بلال شحادات لـ «الشرق الأوسط» : المُشاهد خطير ولا يمكن الاستهانة به

بلال شحادات لـ «الشرق الأوسط» : المُشاهد خطير ولا يمكن الاستهانة به

قال إن انتهاء صلاحية الكاتب ترتبط بالخبرة التي يتمتع بها
السبت - 23 محرم 1444 هـ - 20 أغسطس 2022 مـ رقم العدد [ 15971]
تستغرق عملية تأليف المسلسل مع شحادات نحو 10 أشهر

يرتبط اسم الكاتب السوري بلال شحادات بمجموعة من الأعمال الدرامية العربية التي تركت بأثرها على المشاهد. فهو يعرف كيف يأسر متابع أعماله بنص رشيق يحمل أحداثاً غير متوقعة. وأخيراً نتابع لشحادات مسلسل «من... إلى» المؤلف من 30 حلقة تولد كل واحدة منها المفاجأة تلو الأخرى. وكان سبق واستمتع المشاهد العربي بنصوص درامية من توقيعه كـ«شتي يا بيروت» و«2020» و«لا حكم عليه» ومن قبلها «لو» و«عروس بيروت1». وفي الدراما السورية قدم شحادات نصوصاً لا تزال تحفر في الذاكرة لمسلسلات «بعد السقوط» و«برفة عين» و«البرزخ».

ورغم تميزه في توليد المفاجآت والأحداث غير المتوقعة، فهو يشير إلى أن غالبية الكتاب يعتمدون على هذا السياق في نصوصهم. ويتابع: «إن إيقاع المخرج هو الذي يحدث الفرق، وما يهمني في القصة التي أكتبها هو إثارة الفضول عند المشاهد كي أدفعه إلى عدم ترك الشاشة للقيام بأي عمل آخر».

ومن هنا ينبع أسلوب الشحادات المثير والمشوق، إذ يرى أن عوامل جذب عدة يجب أن تحضر. فكما الحدث غير المتوقع كذلك حبكة القصة وإيقاعها السريع يسهمان في ذلك. ولا ينسى أن يذكر أيضاً عوامل من نوع آخر كالإضاءة والسينوغرافيا.

عادة ما يتخيل القصة ويرسمها في ذهنه ويحكيها للمخرج والمنتج ومن ثم يقوم بكتابتها. «أحياناً يجري بعض التطوير ولكن 90 في المائة من القصة وحبكتها تكون حاضرة منذ البداية. المهمة صعبة صحيح ولكن عندما ينتهي المسلسل وإذا ما شوهد مرة ثانية، سيكتشف متابعه أن الحدوتة التي يتضمنها بسيطة، إلا أن التنويعات التي تلونها هي التي تحرز الفرق».

كيف يمكن للكاتب أن يخصّب خياله لصياغة نصوص شيقة؟ يرد الكاتب السوري: «عنصر التراكم يلعب دوره في هذا الشأن. فأنا درست المسرح ومن ثم علمت مادة تاريخ الأدب المسرحي، وهو أمر مفيد جداً كي تتشربي علم المسرح بدءاً من شكسبير ووصولاً إلى صامويل بيكيت وغيره. ومن ثم عملت في مهنة الصحافة في جريدة (السفير). كما حضرت كميات من المسلسلات التي كنت أتناولها في عملي الصحافي. فكل ذلك ولد عندي هذه التراكمية التي ما لبثت أن تطورت بفعل ممارسة مهنة الكتابة والتأليف الدرامي».


                                                                   مسلسل «من... إلى» من كتابة بلال شحادات

وعما إذا يمكن للكاتب أن تنتهي صلاحيته كما في مهن أخرى يقول: «قد لا يخلو الأمر من هذا، إلا أن أسباباً مختلفة قد تؤدي إلى احتجاب المؤلف وعدم الاستمرار في عمله. هناك كتاب توقفوا عن ممارسة التأليف لأنهم بدلوا في وجهة عملهم. وهناك من افتقدوا أشخاصاً كانوا يتعاونون معهم فتنحوا. كما أن هناك كتاباً اتخذوا قرارهم بهذا الشأن، وما عادوا يمارسون عملهم لسبب أو لآخر. ولكن هذا الموضوع يرتبط بالنهاية بمدى خبرة الكاتب».

يتألف مسلسل «من... إلى» من 30 حلقة، إذ كان معداً لعرضه في رمضان الفائت. وبسبب ظروف مختلفة تقرر عرضه خارج هذا السباق، ويتابعه الناس حالياً عبر منصة «شاهد». وهو من بطولة قصي خولي وفاليري أبو شقرا وإخراج مجدي السميري. فهل عدد الحلقات تفقد العمل وقعه على المشاهد، ولهذا يعمل على تطويله أو تقصيره؟ يرد: «أي حكاية ممكن أن نكتبها بحلقتين ومرات بـ20 حلقة وأحياناً بأكثر من 60. فما دام هناك قدرة للكاتب على تأمين الحبكات وإثارة الفضول فهذا يعني أن الخيال لا يزال خصباً والحلقات يمكن أن تطول. في مسلسل (لا حكم عليه) كتبت 15 حلقة، وكان في إمكاني تطويله أكثر. وبرأي كلما قصر العمل كانت حلقاته مركزة وغنية أكثر. والأهم في الموضوع هو ألا يقع الكاتب في فخ التكرار، فيكون التركيز على عنصر التشويق أساسياً».

تستغرق كتابة أي مسلسل مع بلال شحادات من 10 أشهر إلى سنة تقريباً. وبرأيه المشكلة لا تنحصر بعدد الحلقات بل بتركيبة النص وتطوره. «الدراما بشكل عام يشارك فيها أكثر من شخص. هناك المنتج والمخرج وبطل العمل. يجب على الكاتب أن يتوصل إلى محتوى يرضيهم جميعاً. فهناك نوع من الاتفاق الأساسي الذي يتم توضيحه في أولى الجلسات مع فريق المسلسل. وبعد المشاورات والمناقشات يجري تطوير الفكرة من دون تبديل أساسها. هذا كله مجتمعاً يولد تطوراً كي نتوصل إلى أفضل صيغة درامية. فالجميع يكون على علم بالقصة وبحيثياتها من مخرج ونجم ومنتج وإثر ذلك يجري الانطلاق بالتصوير».

يتمتع بلال شحادات بخلفية ثقافية غنية كونه كاتبا مسرحيا وتلفزيونيا وصحافيا. فخريج المعهد العالي للفنون المسرحية هو قارئ نهم ومتابع لمسلسلات أجنبية بالجملة، يفوق عددها الـ400 شاهدها في ظرف سنتين. ومنذ عام 2000 يصر على مشاهدة فيلم يومياً.

حالياً يعمل على كتابة المسلسل الرمضاني «وأخيراً». وهو من بطولة نادين نسيب نجيم وقصي خولي. ومن ناحية ثانية، يكمل رواية يعمل عليها منذ فترة، وهي من نوع الأدب العبثي. فبرأيه ما مرت به منطقة الشرق الأوسط وبالأخص العراق وسوريا ولبنان ولد نوعا من العبثية عند شعوبها. «نعيش ما يشبه الحالة الأوروبية إبان الحرب العالمية الثانية، إذ إن الإنسان يفقد المنطق. وروايتي هي حدوتة جميلة إنما إسقاطاتها تدور في العبثية».

شاعت في السنوات الفائتة الدراما المقتبسة وحالياً تشهد الساحة تراجعاً لها، فما رأيه بعملية الاقتباس عند المؤلف؟ «لا أعلم ما إذا هي تراجعت بالفعل، لأن هذا الأمر يتطلب متابعة مستمرة. وأنا لا أملك الوقت الكافي لذلك بسبب انشغالاتي الكثيرة. وإذا كان الوضع الحالي تغيب عنه الاقتباسات فإنه لأمر ممتاز. ولكن ما أرغب في قوله هو أن الاقتباس ليس بالأمر الخاطئ أو المعيب. فتاريخ الأدب برمته بدأ بالاقتباس بدءاً من المسرح الإغريقي وصولاً إلى مسرح شكسبير وأوروبا عامة. لا يمكننا إلغاء الاقتباس والإعداد، وهما يختلفان كثيراً عن النسخ. كما أن صناعة السينما في الهند بدأت مع اقتباسات لأفلام أميركية. فالاقتباس سيبقى موجوداً مع تطويرات وإعدادات أكبر. ويمكن أن نأخذ فكرة ونعمل منها ما يناسب بيئتنا وتتم معالجتها كما يجب».

الدقة التي يتبعها بلال شحادات في بناء نصه تلفت المشاهد، وفي المقابل يهمه هذا التفاعل. ويعلق: «المشاهد خطير جداً، ولا يمكن الاستهانة به، إذ في إمكانه التنبه لأمور قد لا تخطر على بالنا. لا أقلل أبداً من أهمية المشاهد وأعتبره زميلاً لي في الكتابة. وفي النتيجة القرار الأول والأخير يعود له، فإما يحب العمل ويتعلق به أو العكس. وهذا منوط به».

وعن سبب غياب الأعمال الرومانسية إلى حد كبير يقول: «لم تغب تماماً، بل يجري مزجها مع أحداث أخرى ترتكز على الأكشن والتراجيديا والدراما الإنسانية وغيرها. هي لم تتراجع، ولكن الطلب عليها خف. والحب بالنسبة لي هو بالأفعال وليس بدعوة إلى العشاء وتقديم باقة ورد للحبيبة. وإذا ما رغبت في تناول الرومانسية أحبها أن تدور في فلك التضحية من أجل الحبيب، بحيث قد يكون الحبيب جاهزاً للقيام بمعجزة من أجل إنقاذ حبيبته من موقف خطير، وهي الحبكة الدرامية التي أحب العمل فيها».


اختيارات المحرر

فيديو