المكبَّات المفتوحة مصدر لأقوى غازات الاحتباس الحراري

الصور الفضائية تكشف انبعاثات الميثان من أحزمة النفايات

شاحنة تفرغ نفايات في أحد المكبات بجزيرة غواديلوب الفرنسية (أ.ف.ب)
شاحنة تفرغ نفايات في أحد المكبات بجزيرة غواديلوب الفرنسية (أ.ف.ب)
TT

المكبَّات المفتوحة مصدر لأقوى غازات الاحتباس الحراري

شاحنة تفرغ نفايات في أحد المكبات بجزيرة غواديلوب الفرنسية (أ.ف.ب)
شاحنة تفرغ نفايات في أحد المكبات بجزيرة غواديلوب الفرنسية (أ.ف.ب)

مع ازدياد أعداد البشر وارتفاع مستويات الدخل، تزداد كميات النفايات، سنة بعد سنة، وترتفع أكوام القمامة في كل مكان. وتترك مواقع التخلُّص من النفايات، مطمورة أو مكشوفة، آثارها السلبية الواضحة على صحة الإنسان وسلامة البيئة، كما أنها تساهم في تغيُّر المناخ؛ فالغازات التي تنبعث منها هي الأقوى أثراً على الاحتباس الحراري، مع أن عمرها أقصر من ثاني أكسيد الكربون الناجم عن حرق الوقود. وفي حين تتفاوت الانبعاثات بين المطامر الصحية والمكبات العشوائية، لكن الدراسات الأخيرة أظهرت تولُّدها في جميع الحالات. ويُذكر أن انبعاثات الميثان، من النفايات ونشاطات صناعية وزراعية أخرى، تبلغ 11 في المائة من مجمل انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، لكن مساهمتها في ارتفاع الحرارة تتجاوز 25 في المائة. وقد وجد تقرير صدر أخيراً عن «وكالة الطاقة العالمية» أن الصين والهند وروسيا أكبر مصادر لانبعاثات غاز الميثان في العالم، من مصادر متعددة. لكن انبعاثات تخمُّر النفايات تأتي أيضاً من مناطق عدة أخرى، حيث أظهرت دراسة استندت إلى صور فضائية عالية الجودة، نُشرت بداية شهر أغسطس (آب) الحالي، أن انبعاثات غاز الميثان الصادرة من أحزمة النفايات في العالم، مهما كان حجمها، ترتفع بما يتجاوز التقديرات السابقة بأضعاف؛ فقد ثبت من تحليل بيانات صور الأقمار الاصطناعية لمكبات النفايات في دلهي ومومباي في الهند، ولاهور في باكستان، وبوينس أيرس في الأرجنتين أن انبعاثاتها تتجاوز ما كان مقدّراً بما بين 1.4 و2.6 ضِعف. وكانت صور فضائية سابقة بيّنت تسرّباً كبيراً للميثان من مطمر للنفايات ملاصق للعاصمة الإسبانية مدريد. وقد أوضح يوانس ماساكرز، كبير مؤلفي التقرير وعالم المناخ في المعهد الهولندي لدراسات الفضاء، أن «هذه هي المرة الأولى التي تُستخدم فيها صور فضائية عالية الدقة لحساب كميات الميثان المنبعثة من مطامر النفايات على أنواعها».

النفايات والميثان

تشير تقديرات «البنك الدولي» إلى أن العالم أنتج عام 2020 نحو 2.24 مليار طن من النفايات الصلبة، أي ما يعادل 0.79 كيلوغرام للشخص في اليوم. ومع النمو السكاني السريع والتحضُّر، من المتوقع أن يزداد تولُّد النفايات بنسبة 73 في المائة حتى سنة 2050، لتصل الكمية السنوية إلى 3.88 مليار طن، أي ما يقارب إنتاج كميات من النفايات بوزن هرم خوفو كل 13 ساعة.
ويتباين إنتاج الفرد من النفايات بين بلدٍ وآخر، وداخل المجتمعات المحلية نفسها، تبعاً لمستويات الدخل، حيث ترتفع كمية النفايات مع ازدياد القدرة على الشراء وانتشار ثقافة الاستهلاك. وفيما لا تزيد نِسَب استرجاع المخلّفات عن طريق التدوير أو التحويل لسماد عن 17 في المائة عالمياً، فإن 1.86 مليار طن من النفايات يتم التخلُّص منها عن طريق الرمي العشوائي، أو الدفن في مطامر النفايات، أو الحرق في المرمِّدات.
وتعدّ إدارة النفايات السليمة أمراً ضرورياً لبناء مدن مستدامة وصالحة للعيش، لكنها لا تزال تمثّل تحدياً للعديد من البلدان النامية. وفي معظم البلديات حول العالم، تستهلك إدارة النفايات 20 إلى 50 في المائة من الميزانية السنوية، ويتطلّب تقديم هذه الخدمة الأساسية أنظمة متكاملة فعّالة ومستدامة ومدعومة اجتماعياً. وعندما تغيب الإدارة السليمة للنفايات، تزداد نواقل الأمراض كالحشرات والقوارض، ويتعزز العنف الحضري نتيجة غياب الثقة بالمؤسسات، وترتفع ملوّثات الهواء كغاز الميثان، الذي يساهم في تغيُّر المناخ العالمي.
واستناداً إلى حجم النفايات المتولّدة، وتكوينها، وكيفية إدارتها، تشير تقديرات «البنك الدولي» إلى أن نحو 5 في المائة من الانبعاثات العالمية لغازات الاحتباس الحراري المكافئة لثاني أكسيد الكربون تأتي من معالجة النفايات الصلبة والتخلُّص منها، وهذا يمثّل ثالث أكبر مصدر لانبعاثات غاز الميثان الناتجة عن الأنشطة البشرية، بعد تسرّبات استخراج الوقود الأحفوري، وما ينبعث عن زراعة الرز وتربية الحيوانات.
ويتحرر غاز الميثان بشكل أساسي من خلال التخلُّص من النفايات في المكبات المكشوفة ومدافن النفايات التي لا تحوي أنظمة لتجميع غازات المطمر. وعندما تُلقى النفايات في موقع التخلُّص النهائي، تخضع لمرحلة تحلل هوائي تؤدي إلى توليد القليل من الميثان، وفي غضون عام أو أقل تنشأ الظروف اللاهوائية، وتبدأ البكتيريا في تحليل النفايات وتوليد الميثان.
وتتكوَّن غازات المطمر مناصفة بين الميثان وثاني أكسيد الكربون، مع كميات صغيرة من المركّبات العضوية الغازية الأخرى. ويُعتبر الميثان من أقوى غازات الدفيئة، حيث تصل فعاليته في حبس الحرارة إلى 36 مرة فعالية ثاني أكسيد الكربون، ولكن أثره لا يتجاوز المائة سنة، وهي تعتبر فترة قصيرة مقارنة بثاني أكسيد الكربون.
وتمثّل مدافن النفايات الصلبة البلدية ثالث أكبر مصدر لانبعاثات غاز الميثان ذات الصلة بالبشر في الولايات المتحدة، وهي تشكّل 14.5 في المائة من هذه الانبعاثات، أي ما يعادل غازات الاحتباس الحراري المنطلقة من نحو 20.3 مليون سيارة ركّاب لمدة سنة واحدة، أو انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من 11.9 مليون منزل نتيجة استخدام الطاقة لمدة سنة كاملة.
وقد أظهر تحليل صور الأقمار الاصطناعية الأخير أن مكب نفايات بوينس أيريس يطلق وحده نصف انبعاثات النفايات الصلبة في الأرجنتين، وهو أمر متوقع باعتبار أن سكان العاصمة الأرجنتينية يمثّلون 40 في المائة من تعداد سكان البلاد. كما أن مكب نفايات لاهور يطلق 10 في المائة من انبعاثات النفايات الصلبة في باكستان، رغم أن تعداد سكان هذه المقاطعة لا يتجاوز 5 في المائة من تعداد سكان البلاد.

تجارة الكربون لتمويل معالجة النفايات

يمكن تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من قطاع إدارة النفايات الصلبة عن طريق التقاط وجمع ومعالجة غاز الميثان المتولّد في المطامر، وتحويل النفايات العضوية إلى سماد بدلاً من تركها تتحلل في مكبات النفايات. ويمكن لتجارة الكربون، أي بيع الدول النامية جزءاً من حصص الانبعاثات المسموحة لها إلى دول أخرى، تأمين تمويل للمشاريع التي تقلل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، ومنها معالجة النفايات. وقد أعطت غلاسكو المناخية أولوية لتخفيض انبعاثات الميثان.
ويمكن لمشاريع إدارة النفايات التي تقلل الانبعاثات أن تبيع تخفيضات معتمدة على نظام تداول عام أو خاص للانبعاثات. وقد أنشأ الاتحاد الأوروبي، ودول مثل نيوزيلندا وسويسرا، وولايات مثل كاليفورنيا الأميركية وأونتاريو الكندية، أنظمة تداول للانبعاثات. وعلى سبيل المثال، جرى تمويل العديد من مشاريع تجميع الغاز في الأراضي في البرازيل جزئياً عن طريق بيع تخفيضات الانبعاثات، من خلال مرفق شراكة الكربون التابع لـ«البنك الدولي».
ومن خلال آلية التنمية النظيفة، التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيُّر المناخ، تستطيع البلدان الغنية الاستثمار في مشاريع خفض الكربون في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل للوفاء بالتزاماتها المناخية. وقد أتاحت هذه الآلية تنفيذ العديد من مشاريع معالجة النفايات خلال الأعوام الماضية، بما فيها مصانع تحويل المخلّفات العضوية إلى سماد في بنغلاديش وأوغندا.
وتقلل الجهود المبذولة لإضفاء الطابع الرسمي على إدارة النفايات من انبعاثات غازات الدفيئة على نحو ملموس. وعلى سبيل المثال، خلصت دراسة أجرتها شركة «زيرو ويست يوروب» إلى أن الاتحاد الأوروبي يمكنه التخلُّص من نحو 200 مليون طن من انبعاثات غازات الدفيئة سنوياً بحلول 2030، بتطبيق ممارسات إدارة النفايات المحسنة. كما يمكن للدول العربية تحسين مساهماتها المناخية المحددة وطنياً عن طريق إدخال تحسينات معتبرة في قطاع إدارة النفايات الصلبة. وباستثناء دول مجلس التعاون الخليجي، تتراوح نسبة مخلفات الطعام والنفايات العضوية الأخرى بين 50 و70 في المائة من تركيب النفايات المنزلية في البلدان العربية، وهي تشكّل المصدر الأساسي للميثان المنبعث في مواقع التخلُّص النهائي.
وفيما تبلغ نسبة النفايات التي يتم التخلُّص منها في مطامر مجهزة بأنظمة لجمع غازات المطمر 89 في المائة في الجزائر و37 في المائة في المغرب، وتطبّق السعودية والإمارات ومصر ولبنان أنشطة استرجاع بالتدوير والتحويل إلى سماد تتراوح بين 15 و30 في المائة، لا تزال باقي الدول العربية تتخلّص من مُجمل نفاياتها في مكبات عشوائية أو مطامر مراقبة لا تتوفر فيها تقنيات جمع ومعالجة غازات المطمر.
كما يمكن التخفيف من انبعاثات قطاع إدارة النفايات الصلبة، من خلال تحسين جمع النفايات، والحدّ من تولّد النفايات، وإعادة استخدام المنتجات، وإعادة التدوير، وإدارة النفايات العضوية، والتقاط غازات الدفيئة من أجل الحرق أو استعادة الطاقة. ويُعدّ تحسين كفاءة الحركة والزمن لآليات الجمع، واختيار الوقود الأنظف، واستخدام المركبات الموفّرة للوقود، من الأساليب المحتملة لتقليل انبعاثات النقل.
ويمكن التقاط غاز الميثان الناتج عن المطامر وحرقه، وتحويله إلى طاقة، أو استغلاله في تدفئة المباني، أو استخدامه كوقود للمركبات. كما يمكن للمحارق المجهزة لتحويل النفايات إلى طاقة أن تقلل من انبعاثات غازات الدفيئة أثناء توليد الكهرباء أو الطاقة الحرارية عند تشغيلها بفعالية، ووفقاً للمعايير السليمة بيئياً. لكنها ذات متطلبات فنية ومالية مرتفعة نسبياً. وتُظهر دراسة حول التحسينات الأساسية لقطاع إدارة النفايات في إندونيسيا، مثل زيادة معدلات جمع النفايات من 65 في المائة إلى 85 في المائة وإدخال دفن نفايات خاضع للرقابة للتخلص من النفايات، إمكانية خفض انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة 21 في المائة. ولذلك تلحظ الحكومة الإندونيسية تخفيضات غازات الدفيئة من قطاع النفايات كعنصر مهم في مساهماتها المحددة وطنياً بموجب «اتفاقية باريس للمناخ».
إن تحسين إدارة النفايات الصلبة، بدءاً بتطبيق قواعد الاقتصاد الدائري لإنقاص الاستهلاك وتقليل المخلفات، وانتهاءً بمعالجة النفايات السليمة بتحويلها إلى سماد أو التقاط انبعاثاتها في موقع التخلُّص النهائي، تتطلب مقاربة اقتصادية وبيئية شاملة تراعي صحة الإنسان وسلامة البيئة وخفض الانبعاثات.



محميّة نيوم الطبيعية تشهد أولى ولادات الضبع المخطّط

إعادة توطين أربعة أفراد من النوع في محمية نيوم الطبيعية (المركز)
إعادة توطين أربعة أفراد من النوع في محمية نيوم الطبيعية (المركز)
TT

محميّة نيوم الطبيعية تشهد أولى ولادات الضبع المخطّط

إعادة توطين أربعة أفراد من النوع في محمية نيوم الطبيعية (المركز)
إعادة توطين أربعة أفراد من النوع في محمية نيوم الطبيعية (المركز)

وثّق المركز السعودي لتنمية الحياة الفطرية بالتعاون مع «نيوم» أولى ولادات الضبع المخطط بعد إعادة توطين أربعة أفراد من النوع بمحمية نيوم الطبيعية، مما يشير إلى تأقلمها مع بيئتها وقدرتها على التكاثر في البرية.

وجاءت هذه الخطوة ضمن برامج المركز لإكثار الأنواع الفطرية وإعادة توطينها، بما فيها المفترسة، ودعم استعادة أدوارها الطبيعية في النظم البيئية.

ويأتي ذلك بعد اختيار زوجين من الضبع المخطط وإخضاعهما قبل الإطلاق لبرنامج تأهيل ورعاية في الإيواء التابع للمركز، شمل الفحوص البيطرية والمتابعة الصحية وتهيئة الكائنات للانتقال إلى البيئة الطبيعية.

كما أجرى فريق مختص تقييماً ميدانياً لموقع إعادة التوطين للتحقق من جاهزيته وملاءمته البيئية لاستقبال الضباع.

تأقلم ولادات الضبع المخطط مع بيئتها وقدرتها على التكاثر في البرية (المركز)

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، نُقلت الضباع إلى محمية نيوم تحت إشراف الفرق البيطرية بالمركز، وأُطلقت في المواقع المهيأة داخل المحمية. واستمرت متابعتها باستخدام أطواق التتبع والكاميرات الحقلية والرصد الميداني، بالتزامن مع تطبيق خطة تغذية مدروسة بالتنسيق بين المركز و«نيوم»، لتعزيز السلوك الغذائي الطبيعي للضباع ودعم تكيّفها مع ظروف الموئل بعد الإطلاق.

ومع استمرار أعمال المتابعة، وثّقت الفرق خروج أنثى الضبع من الجحر برفقة صغيرها للمرة الأولى في أغسطس (آب) 2026. وأظهرت الأم سلوكاً طبيعياً في رعاية صغيرها وحمايته، في حين يتمتع المولود بصحة جيدة، وتواصل الفرق المختصة متابعة حالته ونموه.

وأوضح الرئيس التنفيذي للمركز الدكتور محمد قربان أن هذا التسجيل يمثل محطة مهمة ضمن برامج إكثار الأنواع الفطرية وإعادة توطينها، ويعكس تكامل العمل العلمي الذي يبدأ بالإكثار والتأهيل، ويمتد إلى تقييم الموائل واختيار المواقع المناسبة والرصد المستمر بعد الإطلاق، مشيراً إلى أن التعاون مع «نيوم» يقدم نموذجاً للتكامل مع المشاريع الكبرى في حماية الأنواع وإكثارها وإعادة توطينها وفق أسس علمية.

نُقلت الضباع إلى محمية نيوم تحت إشراف الفرق البيطرية (المركز)

وأضاف قربان أن المركز حقق نتائج مهمة في إكثار الضبع المخطط تحت الرعاية البشرية، تمثلت في تسجيل ولادة عدد من الجراء في مراكز الإكثار التابعة له، مؤكداً أن إعادة توطين الأنواع في موائلها الطبيعية تمثل مرحلة متقدمة نحو تكوين تجمعات قادرة على الاستقرار والتكاثر في البرية واستعادة أدوارها في النظم البيئية.

ويؤدي الضبع المخطط دوراً بيئياً مهماً من خلال التغذي على الحيوانات النافقة والجيف، في حين شهدت أعداده في بعض مناطق انتشاره تراجعاً نتيجة عدة تهديدات، من أبرزها الصيد والتسميم.

ويواصل المركز تنفيذ برامج إكثار الأنواع الفطرية وإعادة توطينها، وفق منهجيات علمية تشمل التأهيل والرعاية البيطرية وتقييم الموائل والرصد بعد الإطلاق، بالتعاون مع الشركاء في المنظومة البيئية والمشاريع الكبرى، بما يسهم في استعادة الأنواع الفطرية وتعزيز استدامة التنوع الأحيائي بالسعودية.


من نفوق الأسماك إلى القلق والاكتئاب... كيف تؤثر حرارة البحر في البشر؟

موجة الحر البحرية هي فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة (بكسلز)
موجة الحر البحرية هي فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة (بكسلز)
TT

من نفوق الأسماك إلى القلق والاكتئاب... كيف تؤثر حرارة البحر في البشر؟

موجة الحر البحرية هي فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة (بكسلز)
موجة الحر البحرية هي فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة (بكسلز)

لم تعد موجات الحر البحرية مجرد مشكلة بيئية تهدد الشعاب المرجانية والكائنات التي تعيش في المحيطات؛ إذ تشير أبحاث حديثة إلى أن ارتفاع حرارة مياه البحر لفترات طويلة قد يمتد تأثيره إلى صحة الإنسان والأمن الغذائي وسبل العيش وحتى الصحة النفسية.

وخلص فريق من الباحثين من جامعة أديلايد وجامعة هونغ كونغ، في دراسة نُشرت في دورية «Nature Sustainability»، ونقلها موقع «ذا هيلث سايت»، إلى أن موجات الحر البحرية قد تطلق سلسلة من التأثيرات التي تمتد من النظم البيئية البحرية إلى المجتمعات الساحلية والأشخاص الذين يعتمدون على المحيط في غذائهم وأعمالهم وحياتهم اليومية.

ما هي موجة الحر البحرية؟

تُعرّف موجة الحر البحرية بأنها فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة في مكان وزمان محددين، وتستمر لفترة زمنية ممتدة.

ويحذر العلماء من أن هذه الظواهر يمكن أن تؤثر في أعداد كبيرة من البشر والنظم البيئية البحرية، وقد ارتبطت بظواهر مثل ابيضاض الشعاب المرجانية، والنفوق واسع النطاق للكائنات البحرية، وازدهار الطحالب الضارة، واضطرابات كبيرة في مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية.

ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة العالمية، يتوقع الخبراء أن تزداد وتيرة موجات الحر البحرية ومدتها وشدتها، ما قد يجعل آثارها تتجاوز البيئة البحرية لتشكل تهديداً للمجتمعات البشرية أيضاً.

كيف يمكن أن تؤثر موجات الحر البحرية على صحة الإنسان؟

رصد الباحثون مجموعة من التأثيرات المباشرة وغير المباشرة لموجات الحر البحرية على البشر.

ووفق نتائج الدراسة، يمكن لارتفاع حرارة المحيطات أن يزيد من قوة العواصف وغيرها من الظواهر الجوية المتطرفة، وهو ما قد يؤدي إلى إصابات ووفيات وتشريد السكان وتدمير المنازل والممتلكات.

وأشار الباحثون، على سبيل المثال، إلى إعصار أوتيس الذي ضرب المكسيك عام 2023، وشهد اشتداداً سريعاً بشكل غير معتاد فوق مياه دافئة، وتسبب في أضرار قُدرت بنحو 15 مليار دولار.

كما أشاروا إلى إعصار دوكسوري الذي ارتبط بمياه بحرية دافئة بصورة استثنائية، وأثر في أكثر من مليونَي شخص في آسيا عام 2023.

هل تصبح المأكولات البحرية أقل أماناً؟

تمثل سلامة المأكولات البحرية وتوافرها أحد أبرز المخاوف المرتبطة بموجات الحر البحرية. ويمكن للمياه الدافئة أن تشجع على ازدهار أنواع من الطحالب التي تنتج سموماً، ما قد يجعل بعض المأكولات البحرية خطرة على صحة الإنسان.

ولا يقتصر التأثير على سلامة الغذاء؛ إذ يمكن لموجات الحر البحرية أن تؤثر أيضاً في مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية، ما ينعكس على إنتاج المأكولات البحرية وعلى سبل عيش المجتمعات التي تعتمد على المحيط.

ويحذر الباحثون من أن هذه التداعيات قد تتحول إلى مشكلة تتعلق بالأمن الغذائي، خصوصاً في المجتمعات التي تعتمد على المأكولات البحرية مصدراً رئيسياً للغذاء.

هل تمتد آثار موجات الحر البحرية إلى الصحة النفسية؟

من أكثر جوانب الدراسة إثارة للقلق إشارة الباحثين إلى احتمال تأثير موجات الحر البحرية في الصحة النفسية. فالأشخاص الذين ترتبط حياتهم ارتباطاً وثيقاً بالمحيط، سواء من خلال العمل أو الممارسات الثقافية أو الأنشطة الترفيهية، قد يواجهون ضغوطاً عاطفية عندما تتدهور النظم البيئية البحرية التي يعتمدون عليها.

وقد يؤدي تكرار الأضرار البيئية إلى مشاعر مثل القلق والحزن والإحباط والاكتئاب، في إطار ما يُعرف أحياناً بـ«القلق البيئي».

كما ربط الباحثون بين ازدهار الطحالب السامة الذي شهدته جنوب أستراليا عام 2025 وبعض المعاناة النفسية، إلى جانب مشكلات صحية جسدية مثل تهيّج الجهاز التنفسي والربو.

دعوة إلى الاستعداد لتداعيات موجات الحر البحرية

ويرى مؤلفو الدراسة أن على الحكومات ومنظمات الصحة العامة أخذ توقعات موجات الحر البحرية في الاعتبار عند إعداد خطط الاستعداد للطوارئ الصحية.

كما يمكن أن يساعد تعزيز التعاون بين باحثي المحيطات ومسؤولي الصحة ومديري الموارد الساحلية المجتمعات على الاستعداد بشكل أفضل لهذه الظواهر والاستجابة لها بصورة أكثر فاعلية.

وتشير الدراسة في النهاية إلى أن موجات الحر البحرية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها أزمة تخص المحيطات وحدها؛ لأن تأثيراتها قد تمتد عبر سلسلة مترابطة تبدأ بالنظم البيئية البحرية وتنتهي بصحة الإنسان وغذائه وسبل عيشه وصحته النفسية.


مركز التنبؤات المناخية الأميركي يحذّر من ظاهرة «النينيو» في الخريف والشتاء

ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
TT

مركز التنبؤات المناخية الأميركي يحذّر من ظاهرة «النينيو» في الخريف والشتاء

ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

قال مركز التنبؤات المناخية الأميركي، الخميس، إن ظاهرة «النينيو» تزداد قوة، مرجحاً بنسبة تزيد على 90 في المائة أن تبلغ مستويات شديدة خلال خريف وشتاء 2026- 2027 في النصف الشمالي من الكرة الأرضية.

وأضاف المركز أن هناك احتمالاً بنسبة 69 في المائة لأن تتحول الظاهرة بين أكتوبر (تشرين الأول) وديسمبر (أيلول) 2026 واحدةً من أقوى موجات «النينيو» المسجلة منذ بدء السجلات المناخية الحديثة عام 1950، وربما تتجاوز في شدتها جميع الموجات السابقة.