معرض «الرياض للكتاب» يقلب المعادلة ويصبح «أيقونة» المعارض العربية

«الشرق الأوسط» تستطلع آراء ناشرين ومؤلفين وباحثين

معرض الرياض للكتاب بات ظاهرة ثقافية مهمة ولافتة (تصوير: علي الظاهري)
معرض الرياض للكتاب بات ظاهرة ثقافية مهمة ولافتة (تصوير: علي الظاهري)
TT

معرض «الرياض للكتاب» يقلب المعادلة ويصبح «أيقونة» المعارض العربية

معرض الرياض للكتاب بات ظاهرة ثقافية مهمة ولافتة (تصوير: علي الظاهري)
معرض الرياض للكتاب بات ظاهرة ثقافية مهمة ولافتة (تصوير: علي الظاهري)

سجّل معرض الرياض الدولي للكتاب الذي يختتم فعالياته السبت المقبل، حضوراً لافتاً في عدد الدور المشاركة ودولها، من محلية وعربية وأجنبية، وتنوع عناوين إصداراتها ومعروضاتها للكتب بما يرضي طالبيها والباحثين عنها. واستطلعت «الشرق الأوسط» آراء عدد من أصحاب دور النشر والمؤلفين وبعض زائري المعرض، ومن لهم علاقة بالكتاب ومتابعي ما تقذفه المطابع من مؤلفات متنوعة، وأجمع المشاركون على أن المعرض يمثّل ظاهرة ثقافية، بل يُعدّ أيقونة المعارض العربية وعينها، مع إمكانية الحصول على الكتب التي يبحث عنها الزائرون بعيداً عن مقص الرقيب.

الروائي عادل الحوشان

شدد بعض المشاركين على أن معرض الرياض للكتاب، قلَب المعادلة سريعاً وأعاد النظر في المقولة القديمة «القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ»، لتصبح «الرياض تتقاسم العبارة مع الأشقاء: تكتب وتطبع وتقرأ».
فضاءات واسعة وأسقف مرتفعة
أكدت الكاتبة أميمة الخميس أن الثقافة كممارسة بحمولتها الشاسعة والمتعددة تتواشج في المعرض لتصنع حالة مستقلة للنزوح عن النخبوية إلى اتساع دائرة الرواد والمريدين، وقالت «لأنني من جيل كان يدسّ الكتب بين ثنايا الملابس في الحقائب خشية من نقاط تفتيش المطارات والموانئ، أما الكتب ذات المواضيع الحساسة (أو ما كنا نزعم بأنها كذلك) فكنا نطلبها من العواصم المجاورة خلسة من جيل كانت تفرد فيه أيام المعرض كلها للرجال وتترك فتات يوم ونصف اليوم للنساء في نهاية المعرض (عندما كانت تنظمه جامعة الملك سعود)، ومن جيل كانت تقام فيه الغزوات بين أروقة المعرض ضد عنوان مستفز أو سطر جريء، إما غزوة (ذات التوقيع) فكانت ضد توقيع كاتبة (أنثى) كتابها لقارئ (ذكر)».
سيبدو كل ما يتجاوز ما كان يحدث أعلاه رائعاً ومدهشاً وجميلاً، لعل أول مزية تمنح معارض الكتاب قيمتها هي الفضاءات الواسعة والأسقف المرتفعة التي تتحرك بها المعارف، وهذا ما لمسته في معرض الرياض، حيث رواية نجيب محفوظ الخالدة (أولاد حارتنا) تتسنم واجهة دار نشرها، بينما كتاب يوفال هراري الثاني (الإنسان الإله) يوزع عبر مشروع الترجمة الجاد والأنيق في جناح أبوظبي، أما دار الجمل بحمولتها المزعجة المكهربة فقد أناخت بكلكلها في إحدى أروقة المعرض، هذا المساحات الشاسعة هي التي تهمني كقارئة، أما أن يدبج البعض المقالات للحديث عن مواقف السيارات وعرض الممرات وأسعار الكتب والبلاط فهذه ذهنية (مقاول) وليس طالب معرفة، مع احترامي للجميع!
وأزعم في وقتنا الحاضر (حيث احتدام البدايات) وزارة الثقافة ترجو من النخب تلويحات وإضاءات فوق خريطة مشروعها الذي تهدف فيه إلى جعل الممارسة الثقافية جزءاً نشطاً وفاعلاً يتخلل النسيج المجتمعي الذي تتربص به استهلاكية غرائزية مفرغة من العمق والمعنى الوجودي من جهة، وفي الجهة المقابلة أيضاً لتنجو بالثقافة من مصير الردهات المغبرة الخاوية في الأندية الأدبية.


الروائية أميمة الخميس

الثقافة كممارسة بحمولتها الشاسعة المتعددة المستحثة لجميع كوامن السامي والجميل والخالد في أعماقنا تتواشج في المعرض لتصنع حالة مستقلة بدا واضحاً فيها النزوح عن النخبوية إلى اتساع دائرة الرواد والمريدين، عبر الحفلات الموسيقية، وورش تعليم الطهي، حتى البرنامج الثقافي وسع دائرة المشاركين، حيث المبدعين والموسيقيين والمسرحيين، وقلص جمود الأكاديميين إلى حده الأدنى.
وزارة الثقافة في تنظيمها للمعرض، تسير فوق ذلك الصراط الحاد المرهف الذي يفصل النتاج الثقافي الأصيل المدهش العميق الذي يستلهم روح الإنسانية وبين النتاج الاستهلاكي المبتذل السخيف الخاضع لقوانين السوق... ومن هنا، يبدو التحدي كبيراً أمامها... لكن أعتقد أن أهم إرهاصات النجاح هو ما نراه من إقبال جماهيري كبير على المعرض ليس من سكان المملكة فقط، بل أيضاً من الخليج والعالم العربي، (كنت في الصيف في معرض كتاب إدنبرة فكان الحضور شحيحاً ونخبوياً) مقارنة بمعرض الرياض الذي بات من أبرز المحطات الثقافية في المشهد كقيمة (ثقافية – جماهيرية - اقتصادية) على مستوى العالم العربي».
المعرض قلَب المعادلة
شدد الدكتور محمد بن عبد الله العوين، الكاتب والناقد والأستاذ الجامعي، على أن معرض الرياض للكتاب قلب المقولة والمعادلة القديمة وأعاد النظر فيها التي تقول: القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ، لتصبح الرياض تتقاسم العبارة مع الأشقاء؛ فهي: تكتب وتطبع وتقرأ، وقال «بشفافية عالية سأتحدث عن رؤيتي للمضامين قبل الشكليات وأدوات تسيير أنشطة المعرض الجانبية وندواته الكثيرة، ولم أكن أصدق يوماً ما أن أرى ثمار العقل والإبداع العربي والإنساني من دون تحفظ إلا على الثوابت الدينية والأخلاقية والسياسية معروضة بسخاء وجدة أمام الزوار، تلك الكتب التي كنا نهرول وراءها باحثين عنها في معارض الكتب أو دور النشر في عواصم الثقافة قديماً، ثم نأتي بها بإرهاق وعنت ثم فرحة لا تعادلها فرحة بعد توزيعها في أرففها المناسبة لها في مكتباتنا الخاصة، لقد انقلبت المعادلة سريعاً، فقديماً سمعنا المقولة التي يحسن إعادة النظر فيها: القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ! إلى: الرياض تتقاسم العبارة مع الأشقاء؛ تكتب وتطبع وتقرأ، فلا يمكن أن تستمر مدينة ما عاصمة مركز والبقية أطرافٌ إلى الأبد؛ فالتحضر والتطور عملية متسارعة ومتغيرة بأسبابها وحيثياتها ودواعيها ونظامها السياسي المشرف على إدارتها، ومن التواضع المحمود أن نقول إن الإبداع فكراً أو أدباً أو فناً ليس محصوراً على مكان أو زمان محددين، فما يقلق ويسعد وما يختلج في القلوب من مشاعر وما يعترض سبل العيش السعيد من عقبات ونوازل همومٌ إنسانية مشتركة تشعر بها الشعوب في أميركا اللاتينية كما يشعر بها سكان الجزر الإندونيسية كما نفكر فيها نحن الشعوب العربية ونكتوي بنور أو نار مشاعرها، الإنسان الذي يبدع ويفكر شعلة تضيئ الدروب لأخيه الإنسان أينما كان أو حّل، ووظيفة التفكير الرشيد إسعادُ البشر، ووظيفة الإبداع الراقي بأشكاله الفنية المتعددة التعبيرُ الرفيعُ الراقي عن ذلك التفكير وتلك المشاعر والهموم.


الناقد محمد العوين

والرياض في تحولها الوطني السريع وانفتاحها الواثق على ثقافات العالم تتمثل أفقَ الرؤية الواسعَ: التعايشُ مع العالم والإسهامُ معه في الحضارة الإنسانية، وخلقُ وتكوينُ بصمة سعودية عربية إسلامية تحتفظ بخصوصيتها وهويتها وجيناتها الخاصة التي تمنحها التفرد َوالتأثيرَ والبقاء.
المدهش في المعرض هذا التنوع الرائع الجميل في العناوين الفلسفية والتاريخية والسياسية والأدبية وغيرها، والأكثر لفتاً لنظر المتأمل ظهور موجة تجديد كتب فكر وإبداع بداية عصر النهضة العربية في مصر ولبنان والعراق بطبعات جديدة، مع الاحتفاظ بأصول الطبعات القديمة الأولى وأركانها من محققين وكاتبي مقدمات، ونحو ذلك.
ومما يشكر للجنة المنظمة هذا الثراء والجمال في تعدد وتنوع القضايا والاهتمامات في الندوات والعروض.
هذا من حيث المتن والموضوع، وهو الأكثر أهمية، أما من حيث الإجراءات التنفيذية، فلحظت غلاء الأسعار بصورة مزعجة؛ مما قد يحدّ من تكاثر عمليات الشراء إلا للضروري جداً».
عين المعارض العربية
واعتبر المحامي والكاتب والمؤلف والناشر السعودي محمد المشوح، أن معرض الرياض يشكل أيقونة المعارض العربية وعينها، وقال «يُشكِّل معرض الرياض الدَّولي للكتاب أيقونة للمعارض العربيَّة بوهجه وجمهوره وزفِّ العديد من الإصدارات الكثيرة في أيَّامه، ولا شكَّ أنَّ المعرض هو عين المعارض العربيَّة؛ لكثرة الزوَّار والقوَّة الشِّرائيَّة الكبرى التي يزخر بها معرض الرياض الدَّولي لكتاب.
والحقيقة، أنَّ الإخوة الَّذين يقومون على هذا المعرض لا شكَّ أنَّهم يبذلون جهوداً كبرى من أجل إظهار المعرض بالوجه اللَّائق، ونحن نلحظ ونشهد كلَّ عام تغييرات مهمة وتطويريَّة شاملة للمعرض؛ مثلاً: المقصّ الرَّقيب، والرَّقابة الدَّوريَّة على الكتب نحن شاهدنا في معرض الرياض أنَّ الحسّ الرَّقابي اعتلا كثيراً؛ بحيث إنه أصبح هناك فسحة كبرى للنَّاشرين في العرض، وليس هناك رقابة رتيبة ومقلقة ومزعجة للجميع، وهذا بلا شكَّ يُحفِّز النَّاشرين على النَّشر، ويحفِّز القُرَّاء على ارتياد المعرض لوجود جميع الكتب التي يبحثون عليها من غير مقصِّ رقيب.
الجانب الآخر الَّذي يتميز به معرض الرياض الدَّولي للكتاب، هو النوعيَّة المتميِّزة من القُرَّاء ومن المتابعين، وهذه هي طبيعة الحضور في معرض الرياض الدَّولي للكتاب التي تختلف عن كثير من المعارض.
الجمهور السُّعودي معروفٌ بأنَّه جمهور قارئ متابع ناقد، وهذه الصِّفات قلَّ أن تتوفَر في كثير من الجماهير التي تزور المعارض. وكذلك هو جمهور غزير وغفير، وبالتالي هناك تزاحم كبير من قِبَل دور النَّشر العربيَّة والعالميَّة على الحضور والمشاركة في المعرض؛ للمكانة التي اكتسبها طيلة هذه السَّنوات الماضية، وللطبيعة المتميِّزة للقارئ السُّعودي والجمهور الحاضر.
المعرض شهد توسُّعاً كبيراً في المشاركات من قِبَل دور النَّشر، ولاحظنا أنَه تمَّ افتتاح صالة كبرى أخرى رديفة للصَّالة الأخرى الموجودة، وهي تُعزِّز دَور النَّاشر السُّعودي والعربيّ، كما أن الفعاليات الثقافيَّة تجذب وتنادي كلَ من له صِلة بالثَّقافة والفنّ والأدب بأن يحضر إلى المعرض، وسيجد ما يريده ويبتغيه من خلال الفعاليات الموجودة.
نحن كناشرين سعوديين نترقَب كلَّ عام مثل هذا العرس الثَّقافي، وهذا يوفِّر مزيداً من الجمهور العريض، فالنَاشر السُّعودي له حصَّة كبرى من معرض الرياض الدَّولي للكتاب، وبالتالي فإنَّ حضوره حضورٌ مهم، يضفي على المعرض القوَّة المحليَّة، ودُور النَّشر الكثيرة في السُّوق السُّعودية للنَّشر، وهذا يعزِّز مكانة السعودية في المشهد الثَّقافي وفي سوق النَّشر، وهو أحد أوعية الاقتصاد الـمَحلِّي والعالمي.
نجاح رغم غلاء الأسعار
ورأى الشاعر والروائي عادل الحوشان، أن معرض الرياض للكتاب يعدّ علامة عربية وعالمية مميزة، بل يعدّ من أهم المعارض العربية وأكثرها إقبالاً، وقال «الكلام عن معرض الرياض الدولي للكتاب كما هو دائماً، على اعتبار أنه أهم المعارض العربية وأكثرها إقبالاً.
أعتقد أن تصريح المسؤولين عن المعرض بمشاركة 1500 دار نشر، هو تصريح حسابات الأرقام، التي قد تكون منصفة كدليل للنجاح من جهة، لكن لا بد من مقارنتها مع بقية العناصر المهمة التي يجب مراعاتها دائماً بغض النظر عن الأرقام رغم أهميتها.
هذا المعرض هو علامة عربية وعالمية بامتياز بكل تأكيد، لكن لا بد من الأخذ بالاعتبار عناصر أخرى مهمة ويضعها المثقف وغير المثقف في الحسبان، أعتقد أن اللجان المنظمة بذلت جهداً هائلاً يشكرون عليه، لكن لا تزال هناك بعض الملاحظات التي سبق أن تكلمنا وتكلم عنها غيرنا تتعلق بجوانب تنظيمية؛ فتنوع الكتب واتجاهاتها وتنوع دور النشر عربية وعالمية شيء يحسب لكل معرض، لكن الرقابة على أسعار الكتب أيضاً مهمة وفي غاية الأهمية، بسبب أن الكثير من دور النشر تبالغ بشكل غريب في أسعارها، ولا أريد أن أذكر دولة بعينها صارت سمتها السنوية رفع أسعار بعض الكتب بما يقارب 7 أضعاف سعر تكلفتها.
إدارة المعرض - حسب ما سمعت - فرضت خصماً يقارب 15 في المائة، لكن هذه الدور تبيع وكأن من يزورها لا يعرف هذه المضاعفات التي تحدث مع كتب لها طابع «الشبابية»، كتب مؤلفين استطاعوا تسويق أنفسهم عبر السوشيال ميديا واستغلت هذه الدور رغبة الأجيال الجديدة في الانضمام إلى كوكبة القراء من أجل الحصول على نسخ من عينات هذه الكتب، هذا حقهم بالطبع، لكن ذلك سيؤثر على بقية المعرض، الذي أصبحت أبرز سماته غلاء أسعار العارضين، ليس هناك عذر بالطبع بوجود ضريبة قيمة مضافة، أو غلاء أسعار الطباعة، فهذا الكلام للدفاع عما ارتكبوه وهو كلام تكشف عن عورته السوق.
المعرض بشكل عام يستحق أن نقول لوزارة الثقافة ولهيئة الأدب، شكراً، كظاهرة ثقافية مهمة ولافتة».

إقبال واسع من مختلف شرائح المجتمع على معرض الرياض للكتاب (تصوير: علي الظاهري)

سقف الحرية لا حدود له
وأكد الدكتور أحمد الصادق برير، أكاديمي وكاتب سوداني مقيم في الرياض، بأن المعرض حقق التفوق وكان استثنائياً، وسقف الحرية فيه لم تحده حدود، وكانت الأجنحة الخاصة بالأطفال وجهاً مشرقاً وباهراً للمعرض، وقال «في العام الماضي وهذا العام، استعاد معرض الرياض الدولي للكتاب ألقه وتوهجه في نقلة تاريخية في استيعابه منجز المحيط العربي المعرفي. وفي سابقتين اثنتين تفوق وبشكل ملحوظ على معظم المعارض الأخرى وأقول قولي هذا بثقة وعن تجارب متنوعة ومتعددة. أعجبني التنظيم الدقيق وديناميكية وهمّة ونشاط الشباب والشابات، فإن دخلت إلى صالة المعرض فاعلم أنك لن تضل أبداً، أضف إلى ذلك أحدث التقنيات، بل وأرقاها في خدمة زوار المعرض، هذا مما يحسب للقائمين على ترتيب وإعداد المعرض. جاءت مشاركات الناشرين والمشتغلين بصناعة النشر والكتاب والتوزيع غير مسبوقة هذا العام بالتحديد. حتى دور النشر التي اختفت لسنوات ظهرت وتطالعك وجوه الكثيرين منهم وهم سعداء باستجابتهم لفضول قرائهم الذي لا تحده حدود. ولم يكن معرضاً عادياً على الإطلاق: هنالك أنشطة فكرية وثقافية مصاحبة وأكثر مما تم الاحتفاء به، تلك الأجنحة الخاصة بالأطفال. كانت وجهاً مشرقاً وباهراً.
المعرض هذا العام كان استثنائياً وسقف الحرية لم تحده حدود، وهذا مما لا تنتطح عليه عنزان كما تقول العرب. سعادة الزوار لا تخطئها العين الحرة: نعم هذه العناوين بحثت عنها كثيراً، وها هي أمامي وأخيراً حصلت على كتب كاتبي المفضل إلخ إلخ مما تسمعه هنا وهناك. يبقى أن جوانب عديدة من لوجيستية ومقابلة احتياجات الزوار المحتملين، وبالتالي الأخذ في الاعتبار فضولهم المعرفي الذي لا تحده حدود. نعم، ذلكم هو جوهر المسألة، ولكن ثمة بضع ملاحظات:
على الرغم من احتفاء الزوار بذلك العدد الكبير للمشاركين، فإن خريطة توزيعهم كانت مربكة للغاية، خاصة أن الصالة ضخمة جداً، وكان هذا بائناً في اليوم الأول للمعرض مع تعطل الشاشات المعينة لبعض من الوقت. بيروقراطية؟ ربما. وهذا في حسباننا طبيعي في وجود هذا العدد الهائل من المشاركين، لم يكن مبرراً على الإطلاق ردود فعل الزوار تجاه ذلك الارتباك. من ناحية أخرى، وكذلك على الرغم من احتفائنا مرة أخرى بتوفر العناوين التي لا نستطيع الحصول عليها واقتناء أحدث الإصدارات، فقد صدمنا من الأسعار وفجعنا وغمنا ما طلبه كثير من المشاركين من الكتب التي لا نستطيع مقاومة شرائها! نعم، دور نشر معروفة ومعروف الإقبال غير العادي من القراء عموماً على عناوينها وانتظارهم عاماً كاملاً حتى تحين لحظة اقتنائها ويفاجأوا بذلك الغلاء وتلك الأسعار؟ ربما نسي أولئك أو قُل تناسوا أن القراء والزوار خاصة في السعودية ودون كل البلاد العربية الأخرى، على وعي تام بما يدور من الشراء من المواقع الإلكترونية المختلفة ومعرفة تامة بالأسعار وتكلفة الشحن».


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.