محمد الغزي: الاحتفاء بالثقافة التونسية في الرياض ألغى ثنائية المتن والهامش

الشاعر التونسي يرى أن المشرق العربي ظل لعقود طويلة يجهل أسماء مهمة

محمد الغزي
محمد الغزي
TT

محمد الغزي: الاحتفاء بالثقافة التونسية في الرياض ألغى ثنائية المتن والهامش

محمد الغزي
محمد الغزي

يرى الشاعر والناقد التونسي محمد الغزي أن الشرق العربي لم يتمكن من التعرف على التيارات الثقافية التي كانت تموج داخله، وانغلق على أصوات قليلة، مثل أبو القاسم الشابي في الشعر، ومحمود المسعدي الذي أصبح من علامات السرد العربي، وظلت رموز الثقافة التونسية مجهولة في الشرق العربيّ «لم ينعطف عليها أحد من النقاد بالنظر والتحليل».
وهو يرى في هذا الحوار أن رموز الثقافة التونسية لم يخترقوا الجدار الذي يفصل ثقافة المتن عن ثقافة الهامش، وأن احتفاء «معرض الرياض الدولي للكتاب» بالثقافة التونسية «يعيد الاعتبار للثقافات العربية التي عُدّت ثقافات الهامش»، وأن «ثنائية المتن والهامش باتت ملغاة».
أصدر الغزي عدداً من المجموعات الشعرية، بينها: «كتاب الماء... كتاب الجمر» (1982)، و«ما أكثر ما أعطى... ما أقل ما أخذت» (1991)، و«كثير هذا القليل الذي أخذت» (1999)، و«سليل الماء» (2004)، و«كالليل أستضيء بنجومي» (2006)، و«ثمّة ضوء آخر» (2007، وأخيراً مجموعته الشعرية الجديدة «استجب إن دعتك الجبال». هنا حوار معه على هامش مشاركته في «معرض الرياض الدولي للكتاب»:

> كيف ترى حضور الثقافة التونسية في «معرض الرياض الدولي للكتاب»؟
- إلى وقت قريب كان أبو القاسم الشابي هو الشاعر التونسي الوحيد الذي وصل صوته ونصه إلى كل البلاد العربية، ليستقرّ في الأذهان رمزاً للثقافة التونسية، وربّما زاحمه، في مرحلة ثانية، محمود المسعدي، الذي استطاع، هو أيضاً، تجاوز الحدود، ليصبح من علامات السرد العربي.
إذا استثنينا هذين العلمين؛ فإنّ بقية رموز الثقافة التونسية ظلّت مجهولة في الشرق العربيّ، لم ينعطف عليها أحد من النقاد بالنظر والتحليل. ثمة اعتقاد استبدّ بأذهان الدارسين في تلك الفترة مفاده بأن الشابي زهرة بريّة نبتت، في غفلة من الطبيعة، في أرض موات، ولهذا لم يكلفوا أنفسهم مؤونة البحث عن أسماء أخرى، مختزلين الثقافة التونسية في الشابي؛ والشابي في عدد من الأبيات الحماسية فحسب. هكذا جهل الشرق لعقود طويلة أسماء مثل الطاهر الحداد، والطاهر بن عاشور، والفاضل بن عاشور، ومحمد الحليوي، وعلي الدوعاجي، وهم من مجايلي الشابي الذين لم يتمكنوا من اختراق الجدار الذي يفصل ثقافة المتن (الشرق العربي) عن ثقافة الهامش (المغرب العربي).
هكذا بقيت الثقافة التونسية، على امتداد عقود، يكتنفها الغموض، لم يكلّف أحد من نقادنا في المشرق نفسه مؤونة الاهتمام بها، وتبديد الغموض الذي يحيط بها.
> لكن الوضع تغيّر... انكسرت قوالب الهامش والمتن... ألا تلاحظ الحضور التونسي في المشهد الثقافي العربي؟
- صحيح؛ الآن تغيرّ الأمر، وباتت الثقافة التونسية من أكثر الثقافات العربية حضوراً وقوة وإشعاعاً، من خلال إبداع مبدعيها، ومباحث مثقفيها، ودراسات أساتذتها الكبار الذين نقلوا أحدث النظريات النقدية الغربية إلى الثقافة العربية وأثروا تأثيراً حاسماً في أجيال من الجامعيين العرب.
في هذا السياق الجديد؛ يجري احتفاء «معرض الرياض الدولي للكتاب» بالثقافة التونسية. إنه احتفاء بثقافة مأخوذة بالحداثة والتجديد، مأخوذة بفكرة التقدم، مشغولة بسؤال التطور، مهتمة بالحوار تعقده مع الآخر. مجال اهتمامها ليس البلاد التونسية؛ وإنما الوطن العربي... إضافة إلى كل ذلك؛ فإنّي أرى في هذا الاحتفاء إعادة اعتبار للعديد من الثقافات العربية التي عُدّت إلى وقت قريب ثقافات الهامش والأطراف والفروع؛ ومن ضمنها الثقافات المغاربية والخليجية... هذا الاحتفاء يشير إلى أن ثنائية المتن والهامش القديمة باتت ملغاة، لا شيء يسندها بعد الآن أو يزكيها. فالهوامش باتت، نتيجة عوامل كثيرة، مراكز ومتوناً، وباتت قادرة على الضخ إلى جذع الثقافة العربية بمياه جديدة.
> حدثنا عن تجربتك... تبدو متنقلاً بين أشكال شعرية عدة...
- خلال مشاركتي في فعاليات معرض الرياض، سأساهم بقراءة مجموعة من قصائدي تصور مختلف مراحل تجربتي الشعرية. فكتاباتي يأخذ بعضها برقاب بعض. فأنا أتقدّم ملتفتاً، باستمرار، إلى الوراء. كل قصيدة أكتبها هي، في نظري، تقويم لقصيدة سابقة؛ استدراك عليها، تعديل لها. فكلما فرغت من كتابة قصيدة خامرني الإحساس بأنها في حاجة إلى تعهد ومراجعة... من هذا الإحساس تتولّد القصيدة الجديدة، وكأنّ وظيفة القصيدة الجديدة استكمال ما ظلّ ناقصاً في القصيدة التي سبقتها؛ ملء بياضها، إفشاء ما ظلّ مكتوماً فيها، بهذه الطريقة تتحوّل الكتابة إلى حركتين متناقضتين، متكاملتين: مراجعة وتقدم، التفات وتطلع.
لقد حاولت اختبار أهم الأشكال الشعرية، وقد أفضى بي ذلك إلى الاقتناع بأن لكل نوع طاقاته الشعرية الهائلة. ولست من القائلين بوجود علاقة بين الأشكال الشعرية وحداثة النص. كل الأشكال الشعرية يمكن أن تكون حديثة، قادرة على قول تجربة الشاعر. المزية في «شعرية» النص؛ في قوته الاستعارية، في كثافته الرمزية... الشعرية هي روح الشعر الباقية بعد أن يطوي النسيان كل شيء، هي عين «نمر بلايك» المتقدة في الليل الأليل، هي مصدر دهشة المتقبل ورعشته. فليست كل قصيدة عمودية خالية بالضرورة من الشعرية لالتزامها بالوزن والقافية، وليست كل قصيدة نثر تنطوي على شعرية عالية لأنها خرجت على قوانين الإيقاع القديمة.

رمزية الماء
> الشاعر السعودي محمد العلي لديه ديوان شعر وقصيدة مشهورة بعنوان «لا ماء في الماء»، وجدتُ أنك أيضاً لديك مجموعتان شعريتان حاضر فيهما الماء: «كتاب الماء... كتاب الجمر»، و«سليل الماء» وبينهما فاصل 20 عاماً... إلى ماذا يرمز الماء في شعرك؟
- يعدّ الماء من الرموز الكيانية الكبرى التي ترددت تردداً لافتاً في ثقافتنا العربية؛ فهو الذي يصنع الحياة كما الموت، ولا حركة إلا به...
أما في علم النفس التحليلي؛ فقد أخذ أبعاداً جديدة؛ فهو الرحم، وأمّ كل الأشياء، لهذا عدّه يونغ من الرموز الأكثر قدماً للأمومة، مؤكداً أنه أكثر العناصر أنوثة.
لكن الماء، مثله مثل كل الرموز، متحول، متغير، ويمكن أن يأخذ مع كل شاعر أبعاداً جديدة.
بالنسبة إليّ؛ الماء يرتبط في وجداني بمسقط رأسي، فالأسطورة تقول إنّ القيروان قد بنيت على شفا بئر؛ استعذب الفاتحون الأوائل ماءها فأسسوا مدينتهم قربها. من هذا الماء ولدت هذه المدينة، ومنها ولدت حضارة من أهم الحضارات الإنسانية. هذه البئر ما زالت قائمة إلى حدّ الآن وسط المدينة وما زال الناس يزورونها.
لكن الماء في قصيدتي قد أخذ طابعاً أكثر حميمية في معظم الأحيان، حيث ارتبط بذكريات الطفولة، بأبي الذي يصعد إلى السطح ليشمّ الغيوم قبل مقدمها... بصوت الماء داخل المزاريب، بالخروج ونحن أطفال نستسقي السماء، باعتقادي أن البحر فوقنا... بفسقية الأغالبة القريبة من بيتنا والتي بناها الولاة العباسيون قبل ألف سنة.
بعبارة واحدة؛ أقول إنه أكثر الرموز تواتراً في قصائدي، بل أذهب إلى حد القول إنه المصدر الأهم للصور والاستعارات التي تتردد في قصائدي... «أنا كائن من ماء وعشب»... هكذا تقول كل النصوص التي كتبت.

لوثة الإبداع
> قدمّت أكثر من 14 قصة للأطفال، وفاز كتابك «رسالة إلى الشتاء» بجائزة أفضل كتاب تونسي للأطفال عام 2013. ويقول عنك أحمد عبد المعطي حجازي إنك تتكلّم «بلهجة طفل»، ولديك «لغة تصطاد من الصور الوحشيّة والخواطر العميقة ما يدهشنا».. ماذا تعني لك الكتابة للطفل؟ كيف تصف النقص في أدب الطفل ضمن المكتبة العربية؟
- ثمّة في ثقافتنا العربيّة تهوين واضح من شأن الأدب الموجّه للأطفال، وهذا التهوين يرتدّ إلى أمرين اثنين متداخلين:
أوّلهما: الإيمان بأنّ الكتابة للأطفال عمل سهل لا يحتاج إلى موهبة تسنده أو ثقافة تدعمه.
ثانيهما: حُسبان الطفل، بحكم حداثة سنّه، عاجزاً عن التقويم والتمييز، فهو متقبل سلبيّ ليست له القدرة على المفاضلة والموازنة والإيماء إلى ما هو أحقّ بالقراءة وما هو أجدر بالإهمال والنسيان. لهذا وجدنا كتّاباً دون موهبة تمحّلوا تأليف قصص للأطفال لا تنطوي على أيّة قيمة جماليّة، فيما تنكّب مبدعونا الكبار عن تعاطي هذا الأدب ترفّعاً أو تعفّفاً أو بحثاً عن سلامة موهومة.
إن هذا الأدب في حاجة إلى مبدع كبير يدرك أسرار لعبة الكتابة ويعرف مآزقها ومضايقها على حدّ عبارة البحتري. فهذا الأدب، شأنه شأن كلّ كتابة أدبيّة، في حاجة إلى «لوثة الإبداع» حتّى يأتي على غير مثال سابق فيمتع الطفل ويشدّه إليه. إنّ هذا الأدب، إذا استخدمنا عبارات الناقدة جون إيكن، في حاجة إلى شاعر شبه مجنون يحمل فكرة رائعة، تصرّ على الخروج من ذهنه من دون إكراه.
> صدرت مؤخراً مجموعتك الشعرية «استجب إن دعتك الجبال»، تخاطب في القصيدة الأولى «المعتمد بن عباد»، قائلاً: وحده كان شيخي الغراب يعلمني درسه
ويعيد الوصية:
يا ابن ماء السماء
استجب إن دعتك الجبال، فثمة ينعقد البرق
ثمة تولد كل الغيوم.
إلى ماذا تشير غربة ابن عباد وانكساره؟
- كنت قبل سنوات قليلة في قصر المعتمد بن عباد بمدينة إشبيلية حين تداعت إلى ذهني قصائد الشاعر التي قدمت على نحو درامي سيرة حياته في تحولاتها الغريبة وتقلباتها المفاجئة. كانت حياة الرجل أشبه ما تكون بإحدى التراجيديات اليونانية القديمة، أو بإحدى مسرحيات شكسبير حيث تأخذ الحياة شكل كابوس مخيف، شكل بيت أشباح مرعب.
هذه القصائد التي تنطوي على طاقة درامية كبيرة هي التي ألهمتني كتابة هذا النص. كنت مأخوذاً بهذا الأمير الذي اتكأ على الشعر ليواجه ويقاوم. كان أعزل إلا من اللغة يحتمي بها ليواصل الحياة، وليؤجل باستمرار نهايته. هكذا أصبح الشعر، في مدوّنته، رديف الحرية، رديف المقاومة.
واخترت أن أصور في القصيدة أكثر اللحظات تراجيدية في حياة الرجل: الخروج من القصر في اتجاه المنفى. حاولتُ استدعاء تلك اللحظات بما تنطوي عليه من قوة درامية، والحفر فيها، كما حاولت تقمص شخصيته، والتكلم بصوته.
القصيدة كانت شكلاً من أشكال قصيدة القناع حيث تتداخل تجربتان: تجربة الشاعر وتجربة المعتمد بن عباد، فتتشابكان وتتماهيان. فتجربة المنفى التي عاشها المعتمد هي المعادل الموضوعي لتجربة المنفى التي يعيشها كلّ شاعر. ففي كل شاعر ثمة المعتمد بن عباد، وفي سيرة كل شاعر هناك منفى ما، هناك غربة ما. وفي حياة كل شاعر هناك بلنسية الحلم.
> كيف تنظر للقصيدة الحديثة؟
- القصيدة الحديثة هي قصيدة السؤال والغموض. الشاعر لم يعد فيها نبياً مخصوصاً برسالة، كما كان في المدرسة الرومانطيقية، ولم يعد يحمل «بشارة» لأناس ينتظرونها. الشاعر الحديث بات أقرب إلى الأكمه الذي يتحسّس العالم بعصا الكلمات؛ أي بات هو أيضاً يبحث عن الحقيقة مثله مثل جميع الناس.
لا شك في أن الجرح والشعر أخوان... لكن الجرح الذي يحمله الشاعر المعاصر ليس جرح العقل؛ وإنما هي جروح أنكى وأعمق... إنها جروح اجتماعية وفكرية ووجودية...
> من بين شعراء جيلك في المغرب العربي، لم تجذبك كثيراً قصيدة النثر...
- كنتُ إلى وقت قريب أكتب قصيدة التفعيلة ضمن الجيل الذي أنتمي إليه، وربما كان سبب إقبال جيلنا على هذه القصيدة تماهيها، في ذهنه، مع الحداثة. فقصيدة التفعيلة هي قصيدة الرواد من أمثال البياتي والسياب وأدونيس، وهي أيضاً قصيدة الإيقاع التي أعادت تنظيمه دون أن تتخلّى عنه.
لكن في السنوات الأخيرة أقبلتُ على اختبار هذه القصيدة بعد أن اقتنعت بأنها تتيح للشاعر إمكانات تعبيرية وإيقاعية جديدة غير التي تتيحها قصيدة التفعيلة... لا أريد أن أتبسط في سؤال الإيقاع، لكن أقول: إذا كان الوزن في قصيدة الشطرين والتفعيلة سابقاً على الشاعر، جاهزاً سلفاً، فإن الإيقاع في قصيدة النثر منبثق من داخل القصيدة، مرتبط بتجربة الشاعر، بل أذهب إلى القول إن قصيدة النثر تتيح للشاعر أن «يؤسس» إيقاعاته وفق تجربته. وكما أوضح عدد من النقاد الغربيين المعاصرين؛ فإن إيقاع القصيدة من إيقاع الجسد، وتجربتها من تجربته...
وأستحضر في هذا السياق قصيدة كتبها أحد رواد قصيدة النثر العربية هو جبرا ابراهيم جبرا، يؤكد فيها هذا المعنى، معنى تأسيس الشاعر إيقاعاته الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد. ومما جاء في هذه القصيدة قوله:
وإيقاعاتي لا تنتمي لقواعد غيري
وقد درّبت عيني
على ما ينسجه نول
من صنع يدي في مسكني
المفتوح كخيمة في البادية
فالشاعر في قصيدة النثر يضع لقصائده إيقاعات جديدة لا تخضع لقواعد غيره، فالإيقاع هو في المقام الأول إنجاز فرديّ يستجيب لإيقاع التجربة والحياة.
> ماذا تعني لك الحداثة الشعرية؟
- الحداثة، كما أحبّ أن أعرّفها، هي «الإنصات إلى إيقاع الزمن»، لكن هذا الإنصات ليس أمراً مفروغاً منه، فلسنا جميعاً قادرين على سماع ذلك الإيقاع حتى وإن أرهفنا السمع. فساعة الزمن قد تقرع عالياً، ولا أحد يسمعها، أو قد يسمعها عدد قليل من المبدعين. لهذا نجد كثيراً من الشعراء ينتمون إلى زمن، بينما نصوصهم تنتمي إلى زمن آخر. فالبعض يعيش بيننا بينما نصوصه تنتمي إلى زمن مضى وانقضى، فالشخص ينتمي إلى عصر؛ بينما النص ينتمي إلى عصر ثان.
سبب هذا الانفصام يرتدّ إلى عجز البعض عن سماع هذا الإيقاع، فسكنوا عصوراً أخرى غير عصورهم، وكتبوا بلغات أخرى غير لغاتهم، واجترحوا أسئلة غير أسئلتهم.
هكذا نجد شعراءنا العرب المعاصرين ينتمون إلى أزمنة كثيرة، والحال أنهم يعيشون في وقت واحد، وفي مكان واحد...
لكن هل توجد مواصفات للحداثة يمكن أن نسترفدها؟
من غير شكّ لا وجود لمواصفات ثابتة للحداثة، يمكن استدعاؤها، والاستئناس بها، فالحداثة متحوّلة، متغيرة، وكل عصر، وربما كلّ شخص، يخلق حداثته التي تختلف، بالضرورة، عن الحداثات الأخرى...


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.