مصر تشيّع علي عبد الخالق بعد مسيرة فنية طويلة

أخرج 55 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً

علي عبد الخالق (صفحته على فيسبوك)
علي عبد الخالق (صفحته على فيسبوك)
TT

مصر تشيّع علي عبد الخالق بعد مسيرة فنية طويلة

علي عبد الخالق (صفحته على فيسبوك)
علي عبد الخالق (صفحته على فيسبوك)

شيعت مصر بعد ظهر (السبت) جنازة المخرج الراحل علي عبد الخالق الذي وافته المنية مساء (الجمعة) بأحد المستشفيات بالقاهرة، عن عمر يناهز 78 عاماً، إثر مضاعفات مرض السرطان. وشارك في وداعه إلى مثواه الأخير وزيرة الثقافة المصرية، نيفين الكيلاني، وعدد من السينمائيين من زملاء وتلاميذ الفقيد.
وكان عبد الخالق قد أصيب قبل شهور بعدوى «كورونا»، وبعد تماثله للشفاء طلب منه الطبيب إجراء أشعة بالمسح الذري للاطمئنان -حسبما روى في تصريحات سابقة- ليكتشف إصابته بالسرطان في الكتف واليد اليسرى والرئة والحوض، وخضع لجلسات العلاج الإشعاعي، وطالب سينمائيون ونقاد بعلاجه على نفقة الدولة. وصدر قرار رئاسي بذلك.
أخرج عبد الخالق -عبر مسيرة فنية استمرت على مدى 40 عاماً- 55 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، وتنوعت أفلامه بين الأعمال الوطنية، على غرار «أغنية على الممر»، و«يوم الكرامة»، والاجتماعية، مثل «العار»، و«جري الوحوش»، والكوميدية، ومنها «أربعة في مهمة رسمية». وقدم كبار نجوم السينما في أدوار لافتة أثرت مسيرتهم الفنية، من بينهم حسين فهمي، ونور الشريف، ومحمود عبد العزيز، وأحمد زكي، ونبيلة عبيد، ونادية الجندي، وإلهام شاهين.
ونعى الفنان حسين فهمي، رئيس مهرجان القاهرة السينمائي، المخرج الراحل؛ مشيراً إلى أن مشواره المهني انطلق في سبعينات القرن الماضي، وأخرج عديداً من الأعمال السينمائية المهمة، والتي بدأها بفيلم «أغنية على الممر»، ثم توالت الأفلام التي كان أبرزها: «العار»، و«جري الوحوش»، و«إعدام ميت»، و«شادر السمك»، و«بئر الخيانة»، و«أربعة في مهمة رسمية»، و«البيضة والحجر»، وغيرها.
يتذكر مدير التصوير، سمير فرج، بكثير من الحزن، صديقه الذي فقده، وعمل معه في عدة أفلام كان آخرها «يوم الكرامة»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «كان المخرج الراحل مبدعاً وإنساناً في كل الأحوال. وخلال تصوير فيلم (يوم الكرامة) كان يبدو لي كما لو كان قائداً عسكرياً، يدرك قيمة وأهمية الفيلم، وكان مسيطراً على كل شيء، فلا صوت يعلو أثناء العمل، ويحقق كل ذلك بروح إنسانية عالية دونما تسلط. وأتذكر جيداً أن نصف فريق العمل أصيب بدوار البحر؛ حيث كانت أغلب مشاهد الفيلم تصور في عرض البحر، وكنت أنا وهو فقط الذين لم نتعرض للدوار، وعرفته ودوداً حتى في عمله، يأخذ رأيي كمدير تصوير، ويستقبل ملاحظاتي بالاهتمام والنقاش، لذا كان العمل معه متعة كبيرة، وكان مصنفاً منذ بدايته كمخرج كبير بشخصيته ومهارته في العمل وذكائه في اختياراته، وحققت أفلامه نجاحاً جماهيرياً، وقد جمعتنا صداقة كبيرة، وإضافة إلى أنه مخرج بارع، كان يتمتع بالصبر، ويظل وراء الممثل ليستخرج منه أداء مختلفاً».
ونعت الفنانة نبيلة عبيد المخرج الراحل عبر حسابها على «إنستغرام»، قائلة: «وداعاً المخرج السينمائي الكبير علي عبد الخالق، كان صديقاً غالياً وزميلاً عزيزاً. التقينا في خمسة أعمال سينمائية كبيرة من أهم أفلام السينما المصرية، هي: (الوحل)، و(شادر السمك)، و(درب الرهبة)، و(الحناكيش)، و(عتبة الستات)، كما التقينا على شاشة التلفزيون من خلال مسلسل (البوابة الثانية). بالإضافة لهذا كله كانت تجمعنا صداقة وأخوة غالية».
كما نعته الفنانة إلهام شاهين على صفحتها في «فيسبوك»، فقد كان أول من اكتشفها وقدمها في فيلم «العار»، ثم في أربعة أفلام أخرى، هي: الفيلم التلفزيوني «إنهم يسرقون عمري»، و«الجنتل»، و«عليه العوض»، و«خادمة ولكن»، ومسلسل «نجمة الجماهير». وأكدت أنها «قدمت معه أدواراً مختلفة، وأنه مخرج رائع أثرى الحياة الفنية بأفلام قيمة، وأن الفنان لا يموت؛ بل يعيش بأفلامه».
ويصف الناقد السينمائي خالد محمود، المخرج الراحل، بأنه «كان صاحب رؤية»، موضحاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «اختار المخرج الكبير أن يطرح عبر أفلامه ثالوثاً اجتماعياً يجسد صراعات متعددة، تارة بين العلم والدين، وتارة بين الحلال والحرام، وثالثة في مواجهة تسيد قيم (الفهلوة)، وتندرج تحت هذا الصراع أفلام: (العار)، و(جري الوحوش)، و(البيضة والحجر)، و(الكيف)، ولعل أجمل ما يميزه قدرته على طرح هذه القضايا بروح جماهيرية، جعلت الجمهور بمختلف طبقاته يقبل عليها. وقد توحدت رؤيته والمؤلف الراحل محمود أبو زيد، وتمكنا من الاستحواذ على شباك التذاكر واستقطاب كبار النجوم».
ويشير محمود إلى قدرة عبد الخالق على تقديم أبطاله على نحو مغاير ومفاجئ، محققاً لهم جماهيرية مختلفة، مؤكداً: «أعتقد أن فيلم (البيضة والحجر) كان مرحلة فارقة في مسيرة أحمد زكي، ما بين الأفلام الميلودرامية واكتشاف قدراته كممثل كوميدي، كما في (أربعة في مهمة رسمية)، كذلك يحيى الفخراني الذي حقق له فيلم (الكيف) جماهيرية في السينما، كما أن الخطوة الكبرى في تاريخ محمود عبد العزيز واكتشافه كنجم كوميدي وميله للغناء، تحققت له في (جري الوحوش)، ولا يزال الجمهور يردد عباراته التي جاءت ضمن حوار هذه الأفلام».
ويشيد محمود بفيلم «الحقونا» الذي تعرض بطله لسرقة إحدى كليتيه، وفيلم «الحب وحده لا يكفي» الذي عكس أزمة خريجي الجامعة، وقدمها بنعومة شديدة دونما افتعال أو تعالٍ على الجمهور، مؤكداً: «سيبقى علي عبد الخالق مخرجاً مميزاً بالعمق الذي طرحه لقضايا اجتماعية في صيغة ناجحة».



انقلاب زورق تابع للوكالة الأوروبية لحرس الحدود قبالة سواحل اليونان

قارب إنقاذ يرافق قارباً صغيراً يحمل مهاجرين بينما تقوم سفينة تابعة لوكالة حرس الحدود الأوروبية «فرونتكس» بدورية في الخلفية قبالة جزيرة ليسبوس اليونانية (رويترز - أرشيفية)
قارب إنقاذ يرافق قارباً صغيراً يحمل مهاجرين بينما تقوم سفينة تابعة لوكالة حرس الحدود الأوروبية «فرونتكس» بدورية في الخلفية قبالة جزيرة ليسبوس اليونانية (رويترز - أرشيفية)
TT

انقلاب زورق تابع للوكالة الأوروبية لحرس الحدود قبالة سواحل اليونان

قارب إنقاذ يرافق قارباً صغيراً يحمل مهاجرين بينما تقوم سفينة تابعة لوكالة حرس الحدود الأوروبية «فرونتكس» بدورية في الخلفية قبالة جزيرة ليسبوس اليونانية (رويترز - أرشيفية)
قارب إنقاذ يرافق قارباً صغيراً يحمل مهاجرين بينما تقوم سفينة تابعة لوكالة حرس الحدود الأوروبية «فرونتكس» بدورية في الخلفية قبالة جزيرة ليسبوس اليونانية (رويترز - أرشيفية)

انقلب زورق دورية تابع للوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس) وعلى متنه 5 أفراد، من بينهم السفير الإستوني في اليونان، قبالة جزيرة تقع بأقصى شرق اليونان.

وذكر خفر السواحل اليوناني أن القارب غرق قبالة سواحل جزيرة كاستيلوريزو الصغيرة، دون توضيح أسباب انقلابه، وأضاف أن أربعة إستونيين من بينهم السفير الإستوني في اليونان، وضابط اتصال يوناني من وكالة «فرونتكس» كانوا على متن القارب وقت وقوع الحادث.

وعمل زورق تابع لخفر السواحل اليوناني وقارب آخر كان يبحر في المنطقة على إنقاذ الخمسة الذي نُقلوا إلى جزيرة كاستيلوريزو، ومنها نُقل أربعة مصابين جواً إلى جزيرة رودس.

ولم يوضح خفر السواحل ما إذا كان السفير الإستوني من بين المصابين الذين نقلوا جواً إلى رودس.

ويذكر أن اليونان تعتبر من المسارات الرئيسية لعبور المهاجرين الذين يفرون من ظروف الفقر والصراعات في أفريقيا إلى الاتحاد الأوروبي.

وتنتشر قوات «فرونتكس» في اليونان منذ سنوات، حيث يعمل أفراد وسفن من الوكالة الأوروبية جنباً إلى جنب مع خفر السواحل ودوريات حرس الحدود اليونانية.


رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ