حيدر العبد الله: أشعاري تحمل كمية هائلة من الطاقة

الشاعر حيدر العبد الله
الشاعر حيدر العبد الله
TT

حيدر العبد الله: أشعاري تحمل كمية هائلة من الطاقة

الشاعر حيدر العبد الله
الشاعر حيدر العبد الله

رغم حداثة سنه، يعبر الشاعر السعودي الشاب حيدر العبد الله، الذي توجه الأمير خالد الفيصل الأسبوع الماضي شاعر «شباب عكاظ»، لهذا العام، عن تجربة شعرية ناضجة وعن وعي عميق بالمفردة الشعرية، وانفتاح واسع على التجارب التي سبقته.
وقد حاز حيدر جواد العبد الله على جائزة «شاعر شباب عكاظ» في النسخة السابعة للمهرجان، وذلك عن قصيدته «رملة تغسل الماء». ويبلغ حيدر العبد الله 23 عاما، وهو متحدر من مدينة العمران في الأحساء، وهو لا يزال طالبا جامعيا يدرس «الهندسة الميكانيكية» بجامعة لندن. لكن تجربته الشعرية تعبر عن نبوغ مبكر، لفت انتباه العديد من النقاد والمراقبين، خاصة في مسقط رأسه الأحساء، التي تتميز بشعرائها، كما تتميز بالنخيل الذي ينبت في واحتها، والتربة الأحسائية خصبة بالشعراء. وبحسب الشاعر جاسم الصحيح، أبرز شعراء الأحساء، متحدثا لـ«الشرق الأوسط»، فإن «الشعر في الأحساء هو الحاضن الأول للمشاعر الإنسانية لجيل الأدباء»، مضيفا أن «ذاكرة الأحساء تحتفظ بالشعر كأهم الأجناس الإبداعية وذلك لأن تاريخ الأحساء الأدبي منبت خصب وقديم للشعراء منذ العصر الجاهلي. لذلك، نلاحظ في كل فترة بروز موهبة شعرية متجاوزة منذ الشاعر طرفة بن العبد».
أما الشاعر الشاب حيدر العبد الله، فيتحدث لنا عن تأثير البيئة الأحسائية في شعره، قائلا: «الطابع الجغرافي والاجتماعي بالأحساء هو طابع غني بالحب والجمال المحرض بكل تأكيد على البوح». ويضيف: «الأرض نابضة بالحياة والتواصل، والقلوب خضراء سهلية. ربما بلغ أثر تلك البيئة علي أقصاه، حين افتقدتها أثناء إقامتي بالمملكة المتحدة. كنت أشتاق أكثر ما أشتاق لرائحة التراب والسعف المحترق أوائل الصباح. كانت تلك الصبابة تلهمني حينذاك أكثر من أي شوق ووجد آخر».
في لقاء «الشرق الأوسط» به، يتحدث حيدر العبد الله عن الشعر، معتبرا أن «الشعر من المفاهيم التي يصعب تعريفها بدقة، لكنه نسيج من المبالغات، يضيق ويتسع، ليجعل جسد الحقيقة أكثر إثارة». ويضيف: «يبقى الشعر بمعناه اللغوي مجرد أداة تعبير، أو نافذة تطل منها (شاعرية) الإنسان. فكل إنسان شاعري، وليس كل شاعر إنسانا شاعريا».
أما تباشير موهبته الشعرية فقد برزت مبكرا، منذ مرحلته الابتدائية. يقول: «كتبت (الخرابيش) الأولى حين كنت في الصف الرابع الابتدائي تقريبا. كنت أحب (الدندنة) كثيرا، ومرة إذ كنت أتوضأ أمام مرآة، كان الموقف غاية في الإمعان، فخرجت مع الإيقاع بضع كليمات، ظننتها للوهلة الأولى شعرا، فتلقفتني إحدى أخواتي، وقامت برعاية هذه الموهبة منذ ذلك اليوم. كانت تعطيني المكافآت مقابل حفظي لقصائد كانت تطبعها لي، وكانت تجلس معي في ورش لرصف بعض الأبيات المهشمة. سأظل ممتنا لهذه الأخت ما حييت».

* الشعر وقانون نيوتن!
* يدرس العبد الله الهندسة الميكانيكية، وهو تخصص بعيد عن الشعر والأدب، لكنه يجد ثمة رابطا بين الجانبين، يقول: «لو تأملنا لوجدنا أن قوانين الفيزياء فاعلة عاملة في كل نص شعري. فحين نناقش الحركة وحيوية الصورة، فإن مفهوم الحركة أصلا مفهوم (نيوتني). وفي رأيي، فكل مفردة تحمل في جوفها كمية هائلة من الطاقة الكامنة يستطيع الشاعر، إن اجتهد ووفق، أن يحولها إلى طاقة كهربائية يضيء بها الورق والحدائق وقلوب الآخرين. لكن في الواقع، الشعر ليس هندسة، هو أميل إلى الهدم والتخريب اللغوي، منه إلى التشييد والنسق».
ولا يحفل هذا الشاعر الشاب باتجاهات الشعر ومذاهبه وأشكاله، حيث يعتبر نفسه خارج التصنيف، ويقول: «بالنسبة للشعر؛ انس الشكل، ولتكن حفاوتك بمحتواه. لدي شخصيا جرأة لا بأس بها في تجريب كل الأشكال الشعرية، من عمود وتفعيلة، ونثر أحيانا، حتى أني أكتب الشعبي والإنجليزي أيضا. كل تلك القوالب تذهب، وتخلد روح وشاعرية النص».

* نصوص متحركة
* تتميز قصائد حيدر العبد الله بكثافة الصور التي تجعل من القصيدة نصا متحركا ونابضا، يقول حيدر العبد الله: «الحركة هي الفرق بين مقطع فيديو وصورة فوتوغرافية مجمدة، وهي ذات الفرق بين صورة واحدة متقنة، ومجموعة متتابعة من الصور المتقنة». ويضيف: «رؤيتي دائما هي تحويل النص الشعري إلى فيلم لغوي، يخطف أنفاس المتلقي، يصعد به ويهبط في جغرافيا الفكرة. أعتقد أن لرؤيتي تلك علاقة بهواية أخرى أمارسها، ولا أجيدها كالشعر طبعا، وهي الإخراج السينمائي».
وقد لاحظ الشاعر جاسم صحيح، جمالية اللقطة وكثافة الصورة في شعر العبد الله، وقال: «إن العنصر الفريد الذي يطغى على قصائد العبد الله هو عنصر الإلهام ويتجلى ذلك في صناعة الصورة واستلهام الرؤية واصطياد المعنى. ففي بعض القصائد، ثمة كشوفات تصل إلى حد الإبهار فتشعر بأنه يحاول أن يكتشف قانونا عقليا جماليا أو فنيا من قوانين الطبيعة البشرية كما في قصيدته (خرافة)، التي يقول فيها:
الخرافة - كائن حي جبان واقف مثل الزرافة! - يقظ ليلا نهارا خائف من طلقة الصياد - من أن يستطيع الفلسفيون اكتشافه - الخرافات تماما كالزرافات - لكي يبقين أحياء - من الواجب أن نبقى على بعد مسافة». ويضيف الصحيح: «موهبة الشاعر حيدر تتجلى في قدرته العميقة على التأمل حيث يحفر في واقع الحدث الذي يريد أن يكتب عنه بمعول ذهني حاد ويذهب عميقا كي يستخرج له أبجدية خاصة به وهذه هي العبقرية الشعرية». ويقول: «ما يميز هذه الموهبة أيضا هو ذلك الحس الفطري بالصياغة الشعرية، الأمر الذي يوضح لنا أن الشعر بذرة إلهية مكونة في ذات هذا الشاعر، لذلك لا نلاحظ تكلفا في أسلوبه الكتابي، وإنما تنساب الفكرة في مجرى كلماته انسياب النهر برهافة وجمالية وألق».

* بناء الوعي
* يتحدث العبد الله عن تجربته الشعرية الفتية، فيقول: «ليس لحداثة التجربة معيار واضح ومتفق عليه. فعمر تجربتي الشعرية يتجاوز السنوات العشر، لكنها بالتأكيد ما زالت طفلة».
وعلى الرغم من محدودية تجربته الشعرية والأدبية، فإن قصائده تتصف بوعي عميق باللحظة الشعرية، وانفتاح كامل على الأفق الشعري، وتوظيف دقيق للمفردة، مع جمالية التصوير.
ويضيف العبد الله: «الوعي عمق مهم جدا، على أي شاعر يطمح للنجاح أن يبلغه. الوعي تراكم، لا يمكن تحصيله هكذا فجأة». ويتابع: «كلما جربت الحياة وجربتك زاد إدراكك لتفاصيلها واستشرافك لغدها واحتد حدسك وأرهفت حواسك، أما حصيلة المفردات والتراكيب الشعرية، فهي وليدة القراءة أولا، والابتكار ثانيا. الأهم هو التقاط الفكرة، ثم تأتي مرحلة مزج وضبط مقادير من المفردات في قالب تلك الفكرة، وليس العكس». هذا الوعي لاحظه الشاعر جاسم صحيح، معتبرا أن «ما يميز حيدر هو ذلك الوعي الشعري المبكر الذي أهله لأن يكون مستقلا بأسلوبه في الكتابة منذ قصائده الأولى فهو لم يتأثر بأحد حسب معرفتي به، وإنما هو أشبه بالبستان الذي رواه ماء السحب في سماء الشعر مباشرة من دون أن يختلط بمياه الشعراء الآخرين».
أما الشاعر علي النحوي، وهو شاعر آخر من الأحساء، فيرى أن قصائد حيدر العبد الله تتصف بوعي عميق، وهو يرى أن هذا الشاعر الشاب ينتمي لجيل أدبي ثقافي جديد في المملكة بشكل عام وفي الشرقية بشكل خاص، حيث يقول: «هذا الجيل يتمتع بنضج ووعي آتيين من مرحلة ثقافية تعيشها المملكة، حيث توفرت لهم عناية بالتدريس في الخارج مما جعل أفقهم أوسع، أضف إلى ذلك الجانب التكويني لهذا الجيل الذي يعتبر امتدادا لجيل قد جعل الثقافة والإبداع من أهم خياراته». أما بالنسبة لحيدر العبد الله، فيرى النحوي أنه «صوت شعري آت من منطقة الخصب والنماء، ويتميز نصه الشعري بالوعي والنضج ومحاولة تشكيل شخصية خاصة به تحاول أن تنزع عنها الانتماءات المؤسسة، وتقتل آباءها، ليكون ضمن مجموعة شباب مبدعين أتمنى أن تلتفت الجهات الثقافية لهم». ويضيف: «حيدر يكتب القصيدة مؤمنا بها، لتولد من عمقه المزدحم بالكائنات الفنية، يرفد كل ذلك طموح بأن يكتب قصيدة تستطيع التحرك في محيط ما عاد يقبل التقليدي والمكرر، لذا نجد نصه يسبق عمره، حيث يطل من شرفة قادرة على رؤية مدى شعري أوسع، وهذا ما يجعلنا فخورين بما أنجزه مبكرا، حيث انضم لقائمة الشباب الذين حققوا منجزا أدبيا رائعا».
أما الشاعر ناجي حرابة، وهو أيضا شاعر أحسائي شاب، سبق أن فاز بجائزة شاعر شباب عكاظ عام 2010، فيقول إن ما يميز تجربة العبد الله هو «ما يمتلكه من وعي شعري مبكر وهمة متواصلة في صقل موهبته الشعرية، والتصاقه بالشعراء البارزين وقراءاته المتنوعة، واطلاعه على الثقافة الغربية أيضا حينما كان يدرس في بريطانيا، وحسه الصافي، فبكل هذه المصادر التي استثمرها بمهارة أنتج لنا شعرا رائعا حاول فيه أن يزاوج بين المضامين المنبثقة من الواقع خاصة المهمش، وبين الجسد الشعري البسيط في تركيبه، لتخرج نصوصه ذات طواعية وعفوية في السبك، ورؤية مكتنزة في المعاني».



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.