صنع الله إبراهيم: أعجز عن كتابة الحاضر في رواياتي

احتفل مع المستعرب ريشار جاكمون بالترجمة الفرنسية لـ«الجليد»

صنع الله إبراهيم (يسار) والمترجم الفرنسي ريشار جاكمون
صنع الله إبراهيم (يسار) والمترجم الفرنسي ريشار جاكمون
TT

صنع الله إبراهيم: أعجز عن كتابة الحاضر في رواياتي

صنع الله إبراهيم (يسار) والمترجم الفرنسي ريشار جاكمون
صنع الله إبراهيم (يسار) والمترجم الفرنسي ريشار جاكمون

في أمسية بعنوان «أنوار الشرق الأوروبي»، شهد المركز الثقافي الفرنسي بالقاهرة احتفال الأديب المصري صنع الله إبراهيم والمستعرب الفرنسي ريشار جاكمون، بصدور الترجمة الفرنسية لروايته الصادرة أخيرا «الجليد» Le Gel وعن دار نشر «أكت سود» Actes Sud الفرنسية العريقة، وكذلك بأحدث رواياته «برلين 69» والصادرة عن دار الثقافة الجديدة 2014.
استهلت الأمسية بعزف منفرد على العود للفنان السوري محمد قدري دلال، وقراءة عربية وفرنسية لمقتطفات من الروايتين. وكانت الأمسية أشبه بجلسة حوارية ما بين الكاتب ومترجمه، حوار بين ثقافتين مختلفتين في حالة تجاذب وتنافر: الثقافة الفرنسية ممثلة بالمستعرب المخضرم جاكمون الذي ترجم لصنع الله 8 روايات، والثقافة المصرية ممثلة في الروائي صنع الله.
في البداية، تحدث صنع الله إبراهيم عن علاقته بالمترجم ضاحكا: «علاقتنا أشبه بعلاقة الزواج، فقد تعرفت إلى جاكمون منذ 28 سنة وطوال الوقت تدور بيننا حوارات كثيرة رغم تعصبه لفرنسيته وتعصبي لمصريتي، فإنه كانت هناك مساحة كبيرة جدا من التفاهم، فكلانا يتقبل الانتقاد، نختلف أحيانا.. وقد يذهب لترجمة أعمال آخرين لكن العلاقة كعلاقة الزواج، فهو يعود لي مرة أخرى. ومن حسن حظي اهتمامه بترجمة أعمالي لأنه يفهم المشهد المصري جيدا بحكم إقامته في مصر نحو 20 سنة».
أما جاكمون فقال: «يتميز صنع الله بأسلوب خاص في الحقل الأدبي المصري المعاصر، فهو يأخذ القارئ إلى عواصم العالم ويجعله يعايش إيقاع الحياة فيها. فهو كتب 6 روايات من 13 رواية تدور أحداثها خارج مصر، ما بين لبنان، وأميركا، وفرنسا، وسلطنة عمان، وروسيا، وألمانيا». وكان جاكمون قد ترجم أيضا أعمالا لكتاب مصريين آخرين، من بينهم: لطيفة الزيات، ونجيب محفوظ، ومي التلمساني، وأحمد خالد توفيق، ومجيد طوبيا، وغيرهم. تطرق جاكمون في الأمسية لأساليب السرد عند صنع الله، مشيرا إلى تنوع أساليبه ما بين الأسلوب الموضوعي للسارد الذي يعيش الأحداث والذي اتضح جليا في أول رواية له «تلك الرائحة» التي تجسد مرحلة حرجة في تاريخ الدولة المصرية، لكن قام صنع الله بتطوير أسلوب آخر يقوم على السخرية في رواية «الجليد».
لكن السؤال الذي ظل محيرا له أثناء قراءته لأدب صنع الله هو: لماذا اختار عددا من عواصم العالم مسرحا لأعماله؟ ولماذا التباعد بين فترة المعايشة والكتابة الروائية؟ فقد كتب صنع الله «الجليد» بعد 40 عاما من سفره إلى روسيا لدراسة السينما، وكذلك الحال مع «برلين 69» التي ذهب إليها في ستينات القرن الماضي وصدرت أواخر 2014.
وهنا أجاب صنع الله مفسرا السر وراء هذا الفارق الزمني الكبير: «لست ماكينة لكتابة الروايات، هناك ظروف لتناول موضوع معين ترتبط بالمزاج النفسي والظروف الشخصية والسياسية والأحوال العالمية. وأنا لست من الكتاب الذين يزورون مكانا معينا للكتابة عنه، لكنني أكتب من وقع حياتي العادية، وساعدتني طبيعتي الشخصية حيث، كنت دؤوبا في توثيق أحداث الحياة اليومية، سواء في مصر أو في أي بلد زرته. أسجل أفكاري ومشاعري والأسئلة التي تطرأ على ذهني وأحاول البحث عن إجابة لها، وقد أحتفظ بقصاصات من الصحف والمجلات بلغة البلد التي زرتها، فضلا عن الجرائد المصرية، وأودعها صندوقا. صندوق رحلة موسكو» مثلا، وقد أجد بعد عدة أشهر رغبة في الكتابة عن تلك الفترة أو بعد عدة سنوات».
ويفسر صنع الله سبب الكتابة عن حقبة الستينات في روايتي «الجليد»، و«برلين 69» في هذا التوقيت بالذات: «ربما هو إحساس بالعجز عن الكتابة عن الحاضر، ولا أعلم حقيقة لماذا لم أكتب عن سنوات الثورة المصرية حتى الآن، ربما لأنها مبهمة! أو لأن المأساة كانت أكبر مما أحتمله! ربما لم أنفعل بالقدر الكافي مع أحداث الثورة؟!».
واستطرد: «شعرت بضرورة الكتابة عن تجربتين للنظام الشيوعي لتحقيق أفكار خاصة بتغيير وضع البشرية، ورغم أن هذا النظام لم ينجح في تحقيق المساواة، فإنني شعرت بأهمية الكشف عن الدروس المستفادة من التجربتين الروسية والألمانية، وهي دروس تهمنا هنا في مصر.
الوضع في مصر يتلخص بالنسبة لي في كلمتين موجزتين (الثورة مستمرة)، لا أعلم كيف أكتب عن شيء مستمر؟ فالرغبة في التغيير الاجتماعي والتمرد على الواقع لن تتوقف إلى الأبد، وربما هذا كان دافعي في تأمل التجربتين الروسية والألمانية في السنوات الخمس الأخيرة!».
ولفت إلى أنه رغم أن روايتي «الجليد» و«برلين 69» متشابهتان في الأجواء والزمن الروائي فإن الفارق كبير جدا في البناء الروائي لكل منهما، فالأولى كتبت بشكل ساخر، أما الثانية فكتبت بشكل تقريري.
ولفت صاحب «ذات» إلى مفارقة روائية أخرى وفارق زمني آخر حدث مع رواية «التلصص» التي شرعت في كتابتها منذ أكثر من 40 عاما في سجن الواحات، لكنه احتفظ بقصاصات الورق حتى جاءت لحظة وجد نفسه يعود لتلك الوريقات وبدأ في استكمالها.. «إنها اللحظة التي عايشت فيها إحساس شخصية الأب في الرواية حينما بلغت نفس مرحلته العمرية».
وبأسلوب النقد الذاتي، أشار صاحب «يوميات الواحات» إلى أنه حينما بدأ الكتابة الروائية كان يكتب بأسلوب الراوي العليم بكل شيء، لكنه وجد أنه لا يود الكتابة بتلك التقنية، وتحول للكتابة بالفعل المضارع، رغم صعوبتها، لاجئا إلى الجمل القصيرة أحيانا والجمل الطويلة أحيانا أخرى.
وذهب صاحب «أمريكانلي» إلى أنه لا يتعمد دس عناوين الجرائد والوثائق في رواياته. وعلى الرغم من أنه لا يرى ضيرا في وصف أسلوبه بـ«الوثائقي»، فإنه يرى أن التوصيف الأدق هو «التضميني»، مشيرا إلى أن تقنية «التضمين» متعارف عليها في الأدب الغربي منذ قرون، كما استعان بها غالب هلسا الكاتب الأردني حينما وثق لمقولات من إذاعة القاهرة تعكس معايشته لمصر حينما استقر بها لفترة.
وحول ما إذا كان سيستمر في اللجوء إلى تقنية «التضمين» في رواياته المقبلة «التي ستعد مفاجأة لقرائه» قال: «لم تعد هذه الطريقة مغرية، ربما لأن الجرائد لم تعد مصدر الخبر! أو لأنني أصبحت أفضل الابتعاد عن عناوين الجرائد التي أصبحت باهتة لا تثري أي مخيلة، كما أنني لا أحب أن أكرر أسلوبي».
تجدر الإشارة إلى أن رواية «الجليد» التي صدرت عام 2010 عن دار الثقافة الجديدة، كانت قد صدرت في شكل سلسلة في إحدى الجرائد المصرية، قبيل ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، وهي تدور حول تجربة أكاديمي مصري في العاصمة الروسية موسكو، يقيم في بيت الطلبة ويحتك بهم وبأفكارهم التي تعكس التيار اليساري. يكشف صنع الله من خلال تجربته الشخصية عن مفاسد النظام الشيوعي وأسباب انهيار الاتحاد السوفياتي السابق.

* رواية عن الانهيار السوفياتي وأخرى عن عرب ألمانيا
* رواية «الجليد»، صدرت عام 2011 عن دار الثقافة الجديدة، و«الجليد» في الرواية كناية ترمز للحياة السوفياتية في مطلع عقد السبعينات، قبل أن تنشق وتذوب وتنهار في أضخم سقوط آيديولوجي شهده التاريخ المعاصر، يرصدها صنع الله إبراهيم من منظور مرهف ومحكم لطالب دكتوراه مصري، يقيم في بيت الطلاب في موسكو، ويكتب ما يشبه يوميات، بذكاء ملحوظ.
أما روايته الأحدث «برلين 69»، تقع في 260 صفحة من القطع الصغير، فصدرت عام 2014 عن دار الثقافة الجديدة بالقاهرة، وهي الرواية الخامسة عشرة في مسيرة الكاتب الروائية، وتعالج أحداثها أحوال العرب في ألمانيا الشرقية في نهاية الستينات، وأحوال الألمان الشرقيين أنفسهم في الفترة نفسها.
* صنع الله إبراهيم
روائي مصري كبير، من أهم الأصوات الروائية التي تنتمي إلى ما عرف بجيل الستينات الأشهر، يتميز بالجسارة والقدرة على اختراق عوالم السياسة بجهاز آيديولوجي مركب وحس فني رفيع، كرس أسلوبا توثيقيا في الكتابة السردية منذ عقود، وأخذ يضيف تنويعات إبداعية عليه في كل تجربة جديدة، لديه مزج بديع بين العام والخاص مع الاحتفاء بالتفاصيل. من أشهر أعماله الروائية:
«تلك الرائحة»، «اللجنة»، «نجمة أغسطس»، «بيروت بيروت»، «ذات»، «وردة»، «شرف»، «القانون الفرنسي».
* ريشار جاكمون: سيرة
* أستاذ الأدب العربي بجامعة إكس أنبروفانس الفرنسية، وكان مسؤولا عن قطاع الترجمة بالمركز الثقافي الفرنسي بالقاهرة. ترجم الكثير من الأعمال العربية إلى الفرنسية. صدرت أولى ترجماته إلى الفرنسية لرواية «دوائر عدم الإمكان» لمجيد طوبيا عام 1985 ونال الدكتوراه عن أطروحته «الحقل الأدبي المصري» عام 1999 التي يدرس فيها المجال الأدبي لمصر من الناحية السوسيولوجية، وترجمها إلى العربية بشير السباعي تحت عنوان «بين كتبة وكتاب»، ومن خلالها عرف القراء العرب الباحث والمترجم الفرنسي ريشار جاكمون، وعن طريقه عرف الفرنسيون الكثير من الأدباء العرب والمصريين الذين قام بترجمتهم للفرنسية، مثل صنع الله إبراهيم، محمد برادة، محمود الورداني، لطيفة الزيات وغيرهم.



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي