سينما الأنيميشن تتحرك بنجاح على شاشة مهرجان «أنيسي»

الجائزة الأولى لفيلم حول فتاة وقطّة.. وبين المعروض فيلم سوري

فيلم الجائزة الأولى «أبريل والعالم المنحرف»
فيلم الجائزة الأولى «أبريل والعالم المنحرف»
TT

سينما الأنيميشن تتحرك بنجاح على شاشة مهرجان «أنيسي»

فيلم الجائزة الأولى «أبريل والعالم المنحرف»
فيلم الجائزة الأولى «أبريل والعالم المنحرف»

خمسة أيام من فن سينما التحريك وبث الحياة في الرسومات تعيشها مدينة أنيسي الفرنسية الواقعة عند الحدود السويسرية (من الأسهل الوصول إليها من سويسرا) كل عام ولكن ما ميّز دورتها الجديدة هذه السنة هي أنها الأكبر بالنسبة لعدد الأفلام والضيوف. أكثر من 200 فيلم أنيميشن طويل وقصير وبين بين تم عرضها ما بين العشرين والخامس والعشرين من الشهر الحالي لجمهور سعيد بما هو متوفر في مخيلة صانعي هذه الأفلام.
كانت البداية سنة 1960 على أساس معاودته مرّة كل عامين. في العام 1967 توقف عن الحدوث حتى سنة 1971 واستمر مرّة كل عامين حتى سنة 1997 عندما أصبح له موعد سنوي ولا يزال. وهو تخصص في هذا النوع من السينما وأصبح نبضها السنوي كما «كان» نبض السينما العالمية في شتّى المجالات، أو كما حال مهرجان دبي بالنسبة للسينما العربية.
جوائزه دائمًا ما انقسمت على وجهتين هما الأفلام القصيرة (وذلك منذ الدورة الأولى سنة 1960) والأفلام الطويلة (بدءًا من عام 1985).
ولا تخفى نشاطاته ونجاحاته عن هوليوود، ليس لأنها باتت مشاركة ملحوظة في الأعوام الأخيرة فقط، بل من حيث توافد من هو مستعد للبحث عن أفلام يشتريها للسوق الأميركية، كما حدث هذا العام إذ وجد الهوليووديون أعمالاً أوروبية وآسيوية متعددة فقاموا بتوقيع عقود مع بعضها.
أحد هذه الأفلام «فانتوم بوي» ولا نستطيع أن نتجاهل أنه من تلك الأفلام الأوروبية (إنتاج فرنسي) المصنوعة وهدفها الأساسي التمتع بتسويق أميركي. يكفي أن أحداثه تدور في نيويورك. حكايته ذات الملامح البسيطة (كما رسمها كل من آلان غانول وجان - لوب فيليشيولي) تقوم على شخصية صبي بقوى خارقة للعادة يساعد شرطيًا مقعدًا على التصدي لمن يحاول قتله وإخفاء جريمة قتل سابقة. الشرطي نذر نفسه للعدالة، والصبي برسم إلكتروني جيد وإيقاع سريع، سيساعده في تحقيق رغبته مواجهًا معه عصابة خطرة (طبعًا).
هذا نوع من الأفلام المنتشرة في ربوع «أنيسي» من حيث انتمائها إلى أعمال كان يمكن تصويرها حيّة من دون أن تخسر شيئًا من سمات حكايتها. هناك أفلام كثيرة من هذا النوع لم يكن تنفيذها مرسومة ومصممة على الكومبيوتر على هذا النحو شرطًا عليها لإتمامها.
فيلمان من كولومبيا يندرجان تحت هذا الوصف. الأول الفيلم البوليسي - السياسي «سابوغال» لمخرجيه خوان جوزيه لوزانو وسيرجيو ميّا. يدور حول أحداث ينفي الفيلم وقوعها في مقدّمته لكنها تبدو واقعية في بلد لاتيني تتجاذبه التيارات السياسية التي لا تصل أنباؤها إلى العالم بل تبقى محليّة على أهميّتها. سابوغال هو محام وناشط في مجال الحقوق المدنية ينطلق للتحقيق في حادثة اغتيال سياسي. بعد حين يصبح معرضًا للاغتيال إذا ما توقف عن التحقيق. طبعًا سوف لن يتوقف وسيسبر الفيلم تلك المحاولات التي ينجو منها.
في البداية، تجد نفسك أمام موضوع نموذجي كان المخرج اليوناني - الفرنسي كوستا - غافراس على استعداد لتصويره في حقبة أعماله الأولى مثل «زد» و«الاعتراف» في السبعينات. لاحقًا تجد أن منوال هذا الفيلم شبيه بتلك التي كان المخرج الإيطالي فرنشسكو روزي يقوم بها في الستينات والسبعينات. في الحالتين فإن «سابوغال» مثير للاهتمام على نحو متفاوت بين فصل وآخر. لكن هناك الكثير من الحنكة في التنفيذ: الشخصيات الأمامية مرسومة بالأبيض والأسود كما لو كانت بقلم رصاص لكن خلفياتها (مبانٍ، غرف، ديكورات، شوارع، سيارات.. إلخ)، ملوّنة. أيضا هو فيلم أنيميشن بالكامل باستثناء ما اختير من مشاهد إخبارية مبثوثة على التلفزيون. حقيقة إعلان الفيلم في مطلعه بأن أي تشابه بين الأسماء والشخصيات والأحداث الواردة في الفيلم مع أسماء وشخصيات وأحداث حقيقية هو «صدفة» وحقيقة منوال الفيلم التحقيقي تدلان على أنهما مستوحيان من وقائع فعلية.
هو أفضل من الفيلم الكولومبي الآخر «منفي». مثل سابقه هو فيلم طويل يبدأ ركيك التنفيذ ويبقى كذلك حتى نهايته. لكن رسالته تتطوّر فإذا به معاد للحرب التي يتصوّر أن أحدًا شنّها على كولومبيا في مستقبل قريب. الحكاية هنا تنطلق من مشهد لفتاتين تتحدثان عن علاقاتهما مع الرجال وتنتهي بإحداهما تنتظر عودة من تحب من الحرب الدائرة وهو الذي حاول تجنّبها منذ البداية مؤمنًا بأن لا فائدة منها. قبيل منتصفه يقع التطوّر الأول على صعيد الحكاية إذ تمر طائرات حربية فوق العاصمة بوغوتا على علو منخفض وتبدأ بقصف الناس. البطلان يهربان إلى صالة مسرح ويحاول المخرج دييغو غويرا تسجيل نقاط «فنية» بجعل بطليه يمارسان الحب على خلفية قصف الطائرات للمدينة وسقوط إحداها مصابة بنيران أرضية.
لكن التنفيذ يبقى فطريًا مع أغانٍ إنجليزية وإسبانية من باب التسلية، ومحاولات الارتقاء فنيًا عن طريق مشاهد تنوي، ولا تحقق، صدمات بصرية.
كلا هذين الفيلمين يدخلان في نطاق الأعمال التي تنتجها سينمات الدول اللاتينية من دون أن يتبوأ أحدهما مركزًا متقدمًا بينها على مستوى شبيه بما حققه الفيلم البرازيلي «ريو 2096: قصة حب وغضب» للويز بولونيزي الذي فاز بذهبية المهرجان ذاته في العام الماضي متناولاً أحداث مستقبلية لكن جذورها تمتد إلى زمن عانى فيه المثقفون اللاتينيون من قمع سلطاتهم.
والسياسة موجودة في أفلام كثيرة. أحد هذه الأفلام سوري بعنوان «سُليمى» لجلال ماغوط. هذا فيلم كرتوني قصير بالأبيض والأسود ينتمي إلى الرسوم المنفّذة باليد ومستواه الفني ضحل لكنه يستند في حضوره على حقيقة أنه يتحدّث عن سوريا في هذا الوقت الراهن. بطلته ذات الاسم المموه (كما يذكر الفيلم في مطلعه) هي امرأة تعلن مرّتين عن أن عمرها «48 سنة و3 أشهر» وأنه لو قدّر لها أن تعيش مرّة ثانية لفعلت أكثر مما فعلته في مطلع الثورة على النظام الحالي.
نراها تشترك في المظاهرات التي نشبت في مطلع الأزمة وتعتقل ثم يفرج عنها فتشترك في مظاهرة أخرى بعدما تخلّى عنها زوجها وابنها وتعتقل مرّة ثانية وتسجن هذه المرّة. نراها في المظاهرات وفي الشوارع الخالية من الناس وفي المعتقل ونسمعها تذكر بما فعله حافظ الأسد من مذابح في حينه وكيف أنه كان عليها وعلى الشعب السوري أن يثور ضد الظلم الحاصل.
لكن الفيلم، على الرغم من رسالته هذه، لا يُملي جديدًا ولا يتمتع بالقدرات الإنتاجية الكافية لتمييزه فنيًا. حدود قدراته مثلاً هي التي تجعل مشاهده جامدة. الرسم مبدئي. الحركات محسوبة لأن كثرتها تتطلب جيشًا من الرسامين.
هذا لا يعني أن كل ما ارتسم على الشاشة كان سياسيًا. والأفلام الفائزة ليست كذلك. من بين 37 فيلما طويلا تم اختيار 17 فيلمًا لهذه المسابقة آتية من أستراليا وبلجيكا وكندا والصين وكولومبيا ولاتفيا ولوكسمبرغ والولايات المتحدة وإسبانيا والدنمارك وجمهورية التشيك وروسيا وسلوفاكيا ولاتفيا واليابان وفرنسا.
أحد أفضلها رسمًا كان الإنتاج الفرنسي للمخرجين فرانك إكيني وكرستيان دسمارس «أبريل والعالم المنحرف» و«مس هوكوساي» لكايشي هارا (اليابان) والفيلم الإسباني - البلجيكي - الأميركي الرائع «حكايات استثنائية» (أو «فوق العادة» ترجمة لكلمتي Extraordinary Tales) للإسباني راؤول غارسيا المقتبس عن جملة حكايات للأميركي الفذ إدغار آلان بو.
لكنه فيلم آخر هو الذي حظي بالجائزة الأولى بين الأفلام الطويلة هو الفرنسي «أبريل والعالم المنحرف» الذي يسرد أحداثًا تاريخية حول عالم مختف وابنته (اسمها أبريل) التي تقرر البحث عنه بصحبة قطتها جوليوس الناطقة. جائزة لجنة التحكيم ذهبت للفيلم الياباني «مس هوكوساي» بينما فضّل الجمهور الإنتاج الدنماركي «طوال الطويق شمالا» (كما سمي بالإنجليزية). وبين الأفلام القصيرة فاز الفيلم الروسي «لا نستطيع العيش من دون كوزموز» بالجائزة الأولى.



شاشة الناقد- من الانقلاب إلى الطوفان: 3 أفلام بين السياسة والكارثة

«الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)
«الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد- من الانقلاب إلى الطوفان: 3 أفلام بين السياسة والكارثة

«الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)
«الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)

THE RED HANGAR

★★★★★

إخراج:‫ خوان بابلو سالاتو‬

تشيلي/ فرنسا (2026)

فيلم آخر من أفلام أميركا اللاتينية السياسية

ما زالت بعض أهم الأفلام السياسية تأتي من دول أميركا اللاتينية التي عايشت أوضاعاً وتقلبات عنيفة مع انتقال سلطة قائمة إلى أخرى، غالباً بالعنف وحملات الاعتقال والاضطهاد.

في «الحظيرة الحمراء» (والمقصود بها حظيرة مطار)، مستوحى من قصة واقعية عن ضابط الطيران جورج سيلڤا (يؤديه نيكولاس زاراتي)، يشهد الانقلاب العسكري الذي طوى صفحة الرئيس المنتخب ديمقراطياً سلڤادور أليندي عام 1973. صاحب الانقلاب العسكري حملات اعتقال لآلاف المؤيدين واليساريين.

الضابط سيلڤا يؤكد التزامه بالتعليمات العسكرية، ويكرِّر أنه مجرد بيدق في الخدمة وسينفذ ما يُؤمر به، لكنه في الوقت نفسه يشعر بالأسى لما يشاهده. يحاول السيطرة على مشاعره والبقاء على الحياد، لكن علاقته بالكولونيل الذي أشرف على تحويل الحظيرة إلى سجن تعذيب كانت متوترة.

في النهاية يُطرد من الخدمة ويدخل السجن لثلاث سنوات (وقد توفي في لندن قبل عامين).

لا مجال لسرد أحداث الفيلم (83 دقيقة)، إذ يقوم على حكاية محدودة التنوع تُمعن في تصوير المشاعر، يواكبها حوار مقتصد، ويرتكز أساساً على أداء زاراتي المتماسك خارجياً والمنفعل داخلياً.

هذا هو الفيلم الأول لمخرجه، وقد اختار تصويره بالأبيض والأسود تعبيراً عن ظلام تلك الفترة. لا تفوته لمحات تفصيلية ولا ملامح مكبوتة يعكسها الممثلون. هناك لقطات عديدة تنتمي إلى التفاصيل الملتقطة بعناية، وكل واحدة منها تؤكد موهبة مخرج يدرك تماماً كيف يلتقط اللحظة ويوظفها في فيلمه.

وتبرز هذه الصياغة الفنية في استخدام الصوت والموسيقى، في المقابل يعرض الفيلم ببساطة كيف تؤول التطورات، التي تدفع بقيادة المطار العسكري نحو القبول المطلق، خوفاً من عاقبة الكولونيل الذي بات الحاكم بأمره، ويحمل ثأراً قديماً ضد سيلڤا سيستخدمه حين يشاء.

ANCESTOR

★★★

إخراج: آدم خليل وزاك خليل

تسجيلي | الولايات المتحدة (2026)

بحث عن عظام مسروقة للسكان الأصليين

يستخدم هذا الفيلم عنواناً أصلياً لقبيلة من مواطني الولايات المتحدة، يعود تاريخ وجودها في ولاية ميشيغان إلى آلاف السنين، شأنها شأن باقي قبائل السكان الأصليين في أميركا. العنوان المستخدم هو «Aanikoobijigan»، ويعني «الأجداد».

الفيلم، من إخراج الأخوين آدم وزاك خليل، معني بسرد كيف تمكنت تلك القبيلة، عبر سنوات طويلة، من استعادة العظام التي نُبشت وسُرقت لتوضع في المتاحف من دون إذن أو حقوق.

«أسلاف» (مهرجان صندانس)

حسب المعتقدات المتوارثة، فإن أرواح الموتى الذين سُرقت عظامهم ستبقى هائمة إلى أن تعود تلك العظام إليها. المهمة صعبة، لذلك شُكِّلت مؤسسة ثقافية لحفظ التراث، وقد وُوجهت هذه المؤسسة، في البداية ولسنوات عدة، بتمنُّع المتاحف عن الاستجابة.

يشرح الفيلم ذلك عبر مقابلات مع شخصيات عدة (من القبيلة ومن البيض المؤيدين)، وينتهي بنجاح المحاولة واستعادة تلك العظام المنهوبة.

إنه فيلم غير متوقع من حيث الموضوع، ومباشر في تنفيذه وصنعته، يراد به توجيه الاهتمام إلى صورة من سوء معاملة البيض للسكان الأصليين. وفي فحواه، هو فيلم عن تاريخ من النظرة الفوقية التي لا تعير اهتماماً لأي معتقد أو تراث، ما يعكس عنصرية سادت التاريخ الأميركي منذ مئات السنين وحتى اليوم.

كان من الممكن إحداث بعض التنوع في الأسلوب المباشر للفيلم وانتقالاته بين الأطراف المختلفة ومواقفها، لكن، مع ذلك، فإن ما يقدمه ببساطة كافٍ لإثارة الموضوعات التي يطرحها.

THRASH

★★

إخراج: تومي ويركولا

كوارث | الولايات المتحدة (2026)

طوفان وأسماك قرش وضحايا

أفلام الكوارث، غالباً، كوارث فنية، تستغل فكرة: ماذا يمكن أن يحدث لو ضرب زلزال أو إعصار أو فيضان أو نيزك الأرض؟ خلال استعراض الحكايات، يتم تقديم أشخاص في أزمات ومواقف تنذر بالموت؛ بعضهم يموت فعلاً، والبعض الآخر ينجو قبيل إسدال الستار.

«سحق» (نتفليكس)

«سحق» (وهو عنوان غريب لفيلم) يدور حول إعصار يضرب بلدة ساحلية. ينجح قليلون في الفرار قبل وصوله، الذي يسبب فيضان البحر ويغطي الشوارع والطوابق السفلية من المنازل. لكن هذا ليس كل شيء؛ فهناك أسماك قرش تجول الآن في البلدة، تبحث عما تأكله من البشر.

ينتقل الفيلم، وفق إيقاع المخرج، بين حكايات شخصيات عدة تواجه العاصفة والطوفان والأسماك في وقت واحد، بدلاً من أن يمسك بزمام السرد عبر قصة واحدة أو اثنتين.

هناك تنفيذ نمطي بعيد عن الإبداع، وتمثيل مبرمج يسوده الخوف والصراخ. بعض الشخصيات مقدَّم على أساس أنه يستحق الموت، وأخرى تستحق الحياة، هكذا، وبكل سذاجة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«غودفيلاز» في السينما السعودية... حين يصبح العنف أسلوب حياة

روبرت دي نيرو في مشهد من الفيلم مع  راي ليوتا (imdb)
روبرت دي نيرو في مشهد من الفيلم مع راي ليوتا (imdb)
TT

«غودفيلاز» في السينما السعودية... حين يصبح العنف أسلوب حياة

روبرت دي نيرو في مشهد من الفيلم مع  راي ليوتا (imdb)
روبرت دي نيرو في مشهد من الفيلم مع راي ليوتا (imdb)

في وقتٍ تشهد فيه السينما السعودية تنوّعاً في العروض بين الجديد والكلاسيكي، يعود الفيلم الأيقوني «Goodfellas» («غودفيلاز» أو «الأصدقاء الطيبون») للمخرج مارتن سكورسيزي، الصادر عام 1990، إلى صالات العرض بوصفه واحداً من أكثر الأعمال رسوخاً في سينما العصابات. ويأتي عرضه اليوم، بتوزيع «سينيويفز»، بعد أكثر من 35 عاماً على طرحه الأول، ضمن حراك سينمائي أوسع يستعيد أعمالاً تركت بصمتها في تاريخ السينما، وامتدَّ تأثيرها عبر أجيال متعاقبة من المشاهدين.

ويستمد الفيلم قيمته من مكانته بوصفه أحد أبرز الأعمال تأثيراً في تناول عالم الجريمة المنظمة. وتأتي إعادة عرضه في صالات السينما السعودية ضمن توجه متزايد لإحياء أفلام بارزة أمام جمهور جديد، في تجربة تمنحها حياة إضافية خارج زمنها الأصلي. وخلال السنوات الأخيرة، استقبلت دور العرض السعودية عدداً من العناوين التي عادت إلى الشاشة، مثل: «تايتانيك» (1997) و«إنترستلر» (2014)، إلى جانب روائع سينمائية أخرى.

قصة حقيقية... صعود داخل العصابات

رجال العصابة بالفيلم في محاكاة للقصة التي رواها هنري هيل للصحافة (imdb)

يستند «غودفيلاز» إلى قصة حقيقية جرت أحداثها بين الخمسينات والسبعينات من القرن الماضي، داخل عالم الجريمة المنظمة في نيويورك. ويروي الفيلم حكاية هنري هيل (راي ليوتا)، الشاب الذي نشأ في حيٍّ تحكمه العصابات، وانجذب منذ طفولته إلى ما تمثِّله من قوة ونفوذ، ليتسلل تدريجياً إلى هذا العالم. وتتحول حياته من مراقبة الحلم إلى عيشه، ثم إلى مواجهة ثمنه.

يستند السيناريو إلى كتاب للصحافي نيكولاس بيليجي، الذي وثّق تجربة هنري من الداخل، اعتماداً على شهادته الشخصية وما ارتبط بها من أحداث وعلاقات وشخصيات حقيقية.

وخلال رحلته، يتعرَّف هنري إلى عدد من رجال العصابات، أبرزهم جيمي كونواي (روبرت دي نيرو)، الرجل الهادئ الذي تستند سلطته إلى الحضور والحسابات الدقيقة بعيداً عن الصخب، وتومي ديفيتو (جو بيشي)، بشخصيته الحادّة والمتقلّبة، القادر على تحويل المزاح إلى خطر في لحظة.

وفي خضمّ هذا العالم، يرتبط هنري بكارين هيل (لورين براكو)، فيتزوجها وينجب منها طفلتين. تدخل كارين هذه التجربة بدافع الإعجاب به، لكنها تجد نفسها تدريجياً داخل دوامة يصعب الخروج منها.

مشاهد أيقونية... راسخة في الذاكرة

والدة سكورسيزي الحقيقية تظهر في مشهد من الفيلم (imdb)

وقدم سكورسيزي في الفيلم أسلوباً بصرياً مختلفاً عن السائد آنذاك، جعل كثيراً من مشاهد «غودفيلاز» تُصنَّف بوصفها لقطات أيقونية تُدرَّس في بعض الجامعات. ومن أبرزها اللقطة الطويلة التي تتابع هنري وكارين في أثناء دخولهما المطعم من الباب الخلفي، متجاوزين انتظار الدور، في تجسيد واضح لطبيعة العالم الذي يعيشان فيه، وحجم النفوذ الذي بلغه هنري، حيث يصبح الوصول امتيازاً، وتُزال الحواجز.

ومن المشاهد اللافتة أيضاً مشهد «هل أنا مضحك؟»، الذي يبدأ بأجواء مرحة داخل مطعم، حين يضحك هنري على تعليق لتومي ويصفه بأنه «مضحك»، قبل أن تنقلب النبرة فجأة، مع سؤال تومي الحاد: «هل أنا مضحك؟ هل تراني مهرجاً؟». سؤال يبدو عابراً، لكنه يتحوَّل إلى اختبار قوة صامت يكشف عن توتر كامن خلف المزاح. وتنبع قوة المشهد من أداء جو بيشي، الذي يتنقّل ببراعة بين الضحك والحدّة في لحظات خاطفة، مانحاً الشخصية طابعاً متقلّباً ومقلقاً، وهو ما أسهم في فوزه بجائزة الأوسكار لأفضل ممثل مساعد عن دوره في الفيلم.

روبرت دي نيرو... العقل الهادئ

روبرت دي نيرو في دور مجرم العصابات الحقيقي جيمي (imdb)

أما روبرت دي نيرو، فجسَّد شخصية جيمي كونواي، المستوحاة من المجرم الحقيقي جيمس بيرك، أحد أبرز الأسماء المرتبطة بعالم السرقة المنظمة في نيويورك خلال السبعينات. وكان بيرك العقل المدبر لعملية سرقة «لوفتهانزا» الشهيرة عام 1978، وهي من كبرى عمليات السرقة في تاريخ الولايات المتحدة، حيث جرى الاستيلاء على ملايين الدولارات من مطار جون إف كينيدي.

وتعامل دي نيرو مع الدور ببحث دقيق؛ إذ تواصل مع هنري هيل الحقيقي للوقوف على تفاصيل شخصية بيرك، من طريقة التدخين وحمل السيجارة إلى الإيماءات الدقيقة وأسلوب التعامل مع المحيطين به. وانعكست هذه الملاحظات على أدائه، حيث جاء كثير من التفاصيل الجسدية، مثل حركة اليدين، وطريقة النظر، والهدوء المتعمّد قبل اتخاذ قرار عنيف، مبنية على وصف هنري هيل للشخصية الحقيقية.

ويُعد هذا الدور من أبرز تعاونات دي نيرو مع مارتن سكورسيزي، ويأتي ضمن سلسلة أدوار أسهمت في ترسيخ صورته بوصفه أحد أهم من جسّدوا شخصيات الجريمة المنظمة في السينما الأميركية.

العنف بوصفه حياة يومية

لورين براكو تؤدي دور زوجة هنري هيل (imdb)

يقدّم الفيلم العنف بوصفه جزءاً طبيعياً من الحياة داخل هذا العالم، حيث تتعامل الشخصيات مع الخطر بالقدر نفسه الذي تتعامل به مع تفاصيلها اليومية، مما يضفي على التجربة قسوة مضاعفة. وفي كثير من المشاهد، يظهر العنف بشكل مفاجئ، قبل أن تعود الحياة إلى إيقاعها المعتاد، في تناقض حاد يترك أثراً عميقاً. ويتجلّى ذلك في مشهد العشاء داخل منزل والدة تومي، حيث تجتمع أجواء عائلية هادئة، وحديث بسيط وطعام منزلي، في وقت يدرك فيه المشاهد أن الحاضرين كانوا منخرطين في فعل عنيف قبل لحظات.

ويزداد المشهد تأثيراً بكون والدة تومي هي في الواقع والدة المخرج سكورسيزي، وقد جاء ظهورها بعفوية لافتة، إذ يبدو الحوار طبيعياً إلى حد مربك، كما لو أن الكاميرا التقطت لحظة من الحياة كما هي. هذا التداخل بين الألفة والخطر يمنح المشهد وزناً خاصاً، ويجعله عالقاً في الذاكرة.

الزمن في إيقاع الصوت

المخرج مارتن سكورسيزي يتوسط نجوم الفيلم (imdb)

يلعب الصوت في «غودفيلاز» دوراً محورياً في بناء التجربة، لا سيما من خلال التعليق الصوتي لهنري هيل (راي ليوتا)، الذي يرافق الأحداث ويكشف عن طبقات من وعي الشخصية، مقرّباً المتفرج من عالمها الداخلي بدل الاكتفاء بالمراقبة من الخارج. كما ترتبط الاختيارات الموسيقية بزمن الأحداث، مانحة الفيلم إحساساً دقيقاً بالحقبة، وتضع المشاهد داخل أجواء نيويورك في الستينات والسبعينات، حيث يتقاطع صعود العصابات مع التحولات الاجتماعية والثقافية.

ورغم أن الفيلم يتحرك داخل عالم يهيمن عليه الرجال، فإن شخصية كارين هيل (لورين براكو) تمنح الأحداث بعداً مختلفاً، إذ تكشف عن أثر هذا العالم على الحياة الخاصة. ومن خلال منظورها، يتجلّى التوتر بين الانجذاب إلى السلطة والخوف من تبعاتها، وكذلك بين البحث عن الأمان والانزلاق إلى الخطر. وفي علاقتها بهنري، تنكشف هشاشة الروابط حين تُبنى على الانبهار، ويظهر كيف يمكن للولاء أن يتحول إلى عبء، وللحب أن يصبح ساحة صراع.

اللحظات الأخيرة للفيلم حين تتصدع العلاقة بين هنري وجيمي (imdb)

يمكن القول إن عودة «غودفيلاز» إلى صالات السينما في السعودية أثارت تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث شارك الجمهور انطباعاتهم حول التجربة، في حين توقّف آخرون عند مشاهد أعادوا اكتشافها، وتناولت بعض النقاشات أداء الممثلين أو أسلوب الإخراج، بينما انشغل آخرون بالتفاصيل الدقيقة التي تتجلّى بشكل أوضح على الشاشة الكبيرة.

ومن الجدير بالذكر أن الفيلم حقق نجاحاً تجارياً وجماهيرياً لافتاً في شباك التذاكر الأميركي، بإيرادات بلغت 46.8 مليون دولار، أي ما يقارب ضعف ميزانيته المقدّرة بـ25 مليون دولار. كما رُشّح لست جوائز أوسكار، من بينها أفضل فيلم، وفاز بخمس جوائز من الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون (البافتا)، بما في ذلك أفضل فيلم وأفضل مخرج.


السينما توقَّعت الذكاء الاصطناعي منذ عقود

«إمبراطورية الشمس» الحكاية نفسها (وورنر برذرز)
«إمبراطورية الشمس» الحكاية نفسها (وورنر برذرز)
TT

السينما توقَّعت الذكاء الاصطناعي منذ عقود

«إمبراطورية الشمس» الحكاية نفسها (وورنر برذرز)
«إمبراطورية الشمس» الحكاية نفسها (وورنر برذرز)

ليس هناك فرق يُذكر بين أن يخترع العالِم فرانكنستين وحشاً بأدوات بدائية (مثل إيصال الجسد الميت بالكهرباء التي توفِّرها الصواعق)، وبين أي روبوت أو أندرويد أو آلة ذكاء اصطناعي من تلك التي تحوّلت إلى واحدة من حقائق العصر.

في كل الحالات، لا تعدو المسألة أكثر من صنع كيان بشري أو حاسوبي أو رقمي، يكون أقوى، بدنياً أو ككيان معلوماتي، ثم إطلاقه في مواجهة قدرات الإنسان العادية. الرغبة في التفوّق، ولو عبر ابتكار هذا «الآخر»، تدفع العلماء إلى إنجاز ذي وجهة واحدة: شيء يمارس الحياة من دون أن يكون حياً بالفعل، ويتفوَّق على الإنسان قوةً أو ذكاءً.

الروبوت في السينما ليس وليد تطوُّر علمي فحسب، بل هو نبوءة أيضاً. فقد قدَّمت الأربعينات عدداً كبيراً من أفلام الخيال العلمي حول مصنوعات آلية لديها القدرة على الحركة. ثم تطوَّر مفهومها نحو قبولها شريكاً مؤيِّداً للإنسان، كما في سلسلة «ستار وورز»، بفضل شخصية الروبوت الذكي والظريف «C-3PO».

هالي جويل أوزمنت في «ذكاء إصطناعي» (وورنر برذرز)

فكرة قديمة

عندما أخرج ستيڤن سبيلبرغ فيلمه الجدير بالاحتفاء «ذكاء اصطناعي» (A.I.: Artificial Intelligence) 2001، بدا كما لو كان أول فيلم يتحدَّث عن روبوت مُحمَّل بالذكاء والمشاعر. لكن هذا ليس صحيحاً تماماً، إلا من حيث كونه من أوائل الأفلام التي تتناول شخصية روبوت على امتداد الأحداث.

وضع هذا الفيلم في سياقه التاريخي الصحيح يكشف أنه واحد من أفلام عدِّة ظهر فيها روبوت أو مخلوقات مصنوعة. والحقيقة أن الفارق بين رواية ماري شيلي «فرانكنستين» (1818)، وبين الصبي ديڤيد في «ذكاء اصطناعي» (كما أدّاه هايلي جويل أوزمنت) يقوم على الفكرة نفسها؛ الاختلاف قصصي، لكن المنبع واحد، وكذلك الدلالات.

كان المخرج ستانلي كوبريك قد قرأ رواية برايان ألديس القصيرة «Supertoys Last All Summer Long» المنشورة سنة 1969، وضمَّها إلى مشروعاته التي كان ينوي تحقيقها، قبل أن يهبها لسبيلبرغ. وباعتراف الأخير، في مقابلة أجريتها معه عام 2001، (واحدة من 5 مقابلات بدأت عام 2000)، ذكر أن نحو نصف الساعة الأولى من الفيلم (الذي تبلغ مدته 146 دقيقة) مأخوذ من السيناريو الذي أوصى كوبريك بكتابته، وكذلك آخر عشرين دقيقة. وهذه الأجزاء، في الواقع، هي من أفضل ما في الفيلم.

الروبوت «C‪-‬3 PO» شريك في أحداث «ستار وورز» (لوكاس فيلم)

استعارة

بعد بدايته، يواجه الفيلم مشكلة عميقة، إذ يتحوَّل، بشكل غير مُعلن، إلى سرد لحكاية الإيطالي كارلو كولودي «بينوكيو» (1881). كلا العملين يدور حول دمية، وكلاهما يبحث عن وسيلة للتحوُّل إلى إنسان.

لا يروي الفيلم أحداث «بينوكيو» حرفياً، لكنه يحتوي على خلاصتها وفحواها. فسعي بينوكيو وديڤيد إلى التحوُّل إلى بشر (الأول من دمية، والثاني من روبوت) واحد، وكذلك مشاعرهما العاطفية خلال تلك الرحلة، واكتشاف كلٍّ منهما أنه لا أحد مستعد لمبادلته الحب في عالم يعجز عن توفيره.

لقد طردت العائلة ديڤيد، الذي تبنَّته، وتركته في العراء. لكنه ليس مجرد روبوت عادي، بل مُزوَّد بالمشاعر الإنسانية ليؤدي دوره بإقناع. أراد أن يثبت جدارته للأم التي لم تلده؛ أحبها وتمنَّى أن تبادله الحب. لكن العائلة لم تستطع قبوله بعد عودة ابنها الحقيقي، فقرَّرت التخلِّي عنه.

رحلة ديڤيد للتحوُّل إلى إنسان تمتد مئات السنين، قضاها في أعماق البحر، إلى أن تعثر عليه مخلوقات فضائية تهبط إلى الأرض بعد دمارها، فتُعيد بناءه وتمنحه فرصة اللقاء بأمِّه بعد إحيائها.

الرغبة في التفوُّق تدفع الإنسان لابتكار كيان يحاكي الحياة ويتفوّق عليه

شبيه آخر

لسبيلبرغ اهتمام خاص بموضوعي الطفولة والعائلة، وهو اهتمام نابع من تجربة شخصية عميقة. فقد كان في الـ15 عندما انفصل والداه، وترك ذلك أثراً كبيراً انعكس في عدد من أفلامه اللاحقة، مع لوم غير مباشر لوالدته، كما في «مبارزة» (Duel)، و«لقاءات قريبة من النوع الثالث» (Close Encounters of the Third Kind) 1977.

في أفلام أخرى، مثل «شوغرلاند إكسبرس» (1974)، تبدو العائلة ككتلة متماسكة، بينما تقترب من التفكك الكامل في «اللون الأرجواني» (The Color Purple) 1985.

«ذكاء اصطناعي» في جوهره أكثر من كونه قراءة مستقبلية شبيهة بما قدَّمه كوبريك في «2001: أوديسة الفضاء» (1968). إنه فيلم عن طفولة تحتاج إلى أم لتستحق الحياة.

ديڤيد في «ذكاء اصطناعي» لا يختلف كثيراً عن «جيم» في «إمبراطورية الشمس» (Empire of the Sun)، الذي أخرجه سبيلبرغ في 1987، حيث أدَّى كريستيان بيل دور الصبي الذي استيقظ يوماً ليجد نفسه منفصلاً عن والديه، اللذين اضطُرَّا إلى الهرب من الصين بسبب الغزو الياباني.

ما يعنيه ذلك أن ديڤيد لم يكن بحاجة إلى أن يكون روبوتاً ليقود بطولة الفيلم؛ فالحكاية يمكن أن تحدث لأي طفل يجد نفسه وحيداً في هذا العالم، باحثاً عن الحنان الذي يفتقده.