كوريا الشمالية تطلق صاروخين جديدين وتحمِّل سيول وواشنطن المسؤولية

تعمق الخلافات في مجلس الأمن حول أسباب التصعيد

من اجتماع مجلس الأمن الأخير (رويترز)
من اجتماع مجلس الأمن الأخير (رويترز)
TT

كوريا الشمالية تطلق صاروخين جديدين وتحمِّل سيول وواشنطن المسؤولية

من اجتماع مجلس الأمن الأخير (رويترز)
من اجتماع مجلس الأمن الأخير (رويترز)

تراشقت الولايات المتحدة وحلفاؤها من جهة، وروسيا والصين من الجهة الأخرى، بالاتهامات خلال جلسة سجالية عقدها مجلس الأمن مساء أمس (الأربعاء)، ودلّت مجدداً على إخفاق أقوى المنتديات الدولية في اتخاذ موقف موحد حيال كيفية التعامل مع إطلاق كوريا الشمالية المزيد من الصواريخ الباليستية، واستعدادها لإجراء تجربة نووية جديدة، في انتهاك واضح لقرارات الأمم المتحدة.
وأطلقت كوريا الشمالية صباح اليوم (الخميس)، صاروخين باليستيين قصيري المدى باتجاه البحر، مؤكّدة أنّ تجاربها الصاروخية هذه هي «الإجراء المناسب للردّ» على المناورات العسكرية المشتركة بين كوريا الجنوبية والولايات المتّحدة. وأعلن الجيش الكوري الجنوبي في سيول، أنّ الصاروخين أُطلقا من مشارف بيونغ يانغ باتجاه «بحر الشرق» الذي يُعرف أيضاً باسم «بحر اليابان». وقطع الصاروخ الأول 350 كيلومتراً، وحلّق على ارتفاع أقصى يبلغ نحو 80 كيلومتراً، حسب تحليل الجيش الكوري الجنوبي. وحلق الصاروخ الثاني 800 كيلومتر على ارتفاع 60 كيلومتراً.
وأدان رئيس الوزراء الياباني فوميو كيشيدا، إطلاق الصاروخين، مؤكداً أن هذه التجربة السادسة من نوعها خلال أسبوعين «غير مقبولة إطلاقاً».
وكان الصاروخ «هواسونغ - 12» قد حلق (الثلاثاء) فوق اليابان وقطع نحو 4600 كيلومتر في أطول مسافة على الأرجح تسجلها بيونغ يانغ في تجاربها، حسب سيول وواشنطن. وكانت تلك المرة الأولى منذ خمس سنوات التي تحلق فيها قذيفة كورية شمالية فوق الأراضي اليابانية. ودفعت هذه التجربة طوكيو إلى تفعيل نظام الإنذار والطلب من سكان بعض المناطق الاحتماء.
وقالت بيونغ يانغ في بيان الخميس، إن عمليات الإطلاق هذه هي «إجراءات الرد الصحيحة للجيش الشعبي الكوري على المناورات العسكرية المشتركة بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة التي تؤدي إلى تصعيد للتوتر العسكري في شبه الجزيرة الكورية».
ورغم تحذيرات الدول التي طلبت انعقاد جلسة مجلس الأمن، وهي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والنروج وآيرلندا وألبانيا وغيرها، من أن عدم القدرة على التوافق في شأن العدد القياسي لإطلاق كوريا الشمالية للصواريخ هذا العام «كان بمثابة تشجيع لكوريا الشمالية»، أصرت روسيا والصين على أن التدريبات العسكرية التي تقودها أميركا في المنطقة دفعت كوريا الشمالية إلى عمليات الإطلاق، التي تفيد الأمم المتحدة بأنها بلغت 41 صاروخاً باليستياً حتى الآن هذا العام، بما فيها أحدث تسع عمليات في الأيام العشرة الأخيرة، علماً بأن المخاوف متزايدة من إجراء كوريا الشمالية تجربة نووية ستكون هي السابعة للدولة الشيوعية المعزولة.

دعوات بلينكن
وخلال زيارته تشيلي، قال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، إن بلاده وكوريا الجنوبية واليابان تعمل بشكل وثيق «لإظهار وتعزيز قدراتنا الدفاعية والردعية في ضوء التهديد من كوريا الشمالية»، مكرراً دعوة واشنطن لبيونغ يانغ من أجل «العودة إلى الحوار». وأضاف أنه «إذا استمروا في هذا الطريق، فلن يؤدي ذلك إلا إلى زيادة الإدانة وزيادة العزلة وزيادة الخطوات التي تُتخذ رداً على أفعالهم».
وعُقدت الجلسة المفتوحة لمجلس الأمن في نيويورك من أجل النظر في تكرار التجارب الصاروخية من جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية، (الاسم الرسمي لكوريا الشمالية). واستمع أعضاء المجلس خلالها إلى إحاطة من الأمين العام المساعد للأمم المتحدة لـ«الشرق الأوسط» وآسيا والمحيط الهادئ خالد خياري، حول أحدث التطورات المتعلقة بالوضع في شبه الجزيرة الكورية.

«عمل طائش»
ووصف خياري إحدى عمليات الإطلاق الأخيرة بأنها «الأولى التي تطلق فيها كوريا الشمالية صاروخاً باليستياً فوق الأراضي اليابانية منذ 15 سبتمبر (أيلول) 2015»، معبراً عن «التنديد الشديد» بهذا «العمل الطائش» الذي يمثل «انتهاكاً واضحاً لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة». وحذر من أن هذا «يمكن أن يؤدي إلى تصعيد كبير للتوترات في المنطقة وخارجها»، مضيفاً أن «من دواعي القلق الشديد أن كوريا الشمالية تجاهلت مرة أخرى أي اعتبار لسلامة الطيران الدولي أو السلامة البحرية». وكرر مطالبة الأمين العام أنطونيو غوتيريش لكوريا الشمالية بـ«الوقف الفوري لأي أعمال مزعزعة للاستقرار والامتثال التام لالتزاماتها الدولية بموجب قرارات مجلس الأمن ذات الصلة»، وحضها على «اتخاذ خطوات لاستئناف الحوار مع الأطراف الرئيسية المعنية بهدف تحقيق سلام مستدام وإخلاء شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية بشكل كامل ويمكن التحقق منه».
ونقل عن المدير العام لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية» رافاييل غروسي أن «هناك مؤشرات على أن موقع بونغيري للتجارب النووية لا يزال نشطاً ومستعداً لدعم تجربة نووية»، فضلاً عن أن الوكالة المتخصصة تواصل مراقبة نشاطات البناء في «مركز يونغ بيون للأبحاث النووية»، بالإضافة إلى مؤشرات على تشغيل المفاعل النووي بقدرة خمسة ميغاواط. ونقل عن الأمين العام «قلقه البالغ» من اعتماد مجلس الشعب الكوري الشمالي في سبتمبر الماضي قانوناً بعنوان «سياسة جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية في شأن القوى النووية»، مذكّراً بأن «زيادة دور الأسلحة النووية وأهميتها في المبادئ الأمنية يتعارض مع عقود من الجهود التي بذلها المجتمع الدولي لتقليل المخاطر النووية والقضاء عليها».
وشدد على أن «استمرار وجود الأسلحة النووية يزيد من خطر التصعيد غير المقصود أو سوء التقدير”. وحض كوريا الشمالية على «إعادة ضبط مسار الحوار والبناء على الجهود الدبلوماسية السابقة»، مؤكداً أن غوتيريش «يجدد تأكيد التزامه العمل مع كل الأطراف من أجل سلام مستدام ونزع السلاح النووي بشكل كامل وقابل للتحقق من شبه الجزيرة الكورية». وشجع الدول المعنية على الدخول في حوار مع كوريا الشمالية «من دون شروط مسبقة»، مشدداً على أن «وحدة مجلس الأمن في هذا الشأن ضرورية لتخفيف التوترات وتجاوز المأزق الدبلوماسي وتجنب دورة الفعل وردّ الفعل السلبية».

مناورات «غير مسؤولة»
وحملت نائبة المندوب الروسي آنا إيفستينييفا، على المناورات «غير المسؤولة» التي تقودها الولايات المتحدة، وتحالفاتها مع شركائها في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، معتبرة أن هذا ما دفع كوريا الشمالية إلى اتخاذ إجراءات. وكذلك وصف نائب المندوب الصيني جينغ شوانغ، ما يحصل بأنها مواجهة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، مطالباً واشنطن باتباع «نهج أكثر تصالحاً» مع بيونغ يانغ.
في المقابل، رأت المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد، أن «عضوين دائمين في مجلس الأمن مكّنا كيم جونغ أون»، حاملةً على روسيا والصين لدعمهما الزعيم الكوري الشمالي. وأضافت أن عمليات إطلاق الصواريخ هذا العام حصلت من دون أي تدريبات عسكرية أميركية متزامنة أو أي محفزات واضحة أخرى، واصفة كوريا الشمالية بأنها «تصعد بمبادرة ذاتية». وقالت: «لن نتسامح مع أي دولة تلقي باللوم على أفعالنا الدفاعية (...) على أنها سبب متأصل لهذه التهديدات». وأكدت أن الولايات المتحدة «لن تقف مكتوفة لأن كوريا الشمالية تهدد بشكل مباشر الولايات المتحدة وحلفاءها».

«الصدقية على المحك»
قال نائب المندوب الياباني الدائم لدى الأمم المتحدة هيروشي مينامي، إنه «يجب أن يدرك هذا المجلس أنه يجري اختباره وأن صدقيته على المحك»، مطالباً المجلس بلا جدوى بالعودة إلى «موقفه الموحد السابق» في شأن إطلاق كوريا الشمالية للصواريخ.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...