ميخائيل غورباتشوف... بين التقديس والشيطنة

ضحية تاريخ خرج عن السيطرة

صعود يلتسين ... وافول غورباتشوف (أ.ف.ب)
صعود يلتسين ... وافول غورباتشوف (أ.ف.ب)
TT

ميخائيل غورباتشوف... بين التقديس والشيطنة

صعود يلتسين ... وافول غورباتشوف (أ.ف.ب)
صعود يلتسين ... وافول غورباتشوف (أ.ف.ب)

«لا نستطيع متابعة العيش على هذا النحو». هذه العبارة التي همس بها ميخائيل غورباتشوف لوزير الخارجية الجديد إدوارد شيفارنادزه، قد تُلخص الفلسفة التي أملت على الأمين العام للحزب الشيوعي السوفياتي والرئيس الأول والأخير للاتحاد الشاسع المساحة المتعدد القوميات واللغات والمعضلات. لم يكن غورباتشوف ساذجاً، كما اتهمه الرئيس فلاديمير بوتين، ولا غافلاً عن حقائق العالم على ما ذهبت تحليلات صحافية... بل كان مدركاً أن إصلاح الاتحاد السوفياتي قد ينتهي بخروج الحزب الشيوعي الذي يتزعمه من السلطة ومجيء قوى جديدة إلى الكرملين. تردده وإحجامه عن اللجوء إلى القوة في تسوية الخلافات مع رفاقه (على الرغم من أنه لم يكن على ذات السوية من السلمية في مواجهة التحركات الاحتجاجية في الجمهوريات المضطربة في جورجيا وأذربيجان وأوزبكستان وحوض البلطيق)، وتمسكه بالخطاب الرسمي للسلطة الذي يُنكر ما يحصل وراء الأبواب الموصدة لمصلحة رسم صورة وردية ومتفائلة للأحداث، أعطى كل ذلك انطباعاً عنه بأنه أطلق عملية تتجاوز قدراته على السيطرة على مسار الأمور.
يمكن الجزم بتفهم ميخائيل غورباتشوف صعوبة ما تواجهه بلاده - الاتحاد السوفياتي، يومذاك - وقصورها عن أداء الدور الذي أناطته بنفسها ابتداءً من الخمسينات، من خلال إبلاغه جميع الحلفاء والأصدقاء بضرورة الاعتماد على أنفسهم وعدم انتظار المساعدة السوفياتية.
قال هذا الكلام لزعيمي تشيكوسلوفاكيا غوستاف هوساك وألمانيا الشرقية أريك هونيكر، وقاله أيضاً لفيديل كاسترو ولحافظ الأسد.
كل واحد من هؤلاء أبدى رد فعل مختلفاً. زعماء أوروبا الشرقية المشاركة في حلف وارسو لم يصدقوا أن الاتحاد السوفياتي قد يتخلى عنهم في حال اضطرب حبل الأمن عندهم. موقعهم الاستراتيجي في مواجهة دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) وانتشار قوات سوفياتية ضخمة في بلادهم، شكلا مبرراً للاعتقاد أن «الرفاق السوفيات» سيتدخلون، بلا شك، إذا برز خطر على الحكومات الشيوعية الأوروبية الشرقية. وكانت هذه تدين بالكثير للاتحاد السوفياتي الذي صنعها عملياً ووفر لها الحماية وأشرف على توليها السلطة في الأعوام التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.
بولندا وحدها كانت تعلم أن الموجة أعلى من قدرات الأحزاب الشيوعية الحاكمة على تجاوزها. فالشيوعيون البولنديون الذين كانوا يواجهون تحركات تتراوح بين المطالب النقابية والرفض الجذري للحكم الشيوعي منذ إضرابات حركة «تضامن» في 1980 وفرض الحكم العسكري لتجنب اجتياح سوفياتي شبيه بما جرى في المجر وتشيكوسلوفاكيا في عامي 1956 و1968، كانوا أول من سلّم السلطة إلى حكومة منتخبة ديمقراطياً في 1989.
- الاستثناء الكوبي
أما الزعيم الكوبي كاسترو، فلم يشعر أنه مدين بمنصبه للسوفيات. ذلك أن الثورة التي قادها أواخر الخمسينات، انتصرت بجهود مناضلين كوبيين (وبعض الأمميين مثل ارنستو «تشي» غيفارا). وبالتالي، فالسلطة في هافانا نتاج وطني محض وإن كانت تلتقي مع السوفيات في العداء للإمبريالية وفي الصراع ضد الولايات المتحدة. كذلك، الكوبيون اختاروا الاشتراكية بإرادتهم الحرة وليس لممالأة السوفيات ولا غيرهم.

شيفاردنادزه (غيتي)  -  ياكوفليف

هكذا عبّر كاسترو في خطاب طويل وغاضب ألقاه في مناسبة عودة القوات الكوبية من الحرب في أنغولا. «مع الدرع أو عليه» قال كاسترو مستعيداً كلمات الأمهات الأسبرطيات أثناء توديعهن أولادهن المتوجهين إلى الحرب. ومثلما عاد الجنود الكوبيون من أنغولا «مع الدرع أو عليه»، أي حاملين دروعهم أو منقولين كجثث عليها بعد موتهم في قتال الأعداء، هكذا ستحارب كوبا في سبيل خيارها. «الاشتراكية أو الموت» ختم كاسترو بالشعار الذي ظل مرفوعاً في الجزيرة بعد اختفاء الاتحاد السوفياتي بسنوات طويلة.
أما الرئيس السوري حافظ الأسد، فيقال، إنه عاد من زيارة له إلى موسكو سنة 1987 بقناعة أن غورباتشوف، وعلى الرغم من وعوده بمواصلة تزويد سوريا بالمعدات العسكرية والمساعدة الاقتصادية، بدأ بالانكفاء عن الشرق الأوسط ولن يتابع سياسة أسلافه في مساندة السياسات السورية في المنطقة، وأن لدى السوفيات وجهات نظر جديدة بضرورة التوصل إلى سلام متفاوض عليه مع إسرائيل. وثمة من يعتقد أن الزيارة تلك مهّدت الطريق أمام تحسن العلاقات السورية مع الولايات المتحدة وصولاً إلى مشاركة دمشق في التحالف الدولي لطرد الاحتلال العراقي من الكويت.
التخفيف من أعباء القضايا الدولية تأسس على تقييم أجراه غورباتشوف وفريقه تضمن مقارنة بين ما يفرضه الالتزام «بمطاردة الإمبريالية» في العالم وبين ما يجنيه الاتحاد السوفياتي من التزاماته الأممية. حقائق تراجع الإنتاج الزراعي وقلة كفاية صادرات النفط والغاز لتلبية الحاجات المتزايدة، خصوصاً بعد إطلاق الولايات المتحدة «مبادرة الدفاع الاستراتيجية» المعروفة باسم «حرب النجوم»، والمصممة أصلاً لإنهاك الاتحاد السوفياتي وامتصاص موارده في سباق تسلح لا قدرة له على مجاراة الغرب فيه، كانت من الوضوح بحيث لا تخفى على أي مسؤول في الكرملين. يضاف إلى ذلك، أن العقوبات التي فرضها الغرب بعد الاحتلال السوفياتي لأفغانستان وحرب الاستنزاف التي تورط فيها هناك، من المسائل التي أرخت بثقلها على قيادة غورباتشوف.
- الاقتناع بالاشتراكية
من جهة ثانية، لم يتخل غورباتشوف عن اعتقاده بأفضلية النظام الاشتراكي في تأمين الاستقرار الاجتماعي والسلم بين المكونات القومية والدينية السوفياتية الشديدة التباين. وظل على قناعته بأن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية هو الإطار المناسب للعلاقة بين القوميات المختلفة حتى بعد توالي إعلان الجمهوريات سيادتها فيما يشبه الانفصال عن الاتحاد السوفياتي الذي أبدى 80 في المائة من مواطنيه رغبتهم في الحفاظ عليه في استفتاء جرى في مارس (آذار) 1991.
وبحلول عام 1990، وصلت العملية التي أطلقها غورباتشوف قبل خمس سنوات إلى مأزقها. لقد بات الاتحاد السوفياتي جسداً خالياً من الأعضاء التي راحت تعلن استقلالها وانفصالها وسيادتها. وبدا كأن كل واحدة من الجمهوريات السوفياتية الـ15 باشرت تاريخها الخاص بما في ذلك حروبها الأهلية وصراعاتها الحدودية مع جيرانها وتحالفاتها الخارجية وبرامجها الاقتصادية. وظل الجسد هذا يبحث عن دور إلى أن وقع انقلاب 19 أغسطس (آب) 1991، بقيادة «لجنة الدولة للحالة الطارئة» التي أعلنت تسلمها السلطة بسبب «مرض» أصاب غورباتشوف أثناء تمضيته إجازته في منتجع سوتشي.
الانقلاب الذي أفشله نزول المواطنين الروس إلى شوارع موسكو يتقدمهم رئيس جمهورية روسيا الفيدرالية وخصم غورباتشوف العنيد بوريس يلتسين، أنهى عملياً فرص إنقاذ الاتحاد السوفياتي بعدما ظهر أن النخبة الحزبية والعسكرية والأمنية لن تتخلى عن أساليبها القديمة، وأنها على استعداد لاستخدام العنف والقتل، ولو ضد رئيس الاتحاد السوفياتي في سبيل البقاء في السلطة.
تصلّب النخبة القديمة ورفضها الإصلاح على الرغم من كل ما شهدته البلاد في الأعوام السابقة، كان عنصراً رئيسياً في نهاية عهد غورباتشوف الذي أعلن في 26 ديسمبر (كانون الأول) 1991 نهاية الاتحاد السوفياتي كدولة... كان هو نفسه مصمماً قبل سنوات ست على إنقاذها وإحيائها.
بعد ذلك التاريخ، أصبح غورباتشوف شخصية من الماضي. يكرّمه الغرب بأكثر العبارات تعظيماً، ويتهمه مواطنوه بالتسبب في تدهور أوضاعهم المعيشية وصولاً إلى المسؤولية عن أزمة التسعينات الخانقة.
وليس من شك في أن الرجل سيبقى في هذا الموضع الملتبس، بين التقديس والشيطنة، والذي لم يختره بإرادته، بل دفعته إليه قوة التاريخ العاتية.
يلتسين... وياكوفليف
الخصم الأشهر لميخائيل غورباتشوف كان، من دون شك، بوريس يلتسين. مسؤول منطقة سفيردلوفسك (يكاترينبورغ حالياً) في الحزب الشيوعي السوفياتي الذي جاء غورباتشوف به لتولي مسؤولية الحزب في العاصمة موسكو، ضمن الدفعة الأولى من تبديلات المناصب التي أجراها الأمين العام الجديد فور تسلمه منصبه في 1985.
اعتقد غورباتشوف أن يلتسين الديناميكي والإصلاحي سيكون سنداً له في المنصب الحساس على رأس الحزب في موسكو بعدما نجح في إبعاد منافسه على الأمانة العامة، المسؤول السابق للحزب في العاصمة فيكتور غريشين المتشدد والتقليدي. يبد أن ظن غورباتشوف لم يكن في مكانه وبات يلتسين على رأس الخصوم «من الجهة الإصلاحية» التي تطالب بتغييرات أسرع وأعمق في الحزب والدولة.
ولم يكن لحركة إصلاحية كبرى مثل التي أطلقها الأمين العام غورباتشوف إلا أن تفرز الشيوعيين السوفيات بين مؤيد ومعارض. وفي بنية تفتقر إلى آليات التغيير الديمقراطي مثل الحزب السوفياتي، كانت المعارضة تتخذ شكل مؤامرات في الغرف المقفلة وتكتلات بين أصحاب الآراء المتشابهة. وبلغت المعارضة ذروتها في انقلاب 19 أغسطس 1991 الذي قضى عملياً على آخر فرصة لإنقاذ الاتحاد السوفياتي كدولة.
أما الموالاة، وإذا أبعدناً جانباً تلك التي تقف إلى جانب صاحب أي سلطة في كل مكان وزمان طمعاً في الامتيازات والمناصب والحماية والجاه، فلم تكن متماسكة لا سياسياً ولا فكرياً. لقد أدى ألكسندر ياكوفليف، المثقف والمطّلع على الثقافة الغربية، دور المرجع الايديولوجي لغورباتشوف ولعملية «إعادة البناء والشفافية» (البيريسترويكا والغلاسنوست). وإليه تُنسب فكرة التخلي عن الشيوعية السوفياتية التقليدية والانخراط في بناء «اشتراكية ذات وجه إنساني» أو «اشتراكية أخلاقية» من دون إغفال احتمال تفكّك الاتحاد السوفياتي وخسارته جبروته العسكري ومكانته العالمية. والمفارقة هنا، أن «الاشتراكية ذات الوجه الإنساني» شعار رفعه الشيوعيون التشيكوسلوفاكيون بقيادة ألكسندر دوبتشيك فيما عُرف بـ«ربيع براغ» الذي انتهى تحت جنازير الدبابات السوفياتية في صيف 1968.
مسار ياكوفليف صوب المكتب السياسي للحزب الشيوعي، قمة السلطة آنذاك، لم يكن استثنائياً؛ إذ إنه انخرط في السلك الحزبي مبكراً. لكنه خصّص وقتاً كبيراً للاطلاع على الأسس النظرية للفلسفة الماركسية - اللينينية وأصولها في الفكر الألماني. وثمة مَن يقول، إن جولته الفكرية انتهت به إلى تبني أراء رافضة لكل المقولات الماركسية الرئيسية باعتبارها غير قابلة للتطبيق من دون لي ذراع المجتمع البشري واللجوء إلى القمع والقسر الذي عاينه شخصياً من خلال تخفيض رتبته الحزبية بعد انتقاده تصاعد النزعة القومية الروسية في الحزب.
آراء ياكوفليف وأثرها على غورباتشوف سرعان ما أثارت انتباه «صقور» الحزب الذين تناولوا الرجل بالقدح والذم وبالتذكير بأصوله اليهودية التي تحوّلت منذ عهد جوزيف ستالين إلى سبّة يتوجب أن تُخفى، بعد أحياء تقاليد العداء للسامية العميقة في التاريخ الروسي. وحقاً، تُنسب إلى ياكوفليف فكرة «استخدام آليات النظام الشمولي لتفكيك النظام الشمولي» بمعنى لجوء قيادة إصلاحية إلى طريقة الأمر والنهي لفرض نوع من التحول الديمقراطي داخل الحزب.
... وأفكار شيفارنادزه
إدوارد شيفارنادزه الآتي إلى موسكو مثل غورباتشوف من مكان بعيد، كان الذراع الخارجية لمشروع «الإصلاحات». وباستثناء الرغبة في تغيير الوضع المتهالك، كانت خلفية شيفارنادزه تختلف اختلافاً واضحاً عن تلك التي أنتجت الأمين العام.
فهذا الرجل الجورجي الذي لم تختفِ لهجته المحلية عند تحدثه بالروسية، كان مسؤولاً في وزارة الداخلية الجورجية، وبصفته هذه أشرف على حملات مكافحة الفساد؛ ما أهّله لتولي زعامة الحزب في الجمهورية. ومن هنا غلبت سمعته كإصلاحي وعُدّ من الفريق المحيط بغورباتشوف.
ومقابل يلتسين، المعارض من الجهة الإصلاحية، ظهر إيغور ليغاتشيف «المحافظ» الذي انتقل من دعم غورباتشوف وتنظيم حملته للوصول إلى الأمانة العامة بعد وفاة يوري أندروبوف، ثم قسطنطين تشيرنينكو عامي 1983 و1985، وصل إلى التصدي لإصلاحات حليفه السابق... بعدما تبين أن مسار الأمور لا يمكن أن يقف عند مكافحة الفساد المستشري بين كبار المسؤولين الحزبيين وتغيير زعماء الجمهوريات السوفياتية البعيدة عن المركز.
غير أن ليغاتشيف نأى بنفسه عن العداء السافر لغورباتشوف. الموقف ذاته اتخذه أناتولي لوكيانوف، صديق غورباتشوف وزميله السابق في كلية الحقوق بجامعة موسكو ثم معارضه واحد المحذرين من أن سياسات صديقه ستقود إلى انهيار الاتحاد السوفياتي. لكن العداء لغورباتشوف داخل الحزب شمل حلفاء سابقين مثل نائبه غيناري ياناييف ورفاقه الذين انضووا في «لجنة الدولة للحالة الطارئة» التي نظمت الانقلاب على غورباتشوف واخفقت في قيادته إخفاقاً هزلياً/ مأساوياً.
- أعوام «البيريسترويكا» في عيني طالب عربي
> وصلتُ إلى الاتحاد السوفياتي للمرة الأولى في سبتمبر (أيلول) 1985، بعد ستة أشهر تقريباً من تولي ميخائيل غورباتشوف الأمانة العامة للحزب الشيوعي. وغادرته للمرة الأخيرة في ربيع 1990 في ذروة التغييرات التي شهدتها أوروبا الشرقية. بذلك أكون أمضيت القسم الأكبر من عهد الرئيس السوفياتي الأول والأخير كطالب في الاتحاد السوفياتي، وفي عاصمته الثقافية ومهد ثورته لينينغراد (سانت بطرسبورغ، قبل الثورة البلشفية وبعد الانهيار السوفياتي).
خرجت السيارة التي أقلتنا من بيروت المقفل مطارها إلى دمشق، وكنا ثلاثة طلاب، ليلاً عبر ما كان بـ«طرق الكرامة» لنتمكن من الوصول إلى مطار العاصمة السورية صباحاً واللحاق بالطائرة الروسية المتوجهة إلى موسكو. وكان استحدِث الطريق المذكورة كبديل عن طريق بيروت - دمشق الذي كان يسيطر عليه الجيش اللبناني، بهدف إمداد الضاحية الجنوبية والشطر الغربي من العاصمة بالذخيرة والسلاح أثناء «انتفاضة الضاحية» و«انتفاضة 6 فبراير (شباط)» وخروج القسم الغربي من بيروت على سيطرة السلطة التي كان يقودها الرئيس أمين الجميل.
الطريق المظلمة التي تضيئها طلقات القنص من مواقع اللواء الثامن في الجيش اللبناني (الموالي للجميّل) والحفر التي تجعل من المرور أشبه ما يكون بالقفز على أرجوحة مطاطية، كانت كلها على تناقض مع الدروب العريضة المفضية إلى «موقف بيروت» الذي يستقبل السيارات الآتية من لبنان. فيما بدت نظافة وترتيب الطرق العريضة التي تقود إلى مطار دمشق الدولي، أشبه بمشهد من فيلم سينمائي مقارنة بالدمار والأنقاض اللذين يكتنفان المدن اللبنانية، وخصوصاً العاصمة بعد سبع سنوات من الحروب والاقتتال.
حملتنا طائرة ضخمة من طراز «إيل - 86» من دمشق مروراً بتوقف قصير في لارنكا، ثم إلى موسكو حيث فوجئنا بطقس بارد وممطر في أوائل سبتمبر (أيلول). اتساع طريق مطار دمشق، بدا شديد التواضع أمام الأوتوسترادات التي تصل مطار «شيريميتفو 2» الذي بنته شركات إيطالية لاستقبال المشاركين في أولمبياد موسكو في 1985، بقلب العاصمة السوفياتية (حينذاك).
من الفندق المخصص للطلاب الأجانب الوافدين، كانت تبدو العلامات الأولى «لإصلاحات» غورباتشوف. ذاك أن صفوفاً طويلة من المواطنين تقف أمام مخازن صغيرة. الطلاب الأقدم الذين كانوا يزورون الفندق لاستقبال أقاربهم أو للتعرف على الطلاب الجدد ومساعدتهم، أوضحوا أن الواقفين ينتظرون الحصول على زجاجتين من «الفودكا»، المشروب الكحولي الروسي الشهير والذي كان من بين أهداف «إصلاحات» غورباشوف الأولى.
فالأمين العام الجديد، وبتأثير من سلفه (ويفصل بينهما قسطنطين تشيرننكو) يوري أندروبوف الذي ترك أثراً كبيراً على صعود غورباتشوف سلم المناصب القيادية في الحزب الشيوعي، ويقال أيضاً بتأثير من زوجته صاحبة الشخصية القوية رايسا غورباتشوفا، أبدى استياءه مما يتركه إدمان الخمور على المجتمع السوفياتي وأثره على الإنتاج والانضباط والفاعلية في كل المجالات.
الطلاب الأقدم كانوا يؤكدون أن الإصلاحات ستنطلق بعد المؤتمر السابع والعشرين للحزب الذي عقد في مارس (آذار) 1986. وبالفعل أزاح غورباتشوف عدداً من منافسيه وخصومه السابقين وجاء بالحلفاء والموالين. لكن لم يكد يمضي شهر أو أكثر قليلاً على المؤتمر حتى انفجر مفاعل تشيرنوبيل النووي الذي كانت له آثار متناقضة على السياسة الداخلية للأمين العام الجديد. وبطبيعة الحال، لم نعرف بالانفجار سوى عندما أذاعت وسائل الإعلام الرسمية عنه بعد أيام عدة وقللت من شأنه.
في الأعوام التالية بدأت الأمور تتسارع. صرنا ننتظر خطابات غورباتشوف مع المواطنين السوفيات لنعرف كيف تسير أحوال البلاد التي تستضيفنا ونتلقى العلم فيها. وكان رفع السرية عن ارتكابات العهد الستاليني من المفاجآت التي هزّت وجدان الكثير من المواطنين الذين صار وقوفهم في الصفوف الطويلة يشمل أكشاك المجلات والصحف والمكتبات التي تبيع ما بدأ يُنشر عن جرائم ستالين وزبانيته. غني عن البيان، أن رافضي «شفافية» (غلاسنوست) غورباتشوف لم يصمتوا على كشف الجوانب السوداء من تاريخ الحكم الشيوعي. وظهر مَن يدافع عن ستالين وإنجازاته في بناء الاتحاد السوفياتي وتصنيعه وقيادته إلى النصر في الحرب العالمية الثانية...
بيد أن «الغلاسنوست» لم تترافق مع إنجازات اقتصادية. بل إن النهج الذي أرساه اسلاف غورباتشوف ببيع الموارد الطبيعية الضخمة من نفط وغاز ومعادن ثمينة، إضافة إلى منتوجات زراعية، وشراء السلع الاستهلاكية مقابلها، كان من الأهداف التي سدد غورباتشوف ضرباته إليها باعتبارها تمتص الثروة السوفياتية ولا تخدم الصناعات الوطنية وتعزز النزعة الاستهلاكية. ويمكن تحديد عام 1988 كبداية للتفارق بين «البيريسترويكا» التي نسمع بها لكنها تؤدي إلى اختفاء السلع الغذائية عن الرفوف وبين «الغلاسنوست» التي أصبحت أشبه بتسلية وطنية.
مجتمعنا الطالبي كان منقسماً في شأن تصديق وعود غورباتشوف. بعضنا، ممن انتمى إلى أحزاب وقوى وآلت تقليدياً الاتحاد السوفياتي وسياساته، علق آمالاً كبيرة على غورباتشوف، وكرر ما كانت تقوله الدعاية الرسمية عن أنه «مجدد الاشتراكية» ومنقذها، وأن الصعوبات التي نلمسها في حياتنا اليومية هي بمثابة الممر الإجباري نحو مستقبل اشتراكي «ذات وجه إنساني» مطهر من قسوة البلشفية وغلظة أساليبها وعنفها. والبعض الآخر، مال إلى الاعتقاد أن الأمر مقضٍ وأن الاتحاد السوفياتي يعيش أيامه الأخيرة، ولن يستطيع اللحاق بالسباق الذي زجّ نفسه به مع الغرب المتطور والغني. وأن غورباتشوف هو آخر «أمين عام» يحكم البلاد الشاسعة. ولم يملك هؤلاء أي رؤية لزمن ما بعد الاتحاد السوفياتي، لكننا كنا نلاحظ أن زملاءنا الطلاب الأذريين والأرمن، على سبيل المثال، راحوا يتبادلون النظرات شزراً في المطابخ المشتركة وفي الممرّات. وأن زميلنا من الشركس يزيد من حديثه عن التمييز الذي تتعرض له أسرته التي نفاها ستالين إلى أوزبكستان ولم يُسمح لها بالعودة إلى موطنها في جبال القوقاز. صديقي من تتارستان لم تعنِ له كل هذه الأحاديث شيئاً، فقد كان مشغول البال في كيفية إنهاء الخدمة العسكرية التي استدعي إليها.
ومع مرور الأيام كانت السلع تختفي من المخازن الرسمية لتظهر عند البائعين الذين حصلوا على رخص لإطلاق مشاريع صغيرة. وظهر من يُشجع الطلاب الأجانب على إحضار البضائع المرغوبة التي لم تقتصر، كما يسود الاعتقاد على سراويل الجينز وأدوات التجميل، بل شمل تأمين سفرهم إلى سنغافورة لشراء أجهزة كومبيوتر لمصلحة شركات خاصة ورسمية. ما كان ممنوعاً أصبح في غضون سنوات قليلة هو المطلوب. وقفز سعر الدولار في السوق السوداء إلى أرقام لم تكن في الخيال سنة وصولنا، في الوقت الذي كان التلفزيون الرسمي يتحدث عن الصعوبات التي تتكشف مع تقدم عملية الإصلاح وعن الفساد المستشري في صفوف القيادات الحزبية التي صار تبديلها خبراً ثابتاً في نشرات الأخبار.


مقالات ذات صلة

إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

العالم إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

أعلنت السلطات المعينة من روسيا في القرم إسقاط طائرة مسيرة قرب قاعدة جوية في شبه الجزيرة التي ضمتها روسيا، في حادثة جديدة من الحوادث المماثلة في الأيام القليلة الماضية. وقال حاكم سيفاستوبول ميخائيل رازفوجاييف على منصة «تلغرام»: «هجوم آخر على سيفاستوبول. قرابة الساعة 7,00 مساء (16,00 ت غ) دمرت دفاعاتنا الجوية طائرة من دون طيار في منطقة قاعدة بيلبيك».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم الاتحاد الأوروبي يحذّر موسكو من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين

الاتحاد الأوروبي يحذّر موسكو من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين

حذّر مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل روسيا، اليوم الخميس، من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين الذي اتهمت موسكو كييف بشنّه، لتكثيف هجماتها في أوكرانيا. وقال بوريل خلال اجتماع لوزراء من دول الاتحاد مكلفين شؤون التنمي«ندعو روسيا الى عدم استخدام هذا الهجوم المفترض ذريعة لمواصلة التصعيد» في الحرب التي بدأتها مطلع العام 2022. وأشار الى أن «هذا الأمر يثير قلقنا... لأنه يمكن استخدامه لتبرير تعبئة مزيد من الجنود و(شنّ) مزيد من الهجمات ضد أوكرانيا». وأضاف «رأيت صورا واستمعت الى الرئيس (الأوكراني فولوديمير) زيلينسكي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
العالم هجوم بطائرة مسيرة يستهدف مصفاة «إلسكاي» جنوب روسيا

هجوم بطائرة مسيرة يستهدف مصفاة «إلسكاي» جنوب روسيا

ذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، صباح اليوم (الخميس)، نقلاً عن خدمات الطوارئ المحلية، أن حريقاً شب في جزء من مصفاة نفط في جنوب روسيا بعد هجوم بطائرة مسيرة. وقالت «تاس»، إن الحادث وقع في مصفاة «إلسكاي» قرب ميناء نوفوروسيسك المطل على البحر الأسود. وأعلنت موسكو، الأربعاء، عن إحباط هجوم تفجيري استهدف الكرملين بطائرات مسيرة، وتوعدت برد حازم ومباشر متجاهلة إعلان القيادة الأوكرانية عدم صلتها بالهجوم. وحمل بيان أصدره الكرملين، اتهامات مباشرة للقيادة الأوكرانية بالوقوف وراء الهجوم، وأفاد بأن «النظام الأوكراني حاول استهداف الكرملين بطائرتين مسيرتين».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم روسيا تتعرض لهجمات وأعمال «تخريبية» قبل احتفالات 9 مايو

روسيا تتعرض لهجمات وأعمال «تخريبية» قبل احتفالات 9 مايو

تثير الهجمات وأعمال «التخريب» التي تكثّفت في روسيا في الأيام الأخيرة، مخاوف من إفساد الاحتفالات العسكرية في 9 مايو (أيار) التي تعتبر ضرورية للكرملين في خضم حربه في أوكرانيا. في الأيام الأخيرة، ذكّرت سلسلة من الحوادث روسيا بأنها معرّضة لضربات العدو، حتى على بعد مئات الكيلومترات من الجبهة الأوكرانية، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. تسببت «عبوات ناسفة»، الاثنين والثلاثاء، في إخراج قطارَي شحن عن مساريهما في منطقة محاذية لأوكرانيا، وهي حوادث لم يكن يبلغ عن وقوعها في روسيا قبل بدء الهجوم على كييف في 24 فبراير (شباط) 2022. وعلى مسافة بعيدة من الحدود مع أوكرانيا، تضرر خط لإمداد الكهرباء قرب بلدة في جنو

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

أكد سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف أن حلف شمال الأطلسي (ناتو) نشر وحدات عسكرية إضافية في أوروبا الشرقية، وقام بتدريبات وتحديثات للبنية التحتية العسكرية قرب حدود روسيا، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الروسية «سبوتنيك»، اليوم الأربعاء. وأكد باتروشيف في مقابلة مع صحيفة «إزفستيا» الروسية، أن الغرب يشدد باستمرار الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي على بلاده، وأن الناتو نشر حوالى 60 ألف جندي أميركي في المنطقة، وزاد حجم التدريب العملياتي والقتالي للقوات وكثافته.


العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.