البيان الأميركي ـ الفرنسي ـ السعودي «خريطة إنقاذ» للبنانيين

(تحليل إخباري)

لبناني يقود دراجة نارية أمام مصرف مغلق بعد اقتحامات متكررة للمصارف الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
لبناني يقود دراجة نارية أمام مصرف مغلق بعد اقتحامات متكررة للمصارف الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
TT

البيان الأميركي ـ الفرنسي ـ السعودي «خريطة إنقاذ» للبنانيين

لبناني يقود دراجة نارية أمام مصرف مغلق بعد اقتحامات متكررة للمصارف الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
لبناني يقود دراجة نارية أمام مصرف مغلق بعد اقتحامات متكررة للمصارف الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)

يكتسب الاهتمام الدولي بلبنان من خلال البيان الصادر عن وزراء خارجية الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا والمملكة العربية السعودية، في اجتماعهم بنيويورك على هامش انعقاد الجمعية العمومية للأمم المتحدة، أهمية خاصة تحمل أكثر من رسالة سياسية تتزامن من حيث التوقيت مع بدء العد العكسي لانتخاب رئيس جمهورية جديد قبل انتهاء ولاية الرئيس الحالي ميشال عون في 31 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، والانشغال في تعويم الحكومة، فيما المفاوضات مع صندوق النقد الدولي إلى مزيد من التعثر بسبب تراجع الآمال المعقودة على تطبيق الإصلاحات السياسية والاقتصادية لمساعدته للنهوض من أزماته الكارثية.
فالرسالة الصادرة عن الوزراء الثلاثة هي رسالة دولية تنطوي على انتهاء فترة السماح التي منحها المجتمع الدولي للمنظومة الحاكمة في لبنان، التي ما زالت تتلكأ في الاستجابة لشروطه للإنقاذ والانتقال بالبلد من مرحلة التأزم إلى الانفراج السياسي والاقتصادي والمالي، وبالتالي استعداده لممارسة أقصى الضغوط لمنعه من السقوط في حالة من الفوضى الشاملة.
ويقول مصدر سياسي في قراءته لمضامين البيان الصادر عن الوزراء الثلاثة، إنها تعبر عن رغبة المجتمع الدولي في إعادة لبنان إلى دائرة الاهتمام الدولي، انطلاقاً من خريطة الطريق التي رسمها الوزراء للانتقال بلبنان إلى مرحلة التعافي السياسي والمالي، لأن هناك صعوبة في إنعاشه اقتصادياً واجتماعياً ومالياً ما لم تتلازم الإصلاحات المالية المطلوبة من صندوق النقد مع الإصلاحات السياسية التي تمكنه من بسط سيادته على كافة الأراضي اللبنانية، أولها إيجاد حل لازدواجية السلاح وضبط الحدود اللبنانية - السورية لوقف التهريب.
ويؤكد المصدر السياسي أن مضامين بيان الوزراء يفترض أن تكون بمثابة البيان الوزاري في حال تقرر تعويم حكومة تصريف الأعمال، شرط عدم التعامل معها على أساس الانتقائية بدءاً بعدم الاجتهاد في تطبيق القرارات الدولية، تحديداً القرار 1701، لاسترضاء «حزب الله»، وبالتالي تطويق تنفيذه بصيغة تجمع بين السلاح الشرعي وسلاح المقاومة.
ويلفت المصدر نفسه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن بيان وزراء خارجية الدول الثلاث يشكل مظلة دولية للبنان يتوجب عليه أن يحسن الإفادة منها، وتوظيفها لتعويم الحكومة الحالية برئاسة نجيب ميقاتي، إذا استحال عليه تشكيل حكومة جديدة، لأن هناك ضرورة لإنجاز الاستحقاق الرئاسي في موعده الدستوري بانتخاب رئيس جديد لديه القدرة على جمع اللبنانيين تحت سقف إعادة الاعتبار لمشروع الدولة والاستجابة لتطلعات اللبنانيين في التغيير.
ويرى أن تمسك الوزراء باتفاق الطائف لم يأتِ من فراغ، ليس لأنه وحده المؤتمن على وحدة البلد والحفاظ على السلم الأهلي وحماية الاستقرار فحسب، وإنما لأن التركيز عليه مع الاستعداد لإنجاز الاستحقاق الرئاسي في موعده يهدف إلى قطع الطريق على من يطالب بإعادة النظر فيه أو استبداله بنظام آخر، بذريعة أن هناك ضرورة لوضع عقد اجتماعي جديد كان لمح إليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في زيارته الأولى للبنان فور وقوع الانفجار الذي استهدف مرفأ بيروت، لكنه سرعان ما بادر إلى سحبه من التداول على خلفية المخاوف التي عبر عنها معظم القوى السياسية التي تعاملت مع اقتراحه وكأنه إشارة للبحث في نظام جديد للبنان.
ويعتبر المصدر نفسه أن تمسك الوزراء الثلاثة باتفاق الطائف كنظام وحيد للعلاقات بين الطوائف اللبنانية سيؤدي إلى تطويق الدعوات للفيدرالية، بذريعة تطبيق اللامركزية الإدارية والمالية الموسعة، ويقول إن الموقف نفسه ينسحب على الدعوات لعقد مؤتمر تأسيسي، التي تلقى معارضة بعد أن نفضت باريس يديها منها وشطبتها من جدول أعمالها اللبناني من جهة، وقوبلت باعتراض من رئيس المجلس النيابي نبيه بري، الذي يشدد باستمرار، كما يُنقل عنه، على ضرورة استكمال تطبيق «الطائف»، وضرورة العمل من أجل تنقية ما أصابه من شوائب من جراء المباشرة بتطبيقه.
لكن الجديد في بيان الوزراء الثلاثة، حسب المصدر السياسي، يكمن في أمرين: الأول في دعوتهم إلى إنجاز الاستحقاق الرئاسي في موعده، والثاني في انضمام واشنطن وللمرة الأولى إلى الجهود الفرنسية - السعودية لإنقاذ لبنان ومساعدته، التي توجت بلقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بالرئيس ماكرون، في زيارته الأخيرة للسعودية، إضافة إلى أن استحضارهم لـ«الطائف» في بيانهم يهدف إلى تمرير رسالة لإيران بعنوان أن لبنان كان ولا يزال جزءاً من محيطه العربي، وأن لا مجال لاستبدال هوية أخرى بهويته العربية.
لذلك يؤشر البيان الثلاثي إلى أن الحاضنة الدولية والعربية للبنان ما زالت قائمة، وأن مفاعيله ستترجم تباعاً إلى خطوات ملموسة، وإنما ليس لإنجاز الاستحقاق الرئاسي بأي ثمن ما يؤدي حتماً إلى تمديد الأزمة ما لم يُنتخب الرئيس القادر على إحداث نقلة نوعية من ناحية، والمؤهل لجمع اللبنانيين بإلغاء خطوط التماس السياسية التقليدية، وبالتالي فإن ترجمته تستدعي إعادة خلط الأوراق للمجيء بخلف لعون يعمل على تصويب العلاقات اللبنانية - العربية، وإخراجها من التصدع الذي أصابها بسبب انحياز العهد الحالي إلى محور الممانعة.
وعليه يترقب الوسط السياسي رد الفعل اللبناني على بيان الوزراء الثلاثة، وما إذا كانت الأكثرية الساحقة من القوى السياسية ستتعاطى معه بإيجابية ومرونة وانفتاح، لأن صدوره لجهة التوقيت والمكان لا يقتصر على الدول الذي وقعت عليه، وإنما ينطق بمضامينه بلسان المجتمع الدولي لما للموقعين عليه من تأثير دولي وإقليمي يتجاوز حدودها الجغرافية إلى ما لديها من حلفاء وأصدقاء.


مقالات ذات صلة

«أميركا أولاً» تفضل العلاقات التجارية على سياسة المساعدات

الولايات المتحدة​ أناس متأثرون بالفيضانات يتلقون مساعدات في قندهار بأفغانستان (إ.ب.أ)

«أميركا أولاً» تفضل العلاقات التجارية على سياسة المساعدات

طلبت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب دعم دول العالم لإعلان يدعو إلى تبنّي مبدأ «التجارة بدلاً من المساعدات»، خدمة لمبدأ «أميركا أولاً».

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا لقاء سابق بين صدام حفتر ومسعد بولس في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

مصراتة تصعد رفضها للمبادرة الأميركية لتسوية الأزمة الليبية

تشهد مدينة مصراتة الليبية ذات الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية في غرب البلاد حالة من الرفض المتصاعد حيال ما يُتداول بشأن «مقترح أميركي» لإعادة ترتيب السلطة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان (إ.ب.أ)

خبراء أمميون ينددون بقصف إسرائيل للبنان ويصفونه بأنه «عدوان غير مشروع»

 ‌قال مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إن خبراء ​المنظمة الدولية نددوا، الأربعاء، بقصف إسرائيل للبنان مطلع هذا الشهر، واصفين إياه بـ«العدوان غير المشروع».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا في نيويورك الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)

شكوك وتساؤلات حول جدوى القيود الأممية على تهريب النفط الليبي

أثار قرار مجلس الأمن الدولي القاضي بتمديد التدابير والقيود الخاصة بمكافحة تهريب النفط الليبي حتى أغسطس 2027 شكوكاً متجددة حول جدوى هذه الإجراءات

علاء حموده (القاهرة)
المشرق العربي أشخاص فروا من الضاحية الجنوبية لبيروت بسبب الحرب يلجأون إلى شاطئ في بيروت... 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

المفوض الأممي للاجئين يدعو المجتمع الدولي لتقديم «دعم عاجل» إلى لبنان

دعا المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم صالح، الأربعاء، من بيروت المجتمع الدولي إلى توفير دعم «عاجل» للبنان الذي يواجه أزمة نزوح «غير مسبوقة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مدارس الجنوب اللبناني في قلب «المنطقة العازلة»

طفلتان نازحتان تلعبان بأحد مراكز النزوح في بيروت (رويترز)
طفلتان نازحتان تلعبان بأحد مراكز النزوح في بيروت (رويترز)
TT

مدارس الجنوب اللبناني في قلب «المنطقة العازلة»

طفلتان نازحتان تلعبان بأحد مراكز النزوح في بيروت (رويترز)
طفلتان نازحتان تلعبان بأحد مراكز النزوح في بيروت (رويترز)

يتقدّم ملف استهداف المدارس في جنوب لبنان إلى واجهة المشهد، مع تصاعد العمليات العسكرية واتساع رقعتها، في وقتٍ يتزايد فيه القلق من تحوّل البنية التربوية إلى أحد أبرز ضحايا التصعيد. وبينما تتحدث إسرائيل عن «أهداف عسكرية» داخل منشآت مدنية، تؤكد الدولة اللبنانية خلوّ هذه المواقع من أي استخدام قتالي، في سياقٍ يربطه مراقبون بمسار أوسع يرمي إلى فرض «منطقة عازلة» على الأرض.

اتهامات إسرائيلية باستخدام المدارس

في هذا الإطار، أعلنت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية، الخميس، أن «قوات (لواء غفعاتي)، العاملة تحت قيادة (الفرقة 98)، عثرت داخل مدرسة في جنوب لبنان على أكثر من 130 وسيلة قتالية».

وأوضحت أن العمليات البرية «تستهدف تدمير البنى التحتية»، مشيرة إلى أن الأسلحة المضبوطة تشمل «بنادق (كلاشنيكوف)، ومسدسات، وأسلحة أخرى، إضافة إلى أعلام ورموز تابعة لـ(حزب الله)».

وأضافت أن القوات الإسرائيلية «صادرت الوسائل القتالية وتواصل عمليات التمشيط»، متهمة «حزب الله» بـ«استغلال السكان المدنيين لتنفيذ مخططات عسكرية».

وتتقاطع هذه التغريدة مع إعلان إسرائيلي سابق عن تدمير مدرسة في بلدة الشهابية في 10 أبريل (نيسان) 2026، حيث زعم الجيش الإسرائيلي أنه رصد «منصات لإطلاق الصواريخ داخل حرم المدرسة»، ونشر مقاطع قال إنها تُظهر راجمة صواريخ في الموقع، معتبراً أن استخدام منشآت مدنية لأغراض عسكرية «يمثل انتهاكاً للقانون الدولي».

مروحين... استهداف وتنديد رسمي

في المقابل، برزت بلدة مروحين في صلب هذه التطورات، بعد تداول مقاطع فيديو تُظهر تدمير مبنى ثانوية مروحين الرسمية إثر انفجار عنيف أدى إلى انهياره.

ولم تتضح على الفور ملابسات الضربة، وسط تباين في الروايات، غير أن وزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي دانت ما جرى، ووصفت تفجير المدرسة بأنه «عدوان سافر على البنى التربوية».

صور «سونار» لجنين بين أنقاض مبنى دُمر الأسبوع الماضي بقصف إسرائيلي في بيروت (أ.ب)

وأكدت في بيان أن المبنى «كان خالياً من أي وجود عسكري أو مدني»، داعية المجتمع الدولي، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إلى التحرك العاجل لـ«تحييد المؤسسات التربوية والتلاميذ».

ولا تبدو مروحين حالة منفصلة؛ إذ جرى تداول مشاهد لتدمير مبنى مدرسي في بلدة «طورا» القريبة من الحدود، ما يعزز مؤشرات على اتساع نطاق استهداف المنشآت التعليمية في القرى الواقعة ضمن مسرح العمليات.

ويأتي ذلك في ظل استمرار التباين بين الروايتين: تأكيد إسرائيلي على وجود استخدام عسكري لهذه المواقع، في مقابل نفي لبناني يضعها ضمن الأعيان المدنية المحمية، ما تضعه أوساط جنوبية في إطار «استهداف ممنهج للبنية المدنية في الجنوب، ولا سيما المؤسسات التربوية لمنع عودة أي مظهر من مظاهر الحياة إلى القرى الحدودية، وتحديداً مناطق جنوب الليطاني».

مزاعم استهداف المدارس تندرج في إطار دعاية كاذبة

رأى العميد المتقاعد بسام ياسين عبر «الشرق الأوسط» أنّ «الحديث عن استهداف مدارس في جنوب لبنان بذريعة احتوائها على وسائل قتالية، يندرج في إطار دعاية كاذبة تُستخدم لتبرير الاعتداءات، في ظل غياب أدلة ميدانية موثوقة تثبت هذه المزاعم»، معتبراً أن ما يحصل «يندرج في إطار دعاية كاذبة تُستخدم لتبرير الاعتداءات».

وأشار ياسين إلى أنّ «ما نشرته المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي بشأن العثور على أسلحة داخل أحد المواقع في بنت جبيل، لا يخرج عن كونه عرضاً لبنادق صيد، وهي موجودة بشكل طبيعي لدى عدد كبير من الأهالي في المناطق الريفية، ولا يمكن تصنيفها ضمن ترسانة عسكرية، أو استخدامها كدليل على وجود بنية قتالية منظمة».

وشدّد على أنّ «استهداف المدارس والمنشآت المدنية لا يمكن تبريره عسكرياً تحت أي ذريعة»، مؤكداً أنّ «ما يجري يتجاوز البعد العسكري المباشر، ويعكس محاولة فرض وقائع ميدانية تحت غطاء إعلامي يفتقر إلى المصداقية».

في موازاة ذلك، يربط العميد المتقاعد بسام ياسين هذه التطورات بمسار ميداني أوسع، معتبراً أن الحديث عن وقف قريب لإطلاق النار «غير واقعي».

وقال إنه «لا شيء اسمه وقف إطلاق نار قبل أن ينتهي الإسرائيلي من موضوع المنطقة العازلة»، موضحاً أن العمليات الجارية «تندرج ضمن خطة لفرض وقائع ميدانية جديدة»، ولافتاً إلى أن التحركات الإسرائيلية تهدف إلى الوصول إلى عمق يقارب عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، مع احتمال توسيع الضغط باتجاه البقاع الغربي لـ«قطع التواصل مع الجنوب».

تصاعد الدخان من موقع غارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

البنية التربوية في قلب الاشتباك

وتعكس التطورات إدخال البنية التربوية في صلب المعركة، سواء كهدف عسكري وفق الرواية الإسرائيلية، أو كضحية مباشرة وفق الموقف اللبناني.

وتشير أوساط جنوبية إلى أنّ «استهداف المدارس والمنشآت التعليمية لا يبدو معزولاً أو ظرفياً، بل يندرج ضمن مسار ممنهج يطول البنية التربوية، بما يعكس توجهاً لضرب مقومات الاستقرار المجتمعي في القرى الحدودية».

وبين هذين المسارين تتقاطع العمليات الميدانية مع أهداف أبعد من الاشتباك المباشر، لتطول مقومات الحياة اليومية، في ظل مسار يبدو أنه يسعى إلى إعادة رسم الجغرافيا والسكان معاً ضمن إطار «المنطقة العازلة».


الموضوع الناقص في المفاوضات الإسرائيلية - اللبنانية

ندى حمادة معوّض سفيرة لبنان في واشنطن التي مثّلت بلادها في المباحثات (أ.ف.ب)
ندى حمادة معوّض سفيرة لبنان في واشنطن التي مثّلت بلادها في المباحثات (أ.ف.ب)
TT

الموضوع الناقص في المفاوضات الإسرائيلية - اللبنانية

ندى حمادة معوّض سفيرة لبنان في واشنطن التي مثّلت بلادها في المباحثات (أ.ف.ب)
ندى حمادة معوّض سفيرة لبنان في واشنطن التي مثّلت بلادها في المباحثات (أ.ف.ب)

نال موضوع في المفاوضات الإسرائيلية - اللبنانية لم يلق الاهتمام اللازم في الإعلام، هو مطلب طرحته رئيسة الوفد اللبناني، السفيرة ندى معوض، يتلخص في وقف الغارات الإسرائيلية التي تهدف إلى تدمير البنى التحتية. وكما يتضح من تقرير لصحيفة «يسرائيل هيوم»، اليمينية، فقد تساءلت معوض عن المنطق الذي يسير به أولئك الذين وضعوا بنك أهداف الحرب. وقالت إن من يبحث عن جيرة حسنة، في القريب أو في المستقبل البعيد، يفترض ألا يحدث ضرراً بالغاً للإنسان العادي، الذي لا يحارب.

فماذا كان جواب رئيس الوفد الإسرائيلي السفير يحيئيل لايتر؟ قال إن الحكومة اللبنانية، التي تترأس دولة لبنان ذات السيادة، هي المسؤولة في نهاية المطاف عن كل ما يحدث على أراضيها. وهناك ممثلون عن «حزب الله» يشغلون مناصب في هذه الحكومة، ويوجد للحزب أعضاء في البرلمان، وإن الحزب يمثل شريحة طائفية واسعة ويتمتع بشرعية سياسية ومدنية، ويشارك في ميزانية الدولة، وفي الواقع لا يوجد أي فصل بين الدولة اللبنانية والحزب، الذي يستطيع جرها إلى الحرب وإملاء سياسته عليها.

مستشار وزارة الخارجية الأميركية مايكل نيدهام وسفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايك والتز ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وسفير أميركا لدى لبنان ميشيل عيسى وسفيرة لبنان لدى أميركا ندى حمادة معوض وسفير إسرائيل لدى أميركا يحيئيل لايتر، يقفون معاً قبل اجتماعهم في وزارة الخارجية في واشنطن (أ.ف.ب)

ويتضح أن هذا الجواب السريع الجاهز لم يكن صدفة؛ فقد جرى جدل في القيادتين السياسية والعسكرية الإسرائيلية في هذا الموضوع، وفقاً للصحيفة، وما فعله لايتر هو أنه جلب رد أولئك الذين أيدوا هذا التدمير وهم كثر. وتوجد لديهم خبرة غنية من تدميرهم قطاع غزة ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم وغيرهما في الضفة الغربية.

لكن، هناك من قدم رداً مميزاً عليهم، جلب فعلاً من التجربة الفلسطينية. جلب هذا الرد محرر شؤون العالم العربي في صحيفة «هآرتس»، د. تسفي برئيل، وهو ليس صحافياً وحسب، بل أيضاً هو عضو في رئاسة التحرير ومحاضر جامعي وباحث في موضوع الشرق الأوسط. قال إن «حزب الله» فعلاً تنظيم إرهابي، ولكن هذا يصلح بالنسبة لإسرائيل. ولكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للبنان. وروى برئيل أنه «في شهر فبراير (شباط) الماضي، قطع السيناتور الجمهوري المؤثر لندسي غراهام اجتماعه مع قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل وقال: )عندما سألته إذا كان الجيش اللبناني يعتبر (حزب الله( منظمة إرهابية أجاب: لا، ليس في السياق اللبناني. وطالما بقي هذا الموقف هو السائد في الجيش اللبناني فأنا لا أعتقد أن لبنان شريك موثوق. لقد سئمت من ازدواجية الأقوال الشائعة في الشرق الأوسط. الأمر عظيم».

أعلام إيرانية وأخرى لـ«حزب الله» فوق مقبرة جماعية مؤقتة إلى جانب مبنى متضرر نتيجة القصف الإسرائيلي في مدينة صور (رويترز)

ويضيف برئيل: «إسرائيل، كما هي الحال في لبنان، لديها أيضاً ميليشيات إرهابية يهودية تتمتع بدعم سياسي كامل، بما في ذلك من وزراء في حكومتها. وتعتمد هذه الميليشيات بشكل كبير على ميزانية الدولة، ويمتلك أعضاؤها سلاحاً مرخصاً من الدولة، ويؤيدها كثيرون علناً، وحتى أولئك الذين يعارضونها لا يتجرؤون على وصفها بأنها إرهابية. عندما سئل بنحاس فالرشتاين في مقابلة أجرتها معه «هآرتس»، الأسبوع الماضي، إذا كان يعترف بمصطلح «الإرهاب اليهودي»، أجاب بأعصاب باردة: «بالطبع، هذا عنف يهودي له أساس عرقي. هل هذا يعتبر إرهاباً؟ لا أعرف، لا أريد الخوض في جدل المصطلحات؛ لأنه ينفر ممن يرغبون في التعبير عن رفض هذه الأفعال».

ويتساءل برئيل: «إذا كان هذا هو الجواب الذي سيعطيه أيضاً لفالرشتاين وبنيامين نتنياهو ويسرائيل كاتس وديفيد زيني، الذين لا يعتبرون هذه )الحفنة) العنيفة منظمة إرهابية في السياق الإسرائيلي». ويضيف: «هنا يكمن الفرق الكبير بين الحكومة اللبنانية وحكومة إسرائيل. لقد اتخذت حكومة لبنان قراراً جريئاً برفض الاعتراف بشرعية )حزب الله) العسكرية، وأمرت الجيش بنزع سلاحه، واعتبرته كياناً ينتهك سيادتها، بينما تحتضن إسرائيل الميليشيات فيها، وجيشها يتعاون معها والشرطة تدعم جرائمها، وتعدّها جزءاً لا يتجزأ من منظومة الدفاع الإسرائيلية. ويتجلى هذا التفاوت بشكل أوضح عند مقارنة ضعف قدرات الجيش اللبناني في قتاله ضد )حزب الله) مع القوة العسكرية التي تمتلكها إسرائيل لمواجهة إرهابها الداخلي، لكنها لا تقوم بتفعيل هذه القوة. بالتالي، في حين يحظى طلب إسرائيل نزع سلاح )حزب الله) والميليشيات الأخرى بدعم كامل من المجتمع الدولي يمكن للمرء أن يتخيل بسهولة حجم الاضطراب الكبير الذي كان سيثور لو طالبت جهة دولة بنزع سلاح الميليشيات اليهودية، مهددة إياها بأنه سيتم إدراجها في قائمة الدول الداعمة للإرهاب إذا لم تعمل على تحييدها؛ فمنظمات الإرهابيين اليهود أيضاً تحتاج وبشكل ملحّ إلى تفكيك كامل وشامل ومصادرة سلاحها ومحاكمتها؛ ففي حين أسست هذه الميليشيات في الدول الجارة دولة داخل دولة، أصبحت في إسرائيل هي الدولة نفسها».

يذكر أن إسرائيل تشهد موجة اعتراض على وقف الحرب في لبنان، يطالبون فيها بمواصلة الحرب حتى تحقيق أهدافها في تفكيك «حزب الله». ويقف وراء هذه الحملة رؤساء البلديات الإسرائيلية في الشمال وقادة معظم أحزاب المعارضة.


اشتباكات متواصلة في بنت جبيل وفصل جنوب لبنان بتدمير «جسر القاسمية»

جنود الجيش اللبناني وعناصر الدفاع المدني يتفقدون موقع الغارات الإسرائيلية التي استهدفت جسر القاسمية المبني فوق نهر الليطاني في منطقة القاسمية جنوب لبنان (أ.ف.ب)
جنود الجيش اللبناني وعناصر الدفاع المدني يتفقدون موقع الغارات الإسرائيلية التي استهدفت جسر القاسمية المبني فوق نهر الليطاني في منطقة القاسمية جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

اشتباكات متواصلة في بنت جبيل وفصل جنوب لبنان بتدمير «جسر القاسمية»

جنود الجيش اللبناني وعناصر الدفاع المدني يتفقدون موقع الغارات الإسرائيلية التي استهدفت جسر القاسمية المبني فوق نهر الليطاني في منطقة القاسمية جنوب لبنان (أ.ف.ب)
جنود الجيش اللبناني وعناصر الدفاع المدني يتفقدون موقع الغارات الإسرائيلية التي استهدفت جسر القاسمية المبني فوق نهر الليطاني في منطقة القاسمية جنوب لبنان (أ.ف.ب)

تتداخل مسارات التصعيد الميداني الواسع مع مؤشرات سياسية حذرة على وقفٍ محتمل لإطلاق النار، في مشهد جنوبي مفتوح على كل الاحتمالات؛ فمن قتالٍ مباشر داخل أحياء «بنت جبيل»، إلى تدمير ممنهج للبنى التحتية وقطع خطوط الإمداد عبر استهداف جسر «القاسمية»، مروراً بغارات كثيفة طالت المستشفيات وفرق الإسعاف والقرى الممتدة من النبطية إلى مرجعيون وجزين، وصولاً إلى استهداف سيارة في منطقة ضهر البيدر خارج نطاق الجنوب، يتكرّس واقع ميداني يتجاوز حدود الاشتباك التقليدي.

بنت جبيل: قتال وجهاً لوجه وتدمير متصاعد

اندفعت المواجهات إلى داخل مدينة بنت جبيل، حيث دارت اشتباكات مباشرة بين عناصر «حزب الله» والقوات الإسرائيلية، لا سيما عند محور الملعب وحي العويني، بمساندة الطيران الحربي والمروحي، وسط قصف مدفعي كثيف طال مداخل المدينة ومحور المهنية.

وترافقت الاشتباكات مع عمليات نسف طالت منازل عند مدخل السوق الكبير، في سياق تصاعدي يعكس انتقال المعركة إلى نمط استنزافي داخل الأحياء السكنية.

جسر القاسمية: ضربة تعمّق عزل الجنوب

في تطور لافت، دمّر الجيش الإسرائيلي مجدداً جسر القاسمية، بعد إنذار للجيش اللبناني بإخلائه، ما أدى إلى قطع أحد أبرز خطوط الربط بين جنوب لبنان وبقية المناطق. وأفاد مسؤول أمني بأن الضربة جعلت الجسر خارج الخدمة بالكامل.

وفي هذا السياق، تقول أوساط جنوبية لـ«الشرق الأوسط» إن استهداف الجسر اليوم «يعزل جنوب الليطاني عن شماله بالكامل»، معتبرة أن الخطوة تأتي «في إطار تكريس واقع المنطقة العازلة ميدانياً، عبر فصل جغرافي ولوجيستي بين الضفتين».

وبالتوازي، استُهدفت ورشة لعمال سوريين قرب الجسر، ما أدى إلى سقوط أكثر من 15 إصابة، وفق تقديرات أولية.

أنقاض ومقتنيات مدنيين في موقع غارات إسرائيلية قرب مستشفى حيرام في مدينة صور (رويترز)

حرب مدن طويلة واستراتيجية «الهجوم الدائم»

في قراءة لطبيعة المعركة، قال العميد المتقاعد خليل الحلو لـ«الشرق الأوسط»: «المواجهة في «بنت جبيل» هي حرب مدن بكل ما للكلمة من معنى، وهذا النوع من القتال معروف بطوله وكلفته العالية». وأضاف: «حرب المدن لا تُخاض كما يعتقد البعض عبر قصفٍ كثيف أو تقدم سريع للدبابات، بل هي قتال بطيء ينتقل من مبنى إلى مبنى، ومن نقطة إلى أخرى».

وتابع: «العملية تتطلب استطلاعاً دقيقاً، والتأكد مما يوجد داخل الأبنية، ثم إدخال مجموعات صغيرة، حيث يتقدم عنصر ويؤمّن له آخر، ما يجعل التقدم بطيئاً جداً ويحتاج إلى وقت طويل»، مشيراً إلى أن «الاشتباك في هذا النوع من القتال يكون على مسافات قريبة جداً، أحياناً بضعة أمتار فقط».

وقال: «في حرب المدن، يحتاج المهاجم إلى تفوق عددي كبير»، مضيفاً: «هذا ما يفسر لماذا تستغرق هذه المعارك وقتاً طويلاً».

وأضاف: «المعركة في بنت جبيل ستأخذ وقتاً طويلاً، لأن كل طرف يسعى إلى تحقيق إنجاز ميداني يُحسّن موقعه»، لافتاً إلى أنّ «(حزب الله)، حتى لو لم يكن طرفاً مباشراً في التفاوض، فإنه يقاتل بطريقة تنعكس على موقعه في أي مسار تفاوضي».

وأضاف: «يجب ألا ننتظر من الإسرائيليين الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار؛ لأنهم تاريخياً يتابعون عملياتهم حتى في ظلّ الهدن»، لافتاً إلى أن «هذا السلوك يندرج ضمن استراتيجيتهم القديمة التي اعتمدوها سابقاً في تعاملهم مع المنظومات الفلسطينية».

وتابع: «الشعار العملي لهذه الاستراتيجية هو البقاء في حالة هجوم دائم؛ أي أن تبقى المبادرة بيدك وتستمر في الضغط، من دون أن تترك للخصم وقتاً ليلتقط أنفاسه أو يعيد تنظيم نفسه».

أنقاض ومقتنيات مدنيين في موقع غارات إسرائيلية قرب مستشفى حيرام في مدينة صور (رويترز)

إنذارات وتوسيع نطاق العمليات

ميدانياً، كرر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي إنذاره عاجلاً إلى سكان المناطق الواقعة جنوب نهر الزهراني، داعياً إلى الإخلاء الفوري نحو الشمال، معتبراً أن العمليات ستتواصل «بقوة كبيرة»، في إطار ما وصفه بتعميق العملية البرية وتدمير البنى التحتية.

وطالت الغارات محيط مستشفى تبنين، ما أدى إلى اندلاع حريق داخله، عملت فرق الدفاع المدني على إخماده، في وقت سُجّل فيه استهداف مباشر لفرق إسعاف. وفي بلدة المجادل (قضاء صور)، قُتل مسعف من «كشافة الرسالة الإسلامية»، كما دُمّرت سيارة إسعاف تابعة لـ«الهيئة الصحية الإسلامية» في الشهابية.

حزام ناري وغارات واسعة

واتسع نطاق الضربات ليشمل قرى إقليم التفاح وقضاء صيدا، حيث سُمع دوي الانفجارات في صيدا ومحيطها، فيما تحدّثت مصادر ميدانية عن حزام ناري لفّ مرتين المنطقة بين كفرمان والنبطية. كما شهدت مرجعيون أعنف الضربات، مع ثلاث غارات متتالية على بلدة دبين خلال ربع ساعة، إضافة إلى استهداف بلاط، الأحمدية، القنطرة وعريض دبين، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء.

وفي جزين، استهدفت الغارات القطراني - محلة شبيل، ما تسبب بانقطاع التيار الكهربائي عنها وعن بلدات مجاورة، كما طالت غارات أخرى بلدة عرمتى.

«حزب الله»: عمليات مكثفة وردّ بالنيران

في المقابل، أعلن «حزب الله» في بيانات متتالية أنه نفّذ سلسلة عمليات استهداف ضد مواقع وانتشارات الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان وعلى امتداد الحدود، شملت استخدام مسيّرات انقضاضية وصليات صاروخية.

وأوضح أن من بين الأهداف التي طالتها الهجمات مربض مدفعية في الزاعورة، إضافة إلى تجمعات لآليات وجنود في بلدة الناقورة، وذلك عبر مسيّرات انقضاضية. كما أشار إلى استهداف مرابض مدفعية مستحدثة في جبل الباط عند بلدة عيترون بصليات صاروخية، إلى جانب تجمعات مماثلة في بلدة البيّاضة.

وأضاف أن الهجمات شملت أيضاً تجمعات للجيش الإسرائيلي في محيط مدرسة الإشراق في مدينة بنت جبيل، حيث تم استهدافها للمرة الثانية بصليات صاروخية كبيرة، فضلاً عن قصف تجمعات أخرى في تلة الحمامص جنوب مدينة الخيام بصليات مماثلة.

غارة إسرائيلية قطعت آخر جسر يربط جنوب لبنان ببقية المناطق (رويترز)

وفي سياق متصل، أعلن الحزب استهداف موقع رأس الناقورة بسرب من المسيّرات الانقضاضية، إضافة إلى مربض مدفعية في كفرجلعادي بصليات صاروخية. كما أفاد باستهداف تجمعات لآليات وجنود الجيش الإسرائيلي في مدينة الخيام، وفي تلة الحمامص جنوبها، وكذلك شرق بلدة رب ثلاثين، فضلاً عن قصف مستوطنة كفرجلعادي بصليات صاروخية.