هل تنجح مساعي غروندبرغ في انتزاع توسيع الهدنة اليمنية؟

تعقيدات تواجه فك الحصار عن تعز... وعراقيل أمام دفع الرواتب

المبعوث الأممي لليمن لدى وصوله في رحلة سابقة إلى مطار صنعاء في يونيو 2022 (إ.ب.أ)
المبعوث الأممي لليمن لدى وصوله في رحلة سابقة إلى مطار صنعاء في يونيو 2022 (إ.ب.أ)
TT

هل تنجح مساعي غروندبرغ في انتزاع توسيع الهدنة اليمنية؟

المبعوث الأممي لليمن لدى وصوله في رحلة سابقة إلى مطار صنعاء في يونيو 2022 (إ.ب.أ)
المبعوث الأممي لليمن لدى وصوله في رحلة سابقة إلى مطار صنعاء في يونيو 2022 (إ.ب.أ)

بعد مرور أكثر من 18 أسبوعاً على سريان الهدنة الإنسانية والعسكرية في اليمن وتمديدها مرتين بنفس الشروط، أعلن المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ أخيراً سعيه إلى تحسين الهدنة عبر توسيعها، حيث يتصدر ذلك صرف رواتب الموظفين وإنهاء الحصار على تعز وفتح الطرقات.
ومع وجود السعي الأممي والدعم الأميركي والإقليمي للمبعوث الأممي لانتزاع موافقة الحكومة الشرعية والحوثيين على المقترح الخاص بتوسيع الهدنة إلا أن التعقيدات التي تحفّ هذه المساعي لا تزال قائمة لا سيما فيما يتعلق بعدم الثقة في نيات الحوثيين، بالنظر إلى أنهم رفضوا حتى الآن كل المقترحات لتخفيف الحصار عن تعز وفتح الطرقات رغم كل البدائل التي طرحها غروندبرغ ومكتبه.
عدم الثقة في الحوثيين يقابله أيضاً الموقف الحكومي الذي يواجَه بانتقادات واسعة بسبب التنازلات المستمرة التي قدمها خلال كل جولات التفاوض مع الحوثيين منذ بدء الانقلاب وحتى الآن، وهو ما سيجعل الحكومة الشرعية هذه المرة -وفق تقديرات المراقبين- أكثر حذراً في تقديم أي تنازل جديد دون الحصول على ما يقابله.
وفوق أن إنهاء حصار تعز سيكون النافذة التي يمكن أن ينجح المبعوث الأممي من خلالها في تمرير خطته الرامية إلى توسيع الهدنة، إلا أن الاتفاق على آلية لصرف الرواتب ليس من السهولة بمكان، بخاصة في ظل الانقسام المصرفي والمالي الذي فرضه الحوثيون، وهو الانقسام الذي أدى إلى تراجع الحكومة في أوقات سابقة عن صرف رواتب قطاعات كثيرة في مناطق سيطرة الميليشيات.
وإلى جانب التساؤل عن كمية الوقت التي قد يحتاج إليها غروندبرغ للتوصل إلى اتفاق بشأن هذا الملف، تبدو نقطة توسيع وجهات السفر من مطار صنعاء إلى وجهات أكثر، عنصراً ملغوماً، بخاصة إذا ما طلب الحوثيون التوسيع إلى طهران وبغداد ودمشق وبيروت حيث البؤر التي توجد فيها أذرع المشروع الإيراني في المنطقة، وهي نقطة حساسة بالنسبة للشرعية اليمنية وحتى لدول الإقليم.
وكان المبعوث الأممي قد أعلن خلال إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن أنه يعمل على توسيع الهدنة، من خلال أربعة عناصر تشمل: الاتفاق على آلية شفافة وفعّالة لصرف منتظم لرواتب موظفي الخدمة المدنية ومعاشات المتقاعدين المدنيين، وفتح طرق إضافية في تعز ومحافظات أخرى، وإضافة المزيد من الوجهات من وإلى مطار صنعاء الدولي، وانتظام تدفق الوقود إلى جميع موانئ الحديدة.
- تعنت متوقَّع
يتوقع الباحث والكاتب اليمني عزت مصطفى، أن تقابَل خطة غروندبرغ بتعنت حوثي متوقَّع، ويشير في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المبعوث فشل مطلع الشهر الحالي بتمديد الهدنة ستة أشهر إضافية واكتفى بتمديدها حتى الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل وفق شروط الهدنة السابقة دون أي بنود إضافية خاصة، مؤكداً أن الحوثيين لم يوافقوا على تمديد الهدنة لشهرين إلا في الساعات الأخيرة قبل انتهاء الهدنة السابقة.
ويتوقع مصطفى أن تلاقي الخطة الموسعة للمبعوث «تعنتاً من الحوثيين إذا ما افترضنا قبول الحكومة للخطة قياساً على موافقاتها السابقة وتعاطيها الإيجابي مع الجهود الأممية».
ويضيف: «لكن أي تطور جديد من الصعب أن ينجَز أو يعلن عنه قبل نهاية سبتمبر (أيلول) القادم نظراً لتسويف الميليشيا الحوثية في تنفيذ التزاماتها خلال الفترة الماضية مقارنةً بما قدمته الحكومة وحصل عليه الحوثيون».
ومع الممانعة الحوثية الشديدة لفتح معابر تعز والمعابر في محافظات أخرى وتعقُّد هذا الملف، وملف صرف مرتبات الموظفين في مناطق سيطرة الحوثيين، فالمؤكد -كما يقول مصطفى- أن «الخطة الموسعة لغروندبرغ ستواجَه برفض شعبي يضغط على الحكومة بعدم قبولها وسيضع الحكومة في موقف صعب بين الضغط الشعبي والضغط الدولي الذي قد يمارَس لتقبل بالخطة».
ويرى الباحث والكاتب عزت مصطفى أن «الحوثيين استنفدوا أوراق مراوغاتهم التي استخدموا فيها تظاهرهم برفض الهدن السابقة مع حاجتهم إليها لإعادة لملمة طاقتهم العسكرية التي ضربتها انتصارات ألوية العمالقة في بيحان بشبوة مطلع العام الجاري وخشيتهم من التغيرات السياسية والعسكرية التي حدثت في الشرعية اليمنية ما يجعل غروندبرغ أقل استجابة لهذه المراوغات».
- معضلة الرواتب
إذا كانت مسألة إنهاء حصار تعز هي مربط الفرس بالنسبة لـ«الشرعية» والشارع اليمني المساند لها، فإن عملية صرف الرواتب كما يقترحه غروندبرغ سيكون، إن تم، اختراقاً محورياً في طريق السلام في اليمن.
ويعلق المحلل الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، على هذه النقطة ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «هذا ما ينبغي أن تدفع باتجاهه الأمم المتحدة إن كانت جادة في مسألة الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة في اليمن وإنهاء الحرب».
ويرى المساجدي أن «الحرب أفرزت شبكات مصالح واختلالاً في توزيع الثروة حيث تضخمت ثروات وأرصدة تجار الحروب مقابل إفقار وتجويع شريحة عريضة من اليمنيين».
ويضيف أن «الرواتب تعد واحدة من بين المنهوبات من أطراف الصراع خصوصاً من جماعة الحوثي التي ترفض صرف مرتبات الموظفين في مناطق سيطرتها رغم تضخم إيراداتها الضريبية والجمركية والرسوم والموارد الأخرى كالاتصالات وإيرادات ميناء الحديدة، وهي في مجملها تفوق بأضعاف مضاعفة ميزانية الأجور والمرتبات لمن تبقى من موظفي الدولة في مناطق الحوثي»، حسب قوله.
ويشير المساجدي إلى تعقيدات إمكانية التوصل إلى اتفاق بشأن صرف الرواتب، ويقول: «من الناحية العملية بالإمكان صرف مرتبات الموظفين قبل حتى توحيد السياسة النقدية إذ يكفي أن تلزم الأمم المتحدة جماعة الحوثي بصرف مرتبات الموظفين من الموارد المتاحة تحت سيطرتها».
ومع وجود الانقسام المصرفي يستدرك المساجدي بالقول: «لكن إن كان هناك اتفاق على جهة صرف موحدة فمن الضرورة الاتفاق على نوع العملة التي سيتم الصرف بها ووفق أي كشوف، وآلية الصرف، وإلزام الحوثي بإنهاء حظر تداول العملة إن كان الصرف سيتم بالطبعة الجديدة، أو الاتفاق على تسوية عملية نقل الأموال وإيجاد التغذية النقدية لشركات الصرافة في مسألة التسلم بالطبعة الجديدة والصرف للموظف بالطبعة القديمة».
ويؤكد المساجدي أن هذه الأمور الفنية «بالإمكان التوصل لحلول لها إذا ما وُجدت الإرادة الصادقة للتخفيف من معاناة الموظفين والتي استمرت لسنوات وتسببت بمشكلات مجتمعية معيشية كبيرة».
- إنهاء الحصار
يجزم وكيل وزارة الإعلام اليمنية فياض النعمان، بأنه لا يمكن توسيع الهدنة قبل أن يتم إنهاء حصار تعز وفتح المعابر، بموجب الهدنة الأساسية.
ويعتقد الوكيل في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «المبعوث الأممي يحاول جاهداً إحداث خرق في جدار الهدنة الإنسانية التي أصبحت تراوح مكانها بسبب صلف وتعنت الميليشيات الحوثية وعدم تنفيذ التزاماتها». كما يكرر اتهام الحكومة للميليشيات الحوثية بأنها استغلّت الهدنة «لتحقيق مكاسب اقتصادية ومساحة عسكرية لإعادة ترتيب صفوفها في جبهات القتال فيما المواطن اليمني في مناطق الميليشيات لم يجد أي انفراجة حقيقية ملموسة» حسب تعبيره. ويرى أن «الحديث عن توسيع الهدنة في ظل الوضع القائم الآن دون تحقيق أي نتائج إيجابية في تنفيذ بنودها المعلقة هو فشل حقيقي لإجراءات المجتمع الدولي والمبعوث الأممي في تعاطيهم مع المشكلة اليمنية».
ويعتقد النعمان أن «الميليشيات الحوثية المحاصرة لتعز منذ ثماني سنوات لا يمكن لها الانصياع لمطالب المجتمع الدولي والمبعوث الأممي الحالية». وأن استجابتها «تتطلب جهداً أكبر». كما يتوقع عدم حدوث أي انفراجة في حصار تعز أو أي مقترحات إذا استمر ما يصفه بـ«التعاطي الضعيف» مع الجماعة.


مقالات ذات صلة

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.