هل تُعيد «غرامة الغياب» الانضباط إلى مدارس مصر؟

بعد فرض عقوبات لإجبار الطلبة على الحضور

طلاب ثانوية عامة
طلاب ثانوية عامة
TT

هل تُعيد «غرامة الغياب» الانضباط إلى مدارس مصر؟

طلاب ثانوية عامة
طلاب ثانوية عامة

بينما تستعد الأسر المصرية لاستقبال العام الدراسي الجديد في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، تقول «زارة التربية والتعليم إنها تستهدف «ضبط العملية التعليمة» وتفادي مشكلات الأعوام الماضية، ومن بينها «عزوف الطلاب عن المدارس، واستبدال الحصص المدرسية بالدروس الخصوصية».
وأصدر الدكتور رضا حجازي، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، قراراً نشرته الصحف الرسمية المصرية، (الاثنين)، بعودة ما أطلق عليه «لائحة الانضباط»، التي من شأنها «ضمان سير العملية التعليمية على نحو أكثر انضباطاً»، حسب توصيف الوزارة، فيما فرضت «التربية والتعليم» غرامات مالية على الطلاب حال التغيب عن الدراسة دون إبداء أسباب مأخوذ بها.
وذكرت الوزارة أن غرامة الانقطاع عن المدرسة تُقدر بـ10 جنيهات مصرية (الدولار يساوي 19.33 جنيه مصري) تُفرض على الطالب حال تخلفه عن حضور المدرسة من دون عذر مقبول لمدة 10 أيام متصلة أو منفصلة، كما أوضحت أن القرار سارٍ على مراحل التعليم الأساسي، ويشمل المدارس الرسمية والخاصة.
وعن مدى جدوى تفعيل «غرامة الغياب» وتأثيرها على الحد من الدروس الخصوصية، يرى الدكتور محمد فتح الله، الخبير التربوي، أن «لائحة الانضباط ليس خطوة مستحدثة، بينما تعود لسنوات مضت، لكنها لم تُؤتِ أُكلها»، ويقول في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «لم تكن هناك جدية في تطبيقها من قبل، غير أن الغرامات المالية لا أتوقع أن تؤتي جدواها، ولا سيما أننا شاهدنا تهديدات سابقة وصلت إلى حد الفصل التام، بهدف إرغام الطالب على الحضور ولكن انتهت جميعها دون تحقيق فرق، لأنها لم تنتقل إلى مرحلة التنفيذ الفعلي».
ويختلف الخبير التربوي مع رؤية وزارة التربية والتعليم في اختيار طريقة تحقيق الانضباط، ويقول: «لماذا نلجأ إلى التهديد طالما ثمة إجراءات أخرى يمكن أخذها لتصبح المدرسة منطقة جذب للطالب، علينا أن نجد الأسباب التي تجعل المدرسة مساحة طاردة للطلاب، بينما يتجهون في الوقت عينه إلى الدروس الخصوصية».
ويردف: «أساليب التعلم واختلافها في الدروس الخصوصية عنها داخل الفصل المدرسي، سبب رئيسي في عزوف الطلاب عن المدرسة، المعلم نجح في الوصول إلى عقل الطالب خارج الفصل، ما يشير إلى خلل في آلية الامتحانات التي ما زالت لا تعمل بشكل هرمي».
«غرامة الغياب» جاءت ضمن حزمة قرارات اتخذها «حجازي» منذ أن تولى مسؤولية حقيبة التعليم في يوليو (تموز) الماضي. من بينها إلزام المعلمين بضرورة إصدار رخصة قبل مزاولة المهنة لضمان الكفاءة، كما وضع آليات لتخصيص يوم رياضي وفني وثقافي داخل المدارس كوسيلة لتحويل المدارس إلى ساحة جاذبة، فضلاً عن فرض تسهيلات لتحصيل المصروفات المدرسية، من شأنها تخفيف العبء على الأسر وسط أزمة اقتصادية طاحنة. كذلك، جاء على رأس قراراته التي حظيت بترحيب أولياء الأمور تخفيف مناهج الصف الرابع الابتدائي، ووضع الضوابط التي من شأنها تيسير عملية إجراء امتحانات الثانوية العامة والتصحيح على نحو أفضل وأكثر صرامة فيما يخص عمليات الغش.
من جانبه، يرى الخبير التربوي الدكتور كمال مغيث أن «الإصلاح لا يأتي من القرارات الإلزامية، بينما يتحقق بإصلاح القاعدة، المقصود بها الطلاب والمعلمون»، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «إصلاح التعليم لن يتحقق إلا بتوفير بيئة صحية للطالب، تبدأ بمعلم ذي كفاءة يتمتع بأوضاع وظيفية واقتصادية كريمة، ولن تأتي الغرامات بأي جدوى حال تغافلنا عن احتياجات الطالب التي تنقسم إلى حاجة معرفية تتحقق بالخدمات الدراسية الجادة، وأخرى وجدانية يحصل عليها الطالب من خلال ممارسة نشاطات فنية وثقافية تغرس القيم، وأيضاً الحاجات المهارية التي تستهدف الطاقة البدنية. إذا تمكنت المدرسة من إشباع هذه الاحتياجات فنحن أمام عملية تعليمية سليمة دون جدال، وغير ذلك إصلاحات لا يعتد بها».


مقالات ذات صلة

دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

الولايات المتحدة​ دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

أظهر بحث جديد أن مدى جودة مدرستك الثانوية قد يؤثر على مستوى مهاراتك المعرفية في وقت لاحق في الحياة. وجدت دراسة أجريت على أكثر من 2200 من البالغين الأميركيين الذين التحقوا بالمدرسة الثانوية في الستينات أن أولئك الذين ذهبوا إلى مدارس عالية الجودة يتمتعون بوظيفة إدراكية أفضل بعد 60 عاماً، وفقاً لشبكة «سكاي نيوز». وجد الباحثون أن الالتحاق بمدرسة مع المزيد من المعلمين الحاصلين على تدريب مهني كان أوضح مؤشر على الإدراك اللاحق للحياة. كانت جودة المدرسة مهمة بشكل خاص للمهارات اللغوية في وقت لاحق من الحياة. استخدم البحث دراسة استقصائية أجريت عام 1960 لطلاب المدارس الثانوية في جميع أنحاء الولايات المتحدة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي مصر: نفي رسمي لـ«إلغاء مجانية» التعليم الجامعي الحكومي

مصر: نفي رسمي لـ«إلغاء مجانية» التعليم الجامعي الحكومي

نفت الحكومة المصرية، أمس السبت، عزمها «إلغاء مجانية التعليم الجامعي»، مؤكدة التزامها بتطوير قطاع التعليم العالي. وتواترت أنباء خلال الساعات الماضية حول نية الحكومة المصرية «إلغاء مجانية التعليم في الجامعات الحكومية»، وأكد مجلس الوزراء المصري، في إفادة رسمية، أنه «لا مساس» بمجانية التعليم بكل الجامعات المصرية، باعتباره «حقاً يكفله الدستور والقانون لكل المصريين».

إيمان مبروك (القاهرة)
«تشات جي بي تي»... خصم وصديق للتعليم والبحث

«تشات جي بي تي»... خصم وصديق للتعليم والبحث

لا يزال برنامج «تشات جي بي تي» يُربك مستخدميه في كل قطاع؛ وما بين إعجاب الطلاب والباحثين عن معلومة دقيقة ساعدهم «الصديق (جي بي تي)» في الوصول إليها، وصدمةِ المعلمين والمدققين عندما يكتشفون لجوء طلابهم إلى «الخصم الجديد» بهدف تلفيق تأدية تكليفاتهم، لا يزال الفريقان مشتتين بشأن الموقف منه. ويستطيع «تشات جي بي تي» الذي طوَّرته شركة الذكاء الصناعي «أوبن إيه آي»، استخدامَ كميات هائلة من المعلومات المتاحة على شبكة الإنترنت وغيرها من المصادر، بما في ذلك حوارات ومحادثات بين البشر، لإنتاج محتوى شبه بشري، عبر «خوارزميات» تحلّل البيانات، وتعمل بصورة تشبه الدماغ البشري. ولا يكون النصُّ الذي يوفره البرنامج

حازم بدر (القاهرة)
تحقيقات وقضايا هل يدعم «تشات جي بي تي» التعليم أم يهدده؟

هل يدعم «تشات جي بي تي» التعليم أم يهدده؟

رغم ما يتمتع به «تشات جي بي تي» من إمكانيات تمكنه من جمع المعلومات من مصادر مختلفة، بسرعة كبيرة، توفر وقتاً ومجهوداً للباحث، وتمنحه أرضية معلوماتية يستطيع أن ينطلق منها لإنجاز عمله، فإن للتقنية سلبيات كونها قد تدفع آخرين للاستسهال، وربما الاعتماد عليها بشكل كامل في إنتاج موادهم البحثية، محولين «تشات جي بي تي» إلى أداة لـ«الغش» العلمي.

حازم بدر (القاهرة)
العالم العربي بن عيسى يشدد على أهمية التعليم لتركيز قيم التعايش

بن عيسى يشدد على أهمية التعليم لتركيز قيم التعايش

اعتبر محمد بن عيسى، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، ووزير الخارجية المغربي الأسبق، أن مسألة التعايش والتسامح ليست مطروحة على العرب والمسلمين في علاقتهم بالأعراق والثقافات الأخرى فحسب، بل أصبحت مطروحة حتى في علاقتهم بعضهم ببعض. وقال بن عيسى في كلمة أمام الدورة الحادية عشرة لمنتدى الفكر والثقافة العربية، الذي نُظم أمس (الخميس) في أبوظبي، إن «مسألة التعايش والتسامح باتت مطروحة علينا أيضاً على مستوى بيتنا الداخلي، وكياناتنا القطرية، أي في علاقتنا ببعضنا، نحن العرب والمسلمين».

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)

منتجا «سفن دوجز»: هاجس المقارنة مع أفلام «هوليوود» لم يشغلنا

ضم الفيلم عدداً من النجوم العالميين (الشركة المنتجة)
ضم الفيلم عدداً من النجوم العالميين (الشركة المنتجة)
TT

منتجا «سفن دوجز»: هاجس المقارنة مع أفلام «هوليوود» لم يشغلنا

ضم الفيلم عدداً من النجوم العالميين (الشركة المنتجة)
ضم الفيلم عدداً من النجوم العالميين (الشركة المنتجة)

مع استعداد فيلم «سفن دوجز» للانطلاق في 22 دولة حول العالم خلال شهر يونيو (حزيران) الحالي، أكد منتجا الفيلم، البريطاني إيفان أتكينسون وسايروس باتيل، أن التجربة حققت أرقاماً قياسية، وتُعد من أكثر المشروعات العربية طموحاً في السنوات الأخيرة.

ولا تقتصر أهمية التجربة على أرقامها القياسية أو حجم إنتاجها، وفق حديث المنتجين لـ«الشرق الأوسط»، بل تمتد إلى ما تُمثله من محاولة لإعادة تعريف حدود الإنتاج السينمائي في المنطقة، وقدرته على منافسة الأعمال العالمية الكبرى، مع مشاركة نجوم عالميين على غرار مونيكا بيلوتشي في الفيلم، إلى جانب النجمين المصريين كريم عبد العزيز وأحمد عز، والفنان السعودي ناصر القصبي.

وخلف المشاهد الضخمة التي يراها الجمهور على الشاشة، كانت هناك رحلة طويلة من التخطيط والتنفيذ وإدارة التفاصيل اليومية، شارك فيها مئات العاملين من مختلف الجنسيات والتخصصات.

ويكشف المنتجان اللذان توليا مسؤوليات إنتاجية وتنفيذية رئيسية خلال مراحل العمل، كواليس خروج «سفن دوجز» إلى النور، والتحديات التي واجهت صُنّاعه، وكيف تحولت السعودية إلى منصة لاستضافة أحد أكبر المشروعات السينمائية في المنطقة.

وأكد المنتج البريطاني إيفان أتكينسون أن الرهان الأساسي منذ انطلاق العمل لم يكن تقديم فيلم عربي محدود النطاق أو فيلم عالمي منفصل عن بيئته، بل إنتاج عمل يجمع بين الأمرين في الوقت نفسه، مشيراً إلى أن المشروعات الكبيرة عادة ما تواجه مقارنات مباشرة مع الإنتاجات الهوليوودية، خصوصاً عندما ترتبط بميزانيات ضخمة ومشاهد أكشن واسعة النطاق، إلا أن فريق العمل كان حريصاً على ألا يتحول هاجس المقارنة إلى عبء يُؤثر على طبيعة المشروع، فلم يشغلنا هذا الأمر.

سجل الفيلم الحضور الأول لمونيكا بيلوتشي في السينما العربية (الشركة المنتجة)

من جانبه، قال سايروس باتيل إن «التحدي الحقيقي لم يكن في تخيل ما يمكن للفيلم أن يقدمه على الشاشة، وإنما في تحويل هذا الطموح إلى واقع يمكن تنفيذه يومياً خلال أشهر التصوير»، موضحاً أن «أي مشروع بهذا الحجم يحتاج إلى ما هو أكثر من الأفكار الإبداعية، إذ يتطلب بنية تحتية متكاملة، وخططاً زمنية دقيقة، وأعداداً ضخمة من العاملين ومنظومة كاملة من الإجراءات التنظيمية واللوجستية».

وأوضح باتيل أن من أكثر الجوانب إثارة في التجربة تمثل في القدرة على تحويل الرياض إلى عوالم متعددة داخل الفيلم، مشيراً إلى أنه وصل إلى السعودية برفقة أتكينسون في المراحل الأولى من التحضير، وسرعان ما اكتشفا الإمكانات الكبيرة التي تتيحها المدينة لتنفيذ تصورات بصرية متنوعة، وأن الأمر تطلّب تنسيقاً هائلاً بين فرق الديكور والإنشاءات والإضاءة والتصوير والمؤثرات البصرية والأكشن، لأن الانتقال من عالم إلى آخر داخل الفيلم كان يحتاج إلى عمل معقد خلف الكاميرا.

بدوره، أوضح أتكينسون أن «هذه العملية تُمثل جزءاً مما يصفه صناع السينما بـ(سحر السينما)؛ حيث يمكن لموقع واحد أن يؤدي أدواراً متعددة، ويمنح المشاهد انطباعاً بأنه ينتقل بين بلدان مختلفة»، مؤكداً أن الاستفادة القصوى من المواقع المتاحة تُعد من أهم عناصر صناعة الأفلام، خصوصاً عندما يكون الهدف هو بناء عالم بصري واسع ومتنوع.

وأرجع أتكينسون نجاح الفيلم في الحفاظ على الجانب الإنساني وسط هذا الحجم الكبير من مشاهد الأكشن يعود بدرجة كبيرة إلى أداء الممثلين، لافتاً إلى أن «وجود ممثلين يمتلكون فهماً عميقاً لشخصياتهم يجعل مهمة المخرجين والمنتجين أكثر سهولة، لأن الجمهور لا يتفاعل مع الانفجارات والمطاردات فقط، بل مع الشخصيات التي تقف في قلب هذه الأحداث».

وتوقف أتكينسون عند مشهد الانفجار الضخم الذي أصبح من أبرز عناصر الترويج للفيلم، والذي دخل الفيلم من خلاله موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية بوصفه أكبر تفجير في مشهد واحد، مؤكداً أن «تنفيذ هذا المشهد كان من أكثر المراحل تعقيداً على المستوى التنظيمي، لأن محاولة تنفيذ انفجار بهذا الحجم فرضت على الفريق التعامل مع مستويات غير مسبوقة من التخطيط وإجراءات السلامة والتنسيق بين مختلف الإدارات، والوصول إلى النتيجة النهائية كان ثمرة شهور طويلة من التحضير»، على حد تعبيره.

عز في كواليس التحضير (الشركة المنتجة)

من جانبه، قال باتيل إن الخطر الذي يواجه أي إنتاج ضخم لا يتعلق فقط بالتكلفة المالية، بل أيضاً بفقدان الوقت من دون تحقيق النتائج المطلوبة، إذ إن كل ساعة تصوير في فيلم بهذا الحجم ترتبط بتكاليف كبيرة تشمل الممثلين والطواقم الفنية والمعدات والمؤثرات البصرية والنقل والخدمات المساندة. ولذلك كان الحفاظ على كفاءة الوقت يمثل أولوية يومية بالنسبة للإنتاج.

ورأى أتكينسون أن «سفن دوجز» يُمثل محطة مهمة في مسار تطور السينما العربية، لكنه لا يعتقد أن فيلماً واحداً يمكنه وحده تغيير المشهد بالكامل، مؤكداً أن أهمية هذه النوعية من المشروعات تكمن في قدرتها على إيجاد أفكار جديدة وإلهام مشروعات أخرى للسير في الاتجاه نفسه، فكل تجربة ناجحة تفتح الباب أمام تجارب أكبر وأكثر طموحاً.

تضمن الفيلم عدداً من مشاهد الأكشن (الشركة المنتجة)

واتفق باتيل مع هذا الطرح، مؤكداً أن الفيلم يبعث برسالة واضحة مفادها أن الشرق الأوسط لم يعد مجرد موقع تصوير أو سوق تمويل، بل أصبح قادراً على استضافة وإدارة وتنفيذ إنتاجات ضخمة وفق معايير عالمية، فالاستمرار بالاستثمار في البنية التحتية وتدريب الكوادر وتعزيز التعاون الدولي يمكن أن يُغير نظرة العالم إلى صناعة السينما العربية خلال السنوات المقبلة.

وفي ختام حديثهما، شدد أتكينسون وباتيل على أن ما تحقق في «سفن دوجز» يتجاوز حدود فيلم واحد، معتبرين أن التجربة أثبتت امتلاك المنطقة للطموح والكوادر والإمكانات اللازمة لخوض مشروعات أكثر جرأة في المستقبل. وأكدا أن الفيلم يُمثل خطوة جديدة في مسار صناعة سينمائية عربية تسعى إلى توسيع حضورها العالمي، ليس فقط من خلال القصص التي ترويها، بل أيضاً عبر قدرتها على تنفيذها بأعلى المستويات المهنية والتقنية.


«شارع الفن»... عروض فولكلورية تحيي «ثقافة الفرجة» في مصر

رئيس الوزراء خلال تدشين «شارع الفن» (رئاسة مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء خلال تدشين «شارع الفن» (رئاسة مجلس الوزراء)
TT

«شارع الفن»... عروض فولكلورية تحيي «ثقافة الفرجة» في مصر

رئيس الوزراء خلال تدشين «شارع الفن» (رئاسة مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء خلال تدشين «شارع الفن» (رئاسة مجلس الوزراء)

تستمر فعاليات «شارع الفن» التي تنظمها وزارة الثقافة المصرية عبر أكاديمية الفنون في وسط القاهرة، لتقدم أسبوعها الرابع من خلال فقرات متنوعة ما بين الفنون الكلاسيكية والتقليدية، والفنون الشعبية، والرسم والتصوير، وهي الفعاليات التي تمتد لثلاثة أيام في الأسبوع، من الخميس إلى السبت، في حين تستمر فعاليات الفن التشكيلي على مدى أيام الأسبوع.

وعبر الفقرات المتنوعة التي تقدمها الفعاليات، تستعيد فكرة «ثقافة الفرجة» في الشارع المصري، التي كانت معروفة في وقت ما بالعروض الجماهيرية وسط الشوارع والميادين، أو في الأماكن المفتوحة في القرى والمواقع الثقافية المختلفة بالأقاليم، لكنها تعود هذه المرة لتثبت حضورها في قلب القاهرة الخديوية التي طُوِّرت لتصبح أشبه بمتحف مفتوح.

ويتضمن الأسبوع الرابع للفعاليات أنشطة متنوعة، من بينها فنون الموسيقى والغناء، والعزف الشعبي، وفنون الأداء الاستعراضي من المعهد العالي للفنون الشعبية، واستعراض إسباني يقدمه المعهد العالي للباليه، بالإضافة إلى فنون الأداء المسرحي التي يشارك فيها السيرك القومي والحكي الشعبي ضمن فعاليات «شارع الفن».

ويرى الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن أن فعاليات «شارع الفن» من أبرز المشروعات في الفترة الأخيرة، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن إشراف أكاديمية الفنون على المشروع يوفر له جودة كبيرة وتنوعاً ملحوظاً، خصوصاً أن أكاديمية الفنون بها تخصصات متنوعة وتستطيع تقديم فنون الشارع. ولفت إلى أن «افتتاح رئيس الوزراء للمشروع أعطاه دفعة قوية بوصفه مشروعاً على مستوى الدولة، والمهم أن توضع له أسس تجعله يسير بالمعدل والانتظام نفسيهما لفترات طويلة».

جانب من فعاليات «شارع الفن» لدى تدشين المبادرة (رئاسة مجلس الوزراء)

وكان رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، قد حضر تدشين مشروع «شارع الفن» منتصف مايو (أيار) الماضي، وأكد أهمية الاستمرار في تنظيم مثل هذه المبادرات التي تسهم في جذب السياح، وتعزيز نشر الفن بين المواطنين، والحفاظ على الهوية الثقافية المصرية.

وحرصت أكاديمية الفنون خلال تلك الفعاليات على التعاون مع مؤسسات مختلفة في عروض الأسبوع الماضي، من بينها السيرك القومي ومسرح العرائس، لإضفاء أجواء احتفالية على الفعاليات عبر فنون الأداء المسرحي، كما تشمل الفعاليات معرضاً تشكيلياً بالتعاون مع نقابة التشكيليين، يضم أعمالاً في مجالات الرسم والنحت والخزف والتصوير الفوتوغرافي والغرافيك والطباعة.

ويصف الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين مبادرة «شارع الفن» بأنها «مساحة مهمة للتفاعل مع الفن والعروض الفولكلورية في القاهرة الخديوية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «ثقافة الفرجة والعروض الميدانية تحققت بشكل كبير، بزخم لافت في وسط البلد، مما يعزز فكرة ثقافة الفرجة والتفاعل مع العروض، خصوصاً في شوارع القاهرة الخديوية المتعطشة لهذه الفنون».

وأشار إلى أن اختيار المكان مهم جداً، «لأن منطقة القاهرة الخديوية مرتبطة في أذهان المصريين بالفن، بداية من فن العمارة وحتى الفن الشعبي»، على حد تعبيره.

وتأتي مبادرة «شارع الفن» ضمن «خطة شديدة الطموح للارتقاء بالذوق العام، ونشر ثقافة الفن، وتعميم قيم الجمال والإبداع بوصفها هوية بصرية للقاهرة التاريخية»، وفق بيان سابق لأكاديمية الفنون المصرية.


محمد طاهر: «مشاكل داخلية» يمزج بين الكوميديا السوداء والتوتر الإنساني

يعد أول فيلم مصري قصير ينافس في المهرجان الأميركي (الشركة المنتجة)
يعد أول فيلم مصري قصير ينافس في المهرجان الأميركي (الشركة المنتجة)
TT

محمد طاهر: «مشاكل داخلية» يمزج بين الكوميديا السوداء والتوتر الإنساني

يعد أول فيلم مصري قصير ينافس في المهرجان الأميركي (الشركة المنتجة)
يعد أول فيلم مصري قصير ينافس في المهرجان الأميركي (الشركة المنتجة)

قال المخرج المصري محمد طاهر إن فكرة فيلمه القصير «مشاكل داخلية 32B» ولدت في الأساس من ملاحظة اجتماعية دقيقة وعميقة، أكثر من كونها منطلقة من واقعة محددة بذاتها أو تجربة شخصية عابرة، موضحاً أن الكاتب والسيناريست هيثم دبور هو مَن صاغ هذه الفكرة، وكتب الفيلم ثم أرسل إليه النص.

وأضاف محمد طاهر لـ«الشرق الأوسط» أنه أحب السيناريو بشدة من القراءة الأولى، نظراً لاهتمامه في تلك الفترة بتقديم فيلم سينمائي يتمحور حول موقف يومي عابر وبسيط في ظاهره، لكنه يستطيع في الوقت ذاته أن يكشف عن طبقات عميقة وخافية في العلاقات الإنسانية المركبة.

ويعد «مشاكل داخلية 32B» أول فيلم مصري قصير يشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان «تريبيكا» السينمائي الدولي بنيويورك، بعد رحلة حافلة بالنجاحات؛ بدأها في النسخة الماضية من مهرجان «قرطاج» السينمائي بتونس بالتتويج بالجائزة الكبرى «التانيت الذهبي».

ويُقدم الفيلم، الذي يجمع بين محمد ممدوح وهنا شيحة، قصة إنسانية مكثفة تدور حول أب منفصل عن زوجته، يحاول جاهداً الحفاظ على علاقة قريبة ودافئة مع ابنته المراهقة، لكنه يجد نفسه فجأة محاصراً وسط مواقف تربوية حرجة ومتقلبة، تصنع خطاً درامياً رفيعاً يمزج بين الكوميديا السوداء والتوتر الإنساني الدافئ، مستنداً إلى بطولة متميزة للفنان محمد ممدوح.

طاهر بعد فوزه في «قرطاج» (إدارة المهرجان)

وأكد محمد طاهر أنه يفضل دائماً القصص التي عندما يشاهدها الجمهور يرى نفسه فيها بشكل مباشر، أو تجعل المشاهد يتذكر شخصاً يعرفه في حياته الواقعية مر بالتجربة ذاتها، لافتاً إلى أن هذه الأعمال تنطلق دائماً من تفاصيل صغيرة جداً، وتكاد تكون غير ملحوظة، إلا أنها تحمل طبقات إنسانية غنية، وتُسهم من خلال مواقف يومية عادية للغاية في تعرية شخصياتنا، وتوضيح حدودنا النفسية، ومواجهة مخاوفنا الدفينة.

وأشار إلى أن الفيلم يتناول مرحلة المراهقة من زاوية الأب أكثر من الابنة، وهي زاوية نادراً ما تحظى بالاهتمام الكافي في الأعمال الدرامية، فالأب في الفيلم ليس مجرد شخصية مسؤولة عن اتخاذ القرارات، بل إنسان يعيش حالة من الحيرة والارتباك، ويحاول أن يفهم ما يحدث حوله، فهو يعتقد في البداية أنه يؤدي دوره على أكمل وجه، لكنه يكتشف تدريجياً أن هناك فجوة حقيقية بينه وبين الابنة، وأن الحب وحده لا يكفي دائماً لضمان التواصل.

ويرى طاهر أن هذه الفجوة ترتبط أحياناً بما وصفه بـ«الكلام غير المَقول» داخل الأسرة، «مع تأجيل الكثير من الأسئلة والمشاعر على أمل أن تُحل من تلقاء نفسها، غير أن ما يبدو صمتاً مؤقتاً قد يتحول مع الوقت إلى مسافة حقيقية بين الآباء والأبناء. ومن هنا جاءت رغبته في استكشاف حالة الأب الداخلية، ليس بوصفها أزمة فردية، بل تجربة يمكن أن يجد كثيرون أنفسهم فيها».

وأكد طاهر أن الفيلم يحمل بعض الملامح المرتبطة بالسياق الثقافي العربي، لكنه فوجئ خلال عروضه الدولية بأن الجمهور في بلدان مختلفة تفاعل مع الحكاية بالقدر نفسه تقريباً، مشيراً إلى أن ردود الفعل التي تلقاها في نيويورك كانت من أكثر اللحظات تأثيراً بالنسبة له، إذ لاحظ أن الجمهور يضحك في المشاهد نفسها التي يضحك فيها الجمهور العربي، ويتفاعل مع المواقف ذاتها بالطريقة نفسها، في تجربة أكدت له أن المشاعر التي يناقشها الفيلم تتجاوز حدود المكان والثقافة.

محمد ممدوح في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

وعن المزج بين الكوميديا والبُعد الإنساني، أوضح أن «التحدي الأكبر كان الحفاظ على حساسية الموضوع من دون الوقوع في الميلودراما أو السخرية»، مشيراً إلى أن «الكوميديا في الفيلم لا تأتي من الاستهزاء بالشخصيات أو بالموقف، ولكن من صدق الشخصيات نفسها وهي تُحاول التعامل بجدية مع ظرف غير مألوف، فكلما كانت ردود الأفعال حقيقية، وأكثر ارتباطاً بطبيعة الشخصيات، أصبح الموقف أكثر قدرة على توليد الضحك والتعاطف في الوقت نفسه»، على حد تعبيره.

وقال طاهر إن اختيار محمد ممدوح لتجسيد شخصية الأب جاء انطلاقاً من إيمانه بقدرته على التعبير عن مشاعر معقدة بأقل قدر ممكن من الحوار، لافتاً إلى أن جزءاً كبيراً من الفيلم يعتمد على الانفعالات الداخلية والتفاصيل الدقيقة في الأداء، وهو ما يجيده ممدوح بشكل لافت.

وأضاف أن «العمل بينهما شهد جلسات تحضير مطولة وبروفات عديدة، تضمنت نقاشات حول دوافع الشخصية وخلفياتها النفسية وطبيعة ردود أفعالها في مختلف المواقف»، لافتاً إلى أن ممدوح لم يتعامل مع الدور بصفته مؤدياً فقط، بل شارك في تطوير الشخصية من خلال خبرته وملاحظاته، خصوصاً أن تجربة الأبوة نفسها جعلته قريباً من المشاعر التي يمر بها البطل، وهو ما انعكس على أداء الشخصية، ومنحتها قدراً أكبر من العمق والصدق.

وأضاف أن من بين الأمور التي حرص عليها أيضاً ترك مساحة مفتوحة أمام المشاهد في نهاية الفيلم، فبالنسبة له لا تكمن أهمية الحكاية في معرفة ما حدث تحديداً، بقدر ما تكمن في الطريقة التي يتعامل بها الأب مع ما يعتقد أنه حدث. ولذلك فضّل أن تظل النهاية قابلة لقراءات متعددة، بحيث يشارك المشاهد في استكمال أجزاء الحكاية، وإعادة تفسيرها من منظوره الخاص.

وأضاف طاهر أنه يعمل حالياً على تطوير مشروع فيلم روائي طويل، إلى جانب مشروع مسلسل، مؤكداً أن تجربة «مشاكل داخلية 32B» عزّزت قناعته بقوة الفيلم القصير وقدرته على الوصول إلى جمهور واسع، وسيظل مساحة مهمة بالنسبة له للتجريب واكتشاف أفكار وأساليب جديدة.