«دخان المرافئ»... إعادة إنتاج التاريخ بعيداً عن المرويات الرسمية

رواية عن مكابدات مدينة الكوت العراقية أثناء الحرب العالمية الأولى

انسحاب الجيش البريطاني من الكوت عام 1916 بعد هزيمته
انسحاب الجيش البريطاني من الكوت عام 1916 بعد هزيمته
TT

«دخان المرافئ»... إعادة إنتاج التاريخ بعيداً عن المرويات الرسمية

انسحاب الجيش البريطاني من الكوت عام 1916 بعد هزيمته
انسحاب الجيش البريطاني من الكوت عام 1916 بعد هزيمته

رواية «دخان المرافئ» للروائي إسماعيل سكران الصادرة عام 2021 رواية فريدة، لأنها تقتحم عالماً لم تقترب منه الرواية العراقية من قبل بصورة كافية، وأعني به عالم الحرب العالمية الأولى، ومنه سيطرة السلطة العثمانية على مقدرات الناس، من خلال عمليات التجنيد الإجباري التي كانت تسمى بـ(السفر برلك)، فالمدينة هنا هي البطل المركزي، ولذا فهي تفتقد إلى البطل الرئيسي، لكنها تحتضن عدداً من الشخصيات والحبكات الثانوية الفاعلة في أحداث الرواية. وحركة الأحداث والشخصيات تتجه كلها إلى هذه المدينة الصغيرة الوادعة التي تحمل اسم مدينة (الكوت)، المطلة على نهر دجلة، والتي كانت هي الطريق الرئيسي للسفر من البصرة إلى بغداد آنذاك عن طريق السفن. إذ نجد أن السيدة (مكية) وابنتها الشابة (نازك) تضطران إلى الهرب من البصرة باتجاه مدينة الكوت، عندما حاول زوج السيدة مكية الثاني التحرش بابنتها الشابة نازك، فقررت الرحيل إلى الكوت واللجوء إلى دار قريبها (صبري السراج)، الذي يعمل في صناعة السروج. كما أن التاجر قادر باشا قرر أن يسافر إلى الكوت أيضاً، بعد أن طلب من وكيله عبد الفتاح أن يتهيأ للسفر:
«احزم أغراضك، لأننا سنسافر إلى الكوت، هذا اليوم، بالسفينة». (ص 11)
وشرح التاجر قادر باشا طبيعة المهمة التي سيوكلها إلى وكيله عبد الفتاح:
«إنني أحتاجك هناك، عندي خان تجاري وأملاك أخرى، إنني ائتمنك على أموالي، ولا أرغب في تعيين شخص غريب عني». (ص12)
وهكذا أصبحت مدينة الكوت مركزاً لتجمع الشخصيات الروائية التي جاءت من البصرة، وبغداد، لتشهد ما سيحل بالمدينة من خراب وحصار نتيجة الصراع الدموي بين الجيش العثماني الذي استوطن البلاد لمدة 4 قرون، والجيش البريطاني الذي جاء غازياً بعد احتلال البصرة عام 1914 عند اندلاع الحرب العالمية الأولى. ومن سوء حظ المدينة وأبنائها، أن تكون مسرحاً لهذا الصدام بين الجيشين المحتلين، وبشكل خاص عندما أصبحت المدينة تحت الحصار لفترة طويلة، دمرت كافة ملامح الحياة فيها، وشهدت هزيمة الجيش البريطاني بقيادة الجنرال «طاوزند» وانتصار الجيش التركي في الجولة الأولى، وعودة الجيش البريطاني في الجولة الثانية ليسحق الجيش العثماني ويتقدم نحو بغداد.
وسردياً نجد أن بوصلة الأحداث وحركة الشخصيات في نهاية الرواية تتجه ثانياً شمالاً، وتحديداً من مدينة الكوت إلى مدينة بغداد، حيث يخبرنا الروائي على لسان الكاتب الذي قام بجمع وثائق هذه الهجرة، وهي إشارة تؤكد المنحى الميتاسردي للرواية:

«الوثائق التي بحوزتي، وهي غير مؤكدة، تشير إلى أن عائلة السيد حسقيل قد استقرت في محلة التوراة ببغداد... وأن عائلة السيد عبد الفتاح قد استقرت في منزل في منطقة الدهانة يشاركه السكن السيد صبري السراج». (ص 139)
وهكذا تصبح مدينة الكوت التي كان عدد سكانها آنذاك لا يزيد عن 5 آلاف شخص، مركزاً لهذا الحدث الروائي. ومع أن المدينة التي كانت تئن تحت الحصار، هي التي استأثرت بالجزء الأكبر من اهتمام السرد، فإن الحبكات الثانوية الأخرى ظلت حية وفاعلة ومؤثرة في مجرى الحدث الروائي. إذ تبدو حبكة محنة السيدة (مكية) وابنتها الشابة (نازك) من الحبكات المركزية التي ظلت تتداخل على امتداد الحدث الروائي. ونكتشف أن السيدة (مكية)، بعد أن اكتشفت خيانة زوجها الثاني وخسّته ومحاولة اعتدائه على ابنتها نازك، قررت الهرب من البصرة نحو الكوت والاستجارة بقريب لها هو (صبري السراج).
وتستمر هذه الحبكة حتى نهاية الرواية، حيث يتزوج السيد عبد الفتاح، وكيل التاجر قادر باشا، من السيدة مكية، كما يتزوج صبري السراج من ابنتها نازك، ونجدهم، كما أخبرنا الراوي جامع الوثائق، وقد انتقلا إلى بغداد، وأقاما في محلة الدهانة الشعبية في قلب بغداد آنذاك.
ومن الحبكات المؤثرة، تلك المتعلقة بحياة السيد عبد الفتاح، وكيل التاجر قادر باشا الذي يمتثل لطلب الباشا بالسفر إلى الكوت بالسفينة للإشراف على ممتلكاته هناك، وتعيينه وكيلاً عنه، كما نجده يحرص على توفير الراحة والاستقرار للسيدة مكية، ما أسفر عن زواجه منها لاحقاً. وتبدو حبكة علي الهندي، مهرب الأسلحة، من الحبكات المثيرة، لأنه كان يقوم بمغامرات خطيرة لتهريب الأسلحة وبيعها للعشائر بعد أن يشتريها من خليج عُمان وينقلها بالسفن عبر نهر دجلة. وفي الجانب الآخر، نجد حبكة صبري السراج صانع السروج، وقريب السيدة مكية، الذي تزوج من ابنتها نازك لاحقاً. ولا يمكن إهمال حبكة الكولي عباس، وهو حمال يعمل في خدمة السيد عبد الفتاح، لكنه يقدم خدمات هائلة للسيدة مكية وابنتها خلال ظروف الحصار، حيث كان يوفر لهما الدقيق وكل ما يحتاجان إليه من طعام للاستمرار في الحياة، في وقت شحت فيه المواد الغذائية. واختار الروائي حبكة عن عائلة حسقيل الصائغ، وزوجته روز وابنته مارسيل التي أحبت شاباً يهودياً فقيراً اسمه داود، استطاع، قبيل نشوب الحرب العالمية الأولى، الهجرة إلى بغداد، والسكن في محلة التوراة في بغداد. وكان حسقيل الصائغ قد سبقه إلى الهجرة، لكنه اختار موقعاً راقياً في شريعة قصر شعشوع في بغداد، الخاصة بأغنياء اليهود.
لكن المدينة، كما لاحظنا، تظل هي البطل المركزي، خاصة أنها وقعت تحت الحصار بين كماشة جيشين غازيين، هما الجيش العثماني والجيش البريطاني. إذْ عانت المدينة وسكانها الذين يبلغ عددهم آنذاك 5 آلاف نسمة من الويلات بسبب الصواريخ وقذائف المدافع التي هدمت البيوت على رؤوس ساكنيها، كما أن القوات الغازية، بسبب افتقارها إلى المواد الغذائية، كانت تقوم بغارات على بيوت المواطنين وتنتزع منهم بالقوة ما بقى لديهم من غذاء يسد رمقهم.
لقد نجح الروائي في أن يعيد الحياة إلى هذه المدينة المنكوبة التي وقعت في فخ الحصار بين كماشتين، كما جسّد الساعات الأولى لمحنة المدينة عندما راح دخان المرافئ يغطي سماءها من السفن والبواخر التي بدأت تصل إليها. وها هو السيد عبد الفتاح يتساءل: «هل ستحترق هذه المدينة؟ ويرتفع دخان مرفأها وأشجار بساتينها». (ص 64)
وبدأ الخطر يحدق بالمدينة منذ أن احتلت القوات البريطانية مدينة البصرة وتوجهت نحو مدينة الكوت في طريقها إلى بغداد عن طريق نهر دجلة.
ويعكس المشهد الحالي حالة الرعب بين الناس في هذا الحوار بين عبد الفتاح وصبري:
«_ ها، تبدو، حزيناً، ما الأمر؟
_ الدنيا مقلوبة، يا صبري، فالحرب قادمة إلينا.
_ أعلم جاءني تبليغ من السراي بالالتحاق بصفوف المكلفين بالخدمة العسكرية». (ص70)
ونجد أن المدينة، وقد طحنت طحناً، بسبب يوميات القتال التي نجح فيها الإنجليز في البداية في احتلال المدينة، لكن الجيش العثماني نصب كميناً للجيش الإنجليزي واستنزف قوته، ما دفع بقائده الجنرال (طاوزند) للاستسلام للقائد التركي خليل باشا، وبدأت بعدها مسيرة 10 آلاف جندي بريطاني من الأسرى متجهة إلى إسطنبول. (ص 124)
لقد عمد الروائي في تصويره لعملية استسلام الجيش الإنجليزي بتوظيف التقرير والملخص بدل النقل الفوري للحدث ومسرحته:
«استيقظت مدينة الكوت على عزف جوقة موسيقية عسكرية، بعد استسلام القوات الإنجليزية وإجلائها عن الكوت». (ص 123)
وكان من الأفضل أن يجسد الروائي عملية الاستسلام بطريقة درامية أو سينمائية، لأنها اللحظة التي أدخلت المدينة التاريخ، عندما عدّت الحكومة العثمانية أن انتصارها في الكوت هو واحد من أكبر انتصاراتها في الحرب العالمية الأولى.
لكن الحرب لم تنتهِ عند هذه اللحظة، إذ سرعان ما تقدمت القوات البريطانية ثانية نحو مدينة الكوت وسحقت القوات التركية التي هربت باتجاه بغداد (ص 134). وقد تسبب ذلك مرة أخرى، بمحاصرة المدينة ودكّ بيوتها بالقنابل والمدافع، ما تسبب بمزيد من المعاناة والخسائر لهذه المدينة المنكوبة وأبنائها.
أما من الناحية الفنية، فإن التبئير السردي ظل هو المهيمن، حيث يقدم السرد من خلال وجهة نظر أو وعي الشخصيات الروائية المشاركة في الرواية، في منحى بوليفوني واضح، كما نجد ذلك في هذا الاستذكار المونولوغي الذي يمر عبر شاشة وعي السيد عبد الفتاح:
«لا يتذكر عبد الفتاح كثيراً من طفولته، فليس بمقدوره، وهو الذي أمضى حياته في العمل، أن يستذكر شيئاً». (ص 10)
أو كما نجد ذلك في هذا المونولوغ الداخلي الذي يمر من خلال زاوية نظر عباس:
«اختلس عباس نظره نحو ما تبقى من المنزل، غرفتان وحسب، فيما ابتلع الشارع نصف البيت، لقد حضر بناءً على طلب مكية زوجة صديقه عبد الفتاح». (ص 106).
لكننا من الجانب الآخر وجدنا مقاطع عديدة تقدم عبر «الراوي العليم»، كما نجد ذلك في الاستهلال الروائي:
«تسلل نور الفجر إلى المدينة الصغيرة، المطلة على نهر دجلة، وكأنها جزيرة تغفو وسط نهر مترع بالماء». (ص 5)
أو كما نجد ذلك في هذا المقطع الروائي:
«استتب الأمر لصالح الإنجليز، واستسلمت المدينة لذلك الواقع، بدأ الجنود الإنجليز بالتجوال في شوارع وأزقة المدينة». (ص 86)
لكن ذلك لم يخل بفنية الرواية وبنيتها الدرامية، وظلت تمتلك كثيراً من عناصر رواية ما بعد الحداثة، وخاصة في محاولتها إعادة إنتاج التاريخ عبر زاوية جديدة، بعيداً عن المرويات الرسمية للتاريخ، وكذلك في تركيزها على الشخصيات المهمشة والثانوية، والاهتمام بشكل خاص بخلق بنية مكانية لمدينة تحت الحصار، والاهتمام بمصائر سكانها وخساراتهم، وهم يقعون بين فكي كماشتين متوحشتين للاحتلال العثماني والاحتلال البريطاني في آن واحد.
تشكل رواية «دخان المرافئ» تنويعة جديدة تضاف إلى سفر الرواية العراقية والعربية.



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».