حيدر العبد الله: أشعاري تحمل كمية هائلة من الطاقة

الشاعر حيدر العبد الله
الشاعر حيدر العبد الله
TT

حيدر العبد الله: أشعاري تحمل كمية هائلة من الطاقة

الشاعر حيدر العبد الله
الشاعر حيدر العبد الله

رغم حداثة سنه، يعبر الشاعر السعودي الشاب حيدر العبد الله، الذي توجه الأمير خالد الفيصل الأسبوع الماضي شاعر «شباب عكاظ»، لهذا العام، عن تجربة شعرية ناضجة وعن وعي عميق بالمفردة الشعرية، وانفتاح واسع على التجارب التي سبقته.
وقد حاز حيدر جواد العبد الله على جائزة «شاعر شباب عكاظ» في النسخة السابعة للمهرجان، وذلك عن قصيدته «رملة تغسل الماء». ويبلغ حيدر العبد الله 23 عاما، وهو متحدر من مدينة العمران في الأحساء، وهو لا يزال طالبا جامعيا يدرس «الهندسة الميكانيكية» بجامعة لندن. لكن تجربته الشعرية تعبر عن نبوغ مبكر، لفت انتباه العديد من النقاد والمراقبين، خاصة في مسقط رأسه الأحساء، التي تتميز بشعرائها، كما تتميز بالنخيل الذي ينبت في واحتها، والتربة الأحسائية خصبة بالشعراء. وبحسب الشاعر جاسم الصحيح، أبرز شعراء الأحساء، متحدثا لـ«الشرق الأوسط»، فإن «الشعر في الأحساء هو الحاضن الأول للمشاعر الإنسانية لجيل الأدباء»، مضيفا أن «ذاكرة الأحساء تحتفظ بالشعر كأهم الأجناس الإبداعية وذلك لأن تاريخ الأحساء الأدبي منبت خصب وقديم للشعراء منذ العصر الجاهلي. لذلك، نلاحظ في كل فترة بروز موهبة شعرية متجاوزة منذ الشاعر طرفة بن العبد».
أما الشاعر الشاب حيدر العبد الله، فيتحدث لنا عن تأثير البيئة الأحسائية في شعره، قائلا: «الطابع الجغرافي والاجتماعي بالأحساء هو طابع غني بالحب والجمال المحرض بكل تأكيد على البوح». ويضيف: «الأرض نابضة بالحياة والتواصل، والقلوب خضراء سهلية. ربما بلغ أثر تلك البيئة علي أقصاه، حين افتقدتها أثناء إقامتي بالمملكة المتحدة. كنت أشتاق أكثر ما أشتاق لرائحة التراب والسعف المحترق أوائل الصباح. كانت تلك الصبابة تلهمني حينذاك أكثر من أي شوق ووجد آخر».
في لقاء «الشرق الأوسط» به، يتحدث حيدر العبد الله عن الشعر، معتبرا أن «الشعر من المفاهيم التي يصعب تعريفها بدقة، لكنه نسيج من المبالغات، يضيق ويتسع، ليجعل جسد الحقيقة أكثر إثارة». ويضيف: «يبقى الشعر بمعناه اللغوي مجرد أداة تعبير، أو نافذة تطل منها (شاعرية) الإنسان. فكل إنسان شاعري، وليس كل شاعر إنسانا شاعريا».
أما تباشير موهبته الشعرية فقد برزت مبكرا، منذ مرحلته الابتدائية. يقول: «كتبت (الخرابيش) الأولى حين كنت في الصف الرابع الابتدائي تقريبا. كنت أحب (الدندنة) كثيرا، ومرة إذ كنت أتوضأ أمام مرآة، كان الموقف غاية في الإمعان، فخرجت مع الإيقاع بضع كليمات، ظننتها للوهلة الأولى شعرا، فتلقفتني إحدى أخواتي، وقامت برعاية هذه الموهبة منذ ذلك اليوم. كانت تعطيني المكافآت مقابل حفظي لقصائد كانت تطبعها لي، وكانت تجلس معي في ورش لرصف بعض الأبيات المهشمة. سأظل ممتنا لهذه الأخت ما حييت».

* الشعر وقانون نيوتن!
* يدرس العبد الله الهندسة الميكانيكية، وهو تخصص بعيد عن الشعر والأدب، لكنه يجد ثمة رابطا بين الجانبين، يقول: «لو تأملنا لوجدنا أن قوانين الفيزياء فاعلة عاملة في كل نص شعري. فحين نناقش الحركة وحيوية الصورة، فإن مفهوم الحركة أصلا مفهوم (نيوتني). وفي رأيي، فكل مفردة تحمل في جوفها كمية هائلة من الطاقة الكامنة يستطيع الشاعر، إن اجتهد ووفق، أن يحولها إلى طاقة كهربائية يضيء بها الورق والحدائق وقلوب الآخرين. لكن في الواقع، الشعر ليس هندسة، هو أميل إلى الهدم والتخريب اللغوي، منه إلى التشييد والنسق».
ولا يحفل هذا الشاعر الشاب باتجاهات الشعر ومذاهبه وأشكاله، حيث يعتبر نفسه خارج التصنيف، ويقول: «بالنسبة للشعر؛ انس الشكل، ولتكن حفاوتك بمحتواه. لدي شخصيا جرأة لا بأس بها في تجريب كل الأشكال الشعرية، من عمود وتفعيلة، ونثر أحيانا، حتى أني أكتب الشعبي والإنجليزي أيضا. كل تلك القوالب تذهب، وتخلد روح وشاعرية النص».

* نصوص متحركة
* تتميز قصائد حيدر العبد الله بكثافة الصور التي تجعل من القصيدة نصا متحركا ونابضا، يقول حيدر العبد الله: «الحركة هي الفرق بين مقطع فيديو وصورة فوتوغرافية مجمدة، وهي ذات الفرق بين صورة واحدة متقنة، ومجموعة متتابعة من الصور المتقنة». ويضيف: «رؤيتي دائما هي تحويل النص الشعري إلى فيلم لغوي، يخطف أنفاس المتلقي، يصعد به ويهبط في جغرافيا الفكرة. أعتقد أن لرؤيتي تلك علاقة بهواية أخرى أمارسها، ولا أجيدها كالشعر طبعا، وهي الإخراج السينمائي».
وقد لاحظ الشاعر جاسم صحيح، جمالية اللقطة وكثافة الصورة في شعر العبد الله، وقال: «إن العنصر الفريد الذي يطغى على قصائد العبد الله هو عنصر الإلهام ويتجلى ذلك في صناعة الصورة واستلهام الرؤية واصطياد المعنى. ففي بعض القصائد، ثمة كشوفات تصل إلى حد الإبهار فتشعر بأنه يحاول أن يكتشف قانونا عقليا جماليا أو فنيا من قوانين الطبيعة البشرية كما في قصيدته (خرافة)، التي يقول فيها:
الخرافة - كائن حي جبان واقف مثل الزرافة! - يقظ ليلا نهارا خائف من طلقة الصياد - من أن يستطيع الفلسفيون اكتشافه - الخرافات تماما كالزرافات - لكي يبقين أحياء - من الواجب أن نبقى على بعد مسافة». ويضيف الصحيح: «موهبة الشاعر حيدر تتجلى في قدرته العميقة على التأمل حيث يحفر في واقع الحدث الذي يريد أن يكتب عنه بمعول ذهني حاد ويذهب عميقا كي يستخرج له أبجدية خاصة به وهذه هي العبقرية الشعرية». ويقول: «ما يميز هذه الموهبة أيضا هو ذلك الحس الفطري بالصياغة الشعرية، الأمر الذي يوضح لنا أن الشعر بذرة إلهية مكونة في ذات هذا الشاعر، لذلك لا نلاحظ تكلفا في أسلوبه الكتابي، وإنما تنساب الفكرة في مجرى كلماته انسياب النهر برهافة وجمالية وألق».

* بناء الوعي
* يتحدث العبد الله عن تجربته الشعرية الفتية، فيقول: «ليس لحداثة التجربة معيار واضح ومتفق عليه. فعمر تجربتي الشعرية يتجاوز السنوات العشر، لكنها بالتأكيد ما زالت طفلة».
وعلى الرغم من محدودية تجربته الشعرية والأدبية، فإن قصائده تتصف بوعي عميق باللحظة الشعرية، وانفتاح كامل على الأفق الشعري، وتوظيف دقيق للمفردة، مع جمالية التصوير.
ويضيف العبد الله: «الوعي عمق مهم جدا، على أي شاعر يطمح للنجاح أن يبلغه. الوعي تراكم، لا يمكن تحصيله هكذا فجأة». ويتابع: «كلما جربت الحياة وجربتك زاد إدراكك لتفاصيلها واستشرافك لغدها واحتد حدسك وأرهفت حواسك، أما حصيلة المفردات والتراكيب الشعرية، فهي وليدة القراءة أولا، والابتكار ثانيا. الأهم هو التقاط الفكرة، ثم تأتي مرحلة مزج وضبط مقادير من المفردات في قالب تلك الفكرة، وليس العكس». هذا الوعي لاحظه الشاعر جاسم صحيح، معتبرا أن «ما يميز حيدر هو ذلك الوعي الشعري المبكر الذي أهله لأن يكون مستقلا بأسلوبه في الكتابة منذ قصائده الأولى فهو لم يتأثر بأحد حسب معرفتي به، وإنما هو أشبه بالبستان الذي رواه ماء السحب في سماء الشعر مباشرة من دون أن يختلط بمياه الشعراء الآخرين».
أما الشاعر علي النحوي، وهو شاعر آخر من الأحساء، فيرى أن قصائد حيدر العبد الله تتصف بوعي عميق، وهو يرى أن هذا الشاعر الشاب ينتمي لجيل أدبي ثقافي جديد في المملكة بشكل عام وفي الشرقية بشكل خاص، حيث يقول: «هذا الجيل يتمتع بنضج ووعي آتيين من مرحلة ثقافية تعيشها المملكة، حيث توفرت لهم عناية بالتدريس في الخارج مما جعل أفقهم أوسع، أضف إلى ذلك الجانب التكويني لهذا الجيل الذي يعتبر امتدادا لجيل قد جعل الثقافة والإبداع من أهم خياراته». أما بالنسبة لحيدر العبد الله، فيرى النحوي أنه «صوت شعري آت من منطقة الخصب والنماء، ويتميز نصه الشعري بالوعي والنضج ومحاولة تشكيل شخصية خاصة به تحاول أن تنزع عنها الانتماءات المؤسسة، وتقتل آباءها، ليكون ضمن مجموعة شباب مبدعين أتمنى أن تلتفت الجهات الثقافية لهم». ويضيف: «حيدر يكتب القصيدة مؤمنا بها، لتولد من عمقه المزدحم بالكائنات الفنية، يرفد كل ذلك طموح بأن يكتب قصيدة تستطيع التحرك في محيط ما عاد يقبل التقليدي والمكرر، لذا نجد نصه يسبق عمره، حيث يطل من شرفة قادرة على رؤية مدى شعري أوسع، وهذا ما يجعلنا فخورين بما أنجزه مبكرا، حيث انضم لقائمة الشباب الذين حققوا منجزا أدبيا رائعا».
أما الشاعر ناجي حرابة، وهو أيضا شاعر أحسائي شاب، سبق أن فاز بجائزة شاعر شباب عكاظ عام 2010، فيقول إن ما يميز تجربة العبد الله هو «ما يمتلكه من وعي شعري مبكر وهمة متواصلة في صقل موهبته الشعرية، والتصاقه بالشعراء البارزين وقراءاته المتنوعة، واطلاعه على الثقافة الغربية أيضا حينما كان يدرس في بريطانيا، وحسه الصافي، فبكل هذه المصادر التي استثمرها بمهارة أنتج لنا شعرا رائعا حاول فيه أن يزاوج بين المضامين المنبثقة من الواقع خاصة المهمش، وبين الجسد الشعري البسيط في تركيبه، لتخرج نصوصه ذات طواعية وعفوية في السبك، ورؤية مكتنزة في المعاني».



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.