إيران: البركان المقيد

TT

إيران: البركان المقيد

«العملاق الأبيض المكبل بالسلاسل!»... هكذا يصف بهار، أحد أعظم شعراء إيران المعاصرين، جبل «دماوند»، البركان الشاهق الذي يَلوح في أفق منطقة طهران.
في نهاية القصيدة، يناشد بهار البركان أن يضع حداً لصمته الدائم بانفجار مدوٍّ، مزلزل، قاذفاً بالنيران والحمم «لتطهير العالم من الطغيان والفساد».
على مدى الأسبوعين الماضيين، ذكّرت الانتفاضة، التي عمّت أغلب أرجاء إيران، الكثير من الإيرانيين بقصيدة بهار، التي طرحت سؤالاً: هل بدأ البركان ثورانه الأخير؟
اليوم، جبل «دماوند» عبارة عن جيل جديد من الإيرانيين الذين لا يبالون البتة بخطاب الحكومة الإيرانية المبهم، ويفضلون الحياة في العالم الحديث بكل مناقبه ومثالبه، علاوة على نسخة المجتمع الكوري الشمالي الذي يحاول «المرشد الأعلى» علي خامنئي فرضها على إيران.
اندلعت الانتفاضة بسبب موت مهسا أميني، صبية تبلغ من العمر 22 عاماً، في أثناء احتجازها لدى الشرطة بعدما كانت في زيارة عائلية في طهران.
في غضون 24 ساعة من موتها، نتيجة لتعرضها للضرب على أيدي عملاء الأمن، كان اسم مهسا أميني معروفاً لدى جميع الإيرانيين تقريباً، وفي غضون يومين، صارت رمزاً لمقاومة الاستبداد في جميع أنحاء العالم.
بسبب الرقابة والضغوط المفروضة على الصحافيين، بمن فيهم المراسلون الأجانب القلائل المتبقون، من الصعب في إيران قياس مدى ما يبدو أنه انتفاضة وطنية تحمل في جوهرها رسالة قوية: لا يمكننا التحمل أكثر من ذلك!
وحتى وقت كتابة هذا المقال، تلقينا أسماء 84 شخصاً، من بينهم 9 نساء و6 أطفال، قُتلوا على يد جهاز الأمن الإسلامي، في حين تشير الأرقام شبه الرسمية إلى أن عدد الاعتقالات تجاوز 1800 مواطن.
وامتدت الانتفاضة إلى أكثر من 300 بلدة ومدينة، شهد بعضها احتجاجات للمرة الأولى في التاريخ الحديث.
لكن، هل هذا هو الانفجار العظيم الذي توسل به الشاعر بهار إلى جبل «دماوند»؟
على مدى الـ43 عاماً الماضية، أي منذ استولى الملالي على السلطة في طهران، كان البركان الإيراني يدفع بالكثير من الثورانات.
في 8 مارس (آذار) 1979، أي بعد 25 يوماً من ظهور آية الله الخميني بوصفه الحاكم الجديد، احتشد أكثر من نصف مليون امرأة في طهران احتجاجاً على «الحجاب» المفروض عليهن، وغير ذلك من القيود التي أعلنها الملالي.
ورغم القمع الوحشي والإعدامات الجماعية، شهدت إيران خلال الفترة من 1979 إلى 1988 ثورانات أخرى، حيث بدأت طبقات مختلفة من التحالف الذي تَشكّل في عهد الخميني تتلاشى. كما شهدت إيران في تلك السنوات مجازر ارتكبتها قوات النظام الجديد في عدة مناطق، لا سيما في خوزستان وكردستان وتركمان ساهرا.
ومنذ ذلك الحين، شهد البركان الإيراني أكثر من 20 ثوراناً متوسطاً أو كبيراً، وقُمعت جميعها بوحشية.
في بداياته الأولى، وضع نظام الخميني الحفاظ على الذات كهدف أسمى له. وأطلق عليه الخميني اسم «أوجب الواجبات»، مؤكداً أنه لحماية النظام الحاكم يمكن تنحية الإسلام نفسه جانباً.
شرع الملالي في أمرين لحماية النظام:
أولاً، خصصوا جزءاً كبيراً من الناتج المحلي الإجمالي لقوات الأمن العسكرية. ويشير أفضل التقديرات إلى أن «حماية النظام» تستحوذ على 14 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، أي أكثر بأربعة أضعاف من مخصصات التعليم أو الصحة. ويبلغ عدد قوات حماية النظام، باستثناء الجيش الوطني، أكثر من 600 ألف جندي. وينتظم جهاز الأمن الإسلامي في 9 وحدات مختلفة، أربع منها على الأقل مُدربة ومُجهزة لقمع الاحتجاجات في الشوارع.
تستفيد جميع الوحدات الأمنية، بما فيها «الحرس الثوري»، من مزايا عدة، لا سيما الرواتب التي تزيد بنسبة 30 في المائة على الرواتب المماثلة في الجيش الوطني الإيراني.
كما أنها تملك أو تدير أكثر من 8000 شركة في ربوع البلاد، وتتحكم في 25 رصيفاً في 9 موانئ تستطيع من خلالها استيراد أو تصدير ما تشاء من دون القلق من اللوائح الجمركية. كما تسيطر قوات الأمن أيضاً على الكثير من الوظائف المهمة.
في الواقع، على مدى السنوات الخمس الماضية، وفيما يتعلق بشغل الوظائف الكبيرة، تقدموا كثيراً على الملالي. كما تُمنح لهم الأولوية في الوصول إلى الأماكن الجامعية، والسكن، والرعاية الصحية، والسلع الاستهلاكية، والسفر إلى الخارج، والمنح الدراسية لأبنائهم الذين يدرسون في أوروبا أو الولايات المتحدة.
كما أنشأ النظام سلسلة من الكيانات التي تعتمد على سخائه المطلق تحت أسماء مثل «عائلة الشهداء»، أو «المحرومين»، أو «أتباع سلالة الإمام»، أو «قراء النصوص المقدسة» (المداحون باللغة العربية)، أو «المتطوعين بالشهادة».
ينبغي أن يضاف لذلك شبكة من الملالي وطلاب الدين الذين يحصلون على رواتب و-أو «هبات» عرضية (تعرف باسم المظاريف الثقيلة) من «المرشد الأعلى».
وهناك دائرة أمنية أخرى تتكون من عشرات الآلاف من الإيرانيين المغتربين في أوروبا وأميركا الشمالية، والذين ينتقلون ذهاباً وإياباً، يمزجون العمل بالرفاهية، ويعملون كمدافعين عن النظام الإيراني في الخارج، ويُطلق عليهم اسم «المزدوجين» (ذوو الحياتين باللغة العربية).
مدى ضخامة القاعدة الموالية للنظام الحاكم في إيران لا تزال موضع نظر وتكهنات.
في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، فاز المرشح المفضل للنظام، آية الله الدكتور إبراهيم رئيسي، بربع أصوات الناخبين المؤهلين. وقدّر الرئيس السابق حسن روحاني أن نحو 30 في المائة من الإيرانيين كانوا سعداء بالنظام ووفّروا قاعدة الدعم الخاصة به.
مهما كان حجم قاعدة دعم النظام، هناك أمر واحد مؤكد، وهو أنها تتقلص؛ إذ خلال الانتفاضة الحالية، وقف عدد غير متوقع من الشخصيات المرتبطة بالنظام والمستفيدة من مفاهيمه، بما في ذلك عدد مذهل من المشاهير والمسؤولين الإسلاميين السابقين، إلى جانب المتظاهرين علناً. فالشعراء الذين كتبوا عبارات الثناء على الخميني أو خامنئي، والروائيون الذين حاولوا تبرير كل خطأ وقع فيه الملالي، أعلنوا «توبتهم» على الملأ.
تختلف الانتفاضة الأخيرة عن الانتفاضة السابقة في عدد من المناحي.
إنها تجري على نطاق أوسع، وتجمع بين الناس من جميع مناحي الحياة. ولا يقتصر هذا النهج على المسائل المتعلقة بالشركات مثل تحسين الأجور وظروف العمل. كما أنها لا تركز على مظالم معينة مثل فقدان المدخرات، أو قمع الطوائف الدينية غير الإسلامية، أو القيود الثقافية. فهذه المرة، تتلخص الدعوة بشبه الإجماع تقريباً إلى تغيير النظام.
لهذا السبب يبدو أن المؤسسة الحاكمة غير قادرة على اتخاذ قرار بشأن كيفية التعامل مع الانتفاضة. فقد دعا البعض داخل النظام إلى «القمع الوحشي»، في حين ينصح آخرون بالحوار وإصلاح بعض القوانين.
حتى كتابة هذه السطور، التزم خامنئي -الذي ذرف الدموع على موت «جورج فلويد» في الولايات المتحدة- الصمت المطبق إزاء الثوران الذي هدد نظامه.
حتى إن لم يكن الثوران الأخير هو الثوران الكبير، هناك أمر واحد أكيد: أن بركان الغضب الإيراني لا يزال صاخباً ولا يمكن ترويضه بسهولة.



مصافي النفط الصينية محمية من آثار الصراع الإيراني

رجل عند مخرج مصفاة شركة «تشامبرود» للبتروكيميائيات في بينزهو بمقاطعة شاندونغ الصينية (رويترز)
رجل عند مخرج مصفاة شركة «تشامبرود» للبتروكيميائيات في بينزهو بمقاطعة شاندونغ الصينية (رويترز)
TT

مصافي النفط الصينية محمية من آثار الصراع الإيراني

رجل عند مخرج مصفاة شركة «تشامبرود» للبتروكيميائيات في بينزهو بمقاطعة شاندونغ الصينية (رويترز)
رجل عند مخرج مصفاة شركة «تشامبرود» للبتروكيميائيات في بينزهو بمقاطعة شاندونغ الصينية (رويترز)

قال تجار إن مصافي النفط في الصين لن تواجه على الأرجح أي صعوبة في تجاوز الاضطرابات قصيرة الأجل الناجمة عن الصراع الإيراني، وذلك بفضل الشحنات القياسية الأخيرة من النفط الخام الإيراني والروسي، والتخزين الحكومي المكثف، حسبما ذكرت «رويترز».

وتُعد الصين أكبر مستورد للنفط في العالم، وتمثل مصافيها المستقلة، المعروفة باسم «مصافي الشاي»، السوق الرئيسية للنفط الإيراني الذي يباع بخصم كبير نتيجة للعقوبات الأميركية التي تُبعد معظم المشترين.

والتزم معظم التجار الصينيين الحياد، يوم الاثنين، ساعين إلى استيعاب تداعيات الهجوم الأميركي الإسرائيلي المشترك على إيران، ورد طهران بالضربات في الخليج، وامتداد الصراع إلى لبنان. وارتفعت أسعار النفط بنسبة 9 في المائة يوم الاثنين.

وقال تاجر كبير في مصفاة مستقلة ضخمة: «السوق متوترة، وقد يتغير الوضع يومياً».

وأضاف تاجر آخر في مصنع بمقاطعة شاندونغ يُعالج النفط الإيراني أنه «لا يستطيع تقديم عروض شراء» لعدم قدرته على التنبؤ بكيفية تطور الوضع، حسبما ذكرت «رويترز».

هل تتقلص الخصومات على النفط الإيراني؟

ومع ذلك، لا يوجد قلق كبير بشأن إمدادات تسليمات مارس (آذار) وأبريل (نيسان)، في ظل وفرة البراميل الروسية، فضلاً عن كميات قياسية من النفط الإيراني في الأسواق، حسب التاجر.

وقام التاجر بتنويع مصادره النفطية لتشمل الإمدادات المتزايدة من روسيا والبرازيل منذ الربع الثالث من العام الماضي، وذلك «لأن النفط الإيراني الذي كان يُعدّ الأكثر ربحية، فقد بعضاً من ميزته السعرية».

وبينما لم تظهر مؤشرات واضحة للأسعار بعد، يتوقع بعض التجار تقلص الخصومات على النفط الخام الإيراني نتيجة لتوقعات انخفاض المعروض. وأشار أحد التجار إلى عرضٍ بلغ نحو 9 دولارات للبرميل من خام برنت في بورصة إنتركونتيننتال (ICE) للتسليم، بعد أن كان 11 دولاراً في الأسبوع الماضي.

كما تُشير تكهنات السوق إلى إمكانية رفع الإمدادات الإيرانية من قائمة العقوبات الأميركية، في حال أسفرت الحملة العسكرية عن سيطرة الولايات المتحدة على صادرات النفط الإيراني.

وحتى الآن من هذا العام، تُمثل واردات الصين من النفط الإيراني 11.5 في المائة من إجمالي وارداتها المنقولة بحراً، بينما تأتي واردات النفط الروسي في المرتبة الثانية بنسبة 10.5 في المائة، وفقاً لشركة «كبلر» المتخصصة في تتبع ناقلات النفط.

وقدّرت شركة «كبلر» حجم شحنات النفط الإيراني في فبراير (شباط) بـ2.15 مليون برميل يومياً، وهو أعلى مستوى منذ يوليو (تموز) 2018، بينما قدّرت شركة «فورتيكسا» حجمها بمليونَي برميل يومياً. ويُقال إن المصدِّرين الإيرانيين سارعوا إلى شحن النفط تحسباً لنشوب نزاع محتمل.

النفط الروسي

في غضون ذلك، من المتوقع أن ترتفع واردات الصين من النفط الروسي للشهر الثالث على التوالي إلى مستوى قياسي في فبراير، بعد أن خفّضت الهند مشترياتها بشكل كبير. ولا تزال الصفقات المبكرة لشحنات مزيج «إي إس بي أو» (ESPO) الروسي، المقرر وصولها في أبريل، تُباع بخصم كبير في بورصة إنتركونتيننتال عند سعر خام برنت ناقص 8-9 دولارات للبرميل.

وقالت إيما لي، محللة الشؤون الصينية في «فورتيكسا»، إن وفرة الشحنات الروسية والإيرانية تعني أن الصين لن تلجأ على الأرجح إلى السوق الرئيسية في المدى القريب.

وبفضل حملة التخزين التي أطلقتها بكين، جمعت الصين نحو 900 مليون برميل في مخزونات تسيطر عليها الدولة، أي ما يعادل 78 يوماً من الواردات، وفقاً لتقديرات «فورتيكسا» والتجار.

وفي حال رفع العقوبات المفروضة على النفط الإيراني، يتوقع أن تعود مصافي التكرير الصينية المستقلة إلى أنماط شرائها السابقة. وسيكون النفط الروسي خيارها الأول، إلى جانب شحنات من البرازيل وكندا والإنتاج الصيني البحري، وفقاً لما ذكره التجار.


الحكومة اللبنانية تحظر نشاطات «حزب الله» الأمنية والعسكرية

أثار الضربات الإسرائيلية في  لبنان اليوم بأعقاب تصعيد التوتر بين حزب الله وإسرائيل وسط الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران(رويترز)
أثار الضربات الإسرائيلية في لبنان اليوم بأعقاب تصعيد التوتر بين حزب الله وإسرائيل وسط الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران(رويترز)
TT

الحكومة اللبنانية تحظر نشاطات «حزب الله» الأمنية والعسكرية

أثار الضربات الإسرائيلية في  لبنان اليوم بأعقاب تصعيد التوتر بين حزب الله وإسرائيل وسط الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران(رويترز)
أثار الضربات الإسرائيلية في لبنان اليوم بأعقاب تصعيد التوتر بين حزب الله وإسرائيل وسط الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران(رويترز)

قال رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام اليوم (الاثنين) إن الحكومة اللبنانية تطالب حزب الله بتسليم سلاحه وحصر عمله بالمجال السياسي.

وصرح سلام بعد جلسة مجلس الوزراء في بيروت اليوم : "ندين إطلاق الصواريخ من لبنان ما يستدعي حظر نشاطات "حزب الله" والزامه تسليم سلاحه والتزام العمل السياسي».

وأضاف: «أعلنت الدولة رفضها المطلق لأي أعمال عسكرية تنطلق من أراضيها وتؤكد أن قرار الحرب والسلم بيدها ما يستدعي حظر نشاطات الحزب وإلزامه تسليم سلاحه والتزام العمل السياسي. وطلبت الحكومة من الأجهزة الأمنية تنفيذ ما ورد لمنع القيام بأي عمليات عسكرية وتوقيف فاعليها. وطلبت من قيادة الجيش المباشرة بتنفيذ الخطة في شقها المتعلق حصر السلاح شمال الليطاني».

وأغارت إسرائيل على مناطق لبنانية عدة، فجر اليوم، ما أدى إلى سقوط 31 قتيلا و149 جريحا في حصيلة أولية أعلنتها وزارة الصحة.

وفي سياق التصعيد، توقّع رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال إيال زامير، اليوم، «أياماً عديدة من القتال» مع «حزب الله» في لبنان. وقال زامير في مقطع فيديو نشره الجيش الإسرائيلي: «أطلقنا معركة هجومية في مواجهة حزب الله»، مؤكداً أن الجيش «ليس فقط في الخطوط الدفاعية بل ينطلق إلى الهجوم». وأضاف: «يجب الاستعداد لأيام عديدة من القتال».

وقال الجيش الإسرائيلي، فجر اليوم، إنه استهدف مسؤولين كبارا من «حزب الله» في بيروت وفي جنوب لبنان «ردا على إطلاق حزب الله مقذوفات باتجاه دولة إسرائيل بدأت القوات الإسرائيلية «ضرب أهداف تابعة لمنظمة حزب الله الإرهابية في كل أنحاء لبنان». وقال الحزب المدعوم من إيران في بيان: «دفاعا عن لبنان وشعبه وفي إطار الرد على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، استهدفت المقاومة الإسلامية (...) بصلية من الصواريخ النوعية وسرب من المسيرات موقع مشمار الكرمل للدفاع الصاروخي التابع لجيش العدو الإسرائيلي جنوب مدينة حيفا المحتلة».

وهذا أول هجوم يشنه «حزب الله» على إسرائيل منذ وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 وأنهى أكثر من عام من الأعمال العدائية بين الجانبين.


حرب إيران تربك حسابات النمو والفائدة في اليابان

رجل أمن يمر بجوار سور مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
رجل أمن يمر بجوار سور مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
TT

حرب إيران تربك حسابات النمو والفائدة في اليابان

رجل أمن يمر بجوار سور مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
رجل أمن يمر بجوار سور مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

يقول محللون إن اليابان تواجه مخاطر انخفاض النمو وارتفاع التضخم إذا أدى استمرار الصراع في الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار النفط وإلحاق الضرر بالاقتصاد المعتمد على الاستيراد، مما يعقد جهود البنك المركزي لرفع أسعار الفائدة التي لا تزال منخفضة.

وارتفعت أسعار النفط بنسبة 7 في المائة يوم الاثنين، مسجلةً أعلى مستوى لها منذ أشهر، مع تصعيد إيران وإسرائيل هجماتهما في الشرق الأوسط، مما أدى إلى تعطيل الشحنات من هذه المنطقة المنتجة الرئيسية، في ضربة قوية لليابان التي تستورد أكثر من 90 في المائة من نفطها الخام من الشرق الأوسط.

وصرحت رئيسة الوزراء، ساناي تاكايتشي، للصحافيين يوم السبت، بأنها أصدرت تعليماتها لمجلس وزرائها بإعداد تقديرات حول الأثر الاقتصادي المحتمل لضربات نهاية الأسبوع على إيران.

ونظراً لاعتماد اليابان على واردات النفط، فإن حجم الضرر الذي سيلحق باقتصادها سيتوقف على ما إذا كان الصراع سيؤدي إلى انقطاع طويل الأمد في الشحنات من الشرق الأوسط.

وأعلنت شركات الشحن اليابانية يوم الأحد أنها ستوقف عملياتها في مضيق هرمز بعد أن شنَّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية على إيران.

وبينما تمتلك اليابان احتياطيات نفطية تكفيها لثلاثة أشهر، فإن ارتفاع أسعار النفط الخام أو إغلاق المضيق قد يضر بالاستهلاك الضعيف أصلاً، من خلال رفع أسعار مجموعة واسعة من السلع والخدمات.

وقالت تاكايتشي أمام البرلمان، رداً على سؤال حول استجابة الحكومة: «نأمل في اتخاذ الخطوات اللازمة بمرونة للحد من تأثير الأزمة على معيشة الناس والنشاط الاقتصادي».

ويرى محللون أن مزيج ضعف الطلب وارتفاع التضخم قد يدفع بنك اليابان إلى التريث، مما قد يؤخر رفع سعر الفائدة المقبل الذي توقعت الأسواق أن يكون في أبريل (نيسان) قبل أزمة نهاية الأسبوع.

وتتوقع «مورغان ستانلي إم يو إف جي» للأوراق المالية أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط بنسبة 10 في المائة إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لليابان بنحو 0.1 في المائة.

وقال تاكيشي ياماغوتشي، كبير الاقتصاديين اليابانيين في «مورغان ستانلي إم يو إف جي» للأوراق المالية: «سيشكل الارتفاع الحاد في أسعار النفط مخاطر ركود تضخمي على المدى القصير، بينما من المرجح أن يتباطأ التضخم الأساسي على المدى الطويل»، وأكد أنه «من المرجح أن يتبنى بنك اليابان موقفاً أكثر حذراً، مما يقلل من احتمالية رفع أسعار الفائدة على المدى القريب».

ويتوقع معهد نومورا للأبحاث أن يؤدي النزاع إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لليابان بنسبة 0.18 في المائة، وارتفاع التضخم بنسبة 0.31 في المائة إذا ما تسبب النزاع العسكري في تعطيل العمليات حول المضيق لفترة طويلة.

ضغوط على الفائدة

وقال تاكاهيدي كيوتشي، العضو السابق في مجلس إدارة بنك اليابان والخبير الاقتصادي الحالي في معهد نومورا للأبحاث: «بالنظر إلى تصاعد المخاطر السلبية على الاقتصاد، قد يحتاج بنك اليابان إلى توخي المزيد من الحذر بشأن رفع أسعار الفائدة».

وفي خطاب ألقاه يوم الاثنين، قال نائب محافظ بنك اليابان، ريوزو هيمينو، إنه من المتوقع أن يواصل البنك المركزي رفع أسعار الفائدة مع اقتراب التضخم الأساسي من هدفه البالغ 2 في المائة. ولم يعلق بشكل مباشر على وتيرة وتوقيت رفع أسعار الفائدة في المستقبل.

ونما الاقتصاد الياباني بنسبة 0.2 في المائة سنوياً في الربع الأخير من العام الماضي، مع تأثير ارتفاع تكاليف المعيشة على الاستهلاك.

ويتوقع المحللون تسارع النمو مع انخفاض التضخم الغذائي ودعم الوقود، مما يخفف العبء عن الأسر ويحول الأجور الحقيقية إلى مستويات إيجابية.

المخزون النفطي

وفيما يخص القلق حول الإمدادات النفطية، صرَّح متحدث باسم الحكومة اليابانية يوم الاثنين بأن الحكومة لا تخطط للإفراج عن أي نفط من مخزونها، على الرغم من تعطُّل بعض ناقلات النفط المتجهة إلى البلاد في الخليج بسبب النزاع مع إيران. وتستورد اليابان نحو 95 في المائة من إمداداتها النفطية من الشرق الأوسط، ويمر نحو 70 في المائة من هذه الشحنات عبر مضيق هرمز. وبعد أن شنَّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية على إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع، بدأت شركات الشحن اليابانية بتعليق عملياتها حول مضيق هرمز. وقال كبير أمناء مجلس الوزراء الياباني، مينورو كيهارا، في مؤتمر صحافي: «بعض ناقلات النفط الخام المتجهة إلى اليابان من الشرق الأوسط تنتظر في الخليج العربي، متجنبةً المرور عبر مضيق هرمز». وأضاف أن اليابان ليس لديها خطط فورية للإفراج عن مخزوناتها من النفط الخام، التي تُعد من أكبر المخزونات في العالم.

وتمتلك اليابان احتياطيات نفطية تعادل 254 يوماً من صافي وارداتها، وقد سبق لها أن فرجت عنها لتحقيق استقرار أسواق النفط العالمية، وكان آخرها في عام 2022 بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية وجهات أخرى. وصرَّح مسؤول في وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية يوم الاثنين بأنه لم يُطلب حتى الآن أي تنسيق دولي بشأن الإفراج عن المخزونات. وأفادت شركة إيتوشو اليابانية للتجارة، في بيان عبر البريد الإلكتروني، بأنها بدأت تشعر ببعض التأثير على شحنات النفط الخام والمنتجات البترولية من الخليج، حيث تأثَّرت عدة موانئ هناك بتداعيات النزاع. وأضافت إيتوشو أنها ستستجيب بتأمين الإمدادات من مناطق خارج الشرق الأوسط، وأنها تراقب مدى استمرار الاضطرابات اللوجيستية. وقالت شركة إينيوس، أكبر شركة تكرير في اليابان، إنها ستقيّم التأثير على مشتريات النفط الخام المستقبلية مع مراقبة الأوضاع.

كما تُعد اليابان ثاني أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال في العالم، على الرغم من أن معظم إمداداتها تأتي من أستراليا. ومع ذلك، أظهرت بيانات وزارة المالية أن إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط، بما في ذلك قطر وعُمان والإمارات العربية المتحدة، شكَّلت 11 في المائة من واردات اليابان في عام 2025.

ووفقاً لكيهارا، تمتلك شركات المرافق اليابانية حالياً مخزوناً يكفي لاستهلاك الغاز الطبيعي المسال في اليابان لمدة ثلاثة أسابيع تقريباً.