العلاج الجيني... كيف يصل دواء الأثرياء للفقراء؟

«المنتدى الاقتصادي العالمي» أثار المشكلة

ممرض يحمل أمبول دواء زولجينزما (أرشيفية)
ممرض يحمل أمبول دواء زولجينزما (أرشيفية)
TT

العلاج الجيني... كيف يصل دواء الأثرياء للفقراء؟

ممرض يحمل أمبول دواء زولجينزما (أرشيفية)
ممرض يحمل أمبول دواء زولجينزما (أرشيفية)

قبل أيام تفاعل المصريون مع حملة تبرعات لجمع 40 مليون جنيه مصري (مليوني دولار) قيمة حقنة العلاج الجيني «زولجينزما»، التي تستخدم لعلاج ضمور العضلات الشوكي، لتوفيرها لطفلة مصرية تعاني من المرض.
جاء ذلك بعد شهور من تنظيم حملة تبرعات، استهدفت جمع قيمة الحقنة لطفلة أخرى، وهو ما يكشف عن صعوبات ضخمة تواجه الدول محدودة الدخل في توفير مثل هذه العلاجات الجينية، وهي المشكلة التي أثارها المنتدى الاقتصادي العالمي في تقرير أصدره (الثلاثاء)، دعا خلاله الدول الغنية، إلى العمل على سد الفجوة بينها وبين الدول الفقيرة ومتوسطة الدخل فيما يتعلق بتوفير هذه العلاجات المنقذة للحياة.
والعلاج الجيني، كما يشرحه لـ«الشرق الأوسط»، الدكتور سامح سعد، رئيس برنامج أبحاث بيولوجيا الأورام في مستشفى سرطان الأطفال «57357» بمصر، هو إحداث تغيير في جينات معطوبة توارثها المريض نتيجة طفرة حدثت في أحد الجينات، فأدت إلى إصابته بالمرض، ويكون ذلك عبر ثلاث طرق، إما باستبدال الجين المعطوب، أو إصلاحه لمنع مزيد من التدهور، أو الدخول إلى الخلايا التي توجد بها جينات معطوبة، ومساعدة الجهاز المناعي في التعرف عليها.
وأيا كانت الطريقة المستخدمة، فلابد من إجراء تحليل جيني للشخص لتحديد المشكلة، كما أن تجهيز الدواء نفسه معقد للغاية، ويحتاج إلى بنية تحتية مناسبة وتجهيزات معملية فائقة التطور يكون فيها التدخل البشري محدودا للغاية لتقليل فرص حدوث أي تلوث، ويعتمد توصيل الدواء على تصميم ناقل يسمى (ناقل فيروسي) لحمل المواد الوراثية وتسليمها للجسم، ويتم في هذا الإطار استخدام فيروسات معينة كناقلات لأنها يمكن أن تنقل المادة عن طريق إصابة الخلية، ويتم تعديل الفيروسات بحيث لا تسبب المرض عند استخدامها مع البشر.
وتدمج بعض أنواع الفيروسات، مثل الفيروسات القهقرية، مادتها الجينية (بما في ذلك الجين الجديد) في كروموسوم في الخلية البشرية، وتقوم فيروسات أخرى، مثل الفيروسات الغدية، بإدخال الحمض النووي الخاص بها في نواة الخلية، لكن الحمض النووي لا يتكامل مع الكروموسوم، ويمكن للفيروسات أيضا توصيل أدوات تحرير الجينات إلى نواة الخلية، ويمكن حقن الناقل أو إعطاؤه عن طريق الوريد مباشرة في نسيج معين في الجسم، حيث يتم تناوله من قبل الخلايا الفردية.
ويمكن إزالة عينة من خلايا المريض وتعريضها للناقل في بيئة معملية، ثم يتم إرجاع الخلايا التي تحتوي على الناقل إلى المريض، وإذا نجح العلاج، فإن الجين الجديد الذي يتم توصيله بواسطة الناقل سوف يصنع بروتينا عاملا أو يقوم بتصحيح خطأ الحمض النووي واستعادة وظيفة البروتين المعطوب.
يقول سعد «كما يتضح مما سبق، فإن العلاج الجيني عملية بالغة التعقيد والتخصص، لذلك فإنها مكلفة للغاية، ويتجاوز حاليا سعر الجرعة الواحدة لعلاج اضطراب عصبي نادر ثلاثة ملايين دولار، وهو أكبر من الرقم القياسي البالغ 2.8 مليون دولار لكل جرعة لعلاج اضطراب دموي نادر، وهو ما قد يجعل هذه العلاجات الجينية بعيدة عن متناول الدول الفقيرة ومتوسطة الدخل».
ولفت تقرير أصدره المنتدى الاقتصادي العالمي الانتباه لهذه المشكلة، وقال التقرير إنه «من دون تضافر الجهود لبناء قدرة العلاج الجيني في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل وخفض التكاليف، ستستمر الفجوة الصحية العالمية في الاتساع، رغم أن معظم المصابين بالأمراض المعدية ينتمون لهذه البلدان».
ووفق التقرير، فإن الأمراض المعدية تؤثر على عشرات الملايين من الأشخاص على مستوى العالم، يعيش معظمهم في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، وابتداء من منتصف عام 2022، كان هناك أكثر من 2000 علاج جيني قيد التطوير في جميع أنحاء العالم، مما يساهم في القيمة السوقية العالمية التي من المتوقع أن تصل إلى ما يقرب من 20 مليار دولار بحلول عام 2027، ومع ذلك تحطم العلاجات الجينية سجلات أسعار العلاجات الطبية ويتطلب نشرها الفعال تطوير البنية التحتية الطبية.
ويعتبر التقرير أن الوقت الحالي لحظة مثالية للدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط لدخول السوق العالمية، يقول شيام بيشن، رئيس قسم الصحة والرعاية الصحية في المنتدى الاقتصادي العالمي «لا تزال صناعة العلاج الجيني في مهدها، لكن النجاحات السريرية المبكرة والتمويل الكبير ولّدت زخما هائلا، وهذه لحظة مثالية للدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط لدخول هذه السوق، مع إعطاء الأولوية لاحتياجات المجتمعات التي تتحمل أعلى أعباء المرض».
ومن خلال التحليل الذي قادة الخبراء لتجارب خمس دول منخفضة ومتوسطة الدخل، وهي الهند وجنوب أفريقيا وتنزانيا وتايلاند وأوغندا، ركز كل منها على أمراض مختلفة، حدد التقرير سلسلة من الركائز الأساسية التي يمكن لجميع البلدان البناء عليها عند تصميم خرائط الطريق الخاصة بها لبناء قدرات العلاج الجيني، حيث يجب أن تكون الأنظمة الصحية مجهزة بتصنيع متقدم، ومعدات مستشفيات متطورة، وموظفين مدربين تدريبا خاصا وبيئات تنظيمية ناضجة، وهي قدرة ناقصة إلى حد كبير أو غائبة في معظم البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.
يقول سعد «أتفق تماما مع ما جاء في التقرير حول هذه الركائز، والتي تهيئ تلك المجتمعات لاستيعاب تقنيات العلاج الجيني عندما يتم تطويرها باتجاه الإنتاج الكبير، لأن الشكل الحالي للعلاج الجيني، ربما يكون صعبا حتى على بعض الدول الغنية، فكم من الجرعات تستطيع أي دولة توفيرها لأدوية يصل سعر جرعتها الواحدة إلى 3 ملايين دولار؟!».
ففي حين أن بعض الأدوية مثل علاجات الجسم المضاد تسمح بإنشاء خط خلوي لإنتاج الدواء، وتوسيع نطاق هذا الخط الخلوي إلى مفاعل حيوي سعة 10000 لتر، فإن العلاج الجيني بالطريقة التي لا تزال مستخدمة لا يتم توفيره بطريقة الإنتاج الكبير.
من جانبه، يعتبر شريف الخميسي، أستاذ الطب الجيني، ورئيس قسم الأبحاث في جامعة شيفيلد في المملكة المتحدة، اتجاه بعض الدول لدراسة جينوم مواطنيها، هو توجه في الاتجاه الصحيح، نحو الاستعداد لاستيعاب هذه التكنولوجيا الجديدة.
يقول الخميسي لـ«الشرق الأوسط»: «دراسة الجينوم البشري أول خطوات استيعاب هذا المجال الحديث للطب الشخصي، الذي يقدم خدمات فريدة تعتمد على التركيب الجيني للفرد فيكون العلاج أكثر كفاءة، كما أنه سيسمح بالمشاركة في التجارب السريرية لهذه الأدوية الجينية، مما يعطي تخفيضات في أسعار تلك الأدوية».
ورغم ما حققه العلاج الجيني من نتائج باهرة في بعض الأمراض، فلا يزال في بداياته، ويمكن على الأقل المساهمة في تجاربه السريرية بعد فهم الجينوم الخاص بمواطني الدولة، كما يؤكد الخميسي.



لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre
TT

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي» في باريس، ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب.

تقول لوجاندر، التي تجيد العربية، لـ«الشرق الأوسط»: «نأمل بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة». وتستطرد: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة (...) ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

الهدف الآخر الذي تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. وبنظرها، فإن «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة.


المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.


لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية (شمال غربي مصر) المطلة على البحر المتوسط، بالتزامن مع هزة أرضية شهدتها جزيرة كريت اليونانية، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وأعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد نحو 412 كيلومتراً شمال مرسى مطروح، في تمام الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.85 كيلومتر.

وأوضح المعهد، في بيان، أن بعض المواطنين شعروا بالهزة بشكل خفيف، دون وقوع أي أضرار.

وفي التوقيت ذاته تقريباً ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان. وذكر معهد الجيوديناميكا التابع للمرصد اليوناني في أثينا، أن مركز الزلزال وقع على بُعد نحو 23 كيلومتراً جنوب غربي مدينة لاسيثي، وعلى عمق 9.7 كيلومتر، دون ورود تقارير فورية عن إصابات أو أضرار.

وكانت مدينة مرسى مطروح قد شهدت قبل أسبوعين هزة أرضية أخرى، وقعت على بُعد 659 كيلومتراً شمال غربي المدينة، يوم 8 أبريل (نيسان) الحالي عند الساعة 1:35 مساءً بالتوقيت المحلي، وبلغت قوتها 4.8 درجة على مقياس ريختر. وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية آنذاك عدم تلقيه أي بلاغات بشأن الشعور بالهزة داخل مصر، وعدم تسجيل أي خسائر.

«مسافة آمنة»

من جانبه، قال الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، إن جزيرة كريت اليونانية تُعد من أكثر المناطق نشاطاً في الهزات الأرضية في حوض البحر المتوسط وعلى مستوى العالم؛ نظراً لموقعها الجيولوجي الفريد الذي يضعها في قلب حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر، وأن الهزة التي شعر بها سكان مرسى مطروح بشكل خفيف تعود إلى تأثر المنطقة بنشاط زلزالي من مكان آخر، مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن هذا الحزام الزلزالي النشط.

شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية، مشيراً إلى أن زلزال كريت الأخير وقع على «مسافة آمنة» تتجاوز 400 كيلومتر من أقرب نقطة للحدود المصرية.

وأكد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، أن مصر تقع على «مسافة آمنة» جغرافياً من حزام «شرق المتوسط» الزلزالي، وهو ما يفسر عدم شعور سكان مصر في أغلب الأحيان بالهزات الخفيفة المتكررة التي تضرب جزيرة كريت، خصوصاً مع وقوع معظمها على أعماق ضحلة داخل البحر، حيث تُمتص نسبة كبيرة من طاقتها؛ لذلك يقتصر التأثير غالباً على الإحساس بالهزات المتوسطة أو القوية التي تضرب كريت، لكن دون تسجيل أضرار في البنية التحتية بمصر، نتيجة تشتت الطاقة الزلزالية قبل وصولها إلى اليابسة.

وأشار الهادي إلى أن درجة الإحساس بهذه الهزات الأرضية داخل مصر تختلف باختلاف طبيعة التربة والتركيب الجيولوجي؛ فالموجات الزلزالية تمر بسرعة أكبر عبر الصخور الصلبة في المناطق الجبلية، ما يقلل الإحساس بها، في حين تتباطأ وتزداد شدتها عند انتقالها إلى التربة الرسوبية الرخوة في وادي النيل والدلتا، وهو ما يطيل مدة الاهتزاز ويزيد من الإحساس به، خصوصاً لدى سكان المباني المرتفعة، وتزداد احتمالات الشعور بالهزات في المدن الساحلية مثل الإسكندرية ومرسى مطروح؛ نظراً لقربهما الجغرافي من سواحل البحر المتوسط.