادري، مدرب فريق الحزم، أن فريقه قدم مباراة جيدة من الناحية التكتيكية أمام فريق مميز يمتلك لاعبين رائعين، مشيراً إلى أن الزيادة لعدد مقاعد الفرق المشاركة في البطولات الخارجية ستعيد حساباتهم في الجولات المقبلة.

ونجح الحزم في اقتناص نقطة تعادل ثمينة أمام نيوم في اللقاء الذي جمع بينهما في مدينة تبوك، ضمن لقاءات الجولة الثلاثين من الدوري السعودي للمحترفين.

وقال قادري في المؤتمر الصحافي الذي عقد بعد نهاية مواجهة فريقه أمام نيوم: «الحمد لله عُدنا للمباراة بقوة شخصية الفريق بعد تسجيل هدف التعادل، وتبقى نقطة خارج أرضنا أمام فريق كبير مثل نيوم الذي يمتلك كل هذه الإمكانات. نتيجة ممتازة، خصوصاً أننا بحثنا عن الفوز لآخر لحظات المباراة، وفي المجمل نتيجة المباراة كانت عادلة».

وأضاف قادري رداً على تساؤلات «الشرق الأوسط» حول سبب غياب الجزائري أمير سعيود لفترة طويلة، وحول طموحات الفريق بالقول: «الفريق افتقد لخدمات اللاعب بسبب توالي الإصابات، حيث أجرى عملية الزائدة الدودية قبل أسابيع قليلة».

وأضاف مدرب الحزم: «هدفنا الأول في الدوري كان البقاء، ولكن بعد التحديثات الأخيرة وزيادة عدد المقاعد للمشاركات الخارجية سنطمح لهذا الأمر بالتأكيد».


ترمب: المستشار الألماني لا يفقه شيئاً فيما يتعلق بإيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي بالمستشار الألماني فريدريش ميرتس في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 3 مارس 2026 (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي بالمستشار الألماني فريدريش ميرتس في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 3 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

ترمب: المستشار الألماني لا يفقه شيئاً فيما يتعلق بإيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي بالمستشار الألماني فريدريش ميرتس في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 3 مارس 2026 (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي بالمستشار الألماني فريدريش ميرتس في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 3 مارس 2026 (د.ب.أ)

انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب المستشار الألماني فريدريش ميرتس بسبب حرب إيران، الثلاثاء، وذلك بعد يوم من تصريح ميرتس بأن الإيرانيين يذلّون الولايات المتحدة في المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب.

وكتب ترمب في منشور على منصة «تروث سوشيال»: «يرى مستشار ألمانيا فريدريش ميرتس أنه لا مانع من أن تملك إيران سلاحاً نووياً. إنه لا يفقه ما الذي يتحدث عنه!».

ونادى ميرتس بضرورة عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأدلى ميرتس بسلسلة مواقف في شأن حرب الشرق الأوسط خلال زيارته الاثنين مدرسة في مارسبرغ (غرب ألمانيا)، حسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال ميرتس: «من الواضح أن لا استراتيجية لدى الأميركيين. والمشكلة دائماً في حروب كهذه هي أنك لا تحتاج فقط إلى الدخول، بل عليك أيضاً أن تخرج مجدداً».

وأضاف: «لقد رأينا ذلك بطريقة مؤلمة جداً في أفغانستان طوال 20 عاماً. ورأيناه في العراق».

وتابع قائلاً إن «كل هذا الأمر... هو في أحسن الأحوال انعدام للتروّي».

وقال ميرتس إنه لا يستطيع أن يرى «أي مخرج استراتيجي سيختار الأميركيون، وخصوصاً أن من الواضح أن الإيرانيين يتفاوضون بمهارة شديدة، أو لا يفاوضون بمهارة شديدة».

وأضاف: «أمّة كاملة تتعرض هناك للإذلال على أيدي القيادة الإيرانية، وأكثر من ذلك على أيدي ما يُسمّى (الحرس الثوري)».

وقال ميرتس، الاثنين، إن القيادة الإيرانية تتلاعب بالولايات المتحدة وتجبر المسؤولين الأميركيين على السفر إلى باكستان ثم المغادرة دون نتائج، في توبيخ لاذع غير معتاد بشأن الصراع.

هذه التعليقات تبرز الانقسامات العميقة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي (ناتو) التي تفاقمت بالفعل بسبب الحرب في أوكرانيا، ومسألة غرينلاند، والرسوم الجمركية، وآخرها حرب إيران.


«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
TT

«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)

بعد شهرين من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تعد إيران تملك حاكماً واحداً غير منازع في قمة السلطة، في قطيعة مفاجئة عن إرث الماضي قد تدفع طهران إلى مزيد من التصلب، بينما تدرس استئناف المحادثات مع واشنطن.

منذ تأسيسها عام 1979، دارت المؤسسة الحاكمة في فلك مرشد يملك السلطة النهائية في كل القضايا الرئيسية للدولة، لكن مقتل المرشد علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب، وصعود نجله الجريح مجتبى، أدخلا البلاد في نظام مختلف يهيمن عليه قادة «الحرس الثوري»، ويتسم بغياب مرجعية حاسمة وذات سلطة نافذة لاتخاذ القرار، حسب تحليل لوكالة «رويترز».

ولا يزال مجتبى خامنئي في قمة النظام، لكن 3 مصادر مطلعة على المداولات الداخلية قالت إن دوره يقتصر إلى حد كبير على إضفاء الشرعية على القرارات التي يتخذها جنرالاته، لا إصدار التوجيهات بنفسه.

ويقول مسؤولون ومحللون إيرانيون إن ضغوط الحرب أدت إلى تركيز السلطة في دائرة داخلية أضيق من المحافظين المتشددين، متجذرة في المجلس الأعلى للأمن القومي، ومكتب المرشد، و«الحرس الثوري»، الذي بات يهيمن على الاستراتيجية العسكرية والقرارات السياسية الرئيسية.

وقال مسؤول حكومي باكستاني كبير أُطلع على محادثات السلام بين إيران والولايات المتحدة التي تتوسط فيها إسلام آباد: «الإيرانيون بطيئون بشكل مؤلم في ردودهم». وأضاف: «يبدو أنه لا توجد هيكل قيادي واحدة لاتخاذ القرار. أحياناً يستغرق الأمر يومين أو 3 أيام كي يردوا».

عراقجي يستقبل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران الأسبوع الماضي

وقال محللون إن العقبة أمام التوصل إلى اتفاق ليست الصراعات الداخلية في طهران، بل الفجوة بين ما تستعد واشنطن لتقديمه، وما كان «الحرس الثوري» المتشدد مستعداً لقبوله.

وكان وزير الخارجية عباس عراقجي الوجه الدبلوماسي لإيران في المحادثات مع الولايات المتحدة، وانضم إليه أخيراً رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهو قيادي في «الحرس الثوري» ورئيس بلدية طهران سابقاً ومرشح رئاسي، وقد برز خلال الحرب بوصفه قناة رئيسية بين النخب السياسية والأمنية والدينية في إيران.

لكن على الأرض، كان المحاور المركزي هو قائد «الحرس الثوري» أحمد وحيدي، وفق مصدر باكستاني ومصدرين إيرانيين، الشخصية المحورية في إيران، بما في ذلك في الليلة التي أُعلن فيها وقف إطلاق النار.

ولم يظهر مجتبى علناً حتى الآن. وقال مصدران مقربان منه إنه يتواصل من خلال مساعديه بـ«الحرس الثوري» أو عبر اتصالات صوتية محدودة بسبب قيود أمنية، وأصيب مجتبى بجروح بالغة في ساقه خلال الموجة الأولى من الغارات الإسرائيلية والأميركية على إيران، والتي قُتل فيها والده وعدد من أقاربه.

ولم ترد وزارة الخارجية الإيرانية بعد على طلب للتعليق على ما أثاره هذا المقال. ونفى مسؤولون إيرانيون في السابق وجود أي انقسامات بشأن المفاوضات مع الولايات المتحدة.

في قبضة قادة عسكريين

قدّمت إيران، الاثنين، مقترحاً جديداً إلى واشنطن، ويقول مسؤولون إيرانيون كبار إنه يتصور محادثات مرحلية، مع تنحية الملف النووي جانباً في البداية إلى أن تنتهي الحرب، وتُحل الخلافات بشأن الملاحة في الخليج العربي. وتصر واشنطن على ضرورة معالجة الملف النووي منذ البداية.

وقال آلان آير، الخبير في الشؤون الإيرانية والدبلوماسي الأميركي السابق، إن «أياً من الطرفين لا يريد التفاوض»، مضيفاً أن كلاً منهما يعتقد أن الوقت كفيل بإضعاف الطرف الآخر؛ إيران عبر ورقة الضغط في هرمز، وواشنطن عبر الضغط الاقتصادي والحصار.

وقال آير إن أياً من الطرفين لا يستطيع، في الوقت الراهن، أن يبدي مرونة؛ فـ«الحرس الثوري» حذر من الظهور بمظهر الضعف أمام واشنطن، بينما يواجه الرئيس دونالد ترمب ضغوط انتخابات التجديد النصفي، ولا يملك هامشاً كبيراً للمرونة من دون تكلفة سياسية.

وأضاف آير الذي شارك بالمفاوضات النووية خلال إدارة باراك أوباما من كثب: «بالنسبة إلى الطرفين، ستُفسر المرونة على أنها ضعف».

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

ولا يعكس هذا الحذر ضغوط اللحظة الراهنة فقط، بل الطريقة التي تمارس بها السلطة الآن داخل إيران. ورغم أن مجتبى هو رسمياً صاحب السلطة النهائية في إيران، فإنه، بحسب مطلعين، شخصية تصادق أكثر مما تقود؛ فهو يقر نتائج صيغت عبر توافق مؤسسي، ولا يفرض سلطته. ويقول هؤلاء إن السلطة الفعلية انتقلت إلى قيادة حرب موحدة تتمحور حول المجلس الأعلى للأمن القومي.

ورفعت شخصيات متشددة، مثل المفاوض النووي السابق سعيد جليلي ومجموعة من النواب الراديكاليين، حضورها عبر خطاب حاد خلال الحرب، لكنها تفتقر إلى النفوذ المؤسسي اللازم لتعطيل القرارات أو تشكيل النتائج.

ويدين مجتبى بصعوده إلى «الحرس الثوري»، الذي همّش البراغماتيين ودعمه بوصفه حارساً موثوقاً به لأجندته المتشددة. وتقول مصادر مطلعة على دوائر صنع القرار الداخلية في البلاد لـ«رويترز» إن ازدياد هيمنة «الحرس الثوري»، الذي تعزز أصلاً بفعل الحرب، يشير إلى سياسة خارجية أكثر عدوانية وقمع داخلي أشد.

ويرى «الحرس الثوري» مدفوعاً بالتوجه الآيديولوجي الثوري ورؤية أمنية في المقام الأول، أن مهمته تتمثل في الحفاظ على الجمهورية الإسلامية في الداخل مع إظهار الردع في الخارج.

وهذه الرؤية، التي غالباً ما يتقاسمها متشددون في القضاء والمؤسسة الحاكمة، تعطي الأولوية لسيطرة مركزية صارمة ومقاومة الضغوط الغربية، خصوصاً في السياسة النووية ونفوذ إيران الإقليمي.

السلطة بيد القطاع الأمني

وقالت المصادر المقربة من دائرة الحكم أن آيديولوجيا «الحرس الثوري» تشكل في الواقع الاستراتيجية الرئيسية؛ إذ تبقى عملية صنع القرار راسخة في يده. وأضافت المصادر أنه مع دخول البلاد في حالة حرب ورحيل خامنئي، لا يملك أي طرف داخل النظام القوة أو النطاق لمقاومة ما يراه «الحرس الثوري»، حتى لو أراد ذلك.

ولم يعد الخيار أمام القيادة الإيرانية بين سياسة معتدلة وأخرى متشددة، بل بين التشدد وما هو أشد تشدداً. وقال مصدران إيرانيان قريبان من دوائر السلطة إن فصيلاً صغيراً قد يدفع باتجاه الذهاب أبعد، لكن «الحرس الثوري» أبقى هذا الاندفاع حتى الآن تحت السيطرة.

ويمثل هذا التحول إعادة ترتيب حاسمة للسلطة، من أولوية رجال الدين إلى هيمنة القطاع الأمني. وقال آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأميركي السابق: «انتقلنا من سلطة رجال الدين إلى السلطة العسكرية... إلى نفوذ (الحرس الثوري). هكذا تحكم إيران».

إيرانية تسير بجانب نموذج رمزي لصاروخ «خيبر شكن» الباليستي في طهران الاثنين (رويترز)

وقال أليكس فاتانكا، الزميل البارز في معهد الشرق الأوسط، إن اختلافات في الرأي موجودة، لكن صنع القرار تركز حول المؤسسات الأمنية، مع قيام مجتبى بدور شخصية جامعة مركزية، لا صاحب قرار منفرد.

ورغم الضغط العسكري والاقتصادي المستمر من الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تُظهر إيران أي مؤشرات إلى التصدع أو الاستسلام بعد نحو 9 أسابيع من الحرب

وأشار ميلر أيضاً إلى أنه لا توجد أدلة على وجود انقسامات جوهرية داخل النظام أو معارضة ذات مغزى في الشوارع.

ويشير هذا التماسك إلى أن القيادة باتت في يد «الحرس الثوري» والأجهزة الأمنية، التي تبدو كأنها تقود الحرب بدلاً من مجرد تنفيذ عمليات قتالية. وقال ميلر إن توافقاً استراتيجياً برز داخل النظام: تجنب العودة إلى حرب شاملة، والحفاظ على أوراق الضغط، خصوصاً في مضيق هرمز، والخروج من الصراع أقوى سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.