تقرير: روسيا تهرّب الحبوب الأوكرانية لتغطية تكاليف الحرب

تقرير: روسيا تهرّب الحبوب الأوكرانية لتغطية تكاليف الحرب

الاثنين - 8 شهر ربيع الأول 1444 هـ - 03 أكتوبر 2022 مـ
سفينة شحن روسية تحمل حبوباً أثناء رسوها في ميناء تركي (أ.ب)

عندما رست سفينة الشحن «لاوديسا» في لبنان في شهر يوليو (تموز) الماضي، قال دبلوماسيون أوكرانيون إنها كانت تحمل حبوباً سرقتها موسكو من كييف وحثوا المسؤولين اللبنانيين على حجز السفينة، فيما وصفت روسيا هذا الادعاء بأنه «كاذب ولا أساس له»، وانحاز المدعي العام اللبناني إلى جانب الكرملين وأعلن أن الحبوب الموجودة على متن السفينة، والتي كانت عبارة عن 5 آلاف طن من الشعير ومثلها من الدقيق، لم يتم سرقتها من أوكرانيا.

لكن تحقيقاً أجرته وكالة أنباء «أسوشيتيد برس» وشبكة شبكة «بي بي إس» الأميركية وجد أن «لاوديسا»، المملوكة لسوريا، هي جزء من عملية تهريب متطورة تديرها روسيا استخدمت خدعاً وبيانات مزيفة لسرقة حبوب أوكرانية بقيمة لا تقل عن 530 مليون دولار، وهي السيولة النقدية التي ساعدت في تغطية تكاليف حرب الرئيس فلاديمير بوتين في أوكرانيا.

واستخدمت «أسوشييتد برس» صور الأقمار الصناعية وبيانات أجهزة الإرسال اللاسلكية البحرية لتتبع 30 سفينة قامت بأكثر من 50 رحلة تحمل الحبوب من المناطق التي تحتلها روسيا في أوكرانيا إلى موانئ في تركيا وسوريا ولبنان ودول أخرى.
https://www.youtube.com/watch?v=A1BNn6dATiI&t=93s

وراجع المراسلون بيانات الشحن، وبحثوا بدقة في بعض منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، وأجروا مقابلات مع مزارعين ومسؤولي شحن للكشف عن تفاصيل عملية التهريب الضخمة.

ووجد التحقيق أن السرقة المستمرة للحبوب الأوكرانية، والتي يقول خبراء قانونيون إنها جريمة حرب محتملة، يقوم بها رجال أعمال أثرياء وشركات مملوكة للدولة في روسيا وسوريا، بعضهم يواجه بالفعل عقوبات مالية من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

ووفقاً لتقرير «أسوشييتد برس»، من المحتمل أن تكون رحلة الشعير والدقيق اللذان كانت سفينة «لاوديسا» تحملهما، قد بدأت من مدينة ميليتوبول بجنوب أوكرانيا، والتي استولت عليها روسيا في الأيام الأولى من الحرب.


ويُظهر مقطع فيديو نُشر على وسائل التواصل الاجتماعي في 9 يوليو قطاراً يجر عربات خضراء مطبوع عليها اسم الشركة الروسية «أغرو فريغات»، وشعار على شكل سنبلة قمح، ويتجه نحو مستودع ضخم لتخزين الحبوب في ميليتوبول.

وفي الأسبوع التالي، عقد أندريه سيغوتا، الذي عينته روسيا رئيساً لمنطقة ميليتوبول بعد السيطرة عليها، مؤتمراً صحافياً في المستودع، حيث قال إن الحبوب ستوفر «الأمن الغذائي» للمناطق التي تسيطر عليها روسيا في أوكرانيا.

وأثناء حديثه، قام العمال بتحميل الدقيق في أكياس بيضاء كبيرة مثل تلك التي نقلتها «لاوديسا» إلى لبنان بعد ثلاثة أسابيع.

وتُظهر صورة أقمار صناعية التقطت في 11 يوليو سفينة «لاوديسا»، وهي مقيدة عند رصيف في ميناء فيودوسيا في شبه جزيرة القرم الاستراتيجية التي احتلتها روسيا منذ عام 2014. وقد تم إيقاف تشغيل جهاز الإرسال والاستقبال اللاسلكي الخاص بالسفينة، وظهرت على متنها مادة بيضاء يعتقد أنها شحنات الدقيق الأوكرانية المسروقة.


وبعد أسبوعين، وعندما وصلت السفينة إلى ميناء طرابلس اللبناني، ادعت أنها تحمل الحبوب من ميناء روسي صغير على الجانب الآخر من البحر الأسود.

وزعمت نسخة من بيانات السفينة التي حصلت عليها وكالة «أسوشييتد برس» أن هذا الميناء الروسي هو كافكاز، مشيرة إلى أن الحمولة التي كانت على متنها كانت عبارة عن 10 آلاف طن من «الشعير والدقيق الروسيين»، وأن هذه الحمولة شُحنت من قبل شركة «أغرو فريغات» فيما كان المشتري هو شركة «لويال أغرو»، التي يقع مقرها الرئيسي في تركيا.

وقال متحدث باسم «لويال أغرو» إن الشركة تسلمت 5 آلاف طن من الدقيق، فيما ذهبت بقية شحنة السفينة إلى ميناء طرطوس بسوريا.

ووصف خبراء النقل والتصدير ادعاء روسيا بأن «لاوديسا» تحركت من ميناء كافكاز الروسي بأنه «غير منطقي»، لافتين إلى أن السفينة التي يمتد جسمها إلى 8 أمتار (26 قدماً) تحت سطح المياه، لا تستطيع المرور في هذا الميناء الضحل نسبياً، والذي لا يمكنه استيعاب سوى السفن التي يبلغ عمقها الأقصى 5.3 متر (17.5 قدماً).

أما ميناء فيودوسيا فيبلغ عمق المياه به ضعف عمق مياه كافكاز، ومن ثم فهو قادر بسهولة على استيعاب السفينة الكبيرة.

وقالت وكالة «أسوشييتد برس» إن «لاوديسا» قامت مع سفينتي شحن سوريتين أخريين هما «سوريا وفينيكيا»، بـ10 رحلات من الساحل الأوكراني إلى موانئ في تركيا وسوريا ولبنان.

بالإضافة إلى ذلك، أكد التقرير تورط شركة «بناء السفن المتحدة»، وهي شركة مقاولات دفاعية روسية مملوكة للدولة تصنع سفناً حربية وغواصات للبحرية الروسية، في تهريب الحبوب الأوكرانية.

واشترت الشركة، من خلال شركتها الفرعية «كرين مارين كونتراكتور» ثلاث سفن شحن قبل أسابيع فقط من غزو بوتين لأوكرانيا، وقد قامت السفن الثلاث بما لا يقل عن 17 رحلة بين شبه جزيرة القرم وموانئ تركيا وسوريا.

وأظهرت عدة مقاطع فيديو نشرت على تطبيق «تلغرام» في الأشهر الأخيرة تدفقاً مستمراً لشاحنات نقل حبوب، أثناء تحركها جنوباً عبر المناطق المحتلة في أوكرانيا، حيث طُبع على جانبيها الحرف «Z»، والذي استخدمته روسيا كرمز لحربها في أوكرانيا ووضعته على دباباتها ومركباتها المدرعة.

علاوة على ذلك، تم التقاط مقاطع فيديو لعربات قطار مطبوع علبها اسم شركة «أغرو فريغات»، وهي تتحرك عبر ميناء فيودوسيا، في الوقت الذي أظهرت فيه صور أقمار صناعية شاحنات وقطارات مصطفة بالميناء أثناء تحميل الحبوب على السفن.

وأظهرت صور أقمار صناعية التقطت في منتصف يونيو (حزيران) سفينة يبلغ طولها 170 متراً (560 قدماً) تسمى ميخائيل نيناشيف، في محطة أفليتا غرين التي تسيطر عليها روسيا في سيفاستوبول بالقرم، بينما تم إيقاف تشغيل جهاز الإرسال والاستقبال اللاسلكي الخاص بها لمدة يومين قبل أن يعاد تشغيله مرة أخرى أثناء رحلة السفينة في البحر الأسود.


واتجهت السفينة جنوباً نحو البحر الأبيض المتوسط ووصلت في 25 يونيو في ميناء دورتيول بتركيا، حيث يظهر فيديو حصري حصلت عليه «أسوشييتد برس» السفينة وهي راسية على رصيف مملوك لشركة «إم إم كيه ميتالورجي»، وهي شركة منتجة للصلب، في الوقت الذي نقلت فيه الرافعات الموجودة في الرصيف حمولات الحبوب الكبيرة إلى عدد من الشاحنات المنتظرة.


وشركة «إم إم كيه ميتالورجي» هي شركة تركية تابعة لشركة «Magnitogorsk Iron & Steel Works»، وهي تكتل روسي ضخم للصلب يسيطر عليه فيكتور راشنيكوف، الملياردير الروسي المقرب من بوتين. وتم فرض عقوبات على راشنيكوف وشركته من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة لتوفير الإيرادات والمعدات لدعم المجهود الحربي الروسي.

وفي رسالة بالبريد الإلكتروني إلى «أسوشييتد برس»، قالت «إم إم كيه ميتالورجي» إن الحبوب جاءت من روسيا، من ميناء كافكاز، وفقاً للإقرار الجمركي والإعلان الكتابي الذي قدمته وكالة الشحن إليها.

وكما هو الحال مع «لاوديسا» فإن سفينة ميخائيل نيناشيف أعمق من أن ترسو في ميناء كافكاز.

وقال آمي دانيال، الرئيس التنفيذي لشركة «وينوارد» لتحليلات البيانات البحرية، إن إيقاف تشغيل جهاز الإرسال والاستقبال اللاسلكي يمثل علامة حمراء على حدوث نشاط غير قانوني.

وأشار إلى أنه من الشائع أيضاً أن يقوم المهربون بتزوير بيانات الشحن والإقرارات الجمركية لإخفاء الأصل الحقيقي لشحناتهم.

ونفى «الكرملين» سرقة أي حبوب، لكن وكالة الأنباء الروسية الحكومية «تاس» ذكرت في 16 يونيو أن الحبوب الأوكرانية تُنقل بالشاحنات إلى شبه جزيرة القرم، مما أدى إلى اصطفاف هذه الشاحنات في طوابير طويلة عند نقاط التفتيش الحدودية.


وذكرت «تاس» لاحقاً أن الحبوب من ميليتوبول قد وصلت إلى شبه جزيرة القرم وأنه من المتوقع وصول شحنات إضافية إلى «العملاء في الشرق الأوسط وأفريقيا».

وبالإضافة إلى هذه السرقات، هاجم الجيش الروسي المزارع وصوامع الحبوب ومنشآت الشحن الأوكرانية بقصف مدفعي وجوي، مما أدى إلى تدمير الطعام ورفع الأسعار وخفض تدفق الحبوب من بلد يعرف منذ فترة طويلة باسم «سلة الخبز لأوروبا».




وقال ديفيد كرين، المدعي العام السابق للمحكمة الخاصة بسيراليون، التابعة للأمم المتحدة، والذي شارك في العديد من التحقيقات الدولية في جرائم الحرب، إن الروس «ينبغي عليهم الالتزام بضمان رعاية المدنيين وعدم حرمانهم من قدرتهم على كسب الرزق والقدرة على إطعام أنفسهم».

وأكد كرين على أن عملية نهب الحبوب الأوكرانية هي جريمة بالفعل بموجب القانون العسكري الدولي.


Moscow حرب أوكرانيا

اختيارات المحرر

فيديو