تقرير: روسيا تهرّب الحبوب الأوكرانية لتغطية تكاليف الحرب

سفينة شحن روسية تحمل حبوباً أثناء رسوها في ميناء تركي (أ.ب)
سفينة شحن روسية تحمل حبوباً أثناء رسوها في ميناء تركي (أ.ب)
TT

تقرير: روسيا تهرّب الحبوب الأوكرانية لتغطية تكاليف الحرب

سفينة شحن روسية تحمل حبوباً أثناء رسوها في ميناء تركي (أ.ب)
سفينة شحن روسية تحمل حبوباً أثناء رسوها في ميناء تركي (أ.ب)

عندما رست سفينة الشحن «لاوديسا» في لبنان في شهر يوليو (تموز) الماضي، قال دبلوماسيون أوكرانيون إنها كانت تحمل حبوباً سرقتها موسكو من كييف وحثوا المسؤولين اللبنانيين على حجز السفينة، فيما وصفت روسيا هذا الادعاء بأنه «كاذب ولا أساس له»، وانحاز المدعي العام اللبناني إلى جانب الكرملين وأعلن أن الحبوب الموجودة على متن السفينة، والتي كانت عبارة عن 5 آلاف طن من الشعير ومثلها من الدقيق، لم يتم سرقتها من أوكرانيا.
لكن تحقيقاً أجرته وكالة أنباء «أسوشيتيد برس» وشبكة شبكة «بي بي إس» الأميركية وجد أن «لاوديسا»، المملوكة لسوريا، هي جزء من عملية تهريب متطورة تديرها روسيا استخدمت خدعاً وبيانات مزيفة لسرقة حبوب أوكرانية بقيمة لا تقل عن 530 مليون دولار، وهي السيولة النقدية التي ساعدت في تغطية تكاليف حرب الرئيس فلاديمير بوتين في أوكرانيا.
واستخدمت «أسوشييتد برس» صور الأقمار الصناعية وبيانات أجهزة الإرسال اللاسلكية البحرية لتتبع 30 سفينة قامت بأكثر من 50 رحلة تحمل الحبوب من المناطق التي تحتلها روسيا في أوكرانيا إلى موانئ في تركيا وسوريا ولبنان ودول أخرى.
https://www.youtube.com/watch?v=A1BNn6dATiI&t=93s
وراجع المراسلون بيانات الشحن، وبحثوا بدقة في بعض منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، وأجروا مقابلات مع مزارعين ومسؤولي شحن للكشف عن تفاصيل عملية التهريب الضخمة.
ووجد التحقيق أن السرقة المستمرة للحبوب الأوكرانية، والتي يقول خبراء قانونيون إنها جريمة حرب محتملة، يقوم بها رجال أعمال أثرياء وشركات مملوكة للدولة في روسيا وسوريا، بعضهم يواجه بالفعل عقوبات مالية من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
ووفقاً لتقرير «أسوشييتد برس»، من المحتمل أن تكون رحلة الشعير والدقيق اللذان كانت سفينة «لاوديسا» تحملهما، قد بدأت من مدينة ميليتوبول بجنوب أوكرانيا، والتي استولت عليها روسيا في الأيام الأولى من الحرب.

ويُظهر مقطع فيديو نُشر على وسائل التواصل الاجتماعي في 9 يوليو قطاراً يجر عربات خضراء مطبوع عليها اسم الشركة الروسية «أغرو فريغات»، وشعار على شكل سنبلة قمح، ويتجه نحو مستودع ضخم لتخزين الحبوب في ميليتوبول.
وفي الأسبوع التالي، عقد أندريه سيغوتا، الذي عينته روسيا رئيساً لمنطقة ميليتوبول بعد السيطرة عليها، مؤتمراً صحافياً في المستودع، حيث قال إن الحبوب ستوفر «الأمن الغذائي» للمناطق التي تسيطر عليها روسيا في أوكرانيا.
وأثناء حديثه، قام العمال بتحميل الدقيق في أكياس بيضاء كبيرة مثل تلك التي نقلتها «لاوديسا» إلى لبنان بعد ثلاثة أسابيع.
وتُظهر صورة أقمار صناعية التقطت في 11 يوليو سفينة «لاوديسا»، وهي مقيدة عند رصيف في ميناء فيودوسيا في شبه جزيرة القرم الاستراتيجية التي احتلتها روسيا منذ عام 2014. وقد تم إيقاف تشغيل جهاز الإرسال والاستقبال اللاسلكي الخاص بالسفينة، وظهرت على متنها مادة بيضاء يعتقد أنها شحنات الدقيق الأوكرانية المسروقة.

وبعد أسبوعين، وعندما وصلت السفينة إلى ميناء طرابلس اللبناني، ادعت أنها تحمل الحبوب من ميناء روسي صغير على الجانب الآخر من البحر الأسود.
وزعمت نسخة من بيانات السفينة التي حصلت عليها وكالة «أسوشييتد برس» أن هذا الميناء الروسي هو كافكاز، مشيرة إلى أن الحمولة التي كانت على متنها كانت عبارة عن 10 آلاف طن من «الشعير والدقيق الروسيين»، وأن هذه الحمولة شُحنت من قبل شركة «أغرو فريغات» فيما كان المشتري هو شركة «لويال أغرو»، التي يقع مقرها الرئيسي في تركيا.
وقال متحدث باسم «لويال أغرو» إن الشركة تسلمت 5 آلاف طن من الدقيق، فيما ذهبت بقية شحنة السفينة إلى ميناء طرطوس بسوريا.
ووصف خبراء النقل والتصدير ادعاء روسيا بأن «لاوديسا» تحركت من ميناء كافكاز الروسي بأنه «غير منطقي»، لافتين إلى أن السفينة التي يمتد جسمها إلى 8 أمتار (26 قدماً) تحت سطح المياه، لا تستطيع المرور في هذا الميناء الضحل نسبياً، والذي لا يمكنه استيعاب سوى السفن التي يبلغ عمقها الأقصى 5.3 متر (17.5 قدماً).
أما ميناء فيودوسيا فيبلغ عمق المياه به ضعف عمق مياه كافكاز، ومن ثم فهو قادر بسهولة على استيعاب السفينة الكبيرة.
وقالت وكالة «أسوشييتد برس» إن «لاوديسا» قامت مع سفينتي شحن سوريتين أخريين هما «سوريا وفينيكيا»، بـ10 رحلات من الساحل الأوكراني إلى موانئ في تركيا وسوريا ولبنان.
بالإضافة إلى ذلك، أكد التقرير تورط شركة «بناء السفن المتحدة»، وهي شركة مقاولات دفاعية روسية مملوكة للدولة تصنع سفناً حربية وغواصات للبحرية الروسية، في تهريب الحبوب الأوكرانية.
واشترت الشركة، من خلال شركتها الفرعية «كرين مارين كونتراكتور» ثلاث سفن شحن قبل أسابيع فقط من غزو بوتين لأوكرانيا، وقد قامت السفن الثلاث بما لا يقل عن 17 رحلة بين شبه جزيرة القرم وموانئ تركيا وسوريا.
وأظهرت عدة مقاطع فيديو نشرت على تطبيق «تلغرام» في الأشهر الأخيرة تدفقاً مستمراً لشاحنات نقل حبوب، أثناء تحركها جنوباً عبر المناطق المحتلة في أوكرانيا، حيث طُبع على جانبيها الحرف «Z»، والذي استخدمته روسيا كرمز لحربها في أوكرانيا ووضعته على دباباتها ومركباتها المدرعة.
علاوة على ذلك، تم التقاط مقاطع فيديو لعربات قطار مطبوع علبها اسم شركة «أغرو فريغات»، وهي تتحرك عبر ميناء فيودوسيا، في الوقت الذي أظهرت فيه صور أقمار صناعية شاحنات وقطارات مصطفة بالميناء أثناء تحميل الحبوب على السفن.
وأظهرت صور أقمار صناعية التقطت في منتصف يونيو (حزيران) سفينة يبلغ طولها 170 متراً (560 قدماً) تسمى ميخائيل نيناشيف، في محطة أفليتا غرين التي تسيطر عليها روسيا في سيفاستوبول بالقرم، بينما تم إيقاف تشغيل جهاز الإرسال والاستقبال اللاسلكي الخاص بها لمدة يومين قبل أن يعاد تشغيله مرة أخرى أثناء رحلة السفينة في البحر الأسود.

واتجهت السفينة جنوباً نحو البحر الأبيض المتوسط ووصلت في 25 يونيو في ميناء دورتيول بتركيا، حيث يظهر فيديو حصري حصلت عليه «أسوشييتد برس» السفينة وهي راسية على رصيف مملوك لشركة «إم إم كيه ميتالورجي»، وهي شركة منتجة للصلب، في الوقت الذي نقلت فيه الرافعات الموجودة في الرصيف حمولات الحبوب الكبيرة إلى عدد من الشاحنات المنتظرة.

وشركة «إم إم كيه ميتالورجي» هي شركة تركية تابعة لشركة «Magnitogorsk Iron & Steel Works»، وهي تكتل روسي ضخم للصلب يسيطر عليه فيكتور راشنيكوف، الملياردير الروسي المقرب من بوتين. وتم فرض عقوبات على راشنيكوف وشركته من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة لتوفير الإيرادات والمعدات لدعم المجهود الحربي الروسي.
وفي رسالة بالبريد الإلكتروني إلى «أسوشييتد برس»، قالت «إم إم كيه ميتالورجي» إن الحبوب جاءت من روسيا، من ميناء كافكاز، وفقاً للإقرار الجمركي والإعلان الكتابي الذي قدمته وكالة الشحن إليها.
وكما هو الحال مع «لاوديسا» فإن سفينة ميخائيل نيناشيف أعمق من أن ترسو في ميناء كافكاز.
وقال آمي دانيال، الرئيس التنفيذي لشركة «وينوارد» لتحليلات البيانات البحرية، إن إيقاف تشغيل جهاز الإرسال والاستقبال اللاسلكي يمثل علامة حمراء على حدوث نشاط غير قانوني.
وأشار إلى أنه من الشائع أيضاً أن يقوم المهربون بتزوير بيانات الشحن والإقرارات الجمركية لإخفاء الأصل الحقيقي لشحناتهم.
ونفى «الكرملين» سرقة أي حبوب، لكن وكالة الأنباء الروسية الحكومية «تاس» ذكرت في 16 يونيو أن الحبوب الأوكرانية تُنقل بالشاحنات إلى شبه جزيرة القرم، مما أدى إلى اصطفاف هذه الشاحنات في طوابير طويلة عند نقاط التفتيش الحدودية.

وذكرت «تاس» لاحقاً أن الحبوب من ميليتوبول قد وصلت إلى شبه جزيرة القرم وأنه من المتوقع وصول شحنات إضافية إلى «العملاء في الشرق الأوسط وأفريقيا».
وبالإضافة إلى هذه السرقات، هاجم الجيش الروسي المزارع وصوامع الحبوب ومنشآت الشحن الأوكرانية بقصف مدفعي وجوي، مما أدى إلى تدمير الطعام ورفع الأسعار وخفض تدفق الحبوب من بلد يعرف منذ فترة طويلة باسم «سلة الخبز لأوروبا».


وقال ديفيد كرين، المدعي العام السابق للمحكمة الخاصة بسيراليون، التابعة للأمم المتحدة، والذي شارك في العديد من التحقيقات الدولية في جرائم الحرب، إن الروس «ينبغي عليهم الالتزام بضمان رعاية المدنيين وعدم حرمانهم من قدرتهم على كسب الرزق والقدرة على إطعام أنفسهم».
وأكد كرين على أن عملية نهب الحبوب الأوكرانية هي جريمة بالفعل بموجب القانون العسكري الدولي.


مقالات ذات صلة

روسيا تتوعد بالرد إذا استخدمت أوكرانيا المجال الجوي لدول أخرى لمهاجمة موانئها بالبلطيق

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)

روسيا تتوعد بالرد إذا استخدمت أوكرانيا المجال الجوي لدول أخرى لمهاجمة موانئها بالبلطيق

قال الكرملين، اليوم (الثلاثاء)، إنَّ روسيا ستردُّ إذا سمحت دول أخرى لأوكرانيا باستخدام مجالها الجوي لشنِّ هجمات بطائرات مسيّرة على الموانئ الروسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث في مؤتمر صحافي في كييف أمس (أ. ب)

عرض أوكراني لروسيا بتحييد بنى الطاقة

أعلن الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، أمس، أن بعض حلفاء بلاده أرسلوا «إشارات» بشأن إمكانية تقليص الضربات بعيدة ​المدى على قطاع النفط الروسي في ظل الارتفاع

رائد جبر (موسكو)
العالم عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة متخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لشراء المسيّرات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأوكراني يؤكد الاستعداد للرد بالمثل إذا توقفت روسيا عن مهاجمة نظام الطاقة لبلاده (رويترز)

كييف تدعو موسكو لوقف استهداف البنى التحتية للطاقة

عمقت التطورات المحيطة بحرب إيران التشابك مع الصراع المتواصل منذ أربع سنوات حول أوكرانيا خصوصاً في ملف التهديدات المحيطة بأمن الطاقة.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا زعيمة المعارضة البيلاروسية سفيتلانا تسيخانوسكايا تتحدث إلى الصحافيين عقب لقائها رئيس الوزراء البريطاني في لندن 3 أغسطس 2021 (رويترز)

زعيمة المعارضة البيلاروسية تدعو إلى عدم تخفيف العقوبات على بلادها

قالت زعيمة المعارضة البيلاروسية في المنفى سفيتلانا تسيخانوسكايا، إن تخفيف عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد بلادها يمثّل نهجاً خاطئاً.

«الشرق الأوسط» (ريغا)

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».