«حوارات القرن»... سيرة رواد الأدب العربي ومهارة الإعلام الثقافي

الإعلامي السعودي محمد رضا نصر الله يُصدر حواراته مع 150 شخصية عربية وعالمية

محمد رضا نصر الله مع توفيق الحكيم
محمد رضا نصر الله مع توفيق الحكيم
TT

«حوارات القرن»... سيرة رواد الأدب العربي ومهارة الإعلام الثقافي

محمد رضا نصر الله مع توفيق الحكيم
محمد رضا نصر الله مع توفيق الحكيم

في كتابه الضخم «حوارات القرن»، المكوّن من 3 أجزاء، بعدد 816 صفحة لكل جزء، يضع الإعلامي السعودي محمد رضا نصر الله، سجلاً ثقافياً زاخراً بالمعاني والأفكار والمواقف والآراء لـ150 شخصيَة عربية، معظمها من جيل الرواد في الأدب والنقد والفلسفة.
الكتاب في أجزائه الثلاثة، الصادر عن «المركز الأكاديمي للأبحاث»، يتعدى الحوارات الإعلامية التقليدية، ليقدم سجالاً فكرياً عميقاً، مع شخصيات مؤثرة في الثقافة والفكر والسياسة، كثير من القضايا التي أثيرت في تلك الحقبة ما زالت حية حتى اليوم.
وقيمة تلك الحوارات على الصعيد المعرفي أنها ما زالت نابضة بالمعنى والدلالة وكاشفة عن خفايا سيرة عدد من الرواد، وعلى الصعيد الإعلامي فإن تلك الحوارات قدمّت تجربة فريدة في العمل الإعلامي عبر الحفر عميقاً في سيرة الشخصيات التي تناولتها الحوارات، وشمولية القراءة العميقة لتجربتها، والبحث المضني عن أفكارها ومواقفها، في وقت كان الصحافي يمارس التنقيب والبحث بنفسه دون الاعتماد على وسائل الاتصال كما هي عليه اليوم.
وعلى الصعيد المهني، خاض الإعلامي محمد رضا نصر الله، القادم من الرياض في السعودية، وهي في ذلك الوقت لم تكن معروفة بوسائلها الإعلامية، ولم تكن صحافتها مداراً لسجالات التيارات الفكرية في العالم العربي. لكن محمد رضا نصر الله تمكن بثقافته الواسعة، وعزيمته الصلبة، وطريقته السلسة من إقناع رواد أمثال نجيب محفوظ وطه حسين بإجراء حوارات مطولة معه، سواء لصحيفة «الرياض» أو للتلفزيون السعودي. وفيما بعد بزغت قناة «إم بي سي» وكان لها وهج جاذبا سهّل مهمة نصر الله، وأعطاه دفعة إضافية لتقديم حوارات ذات صبغة ثقافية بعمق ورصانة.
فكرة الكتاب، جاءت بعد اإلحاح الإعلامي الراحل الدكتور عبد الرحمن الشبيلي، الذي شغل منصب مدير عام التلفزيون في السعودية، وكان إعلامياً ومذيعاً قدّم برنامج «شريط الذكريات» وهو برنامج أسبوعي يوثّق لتاريخ السعودية (1976)، وقبله برنامج «مؤتمر صحافي» حيث أجرى حوارات مع عدد من الوزراء والمسؤولين (1972)، وكان شديد الإلحاح على نصر الله في تفريغ ما سجله من مقابلات وإخراجها في كتاب... وسبق أن قام الشبيلي بتفريغ حواراته وإصدارها كذلك.


... ومع الجواهري

أجرى محمد رضا نصر الله أكثر من 1000 ساعة من الحوارات المتلفزة، من خلال برامجه: «الساعة تدق كلمة» و«هكذا تحدثوا» و«وجهاً لوجه» و«حدث وحوار» و«شؤون الساعة» و«مع المشاهير» و«هذا هو» و«ما بين أيديهم» و«ستون دقيقة سياسة» و«خارج الأقواس».
ومن أبرز الشخصيات الذين حاورهم نصر الله في هذا الكتاب: نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، وحمد الجاسر، ومحمد مهدي الجواهري، وعائشة إبراهيم (بنت الشاطئ)، والطاهر وطار، ومحمد حسن عواد، وأدونيس، وعبد السلام المسدي، وعلي جواد الطاهر، وعبد الله البردوني، وفدوى طوقان، ومحمد الفيتوري، وغازي القصيبي، وسعدي يوسف، وسعيد عقل، وعبد الرحمن بدوي، وعبد الله العروي، وطيب تيزيني، وزكي نجيب محمود، والشيخ محمد الغزالي، والشيخ محمد مهدي شمس الدين، ود. سعد البازعي، ومحمد عابد الجابري، وفهمي جدعان، ومحمد أركون، ود. عبد الله الغذامي، وهشام جعيط، وغيرهم.
المثير في هذه اللقاءات هي القصة التي تقف خلف كل لقاء، الصحافي السعودي الشاب بذل جهداً مضنياً في إقناع ضيوفه لخوض حوارات طويلة ومسجلة معه. يكشف نصر الله أن بعضهم كان يتمنع مسكوناً بنظرية المركز والأطراف، وآخرون لم يترددوا في طلب «بديل نقدي» ثمناً لإجراء تلك المقابلات... من بينهم توفيق الحكيم. لكن أغلب الضيوف وقعوا في «هوى» الصحافي الثقافي الذي أثبت حضوره وقدرته على الحوار وثقافته الموسوعية وسعة اطّلاعه وشخصيته الهجومية... حيث نسج شبكة علاقات شخصية مع الضيوف امتدت اللقاءات خلالها لأسابيع كما هو الحال توفيق الحكيم... كما نجح نصر الله في إقناع الفيلسوف عبد الرحمن بدوي بإجراء أول حوار صحافي معه... وربما كان الحوار النادر الوحيد الذي أُجري معه حتى رحيله. وقد نجح في إقناع فدوى طوقان بالحوار معه، وهي المعروف عنها التمنع عن مثل تلك الحوارات. وخلال لقائه الأول مع شاعر العراق الكبير محمد مهدي الجواهري تمكن من تمديد الوقت الممنوح له من عشر دقائق إلى خمسين دقيقة، تلته لقاءات مطولة أخرى، تكللت باستضافة الجواهري في مهرجان الجنادرية في الرياض.
كذلك فإن أغلب الحوارات كانت تتناول مشاريع ثقافية وفكرية من قبيل الآراء التي احتوتها مؤلفات الرواد ومواقفهم المتعددة، وفيما بعد ساجل رواد المشروعات الفكرية مقدِّماً قراءات تفكيكية ونقدية وأدبية، أمثال: محمد عابد الجابري، وفهمي جدعان، ومحمد أركون، وعبد الله الغذامي، وسهيل زكّار، ورضوان السّيّد، وعلي حرب، ومن غير العرب: بول فندلي وصموئيل هنتنغتون (صاحب نظرية «صراع الحضارات») وفيتالي نعومكين وغيرهم.
مع توفيق الحكيم
عن بعض لقاءاته قال نصر الله: «سافرت إلى القاهرة صيف سنة 1974م وأنا على عتبة الدراسة الجامعية، لمقابلة توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وعبد الرحمن الشرقاوي وصلاح عبد الصبور و... أمل دنقل».
بدايةً كان أمل دنقل، حيث التقاه في مقهى «ريش» الشهير، المتفرع من ميدان طلعت حرب، يقول: «اتفقت وأمل دنقل على إجراء حديث صحافي لجريدة (الرياض)... غير أنه اشترط أن أتكفل بعد الانتهاء من هذه المهمة العسيرة! بعشائه بطبق كباب! وأن يبيت في شقتي بشارع عماد الدين... وبين هذه الليلة وتلك، كان أمل يستجيب لطلباتي في إلقاء قصائده، عندما يكون مزاجه صفواً سلسبيلاً». أما اللقاء مع توفيق الحكيم فكان في شهر أغسطس (آب) عام 1974م، حين التقاه بعد مشوار بحث طويل في كازينو ومطعم بترو اليوناني في محطة سيدي بشر. يقول: «عند آخر درجات السلم وجدت أكثر من نادل، فلم أسأل أحداً منهم عنه... أخذت اتجاه اليمين، وفي الركن المقابل من آخر المقهى والمطعم وجدته هناك، وبنظرة خاطفة اتضحت لي هيئته وهو يخطو نحو الثمانين، إنه كما في الصور، البيريه الذي اعتمره على رأسه منذ كان في باريس، وعصاه المعكوفة منذ أصبح نائباً في طنطا، ومع اقترابي منه رأيت توفيق الحكيم». يضيف: «نسيت الرجل وهالته. سألته: هل أنت توفيق الحكيم؟، وهل هذه بيريه الحكيم؟ وهل هذه عصا الحكيم؟.
لم يتمالك عباس الأسواني الأديب والصحافي -تلميذ العقاد ووالد الروائي علاء الأسواني- نفسه وقد وجدني أتخايل بدشداشتي السعودية الحريرية الناعمة -كما عبّر بعد هذا بأسبوع في مقاله الطويل بمجلة (صباح الخير)- قائلاً: أيها السعودي... هوّن عليك... ألهذا الحد أنت معجب بتوفيق الحكيم؟ أجبته: إنني معجب بـ(فن) توفيق الحكيم».
يضيف: «أخذني الحكيم بيده الحانية وأجلسني إلى قربه، حيّاني بحرارة وبادرني: لعلّك لست من الغاضبين على كتابي (عودة الوعي) حال من وصلني تبرمهم في المملكة ودول الخليج؟ قلت له أتيتك لأسألك عن (حمار الحكيم) وبما أن الحمار الذي تورطت بشرائه بثلاثين قرشاً، وأسكنته غرفتك الفندقية قد مات، فإن العصا ما زالت باقية، فهل لي بحديث عنها؟ واستدركت من فوري متسائلاً: أين نجيب محفوظ؟ فقال: أصلك جيت متأخر. بكرة تعال بدري في العاشرة صباحاً، وسوف ترى نجيب محفوظ وحسين فوزي ويوسف إدريس وعبد الرحمن الشرقاوي وإحسان عبد القدوس.
قلت له: وهل إذا جئت غداً سوف تقدم لي فنجان قهوة على حسابك؟ أجابني كاسراً صورة البخيل الزجاجية عنه: وحافطّرك! وفي صبيحة اليوم التالي استقبلني بحفاوة، وكان محفوفاً بأبرز كتّاب مصر وأدبائها، مع بقايا من أعضاء حزب الوفد المطربشين، أجلسني إلى جنبه الأيسر، منادياً ثروت أباظة القاصّ المصري من أصل تركي، بأن يطلب لي إفطاراً، مؤكداً أن أباظة مَن سوف يدفع فاتورته بوصفه سكرتيراً لاتحاد الأدباء المصريين! وهكذا ظللت مواظباً على حضور ندوة توفيق الحكيم يومياً لمدة شهرين، منذ العاشرة صباحاً حتى الثالثة عصراً، مسجلاً حواراتي الصحافية مع أعضائها، لنشرها في جريدة (الرياض)... وكان الحوار في الندوة سجالاً بين الحكيم وعناصر من اليسار الناصري حول كتابه الصاعق (عودة الوعي) ليردّ عليه الكاتب الناصري محمد عودة بكتابه (الوعي المفقود)».
نزار قباني
يقول نصر الله: «تعود معرفتي الشخصية بنزار قباني إلى أواخر شهر فبراير (شباط) سنة 1975، إذ كنت من المترددين الأوائل على مكتبة الحاج محمد مدبولي بالقاهرة (...) وذات مساء وأنا بين رفوفها أقلّب جديد الإصدارات المصرية واللبنانية، دخل علينا رجل منهك القسمات بادي الضعف في بنيته الجسمية، فما كان من الحاج مدبولي إلا أن يترك زبائنه، محتفياً به بالغ الحفاوة... وبعدها قدمني إليه: أديب شاب من السعودية. سلمتُ عليه معرفاً باسمي، وكانت دهشتي كبيرة حين ضغط على يدي محيياً، شاكراً مقالتي التي نشرتُها في جريدة (الرياض) عن أحد دواوينه الصادرة وقتذاك... كان ذلك الرجل هو نزار قباني».
شناشيل ابنة الچلبي
لا يكتفي نصر الله بالحوارات، ولكنه ضليع في البحث عن الأسرار وطرح القضايا. حدث أن وجد بين أرفف مكتبته وهو يتناول ديوان «إقبال وشناشيل ابنة الچلبي» إهداءً، من غيلان بدر شاكر السيّاب، موقعاً بعواطف غامرة بتاريخ 23 سبتمبر (أيلول) 1979... قاده إلى التنقيب عن سيرة بدر شاكر السياب.
يقول: «كنت ليلتها في دار السيّاب في البصرة، بعد زيارة إلى (منزل الأقنان) في قريته جيكور مسقط رأسه، وقد التقيت فلاحين من أهله وجيرانه، وصهره فؤاد عبد الجليل، وبنتيه غيداء وآلاء من زوجته إقبال. قبلها كنت قد اكتشفت من خلال قراءتي في كتاب (تاريخ الأقطار العربية الحديث) للمستعرب الروسي الضخم (لوتسكي) أن أسرة السيّاب كانت ذات ماضٍ إقطاعي، إن لم تكن بالمصطلح الماركسي، فكأنها على أي حال، أسرة امتلكت الأراضي الزراعية.
تساءلتُ: هل لهذا يستعيد السيّاب لا وعيه التاريخي هذا في ديوانه (منزل الأقنان)؟ فقد وجدتُ بيت أسرة السيّاب في جيكور فسيح الباحة كبير المساحة، بدا متهاوياً بأطلال مجدٍ غابر، وأصبح الشعراء العرب من زوار مهرجانات بغداد يقفون عليه، كما كان شعراء الجاهلية يقفون على أطلالهم، ويتأملون في (شباك وفيقة) إحدى ملهمات الشاعر، ويا لهنّ من ملهمات».
يضيف: «لم تتردد الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، حين التقيتها في أبوظبي سنة 1996 في الحديث معي عن افْتِتَان السيّاب بجمالها الفاتن، وهما على مقاعد الدرس الجامعي في معهد دار المعلمين العالية ببغداد منتصف الأربعينات الميلادية من القرن المنصرم».
غازي القصيبي
الكتاب يحفل بلقاءات متعددة مع الأديب والوزير السعودي الراحل الدكتور غازي القصيبي، وبمقدار ما ربطت بين القصيبي والإعلامي نصر الله من صلات شخصية، فإن أي إطلالة للشاعر والأديب الراحل كانت تغذّي الفضاء العام بالكاريزما التي كان يتمتع بها القصيبي إنْ على مستوى العمل الحكومي كوزير أو كأديب وشاعر ما برح يمزج بين الصفتين في كل إطلالاته الإعلامية... لم يعتد نصر الله إجراء حوارات كثيرة مع السياسيين والمسؤولين، كان مفتوناً أكثر بالجانب الثقافي والأدبي، وحتى حواراته القليلة مع بعض المسؤولين العرب سرعان ما تتخذ في جانب منها منحى ثقافياً، لكنه مع القصيبي كان يحلّق في حوارية تمزج بين المسؤول الإداري والأديب الشاعر.


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.