«أبو الفنون» وأبناؤه.. مشكلة أجيال أم سوء فهم للعروض الجديدة في الكويت؟

بين مؤيد لمصطلح أزمة المسرح ومعترض عليه

عرض مسرحي كويتي (أرشيف)
عرض مسرحي كويتي (أرشيف)
TT

«أبو الفنون» وأبناؤه.. مشكلة أجيال أم سوء فهم للعروض الجديدة في الكويت؟

عرض مسرحي كويتي (أرشيف)
عرض مسرحي كويتي (أرشيف)

مشكلة المسرح تحديدًا أن جدليته تشبه جدلية الآباء والأبناء، فغالبًا ما يكون هناك عدم رضا على سلوك الأبناء، وغالبًا ما يلمح الآباء بأن جيلهم كان الأفضل.
ربما أن السينما الجديدة تمكنت بأعمالها من مسح كثير من الأفلام القديمة من ذاكرة الجمهور، وكذلك الرواية والقصة والشعر، ولكن على العكس من ذلك، لم تتمكن كثير من الأعمال المسرحية الجديدة من إلغاء سطوة وحضور الأعمال القديمة.
مثلاً في الكويت، ما زالت أعمال مسرحية سابقة قدمت منذ تأسيس المسرح الكويتي في أوائل الستينات، راسخة تمد لسانها لكثير من الأعمال الجديدة التي لم يُتح لها أن تحتل الخشبة بالقوة ذاتها التي احتلها أعمال مثل «علي جناح التبريزي وتابعه قفة»، و«حفلة على الخازوق» و«قاضي إشبيلية» و«صقر قريش» و«على هامان يا فرعون».. وغيرها من الأعمال التي تراها الفنانة المخضرمة سعاد عبد الله في حديثها مع «الشرق الأوسط» بأنها من الأعمال التي لم تتكرر، بينما يخالفها الرأي المخرج المسرحي الدكتور حسين المسلم، الذي قال بأن المسرح ما زال بخير، وهناك أعمال مسرحية جديدة متميزة، و«أبو الفنون ليس بأزمة»، بل هي إشاعات صدقها الجمهور. ولكن الدكتور سليمان أرتي، الأستاذ المساعد في المعهد العالي للفنون المسرحية، لديه رؤية وسطية، فهو يحلل الأمر وفق معادلة مسرح النخبة ومسرج الجمهور ويدعو للجمع بينهما، ويشيد بدور المؤسسين، ويطالب الأجيال أن تكف عن البكاء على الماضي وتبدأ عملها.. وفيما يلي تفاصيل هذه الآراء.

* خلل اجتماعي لدى المتلقي
الفنانة سعاد عبد الله عاصرت الأجيال المسرحية منذ بدايتها وشاركت بقوة في ترسيخ الوعي الثقافي المنوط بدور المسرح، لذلك فهي متمسكة بأن المسرح في أزمة، وتقرنه بالأزمات التي أصابت الأمة العربية ومنها الأزمات السياسية، وتصر على أن المسرحيات السابقة كانت أفضل، وهي التي عددت لنا الأسماء التي استشهدنا بها في مقدمة هذا الموضوع، وجاءت بها كأمثلة للتحدي على أن المسرح كان ثقافيًا بامتياز ومحفزًا للوعي الاجتماعي، وتقول: «هناك اليوم خلل اجتماعي لدى المتلقي نفسه نتيجة ظروفه الحياتية التي يعيشها وسعيه لكسب قوت يومه». وتضيف: «هذه حالة لا تخص الكويت فقط. وتساءلت الفنانة سعاد عبد الله: أين المسرح القومي في مصر وأيضا أين المسرحيات السورية التي كانت تضج بها المهرجانات، وخصوصًا في مهرجان قرطاج». وترى أن حال المسرح العربي اليوم مثل حال الربيع العربي، نسمع به ولم نره.

* إشاعات صدقها الجمهور
لكن على العكس من ذلك، كان للمخرج الدكتور حسين المسلم رأي آخر، فهو يقول لـ«الشرق الأوسط»: «إن كلمة أزمة مسرح هي جملة فضفاضة، انتشرت ظلمًا، ويرجع انتشارها لأسباب كثيرة، وبرأيي العلمي والواقعي لا توجد أزمة». وحين سألناه عن الأسباب التي أدت لانتشار هذه العبارة، أجاب: «هذه العبارة ذكرت على لسان العاجزين عن إنجاز مسرح جديد وحقيقي، أو مسرح يساير التطورات الحديثة للمسرح، من مؤلفين ومخرجين، وعندما أقول المسرح، فإنني أقصد كل العروض التي تقدم على خشبة المسرح ولا أقصد نوعًا معينًا»، ويقسم الدكتور المسلم التقييم المسرحي إلى حقبتين فيقول: «كي يكون حكمنا علميًا وعمليًا، فنحن نحتاج إلى دراسة مقارنة للعروض التي قدمت في الستينات والسبعينات ولغاية عام 1985، ثم من هذا التاريخ وحتى يومنا الحالي، عندها سوف نعرف إن كان هناك أزمة أم لا، وسنجد أن المسرح تطور، وهناك آمال جيدة قدمت، مثل أعمال المخرج سليمان البسام»، ويأتي الدكتور المسلم بمثال آخر عن نفسه، فيقول بأن لديه مسرحية عنوانها «رسالة»، ترجمت للإنجليزية وعرضت في كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأميركية، وحازت على إعجاب الجمهور وأبلغته أستاذة متخصصة بالدراما هناك بأنها سوف تدرسها ضمن منهج متخصص بالمسرح لطلبتها، ويضيف: «إذن لا يجوز إطلاق العبارة بهذه العمومية».
ويوجه الدكتور المسلم بوصلة الحديث نحو النقد المسرحي، فينفي وجود نقاد مسرحيين حقيقيين اليوم للعرض المسرحي، ويقول: «لا يوجد متتبعين جادين للفعل المسرحي أو الحركة المسرحية في الكويت، وحتى خارجها، فالنقاد الحقيقيون يبنون آراءهم على أسس علمية، بينما ما يكتب اليوم هو تصيد للأخطاء بغرض الإثارة الصحافية». ويطالب الدكتور المسلم بدعم حكومي للمسرح، وأيضا بدعم شعبي من قبل أعضاء مجلس الأمة، ويقول بأن المجلس طيلة سنواته لا يوجد في محاضره ما يخص وضع المسرح في الكويت.
أما الدكتور سليمان أرتي، الأستاذ المساعد في المعهد العالي للفنون المسرحية، فقد أمسك عصا الموضوع من الوسط، فيقول: «أعتقد أن الكويت تعيش حالة مشابهة لكثير من دول العالم مثل مصر وأميركا وأوروبا، فالظروف تكاد تكون متشابهة في أن إيقاع الحياة بدأ يتغير وأصبحت المعادلات التشكيلية والموضوعية يتجاوز دورها الإطار البصري والفكري».
لذلك - يضيف الدكتور أرتي - «دعني أبدأ من أوروبا دائما يتكلمون عن دور المسرح كمؤسسة ثقافية تتعايش مع واقعها الثقافي وتتفاعل معه وتتأثر فيه، لذلك كان البحث عن معادلات تشكيلية وبصرية عندها ابتداء من بداية المسرح المعاصر بعد الحرب العالمية الثانية كالمسرح العبثي والملحمي والسياسي ومسرح العلبة والتجريب».

* الجمع بين النخبوي والترفيهي
ويريد الدكتور أرتي تحقيق المعادلة بين المسرح النخبوي والتجاري أو الترفيهي، فيقول: «أعتقد بأن عملية الفصل بين الجانبين التجاري والثقافي هي عملية غير مدروسة، فإذا أردنا رواجا أكبر لمنتجنا الثقافي فيجب أن لا نقدم المسرح على أنه مسرح النخبة فقط، بل هو أداة تواصل جماهيرية بالدرجة الأولى»، ويرد ذلك إلى أن: «مشكلتنا في الوطن العربي بنيوية من النص إلى الجمهور لم نجتهد لإعطاء بديل ناجح ومؤثر ويصل إلى قلب الجماهير وإذا كان الاجتهاد بوجود مهرجانات فإن الأهم من المهرجان هو الفكر الذي يقدمه هذا المهرجان.. على كثرة الظروف التي مر بها الوطن العربي لم يستفد المسرحيون كثيرا منها».
ويؤكد الدكتور أرتي بأن هناك أزمة ليس لأننا لم نستطع التأقلم مع المسرح الحالي، بل فيما سوف نفعله بالمستقبل، لأن المعادلات البصرية تتطور، فهل نحافظ على المسرح بشكله الكلاسيكي أم ننجح بتحقيق التوليفة الذكية التي تجمع ما بين عمليات الإمتاع البصري والفكري وبين المضمون الفني الجاد.. كذلك فإن غياب رأس المال والتشجيع وغياب المسرح كمؤسسة ثقافية يكرس الأزمة، ويعتقد الدكتور أرتي بأن من الخطأ إلقاء اللوم دائما على الدولة، ويقول: «الأجدى هو تحقيق التواصل بين المسرح والمؤسسات الاقتصادية على غرار الدول المتقدمة لأن الدولة لا تصنع الفنان أو المفكر، بل المثقف هو الذي يصنع المجتمع، والدولة ليست هي البديل عن المثقف. انظر إلى الدول الأوروبية ليس للحكومات أي دور داعم للثقافة أو المسرح ماديا على الأقل ولكن هناك تواصل حقيقي موجود بين بنية المسرح كبنية ثقافية تتعايش مع واقعها السياسي والاجتماعي وبين المؤسسات الاقتصادية».
ويتساءل الدكتور أرتي: «هل مطلوب من المسرح كي لا يكون في أزمة أن يكون له دور تنوير أم يقتصر على الترفيه؟»، ويجيب: «برأيي أن يكون للمسرح الدور التنويري والجماهيري في آن واحد، فبريخت عندما عمل مسرحًا تنويرًا لم يكن مملاً فقدم الترفيه والسينما داخل المسرح وهناك اليوم تقنيات حديثة يمكن أن تعطيك بدائل حتى عن الديكور وغيره».

* أواخر الأعمال الجميلة
ويرى أرتي أيضا بأن أزمات المسرح الكويتي تكمن في النص وباعتقاده أن من آخر النصوص الجميلة التي تم تقديمها على المسرح هي مسرحية «دقت الساعة» و«مضارب بني نفط» وحامي الديار و«ضحية بيت العز» و«سيف العرب».
والأزمة أيضا هي على مستوى الإنتاج والمسارح الأهلية التي لا تتحرك بقوة، ويطالبها الدكتور أرتي بتقديم مشروع يقنعنا بجدوى المسرح ولا تكتفي بطلب الدعم من المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب. ويقول: «المسارح الأهلية تحولت إلى ديوانيات، والرقابة ليست عائقا لأنها لم تقدم أعمالا ترقى إلى مستوى أن ترفضها الرقابة من الناحية السياسية.. الرقابة ترفض ما يخدش الحياء».
ويشيد الدكتور أرتي بدور المؤسسين ويقول عنهم: «أدوا ما عليهم وأوصلوا المسرح الكويتي إلى مستويات كبيرة والدور على الأجيال الجديدة. التي عليها أن لا تبكي على الماضي، بل أن تنطلق من مبدأ أن المسرح صناعة، وهو ما نفتقده».
ومن أبرز رواد الحركة المسرحية في الكويت بالإضافة لزكي طليمات، المخرج صقر الرشو، ومحمد النشمي، وعبد العزيز السريع، وسليمان الشطي، وفي التمثيل إبراهيم الصلال، ومريم الغضبان، وسعد الفرج، وعبد الحسين عبد الرضا، وآخرون.



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.