ميليشيات «فجر ليبيا» تجتاح السفارة التونسية بالعاصمة طرابلس للمرة الثانية خلال شهرين

مصادر دبلوماسية تونسية: هناك مفاوضات على أعلى مستوى من أجل الإفراج عن طاقم البعثة

السفارة التونسية في العاصمة الليبية طرابلس (غيتي)
السفارة التونسية في العاصمة الليبية طرابلس (غيتي)
TT

ميليشيات «فجر ليبيا» تجتاح السفارة التونسية بالعاصمة طرابلس للمرة الثانية خلال شهرين

السفارة التونسية في العاصمة الليبية طرابلس (غيتي)
السفارة التونسية في العاصمة الليبية طرابلس (غيتي)

في أحدث عملية من نوعها ضد سفارة عربية بالعاصمة الليبية طرابلس، اقتحمت أمس ميليشيات ما يسمى بـ«فجر ليبيا» للمرة الثانية خلال أقل من شهرين، مقر السفارة التونسية بالمدينة، واعتقلت عشرة من أعضاء البعثة التونسية، ردًا على رفض السلطات التونسية إطلاق سراح عادل القليب أحد قادة «فجر ليبيا»، بينما اندلعت مظاهرات شعبية حاشدة في مدينة درنة بشرق ليبيا ضد الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تسيطر، منذ نحو أربع سنوات، على المدينة التي تعتبر معقل المتطرفين الرئيسي.
وقالت مصادر أمنية في العاصمة طرابلس لـ«الشرق الأوسط»، إن «عملية اقتحام مقر القنصلية العامة التونسية، ترجع إلى استمرار اعتقال السلطات التونسية لعادل القليب أحد القادة الميدانيين في ميليشيات (فجر ليبيا) منذ الشهر الماضي».
وعدت تونس في بيان أصدرته وزارة الشؤون الخارجية التونسية، أن اقتحام القنصلية يمثل «اعتداء سافرًا على السيادة الوطنية التونسية وانتهاكًا صارخًا للقوانين الدولية والأعراف الدبلوماسية الضامنة لسلامة وأمن الموظفين والبعثات الدبلوماسية والقنصلية».
وقالت إن «كل أجهزة الدولة التونسية تتابع بكل اهتمام وانشغال تطورات هذه الحادثة بالتنسيق مع الأطراف الليبية والإقليمية والدولية للتوصل في أقرب وقت ممكن للإفراج عن طاقم البعثة التونسية وضمان سلامتهم الجسدية».
وحث البيان المواطنين التونسيين على تجنب السفر إلى ليبيا كما طالب أفراد الجالية التونسية هناك بتوخي الحيطة والحذر خلال تنقلاتهم أو ومغادرة الأراضي الليبية متى اقتضى الأمر ذلك.
وكانت دائرة الاتهام بمحكمة الاستئناف بتونس قد رفضت، أول من أمس، إطلاق سراح القليب الذي تم إيقافه في مطار تونس - قرطاج الدولي منذ بضعة أسابيع، للاشتباه في تورطه في أنشطة إرهابية.
وعقب توقيف القليب في شهر مايو (أيار) الماضي، برفقة قيادي آخر من ميليشيات «فجر ليبيا»، اعتقل مسلحون تابعون لهذه الميليشيات نحو مائتي مواطن تونسي في العاصمة طرابلس، قبل أن يطلقوا سراحهم على دفعتين بعد إفراج تونس عن أحد قياداتهم، بينما ظل القليب في محبسه.
وفي تونس استنكر التهامي العبدولي، وزير الدولة للخارجية المكلف الشؤون العربية والأفريقية، «بشدة»، إقدام عناصر تابعة لإحدى الكتائب المسلحة الليبية بطرابلس على اقتحام مقر القنصلية العامة التونسية في طرابلس، واحتجازها عشرة من موظفي البعثة، وقال في تصريح إعلامي إن الحكومة التونسية شكلت خلية أزمة لمتابعة قضية الدبلوماسيين المختطفين، وهي تنتظر الإفراج عنهم سالمين، كما تحمل الأطراف الليبية مسؤولية سلامتهم الجسدية والنفسية. وتضم هذه الخلية ممثلين عن رئاسة الجمهورية، ورئاسة الحكومة، ووزارات العدل والداخلية والخارجية.
وأكدت مصادر دبلوماسية تونسية في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن هناك مفاوضات تدور على أعلى مستوى بين الجانبين التونسي والليبي من أجل الإفراج عن طاقم بعثة القنصلية التونسية في طرابلس، المتكون من 10 أشخاص، وتوقعت الإفراج عن المختطفين بين الحين والآخر.
ووفق الرواية التي نشرتها عدة مصادر إعلامية، فإن عملية الاختطاف وقعت إثر هجوم شنّه أمس عدد من المسلحين مجهولي الهوية على القنصلية التونسية في طرابلس، وأدى إلى اختطاف نحو 10 من العاملين التونسيين فيها، واقتيادهم إلى جهة مجهولة. وتأتي هذه العملية بعد يوم واحد فقط من رفض إحدى محاكم تونس الإفراج عن وليد القليب، القيادي في تنظيم فجر ليبيا المعتقل بتونس منذ 25 مايو (أيار) الماضي.
وبخصوص أفراد القنصلية المختطفين، ذكرت مصادر تونسية على علاقة بالقيادات الليبية في طرابلس، أن التونسي البشير الشتاوي، نائب القنصل العام، من بين المختطفين، وقالت إنهم اقتيدوا إلى أماكن مجهولة، وأكد خبر تعرضهم إلى الاختطاف وليس الاحتجاز داخل مقر القنصلية. كما أكدت المصادر أن أربعة من بين المختطفين من سكان منطقتي مدنين وتطاوين.
واعتبرت وزارة الخارجية التونسية، في بيان أصدرته أمس، أن هذه الحادثة بمثابة «الاعتداء السافر على السيادة الوطنية التونسية، والانتهاك الصارخ للقوانين الدولية والأعراف الدبلوماسية الضامنة لسلامة وأمن الموظفين والبعثات الدبلوماسية والقنصلية». وأكدت أن كل أجهزة الدولة «تتابع بكل اهتمام وانشغال تطورات هذه الحادثة، بالتنسيق مع الأطراف الليبية والإقليمية والدولية، قصد الإفراج في أقرب وقت ممكن عن طاقم البعثة التونسية وضمان سلامتهم الجسدية».
وناشدت الوزارة كل المواطنين التونسيين عدم التوجه إلى ليبيا في الظروف الراهنة إلا للضرورة القصوى، وذلك بعد التنسيق مع وزارتي الداخلية والشؤون الخارجية في الغرض.
كما دعت أفراد الجالية التونسية الموجودين بليبيا إلى ضرورة توخي مزيد من الحيطة والحذر خلال تنقلاتهم داخل هذا البلد، ومغادرة التراب الليبي إن اقتضى الأمر ذلك.

وفي غضون ذلك، ندد مواطنون تظاهروا في مدينة درنة بعد صلاة الجمعة بتنظيم «داعش»، ورددوا هتافات مناوئة لهم، بينما رد مسلحو التنظيم بفتح نيران أسحلتهم؛ مما أسفر عن سقوط عدد من القتلى والجرحى في صفوف المتظاهرين.
وقالت مصادر في المدينة لـ«الشرق الأوسط»، إن «الإحصائية الرسمية تشير إلى سقوط قتيل وسبعة جرحى معظمهم في حالة حرجة بمستشفى المدينة نتيجة إصابتهم إصابات مباشرة في الرأس والصدر».
لكن سكان آخرين في المدينة قالوا إن سبعة أشخاص قتلوا، بينما أصيب نحو 30 شخصًا آخرين أثناء مشاركتهم في المظاهرة، على مقربة من القاعدة الرئيسية لتنظيم داعش في درنة.
كما اندلعت أيضًا مواجهات دامية بين كتيبة شهداء بوسليم وشباب حي باب طبرق مع تنظيم داعش الذي حاولت عناصره دخول الحي لاعتقال أحد قيادات كتيبة شهداء بوسليم، التي تخوض لليوم الرابع على التوالي معارك ضد التنظيم المتطرف.
وأعلن ما يسمى بمجلس شورى مجاهدي درنة، تحرير حي باب طبرق. وقال في بيان له: «تم تحرير باب طبرق أحد أحياء مدينة درنة ومعقل قادة تنظيم البغدادي الخارجي، وتطهيره من الخوارج المفسدين».
وتعهد المجلس بالدفاع عن مدينة درنة ضد أي اعتداء سواء من أنصار الفريق خليفة حفتر (القائد العلم للجيش الوطني الليبي) أو من أنصار أبو بكر البغدادي (زعيم تنظيم داعش في سوريا والعراق).
في المقابل، دعا تنظيم داعش عناصر كتيبة شهداء بوسليم ومجلس شورى مجاهدي درنة للاستتابة وتسليم السلاح، وقال التنظيم في بيان له: «كل من يتوب من هذه العناصر ويسلم سلاحه، له الأمن والأمان ويرفع عنه حد السيف». وترددت معلومات غير رسمية عن مقتل ما يسمى بوالي ليبيا أبو علي الأنباري العراقي الجنسية، كما تم اعتقال عدد كبير من عناصر تنظيم داعش.
ولقي تسعة مقاتلين على الأقل مصرعهم، أول من أمس، في اشتباكات بين الطرفين بالمدينة التي تشكل مركزًا لتجمع الجهاديين منذ فترة طويلة.
وكان تنظيم داعش بث تسجيلاً مصورًا يزعم فيه نسف طائرتين حربيتين في قاعدة القرضابية الجوية التي استولى عليها في وقت سابق من الشهر الماضي، بينما استعرض مقاتلوه أسلحة ثقيلة.
كما ظهر مقاتل سوداني وهو يسخر من قوات مصراتة التي انسحبت من سرت ويتوعد بالاستيلاء على المدينة الواقعة في غرب البلاد، بينما ظهر مقاتلون من تنظيم داعش على متن دبابة ويطلقون قذائف مورتر (هاون)، ويدمرون الطائرتين الرابضتين أمام حظيرة للطائرات.
وسيطر المتشددون في وقت سابق هذا الأسبوع على محطة للكهرباء في ضاحية بغرب سرت ليكملوا استيلاء تدريجيًا على المدينة بدأ في فبراير (شباط) الماضي، عندما دحروا قوة أرسلت من مصراتة موالية للحكومة التي مقرها طرابلس.
ومنذ بداية العام أعلن متشددون في ليبيا موالون لـ«داعش»، المسؤولية عن قتل عشرات المسيحيين المصريين والإثيوبيين وهاجموا فندقًا فاخرًا في طرابلس وسفارات وحقول نفط.
وتعمل الحكومة المعترف بها دوليًا من شرق البلاد منذ أن فقدت السيطرة على طرابلس وغرب ليبيا في أغسطس (آب) الماضي، في إطار الاضطرابات التي تحكم بخناق ليبيا بعد أربع سنوات من الإطاحة بمعمر القذافي.
وفى مدينة بنغازي بشرق البلاد، أعلنت مصادر طبية مقتل ثلاثة جنود بالجيش الليبي وإصابة عشرة آخرين خلال معارك الشوارع التي يخوضها الجيش ضد عناصر ما يسمى بمجلس شورى ثوار بنغازي.
وتشهد المدينة منذ عدة أسابيع تصاعدًا في حدة المواجهات العنيفة بين قوات الجيش الليبي والمتطرفين؛ مما أدى إلى مقتل وإصابة العشرات.
وقدمت الأمم المتحدة، يوم الاثنين الماضي، مسودة جديدة لاتفاق سلام لإقناع الجانبين بتشكيل حكومة وحدة بعد أشهر من المحادثات في المغرب.
لكن فرج هاشم، المتحدث باسم البرلمان الليبي المنتخب، قال في المقابل إن البرلمان يؤيد حلاً سياسيًا، لكنه يرفض هذه المسودة التي رأى أنها أعادت إنتاج المؤتمر الوطني العام (البرلمان) السابق والمنتهية ولايته، وشرعنة الميليشيات المسلحة في البلاد.
وأضاف في مؤتمر صحافي عقده بالقاهرة، أن البرلمان الذي يوجد مقره أيضًا في شرق البلاد يعترض على مشاركة مجلس نيابي منافس مقره طرابلس في اتفاق لتقاسم السلطة.
من جهة أخرى، نقلت وكالة الأنباء الموالية لما يسمى بحكومة الإنقاذ الوطني التي تسيطر على العاصمة طرابلس عن مصادر، أن «هناك اتصالات ومساعٍ جارية تتعلق باتفاق نهائي وشامل من أجل وقف إطلاق النار بين الأطراف المختلفة في المنطقة الغربية».
وكشفت النقاب عن أن الاتفاق سيكون برعاية المجالس العسكرية بمدن المنطقة الغربية، ويتركز على انسحاب كل طرف إلى داخل الحدود الإدارية لمدينته، بالإضافة إلى تبادل الأسرى وعودة المهجرين وعدم التعرض للمارة أو الاختطاف والتعهد بذلك بين كل الأطراف المعنية بالاتفاق.



اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث ميناءين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.


العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.