«حروب التغريدات»... بين حرية التعبير والتراشق السياسي

«حروب التغريدات»... بين حرية التعبير والتراشق السياسي

الاثنين - 25 محرم 1444 هـ - 22 أغسطس 2022 مـ رقم العدد [ 15973]

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي، كما يطلق عليها، منصات تهدف إلى تحقيق التقارب بين المجتمعات والترابط بين الأصدقاء، بل باتت ساحة لنشر المعلومات والأخبار، سواء كانت حقيقية أو زائفة. ثم إنها مع تزايد الاعتماد عليها جماهيرياً، أصبحت «أدوات فعالة» في يد السياسيين، والحكومات لحشد الرأي العام، بحسب خبراء أشاروا إلى أن العالم الآن يشهد ما يسمى بـ«حروب التغريدات»، بظل حرية التعبير التي تسمح بها هذه المنصات، محذرين من أن تنتقل تلك المعارك الافتراضية لأرض الواقع.
وتتنوع الأمثلة على هذا النوع من المعارك الافتراضية، ولعل آخرها ما شهدته الساحة السياسية العراقية خلال الأسبوع الماضي، عندما شن زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر، عبر ما يعرف بـ«وزير القائد» صالح محمد العراقي، هجوماً حاداً على منظمة «عصائب أهل الحق»، بزعامة قيس الخزعلي وكتلتها البرلمانية «صادقون»، مستخدماً «تويتر» ساحة للهجوم، لترد «العصائب» عبر المنصة نفسها على لسان رئيس كتلتها في البرلمان العراقي، عدنان فيحان.
وكانت منصة التغريدات ساحة لمعركة أخرى، لكن هذه المرة في مصر، عقب حريق كنيسة «أبو سيفين» الذي أودى بحياة 41 شخصاً. ولقد بدأت المعركة عقب اتهام النائب مصطفى بكري، عضو البرلمان المصري، لرجل الأعمال المصري نجيب ساويرس، بـ«السعي لإشعال الفتنة» – على حد قوله - بسبب تغريدة لساويرس علق خلالها على «حادث الكنيسة»، قبل أن يدخل علاء مبارك، النجل الأكبر للرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، على خط الأزمة، ويبدأ الطرفان في «التراشق بالألفاظ» عبر سلسلة من التغريدات.
وقبل أشهر قليلة تحديدا في أبريل (نيسان) الماضي، وبينما كانت تجري محاولات مصرية للتهدئة، بعد إطلاق صاروخ من قطاع غزة باتجاه إسرائيل، ردت عليه تل أبيب بقصف في منطقة خان يونس، تبادل رئيسا الوزراء في إسرائيل، الحالي نفتالي بنيت والسابق بنيامين نتنياهو، التراشق بالاتهامات عبر منشورات على الشبكات الاجتماعية، حاول فيها كل طرف «إثبات ضعف الآخر» حيال الفصائل في غزة.


آراء المتخصصين
في لقاء مع «الشرق الأوسط»، ربط الدكتور عبد الله بن عبد المحسن العساف، أستاذ الإعلام السياسي في المملكة العربية السعودية، استخدام السياسيين منصة التغريدات بالتحول الراهن في المشهد الإعلامي. وتابع تعليقه قائلاً إن «المتتبع للمشهد الإعلامي، وتوظيفه في السياسة، لا يكاد يخطئ رؤية التحول الكبير من الوسائل الإعلامية الحقيقية التي يسميها البعض بالإعلام التقليدي، إلى وسائل أخرى تمتلك ميزات وخصائص، من بينها اعتماد الجمهور عليها». وأشار إلى أن «وسائل التواصل الاجتماعي أتاحت للمستخدم إمكانية الإنتاج، والتداول، والأهم إمكانية التفاعل بين كل المستخدمين، الذين ما عادوا أوعية مستقبِلة (بكسر الباء)؛ بل أصبحوا مشاركين ومتفاعلين وصانعين للمحتوى».
وأضاف العساف «نظراً لانتشار مواقع التواصل الاجتماعي، فإن تأثيرها يتجاوز الرأي العام المحلي إلى العالمي... وفي حين تتسارع الأحداث وتتدفق المعلومات بشكل من الصعب التحكم فيه، اكتسبت منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها فيسبوك وتويتر، موقعاً متميزاً في سباق الوصول إلى المواطنين، وتوجيه الرأي العام بشكل فعال». ومن ثم لفت إلى أن «هذا التحول التقني طال كل دول العالم، ومن بينها العراق، حيث تُهدد حرب التصريحات الإلكترونية بين الصدر والخزعلي بصراع مسلّح بين مختلف الأطراف».
الصحافي المتخصص في الشأن الأميركي، توماس جورجيسيان، يتفق مع هذا الرأي، إذ قال في تصريح لـ«الشرق الأوسط» معقباً إن «منصات التواصل باتت أداة للوصول السريع للجماهير، كما أضحت منصة تويتر ساحة للحرب السياسية، والتراشق بين السياسيين في مختلف دول العالم، وذلك في إطار ما يسمى بحرية التعبير، التي تكفلها هذه المنصات للجميع».
وبينما لا يحب يوتام أوفير، أستاذ الإعلام بجامعة ولاية نيويورك في بافالو بالولايات المتحدة، استخدام مصطلح «الحرب» لوصف ما يحدث على منصات التواصل، فإنه قال لـ«الشرق الأوسط» إن «منصات التواصل أصبحت أداة ثمينة للغاية بالنسبة للسياسيين، لأنها تتيح لهم التحايل على وسائل الإعلام الرئيسية، والوصول مباشرة إلى الجمهور، وهو ما يعني قدرتهم على تقديم صورة مُضلِّلة وبعيدة عن الواقع في بعض الأحيان». ثم أوضح أنه «في حال تفوه سياسي بمعلومة خاطئة على التلفزيون، فإن المضيف أو المذيع سيبادر إلى تصحيحها؛ لكن لا يوجد من يصحح هذه التغريدات على تويتر...».


تغريدات دونالد ترمب
في الحقيقة «حروب التغريدات» ليست وليدة اليوم، ففي منتصف عام 2016 نشبت معركة مماثلة بين المرشح الجمهوري في انتخابات الرئاسة الأميركية، في ذلك الوقت دونالد ترمب، ومنافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون، وصف فيها ترمب منافسته بـ«المخادعة»، ليأتي رد كلينتون بالمطالبة بـ«حذف حسابه» على «تويتر».
كذلك كان ترمب «بطلاً» لعدة وقائع، إبان فترة توليه رئاسة الولايات المتحدة، من بينها ما حدث في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، عندما هاجم ترمب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عبر تغريدة قلل فيها من شأن مقترح الرئيس الفرنسي بإنشاء جيش أوروبي. وجاء الرد على لسان المتحدث باسم الحكومة الفرنسية (في ذلك الوقت) بنيامين غريفو، الذي قال: «كان يتوجب على ترمب أن يبدي بعض اللياقة والاحترام». وفي عام 2020 انخرطت الولايات المتحدة وروسيا في سجال وتراشق بالتغريدات على موقع «تويتر» بشأن حرية الصحافة بعد توقيف صحافي سابق في موسكو بتهمة «الخيانة».
هنا يشير أوفير إلى أن «الحرب الثقافية الأكثر أهمية على تويتر كانت تلك التي قادها ترمب ضد الحقيقة خلال انتخابات عام 2020». ويشرح أن «ترمب أساء استخدام حسابه على تويتر، الذي يضم ملايين المتابعين، ووظّف ذلك الحساب في نشر معلومات لا أساس لها من الصحة، أدت إلى تآكل الثقة في الحكومة والديمقراطية». كذلك يلفت أوفير إلى «استخدام روسيا وسائل التواصل الاجتماعي في الدعاية قبل تنفيذ عملياتها في أوكرانيا».
عودة إلى الدكتور العساف، الذي يوضح أن «ترمب فضّل في تغريداته استخدام حسابه الخاص على تويتر، ولم يستخدم حساب الرئاسة الأميركية، وكان يعتبر تويتر الوسيلة الاتصالية الأصدق والأفضل للتواصل مع مؤيديه وخصومه في ذات الوقت، فكانت رسائله تصل لرؤساء العالم قبل أن ينطق بها البيت الأبيض... ولقد أثارت تغريداته الكثير من ردود الفعل، واستمر الوضع كذلك إلى أن تجاوز الحد المقبول به أثناء الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حين أغلقت المنصة حساب ترمب، وهو ما يتناقض مع ما يجري ترويجه حول حرية التعبير على هذه المنصات». وفي سياق متصل كانت «حرب التغريدات» هذه موضوعاً لكتاب أصدره الكاتب الصحافي المصري محمد عبد السلام، في يونيو (حزيران) 2019 تحت عنوان «الحرب في زمن التغريدات... تكنولوجيا المعارك الافتراضية»، قال فيه إن «التغريدة أصبحت سلاحاً يُسقط القتلى في معارك افتراضية».
ويتابع العساف: «... ولم تسلم الحرب الروسية - الأوكرانية من توظيف سلاح السوشيال ميديا في مسارين: أولهما سلاح اجتياح لتدمير الخصوم معنوياً ولاستدرار العطف لدى الرأي العام العالمي، والثاني سلاح مقاومة لشحذ همم الأوكرانيين». ثم يضيف «نحن أمام حرب موازية أشد خطورة من الحرب التقليدية». مؤكدا أن «حروب المستقبل لن يقودها جنرالات، بل ستقودها السوشيال ميديا، ... هذه الأدوات خطرة جداً في صناعة العنف، متى وجدت مَن يحركها».
من جانب آخر، رغم استمرار السياسيين في التقارع بالتغريدات على مواقع التواصل الاجتماعي يؤمن يـوتام أوفير بـ«صعوبة تحديد مدى تأثير وسائل التواصل على الأرض، فالتوترات السياسية موجودة خارج وسائل التواصل الاجتماعي أيضاً، وبعض وسائل الإعلام الرئيسية تنشر معلومات مضللة».
ويختتم جورجيسيان بحث المسألة «أهم ميزات الحروب التويترية، هي صعوبة تحديد هوية الخاسر فيها، فكل طرف يرى نفسه منتصرا بمجرد إعادة مشاركة متابعيه لتغريدته»، مشيرا إلى أن «الفضاء التويتري صار مليئاً بالمواقف والتصريحات التي يصعب غربلتها... وحروب التغريدات تتناقض مع مفاهيم الدبلوماسية الهادئة، وبالتالي من الممكن أن تؤدي لحروب ومشاكل».


اختيارات المحرر

فيديو