معرض «الرياض للكتاب» يقلب المعادلة ويصبح «أيقونة» المعارض العربية

«الشرق الأوسط» تستطلع آراء ناشرين ومؤلفين وباحثين

معرض الرياض للكتاب بات ظاهرة ثقافية مهمة ولافتة (تصوير: علي الظاهري)
معرض الرياض للكتاب بات ظاهرة ثقافية مهمة ولافتة (تصوير: علي الظاهري)
TT

معرض «الرياض للكتاب» يقلب المعادلة ويصبح «أيقونة» المعارض العربية

معرض الرياض للكتاب بات ظاهرة ثقافية مهمة ولافتة (تصوير: علي الظاهري)
معرض الرياض للكتاب بات ظاهرة ثقافية مهمة ولافتة (تصوير: علي الظاهري)

سجّل معرض الرياض الدولي للكتاب الذي يختتم فعالياته السبت المقبل، حضوراً لافتاً في عدد الدور المشاركة ودولها، من محلية وعربية وأجنبية، وتنوع عناوين إصداراتها ومعروضاتها للكتب بما يرضي طالبيها والباحثين عنها. واستطلعت «الشرق الأوسط» آراء عدد من أصحاب دور النشر والمؤلفين وبعض زائري المعرض، ومن لهم علاقة بالكتاب ومتابعي ما تقذفه المطابع من مؤلفات متنوعة، وأجمع المشاركون على أن المعرض يمثّل ظاهرة ثقافية، بل يُعدّ أيقونة المعارض العربية وعينها، مع إمكانية الحصول على الكتب التي يبحث عنها الزائرون بعيداً عن مقص الرقيب.

الروائي عادل الحوشان

شدد بعض المشاركين على أن معرض الرياض للكتاب، قلَب المعادلة سريعاً وأعاد النظر في المقولة القديمة «القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ»، لتصبح «الرياض تتقاسم العبارة مع الأشقاء: تكتب وتطبع وتقرأ».
فضاءات واسعة وأسقف مرتفعة
أكدت الكاتبة أميمة الخميس أن الثقافة كممارسة بحمولتها الشاسعة والمتعددة تتواشج في المعرض لتصنع حالة مستقلة للنزوح عن النخبوية إلى اتساع دائرة الرواد والمريدين، وقالت «لأنني من جيل كان يدسّ الكتب بين ثنايا الملابس في الحقائب خشية من نقاط تفتيش المطارات والموانئ، أما الكتب ذات المواضيع الحساسة (أو ما كنا نزعم بأنها كذلك) فكنا نطلبها من العواصم المجاورة خلسة من جيل كانت تفرد فيه أيام المعرض كلها للرجال وتترك فتات يوم ونصف اليوم للنساء في نهاية المعرض (عندما كانت تنظمه جامعة الملك سعود)، ومن جيل كانت تقام فيه الغزوات بين أروقة المعرض ضد عنوان مستفز أو سطر جريء، إما غزوة (ذات التوقيع) فكانت ضد توقيع كاتبة (أنثى) كتابها لقارئ (ذكر)».
سيبدو كل ما يتجاوز ما كان يحدث أعلاه رائعاً ومدهشاً وجميلاً، لعل أول مزية تمنح معارض الكتاب قيمتها هي الفضاءات الواسعة والأسقف المرتفعة التي تتحرك بها المعارف، وهذا ما لمسته في معرض الرياض، حيث رواية نجيب محفوظ الخالدة (أولاد حارتنا) تتسنم واجهة دار نشرها، بينما كتاب يوفال هراري الثاني (الإنسان الإله) يوزع عبر مشروع الترجمة الجاد والأنيق في جناح أبوظبي، أما دار الجمل بحمولتها المزعجة المكهربة فقد أناخت بكلكلها في إحدى أروقة المعرض، هذا المساحات الشاسعة هي التي تهمني كقارئة، أما أن يدبج البعض المقالات للحديث عن مواقف السيارات وعرض الممرات وأسعار الكتب والبلاط فهذه ذهنية (مقاول) وليس طالب معرفة، مع احترامي للجميع!
وأزعم في وقتنا الحاضر (حيث احتدام البدايات) وزارة الثقافة ترجو من النخب تلويحات وإضاءات فوق خريطة مشروعها الذي تهدف فيه إلى جعل الممارسة الثقافية جزءاً نشطاً وفاعلاً يتخلل النسيج المجتمعي الذي تتربص به استهلاكية غرائزية مفرغة من العمق والمعنى الوجودي من جهة، وفي الجهة المقابلة أيضاً لتنجو بالثقافة من مصير الردهات المغبرة الخاوية في الأندية الأدبية.


الروائية أميمة الخميس

الثقافة كممارسة بحمولتها الشاسعة المتعددة المستحثة لجميع كوامن السامي والجميل والخالد في أعماقنا تتواشج في المعرض لتصنع حالة مستقلة بدا واضحاً فيها النزوح عن النخبوية إلى اتساع دائرة الرواد والمريدين، عبر الحفلات الموسيقية، وورش تعليم الطهي، حتى البرنامج الثقافي وسع دائرة المشاركين، حيث المبدعين والموسيقيين والمسرحيين، وقلص جمود الأكاديميين إلى حده الأدنى.
وزارة الثقافة في تنظيمها للمعرض، تسير فوق ذلك الصراط الحاد المرهف الذي يفصل النتاج الثقافي الأصيل المدهش العميق الذي يستلهم روح الإنسانية وبين النتاج الاستهلاكي المبتذل السخيف الخاضع لقوانين السوق... ومن هنا، يبدو التحدي كبيراً أمامها... لكن أعتقد أن أهم إرهاصات النجاح هو ما نراه من إقبال جماهيري كبير على المعرض ليس من سكان المملكة فقط، بل أيضاً من الخليج والعالم العربي، (كنت في الصيف في معرض كتاب إدنبرة فكان الحضور شحيحاً ونخبوياً) مقارنة بمعرض الرياض الذي بات من أبرز المحطات الثقافية في المشهد كقيمة (ثقافية – جماهيرية - اقتصادية) على مستوى العالم العربي».
المعرض قلَب المعادلة
شدد الدكتور محمد بن عبد الله العوين، الكاتب والناقد والأستاذ الجامعي، على أن معرض الرياض للكتاب قلب المقولة والمعادلة القديمة وأعاد النظر فيها التي تقول: القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ، لتصبح الرياض تتقاسم العبارة مع الأشقاء؛ فهي: تكتب وتطبع وتقرأ، وقال «بشفافية عالية سأتحدث عن رؤيتي للمضامين قبل الشكليات وأدوات تسيير أنشطة المعرض الجانبية وندواته الكثيرة، ولم أكن أصدق يوماً ما أن أرى ثمار العقل والإبداع العربي والإنساني من دون تحفظ إلا على الثوابت الدينية والأخلاقية والسياسية معروضة بسخاء وجدة أمام الزوار، تلك الكتب التي كنا نهرول وراءها باحثين عنها في معارض الكتب أو دور النشر في عواصم الثقافة قديماً، ثم نأتي بها بإرهاق وعنت ثم فرحة لا تعادلها فرحة بعد توزيعها في أرففها المناسبة لها في مكتباتنا الخاصة، لقد انقلبت المعادلة سريعاً، فقديماً سمعنا المقولة التي يحسن إعادة النظر فيها: القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ! إلى: الرياض تتقاسم العبارة مع الأشقاء؛ تكتب وتطبع وتقرأ، فلا يمكن أن تستمر مدينة ما عاصمة مركز والبقية أطرافٌ إلى الأبد؛ فالتحضر والتطور عملية متسارعة ومتغيرة بأسبابها وحيثياتها ودواعيها ونظامها السياسي المشرف على إدارتها، ومن التواضع المحمود أن نقول إن الإبداع فكراً أو أدباً أو فناً ليس محصوراً على مكان أو زمان محددين، فما يقلق ويسعد وما يختلج في القلوب من مشاعر وما يعترض سبل العيش السعيد من عقبات ونوازل همومٌ إنسانية مشتركة تشعر بها الشعوب في أميركا اللاتينية كما يشعر بها سكان الجزر الإندونيسية كما نفكر فيها نحن الشعوب العربية ونكتوي بنور أو نار مشاعرها، الإنسان الذي يبدع ويفكر شعلة تضيئ الدروب لأخيه الإنسان أينما كان أو حّل، ووظيفة التفكير الرشيد إسعادُ البشر، ووظيفة الإبداع الراقي بأشكاله الفنية المتعددة التعبيرُ الرفيعُ الراقي عن ذلك التفكير وتلك المشاعر والهموم.


الناقد محمد العوين

والرياض في تحولها الوطني السريع وانفتاحها الواثق على ثقافات العالم تتمثل أفقَ الرؤية الواسعَ: التعايشُ مع العالم والإسهامُ معه في الحضارة الإنسانية، وخلقُ وتكوينُ بصمة سعودية عربية إسلامية تحتفظ بخصوصيتها وهويتها وجيناتها الخاصة التي تمنحها التفرد َوالتأثيرَ والبقاء.
المدهش في المعرض هذا التنوع الرائع الجميل في العناوين الفلسفية والتاريخية والسياسية والأدبية وغيرها، والأكثر لفتاً لنظر المتأمل ظهور موجة تجديد كتب فكر وإبداع بداية عصر النهضة العربية في مصر ولبنان والعراق بطبعات جديدة، مع الاحتفاظ بأصول الطبعات القديمة الأولى وأركانها من محققين وكاتبي مقدمات، ونحو ذلك.
ومما يشكر للجنة المنظمة هذا الثراء والجمال في تعدد وتنوع القضايا والاهتمامات في الندوات والعروض.
هذا من حيث المتن والموضوع، وهو الأكثر أهمية، أما من حيث الإجراءات التنفيذية، فلحظت غلاء الأسعار بصورة مزعجة؛ مما قد يحدّ من تكاثر عمليات الشراء إلا للضروري جداً».
عين المعارض العربية
واعتبر المحامي والكاتب والمؤلف والناشر السعودي محمد المشوح، أن معرض الرياض يشكل أيقونة المعارض العربية وعينها، وقال «يُشكِّل معرض الرياض الدَّولي للكتاب أيقونة للمعارض العربيَّة بوهجه وجمهوره وزفِّ العديد من الإصدارات الكثيرة في أيَّامه، ولا شكَّ أنَّ المعرض هو عين المعارض العربيَّة؛ لكثرة الزوَّار والقوَّة الشِّرائيَّة الكبرى التي يزخر بها معرض الرياض الدَّولي لكتاب.
والحقيقة، أنَّ الإخوة الَّذين يقومون على هذا المعرض لا شكَّ أنَّهم يبذلون جهوداً كبرى من أجل إظهار المعرض بالوجه اللَّائق، ونحن نلحظ ونشهد كلَّ عام تغييرات مهمة وتطويريَّة شاملة للمعرض؛ مثلاً: المقصّ الرَّقيب، والرَّقابة الدَّوريَّة على الكتب نحن شاهدنا في معرض الرياض أنَّ الحسّ الرَّقابي اعتلا كثيراً؛ بحيث إنه أصبح هناك فسحة كبرى للنَّاشرين في العرض، وليس هناك رقابة رتيبة ومقلقة ومزعجة للجميع، وهذا بلا شكَّ يُحفِّز النَّاشرين على النَّشر، ويحفِّز القُرَّاء على ارتياد المعرض لوجود جميع الكتب التي يبحثون عليها من غير مقصِّ رقيب.
الجانب الآخر الَّذي يتميز به معرض الرياض الدَّولي للكتاب، هو النوعيَّة المتميِّزة من القُرَّاء ومن المتابعين، وهذه هي طبيعة الحضور في معرض الرياض الدَّولي للكتاب التي تختلف عن كثير من المعارض.
الجمهور السُّعودي معروفٌ بأنَّه جمهور قارئ متابع ناقد، وهذه الصِّفات قلَّ أن تتوفَر في كثير من الجماهير التي تزور المعارض. وكذلك هو جمهور غزير وغفير، وبالتالي هناك تزاحم كبير من قِبَل دور النَّشر العربيَّة والعالميَّة على الحضور والمشاركة في المعرض؛ للمكانة التي اكتسبها طيلة هذه السَّنوات الماضية، وللطبيعة المتميِّزة للقارئ السُّعودي والجمهور الحاضر.
المعرض شهد توسُّعاً كبيراً في المشاركات من قِبَل دور النَّشر، ولاحظنا أنَه تمَّ افتتاح صالة كبرى أخرى رديفة للصَّالة الأخرى الموجودة، وهي تُعزِّز دَور النَّاشر السُّعودي والعربيّ، كما أن الفعاليات الثقافيَّة تجذب وتنادي كلَ من له صِلة بالثَّقافة والفنّ والأدب بأن يحضر إلى المعرض، وسيجد ما يريده ويبتغيه من خلال الفعاليات الموجودة.
نحن كناشرين سعوديين نترقَب كلَّ عام مثل هذا العرس الثَّقافي، وهذا يوفِّر مزيداً من الجمهور العريض، فالنَاشر السُّعودي له حصَّة كبرى من معرض الرياض الدَّولي للكتاب، وبالتالي فإنَّ حضوره حضورٌ مهم، يضفي على المعرض القوَّة المحليَّة، ودُور النَّشر الكثيرة في السُّوق السُّعودية للنَّشر، وهذا يعزِّز مكانة السعودية في المشهد الثَّقافي وفي سوق النَّشر، وهو أحد أوعية الاقتصاد الـمَحلِّي والعالمي.
نجاح رغم غلاء الأسعار
ورأى الشاعر والروائي عادل الحوشان، أن معرض الرياض للكتاب يعدّ علامة عربية وعالمية مميزة، بل يعدّ من أهم المعارض العربية وأكثرها إقبالاً، وقال «الكلام عن معرض الرياض الدولي للكتاب كما هو دائماً، على اعتبار أنه أهم المعارض العربية وأكثرها إقبالاً.
أعتقد أن تصريح المسؤولين عن المعرض بمشاركة 1500 دار نشر، هو تصريح حسابات الأرقام، التي قد تكون منصفة كدليل للنجاح من جهة، لكن لا بد من مقارنتها مع بقية العناصر المهمة التي يجب مراعاتها دائماً بغض النظر عن الأرقام رغم أهميتها.
هذا المعرض هو علامة عربية وعالمية بامتياز بكل تأكيد، لكن لا بد من الأخذ بالاعتبار عناصر أخرى مهمة ويضعها المثقف وغير المثقف في الحسبان، أعتقد أن اللجان المنظمة بذلت جهداً هائلاً يشكرون عليه، لكن لا تزال هناك بعض الملاحظات التي سبق أن تكلمنا وتكلم عنها غيرنا تتعلق بجوانب تنظيمية؛ فتنوع الكتب واتجاهاتها وتنوع دور النشر عربية وعالمية شيء يحسب لكل معرض، لكن الرقابة على أسعار الكتب أيضاً مهمة وفي غاية الأهمية، بسبب أن الكثير من دور النشر تبالغ بشكل غريب في أسعارها، ولا أريد أن أذكر دولة بعينها صارت سمتها السنوية رفع أسعار بعض الكتب بما يقارب 7 أضعاف سعر تكلفتها.
إدارة المعرض - حسب ما سمعت - فرضت خصماً يقارب 15 في المائة، لكن هذه الدور تبيع وكأن من يزورها لا يعرف هذه المضاعفات التي تحدث مع كتب لها طابع «الشبابية»، كتب مؤلفين استطاعوا تسويق أنفسهم عبر السوشيال ميديا واستغلت هذه الدور رغبة الأجيال الجديدة في الانضمام إلى كوكبة القراء من أجل الحصول على نسخ من عينات هذه الكتب، هذا حقهم بالطبع، لكن ذلك سيؤثر على بقية المعرض، الذي أصبحت أبرز سماته غلاء أسعار العارضين، ليس هناك عذر بالطبع بوجود ضريبة قيمة مضافة، أو غلاء أسعار الطباعة، فهذا الكلام للدفاع عما ارتكبوه وهو كلام تكشف عن عورته السوق.
المعرض بشكل عام يستحق أن نقول لوزارة الثقافة ولهيئة الأدب، شكراً، كظاهرة ثقافية مهمة ولافتة».

إقبال واسع من مختلف شرائح المجتمع على معرض الرياض للكتاب (تصوير: علي الظاهري)

سقف الحرية لا حدود له
وأكد الدكتور أحمد الصادق برير، أكاديمي وكاتب سوداني مقيم في الرياض، بأن المعرض حقق التفوق وكان استثنائياً، وسقف الحرية فيه لم تحده حدود، وكانت الأجنحة الخاصة بالأطفال وجهاً مشرقاً وباهراً للمعرض، وقال «في العام الماضي وهذا العام، استعاد معرض الرياض الدولي للكتاب ألقه وتوهجه في نقلة تاريخية في استيعابه منجز المحيط العربي المعرفي. وفي سابقتين اثنتين تفوق وبشكل ملحوظ على معظم المعارض الأخرى وأقول قولي هذا بثقة وعن تجارب متنوعة ومتعددة. أعجبني التنظيم الدقيق وديناميكية وهمّة ونشاط الشباب والشابات، فإن دخلت إلى صالة المعرض فاعلم أنك لن تضل أبداً، أضف إلى ذلك أحدث التقنيات، بل وأرقاها في خدمة زوار المعرض، هذا مما يحسب للقائمين على ترتيب وإعداد المعرض. جاءت مشاركات الناشرين والمشتغلين بصناعة النشر والكتاب والتوزيع غير مسبوقة هذا العام بالتحديد. حتى دور النشر التي اختفت لسنوات ظهرت وتطالعك وجوه الكثيرين منهم وهم سعداء باستجابتهم لفضول قرائهم الذي لا تحده حدود. ولم يكن معرضاً عادياً على الإطلاق: هنالك أنشطة فكرية وثقافية مصاحبة وأكثر مما تم الاحتفاء به، تلك الأجنحة الخاصة بالأطفال. كانت وجهاً مشرقاً وباهراً.
المعرض هذا العام كان استثنائياً وسقف الحرية لم تحده حدود، وهذا مما لا تنتطح عليه عنزان كما تقول العرب. سعادة الزوار لا تخطئها العين الحرة: نعم هذه العناوين بحثت عنها كثيراً، وها هي أمامي وأخيراً حصلت على كتب كاتبي المفضل إلخ إلخ مما تسمعه هنا وهناك. يبقى أن جوانب عديدة من لوجيستية ومقابلة احتياجات الزوار المحتملين، وبالتالي الأخذ في الاعتبار فضولهم المعرفي الذي لا تحده حدود. نعم، ذلكم هو جوهر المسألة، ولكن ثمة بضع ملاحظات:
على الرغم من احتفاء الزوار بذلك العدد الكبير للمشاركين، فإن خريطة توزيعهم كانت مربكة للغاية، خاصة أن الصالة ضخمة جداً، وكان هذا بائناً في اليوم الأول للمعرض مع تعطل الشاشات المعينة لبعض من الوقت. بيروقراطية؟ ربما. وهذا في حسباننا طبيعي في وجود هذا العدد الهائل من المشاركين، لم يكن مبرراً على الإطلاق ردود فعل الزوار تجاه ذلك الارتباك. من ناحية أخرى، وكذلك على الرغم من احتفائنا مرة أخرى بتوفر العناوين التي لا نستطيع الحصول عليها واقتناء أحدث الإصدارات، فقد صدمنا من الأسعار وفجعنا وغمنا ما طلبه كثير من المشاركين من الكتب التي لا نستطيع مقاومة شرائها! نعم، دور نشر معروفة ومعروف الإقبال غير العادي من القراء عموماً على عناوينها وانتظارهم عاماً كاملاً حتى تحين لحظة اقتنائها ويفاجأوا بذلك الغلاء وتلك الأسعار؟ ربما نسي أولئك أو قُل تناسوا أن القراء والزوار خاصة في السعودية ودون كل البلاد العربية الأخرى، على وعي تام بما يدور من الشراء من المواقع الإلكترونية المختلفة ومعرفة تامة بالأسعار وتكلفة الشحن».


مقالات ذات صلة

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

ثقافة وفنون «أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى.

فارس الذهبي
ثقافة وفنون رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق جانب من تجهيزات افتتاح الدورة الـ57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (صفحة المعرض على «فيسبوك»)

«القاهرة للكتاب» يستقبل جمهوره بـ«حقيبة نجيب محفوظ»

يستقبل معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57، المقرر افتتاحها الأربعاء، 21 يناير (كانون الثاني) الحالي، زواره بـ«حقيبة نجيب محفوظ».

محمد الكفراوي (القاهرة )
ثقافة وفنون «حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

في الوقت الذي تحتفي فيه وسائل الإعلام بالنمو التكنولوجي للعملاق الصيني، تأتي رواية «حياتي كعامل توصيل في بكين» لتعرض الجانب المظلم من المعجزة الاقتصادية الصينية

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

بدأت الريادة الحقيقية لمسيرة النقد العراقي مع مشروع الدكتور علي جواد الطاهر النقدي الذي لفت الأنظار إلى متانته ومنهجيته ومواكبته الدؤوب للنتاج الأدبي العراقي.

جهاد مجيد

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض
TT

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة، على نحو يعزز مكانته الإقليمية والعالمية منذ بدايته الأولى عام 1969. وتنطلق الدورة الـ57 في الفترة من 21 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 3 فبراير (شباط) المقبل تحت شعار شديد الدلالة مقتبس عن قول مأثور لنجيب محفوظ وهو «من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قروناً».

ووصف وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو النسخة الجديدة بأنها «الأضخم في تاريخ المعرض وستحطم أرقاماً قياسية غير مسبوقة» بمشاركة 1547 دار نشر من 83 دولة، بإجمالي 6637 عارضاً، كما يضم البرنامج الثقافي 400 فعالية أدبية، و100 حفل توقيع، و120 فعالية فنية، بمشاركة 170 ضيفاً عربياً وأجنبياً، وحضور أكثر من 1500 مثقف ومبدع، عبر قاعات متعددة، من بينها قاعة المؤتمرات التي تستضيف 10 فعاليات في اليوم الواحد لأول مرة.

جدل التاريخ والهوية

وبعيداً عن لغة الأرقام، وعد الوزير في مؤتمر صحافي جمهور المعرض بـ«نسخة استثنائية ذات هوية متفردة ومختلفة، تستلهم روح الإبداع محلياً وإنسانياً، وتفتح آفاقاً أوسع للحوار والمعرفة، ليظل المعرض مساحة حية تلتقي فيها الكلمة بالفكر، والكتاب بالإنسان، لا سيما أنها تأتي عقب حدث عالمي تمثل في افتتاح المتحف المصري الكبير، الذي أعاد توجيه أنظار العالم إلى مصر وحضارتها العريقة وتاريخها الممتد، وهو ما انعكس على توجه المعرض وبرنامجه الثقافي، حيث يحتفي هذا العام بالهوية المصرية ويعيد قراءة التاريخ بوصفهما مصدراً أصيلاً للإبداع والمعرفة».

ومن جانبه، أكد أحمد مجاهد، الرئيس التنفيذي للمعرض، أن الاحتفاء بالأديب الكبير نجيب محفوظ بعدّه «شخصية المعرض» يتجسد في برنامج متكامل يشمل ندوات فكرية، وعروضاً سينمائية، وأنشطة فنية، من بينها معرض «نجيب محفوظ بعيون العالم»، الذي يضم 40 لوحة فنية لفنانين من مختلف دول العالم، بالتعاون مع الجمعية المصرية للكاريكاتير.

كما أوضح أن «شخصية معرض كتاب الطفل» هذا العام هي الفنان الكبير محيي الدين اللباد، ويتم الاحتفاء بمسيرته عبر ندوات متخصصة، ومعرض لأعماله، وأنشطة تفاعلية للأطفال، وإعادة طباعة عدد من كتبه، إلى جانب إصدار كتاب تذكاري يوثق مسيرته الإبداعية.

مبادرات جديدة

ويشهد المعرض في نسخته المرتقبة، عدة مبادرات جديدة منها «مكتبة لكل بيت»، التي تهدف إلى إعادة الكتاب ليكون جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية داخل البيوت المصرية والعربية، حيث تضم المبادرة مجموعة مختارة من 20 مؤلفاً متنوعاً من أهم ما أصدرته قطاعات وزارة الثقافة، إلى جانب «حقيبة نجيب محفوظ» التي تشمل 15 إصداراً من أبرز أعماله، في إطار دعم القراءة وإتاحة المعرفة للجميع.

واحتفاءً بتراث مصر غير المادي، يشهد المعرض للمرة الأولى إقامة مخيم «أهلنا وناسنا» الذي يقدم التراث الثقافي غير المادي لمحافظات مصر، إلى جانب الصالون الثقافي وجناح الطفل والبرنامج الفني المتنوع، ليؤكد معرض القاهرة الدولي للكتاب أنه رسالة ثقافية متجددة إلى العالم، تعكس الإيمان بدور الثقافة في بناء الوعي، وترسيخ الهوية، وتعزيز الحوار الإنساني.

ومن بين المبادرات الجديدة كذلك إطلاق «جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية» التي تُمنح باسم وزارة الثقافة المصرية، وبرعاية أحد البنوك الوطنية، بقيمة 500 ألف جنيه، وميدالية ذهبية تذكارية. ومن المنتظر أن يتم تنظيم حفل افتتاح فني كبير لأول مرة على مسرح «المنارة» بحي «مدينة نصر» بعنوان «يوسف شاهين... حدوتة مصرية»، احتفاءً بمئوية ميلاده، إلى جانب حفل ختام فني بعنوان «غنا القاهرة»، يتضمن تسليم جوائز المعرض، والإعلان عن الفائز بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى.

دعم رقمي للجمهور

وفي إطار جهود دعم جمهور المعرض وتوفير خدمات ميسرة تجعل من زيارتهم تجربة أكثر إمتاعاً، تم استحداث تطبيق موبايل ذكي يهدف إلى تنظيم الجهود الميدانية داخل المعرض، ضمن مبادرات برنامج «أنا متطوع» حيث يعد التطبيق منصة رقمية متكاملة توفّر للزوار مجموعة من الخدمات الذكية، من بينها خريطة تفاعلية لدور النشر، وإمكانية البحث عن عناوين الكتب ومعرفة أماكن الناشرين، إلى جانب عرض أجندة الفعاليات والأنشطة الثقافية اليومية.

كما يتيح التطبيق تحديد أماكن تمركز المتطوعين ومكاتب الاستعلامات، وتقديم تنبيهات لتجنّب مناطق الازدحام، خاصة عند بوابات الدخول. وعلى صعيد الدعم الميداني، يوفّر التطبيق آلية مباشرة لطلب مساعدة المتطوعين، والإبلاغ عن المشكلات أو حالات الطوارئ، وطلب الإسعاف، بما يضمن سرعة الاستجابة ورفع مستوى الأمان والتنظيم داخل المعرض. ويأتي إطلاق التطبيق استجابةً للزيادة المتواصلة في أعداد زوار المعرض خلال السنوات الأخيرة، وحرصاً على توظيف الحلول الرقمية الحديثة في دعم العمل التطوعي، وتعزيز كفاءة المتطوعين بعدّهم أحد الأعمدة الأساسية لنجاح المعرض.

حضور روماني

وتحل دولة رومانيا «ضيف شرف» الدورة الجديدة من المعرض في إطار الاستعداد للاحتفال بمرور 120 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين مصر ورومانيا عام 2026، حيث سيتم تنظيم 30 فعالية على مدار 13 يوماً، بمشاركة 60 ضيفاً من رومانيا، من بينهم 15 فناناً، و10 دور نشر رومانية، ورؤساء جامعات، إلى جانب مشاركة شخصيات رفيعة المستوى، من بينهم وزير الثقافة الروماني في حفل الافتتاح.


«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي
TT

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي - دار نشر الجامعة الأميركية في بيروت، 2026 - هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل، ويتعامل معه كخطاب قابل للفهم، مشروط بالمعرفة والسياق وحال الرائي، ومحكوم بقواعد وآداب للسائل والمسؤول. والكتاب، كما تُبرز مقدّمته، يتحرّك بين ضبط الأصول والانشغال بالتفصيلات التي تُنزل الرؤيا إلى العالم المحسوس، فيبدو الحلم صدى لعلاقات الإنسان بما حوله.

و تُقدّم المقدّمة تمييزاً بين الرؤيا الصادقة والرؤيا الكاذبة، وتفريعاً للأولى إلى «رؤيا تدبير» و«رؤيا تبشير» و«رؤيا إلهام»، وللثانية إلى «رؤيا هِمّة» و«رؤيا حديث نفس». ويظهر الاهتمام بألا تكون العبارة استسهالاً، إذ تتكرَّر الإشارة إلى أنّ اختلاف الناس وأحوالهم ينعكس على التأويل، والرؤيا لا تُنتَزع من سياق الرائي انتزاعاً. كما يتوقَّف الكتاب عند فكرة تداول علم التعبير وترجماته، ويَذكر ترجمة حنين بن إسحاق (260/873) لكتاب أرطيميدروس الأفسسي (القرن الثاني للميلاد)، في إشارة إلى تاريخ أطول لحضور تفسير الأحلام وتحوّلاته.

أما متنه، فمبنيّ على أبواب واسعة تمتد من «أصول الرؤيا وفصولها ومعرفة صدقها من كذبها» (الباب الأول)، إلى «في المسائل المتفرّقة التي سقطت من أماكنها فأثبتناها في هذا الموضع ليتمّ الكتاب بها إن شاء الله تعالى» (الباب التاسع والخمسون). وبين هذين الحدّين يتوزَّع العالم كلّه تقريباً على شبكة من العناوين، منها أبواب في رؤية الله تعالى والجنة والنار والملائكة والصراط والميزان ويوم القيامة (الباب الثالث)، وفي الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرعد والبرق والمطر والثلج والبرد والرياح والغبار والغمامة وما أشبهها (الباب الرابع)، وفي البحار والأودية والأنهار والحَبّ واللؤلؤ والماء والسفينة (الباب الخامس)، وفي النور والظلمة والنار والسراج والشمع والجمرة (السادس)، وفي الجبال والتلال والرمال والمغاور والتراب والآجر والجص والحائط (السابع). ثم ينفتح المتن على تفاصيل العمران والدور والبساتين والحمّامات والطواحين والسلالم (التاسع)، وعلى العطر وأنواعه مثل المسك والعنبر والكافور والعود والصندل وماء الورد والأدهان الطيبة والزعفران (العاشر).

ويتقدَّم الفهرس إلى موضوعات تمسّ الجسد والعبادة والسلطة والمعرفة. فنقرأ باباً في الغسل والوضوء والتيمّم والأذان والإقامة والصلاة والركوع والسجود والحج والغزو والصدقة والزكاة ونحوها (الثاني عشر)، وباباً في رؤية القاضي والخليفة والفقيه والإمام والحاكم والخطيب والمؤذن والطبيب والمريض والمكيال والميزان والقبّان (الثالث عشر)، إلى باب في القلم والدواة واللوح والمحبرة والمنشور والصك والكرّاسة (الرابع عشر). وتتتابع الأبواب لتشمل «جماعة الناس وأعضاءهم وأيديهم وأرجلهم... وما يرى فيهم من زيادة أو نقصان» (الخامس عشر)، ثم «الأبواب والعُقَد والخروج من موضع ضيق... والمفاتيح... والفرش والبُسُط» (السادس عشر)، ثم ما يتصل بالنار والدخان والرماد والشرار والأتون والتنانير والكوانين والقدور (السابع عشر)، وصولاً إلى أبواب في الطعام والشراب والكواميخ والأدوية والألبان والسموم والقيء والإسهال (الرابع والعشرون)، وفي الجواهر والدراهم والدنانير والفلوس والصُّفر والنحاس (الخامس والعشرون)، وفي الثياب والخفّ والنعل والخواتيم (السادس والعشرون)، وفي الحبل والغزل والقيد والخيط والشبكة والإبرة والقطن (السابع والعشرون).

ولا يكتفي المتن بما هو مألوف من الموجودات، فيُخصّص مساحة واسعة للحيوانات والهوام، من السباع والطيور والأسماك والسرطان ودواب الماء (الأبواب 40–49) إلى الحيات والعقارب والهوام وسمومها ولسعتها (الخمسون)، ثم أبواب في رؤية الجنّ والأبالسة والشياطين والسحرة والكهنة والأصنام (الحادي والخمسون). ويقترب الكتاب أيضاً من المجال الاجتماعي والرمزي، فنقرأ باباً في «الرؤيا التي تدل على طول أعمار الملوك وحُسن حالهم ورؤية الرئيس والسلطان... والاستدلال بالأسماء على الخير والشر» (الثالث والخمسون)، وآخر في «التماثيل والأصباغ والاختتان والتزويج والعرس والضيافة والوليمة» (الرابع والخمسون)، ثم باب في «العبادة والشكر لله والاستغفار والحمد والتسبيح وقراءة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم» (الخامس والخمسون). ويُختم الفهرس بباب في الزلزلة والرجفة والخسف والمسخ والطليق والخلع والوقوع في الماء والنار والسيل وعباراتها (السادس والخمسون)، وباب في رؤية النصارى والمجوس واليهود والبيعة والكنيسة والمقبرة والنواقيس وبيوت النيران (السابع والخمسون)، وباب في «أسقاط البيت...»، بما فيه من مراوح وغرابيل وقوارير، وغيرها من الأوعية (الثامن والخمسون).

إلى جانب المتن، يقدّم التحقيق خريطةً دقيقة للمخطوطات التي نُقل عنها النصّ، ويذكر أنها محفوظة في مؤسّسات متعدّدة، منها مكتبة أسعد أفندي (يرمز إليها بـ«س»، وتُعدّ أقدم ما رجع إليه التحقيق، وتقع في 72 ورقة، نحو 20 سطراً في الصفحة)، ومخطوطة توب كابي (يرمز إليها بـ«ك» في 75 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع استعمال أربعة ألوان للمداد)، ومخطوطة جامعة إسطنبول (يرمز إليها بـ«ط» في 58 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع إبراز العناوين والرموز باللون الأحمر)، ومخطوطة جامعة برنستون (يرمز إليها بـ«ب» في 61 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، بالأسود والأحمر)، ومخطوطة تشستر بيتي (يرمز إليها بـ«ت» في 86 ورقة، 15 سطراً في الصفحة، مع حواشٍ)، إضافةً إلى «مخطوطة جوروم» (يرمز إليها بـ«ج» في 61 ورقة، بإطار ذهبي، و19 سطراً في الصفحة). وتكشف المقدّمة كذلك عن علاقات النسخ ببعضها عبر رسم توضيحي، وعن ملاحظات تتّصل بالجمع بين الأبواب في بعض النسخ، وبسقوط مواضع أو انتقال الناسخ مباشرة إلى باب تالٍ.

وتتجلَّى قيمة التحقيق في صرامة منهجه، إذ يتّخذ نصّ «س» أساساً، ولا يثبت اختلافات النسخ الأخرى في الهوامش إلا إذا كان هناك خطأ صريح أو تحريف أو تصحيف أو خشية التباس على القارئ. كما يشرح التحقيق أنه رجّح قراءة نسخة على أخرى عند السقط أو النقص أو فساد العبارة، مشيراً إلى ما لا يُغيّر المعنى فلا يُثقل به الهامش. ويضيف إلى ذلك عملاً مُساعداً يسهّل التعامل مع الكتاب، من شرح مفردات غريبة، وتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وإلحاق فهرس للرموز المؤولة، إلى جانب فهارس الآيات والأحاديث والأعلام وقائمة المصادر والمراجع. والأهم، أنّ هذا العمل يُبرز صوراً للمخطوطات، بما يمنح القارئ فرصة رؤية المادة التي عبرت القرون قبل أن تستقرّ في هذا الكتاب، مُظهراً صورةً للنص وهو في حالته الأولى، قبل أن يصير كتاباً بين يدي قارئ اليوم.


«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه
TT

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ (1942 - 2024) وقصصه. وجاء في افتتاحية المجلة التي كتبتها الشاعرة والأكاديمية جوسلين ميشيل ألمايدا: «يُعرف محمد الشارخ عالميّاً بإسهامه في (تعريب التكنولوجيا) من خلال تأسيسه شركة (صخر)، ويمثل دأبه على تطوير أنظمة الكتابة العربيّة والحروف الحاسوبيّة إسهاماً بارزاً في دراسة اللغة العربيّة ونشرها رقميًّا. وليس من المبالغة القول إنّ سعي الشارخ الحثيث فيما يتعلّق بلغته الأمّ يُشكّل إرثاً ثقافيًّا ولغويًّا سيُخلَّد في الذاكرة لقرون».

ومن خلال قراءتها للقصص المترجمة إلى الإسبانية، علقت دوسلين ميشيل ألمايدا قائلة: «تتأرجح تقنيّة الشارخ الأدبيّة بسلاسة بين السرد بضمير المتكلّم والسرد على لسان راوٍ عليم، وفقاً للقصّة، وبواقعيّة شعريّة، من دون أن تصل إلى حدّ الواقعيّة السحريّة، فيُحدث السرد أثراً عميقاً في القارئ من حيث تغيير الواقع من خلال الإدراك أو اكتشاف القارئ لحقيقة الأبطال. وعلى غرار ريموند كارفر أو إرنست همنغواي، يُنمّي الشارخ الطابع الشعريّ لصمت شخصيّاته. على هذا المنوال، تصبح قراءة قصص الشارخ فعلاً إبداعيًّا مشتركاً مع الكاتب، حيث يُسهم خيال القارئ في خلق المعنى الإنسانيّ للتجربة؛ ما يُضفي مزيداً من المتعة على السرد. وتُضفي عناصر مثل بناء الشخصيّات، والاستعارات، والسخرية، والحوار، إيقاعاً يُناسب تطوّر الأحداث في نثر الشارخ، وهو تناغم يمتدّ أيضاً إلى الإطار الجغرافيّ لقصصه».

تضمن ملف مجلة «بانيبال» الخاص عن محمد الشارخ، أجزاء من السيرة الذاتية التي كتبها الشارخ تحت عنوان «محطات من حياتي» (ترجمة ألبارو أبييا)، ومقالات وشهادات لكل من طالب الرفاعي، كاتيا الطويل، سعود السنعوسي، وحسونة المصباحي. بالإضافة إلى ترجمة أربع قصص طويلة وهي «المخاض»، «العزاء»، «الوديعة» و«جاسم الكوفي» قام بترجمتها كل من ماريا لويسا برييتو وإغناثيو غوتييريز دي تيران.

في شهادته التي كتبها تحت عنوان «محمد الشارخ... ماذا أعطته اللغة؟ وماذا أعطاها؟»، يقول الروائي الكويتي سعود السنعوسي: «هنا حكاية قصيرة عن حلمي القديم بأن يكون لدي كتابي الخاص، حينما كنتُ في الرابعة عشرة، وكان مشروع الشارخ (صخر) قد دُشِّن قبل ذلك الوقت بثلاثة عشر عاماً، أي أن كمبيوتر (صخر( في مثل سِني تقريباً... تخيَّل! ولأنه من المستحيل لأي دار نشر أن تطبع كتاباً رديئاً لطفل يجهل أصول الكتابة، ولأن والديَّ أجَّلا حلمي بالكتابةِ خشيةً على تحصيلي العلمي: تكبر وتكتب! فقد أخذت زمام المبادرة طفلاً، وبأصابع مرتعشة كتبت ما كنتُ أحسبه قصصاً عبر لوحة مفاتيح كمبيوتر صديق، وكانت تلك اللوحة تحمل في إحدى زواياها ذلك الشعار الرمادي الذي ارتبط في طفولتنا حول عالم الكمبيوتر السحري، وكان لقائي الأول بكمبيوتر (صخر) ولوحة مفاتيحه العربية. وطبعت قصصي الرديئة على أوراقٍ مرقمة وصنعت لها غلافاً يحمل اسمي وعنوان الكتاب... كتاب من نسخة واحدة، ومنذ ذلك الوقت المبكر في حياتي صار لي كتابي الخاص، كتابي الأول الذي لم يقرأه غيري، كتابي المطبوع عبر كمبيوتر (صخر)».

وكتبت الناقدة اللبنانية كاتيا الطويل عن رواية «العائلة»، وهي الرواية الوحيدة التي كتبها محمد الشارخ قائلة: «يقدّم الشارخ فيما يناهز المائتين وستّين صفحة تفاصيل عائلة سعد بن كعب الناصر ويوميّاتها وتاريخها. عشرة أولاد وتسع بنات يرافقهم السرد، يرافق مراحل نشأتهم ومراحل نضجهم وقصص زواجهم. بين متمرّد ومحافظ، بين مهادن للسلطة وحانق عليها، بين مائل للثقافة الغربيّة ومتمسّك بالعادات العربيّة، تسعة عشر ابناً وبنتاً يرافقهم السرد ويعرّف القارئ بهم في محاولة محمودة من الكاتب لتقديم مختلف الآراء ووجهات النظر في العائلة الكويتيّة والمجتمع الكويتيّ ككلّ».

وتحت عنوان «محمد الشارخ النجم الباقي» كتب طالب الرفاعي: «عُرف الشارخ عربياً وعالمياً بأنه رجل أعمال، لكن ما كان يقبع خلف رجل الأعمال ذاك، كان إنساناً مرهف الحس عاشقاً للقراءة والكتابة وعاشقاً للفن التشكيلي وعاشقاً للسينما، ولقد ترك الرجل خلفه مجاميع قصصية دالة على فكره من جهة ودالة على البيئة المكانية والاجتماعية التي نشأ وترعرع فيها. محمد الشارخ وللطف خلقه لم يكن يزاحم أحداً في كتاباته ولا قدّم نفسه بوصفه كاتباً، لكن هذا لم يكن أكثر من تواضع الأدباء الحقيقي، ولم يكن أكثر من مسلك حياتي طبع حياة الشارخ بأن يكون في الظل أكثر ما يكون في العلن، لكن قدره أن يبقى في العلن ما بقيت اللغة العربية. شخص نذر عمره لها، فأعطته بقاءً أدبياً لم تعطه للكثيرين غيره».ونشرت المجلة مقالة للكاتب التونسي الراحل حسونة المصباحي كان قد كتبها حول قصص محمد الشارخ، قال فيها: «ما إن انتهيت من قراءة قصص محمد الشارخ حتى وجدتني مفتوناً من جديد بفن القصة القصيرة التي كنت أظن أنها دُفنت نهائياً في عالمنا العربي بعد أن أصبح العرب مصابين بـ(هوس الرواية). كما وجدتني راغباً في قراءة المزيد من قصص الشارخ لطرافتها، وانسيابها السريع، وسخريتها المرة، ولغتها الخالية من البلاغة الجوفاء، ومن اللغو، ومن ذلك التصنع البغيض، الذي هو عدو كل الفنون».ومن المواد الأخرى التي نشرتها المجلة في عددها الأخير، نقرأ نصوصاً شعرية وسردية لثلاثة أدباء من سوريا. أجزاء من رواية «الذئاب لا تنسى» للكاتبة لينا هويان الحسن (ترجمة أنخلينا غوتييريز ألمنارا)، وفصول من رواية بشير البكر «بلاد لا تشبه الأحلام» ترجمة أنطونيو مارتينيز كاسترو)، مقاطع طويلة من ديوان الشاعر نوري الجراح «الأفعوان الحجري: مرثية برعتا التدمري لمحبوبته ريجينا» (ترجمة ماريا لويسا برييتو).وكانت لوحة الغلاف، بورتريه لمحمد الشارخ، بريشة الفنان التشيلي توماس بينيفينته.