«دخان المرافئ»... إعادة إنتاج التاريخ بعيداً عن المرويات الرسمية

رواية عن مكابدات مدينة الكوت العراقية أثناء الحرب العالمية الأولى

انسحاب الجيش البريطاني من الكوت عام 1916 بعد هزيمته
انسحاب الجيش البريطاني من الكوت عام 1916 بعد هزيمته
TT

«دخان المرافئ»... إعادة إنتاج التاريخ بعيداً عن المرويات الرسمية

انسحاب الجيش البريطاني من الكوت عام 1916 بعد هزيمته
انسحاب الجيش البريطاني من الكوت عام 1916 بعد هزيمته

رواية «دخان المرافئ» للروائي إسماعيل سكران الصادرة عام 2021 رواية فريدة، لأنها تقتحم عالماً لم تقترب منه الرواية العراقية من قبل بصورة كافية، وأعني به عالم الحرب العالمية الأولى، ومنه سيطرة السلطة العثمانية على مقدرات الناس، من خلال عمليات التجنيد الإجباري التي كانت تسمى بـ(السفر برلك)، فالمدينة هنا هي البطل المركزي، ولذا فهي تفتقد إلى البطل الرئيسي، لكنها تحتضن عدداً من الشخصيات والحبكات الثانوية الفاعلة في أحداث الرواية. وحركة الأحداث والشخصيات تتجه كلها إلى هذه المدينة الصغيرة الوادعة التي تحمل اسم مدينة (الكوت)، المطلة على نهر دجلة، والتي كانت هي الطريق الرئيسي للسفر من البصرة إلى بغداد آنذاك عن طريق السفن. إذ نجد أن السيدة (مكية) وابنتها الشابة (نازك) تضطران إلى الهرب من البصرة باتجاه مدينة الكوت، عندما حاول زوج السيدة مكية الثاني التحرش بابنتها الشابة نازك، فقررت الرحيل إلى الكوت واللجوء إلى دار قريبها (صبري السراج)، الذي يعمل في صناعة السروج. كما أن التاجر قادر باشا قرر أن يسافر إلى الكوت أيضاً، بعد أن طلب من وكيله عبد الفتاح أن يتهيأ للسفر:
«احزم أغراضك، لأننا سنسافر إلى الكوت، هذا اليوم، بالسفينة». (ص 11)
وشرح التاجر قادر باشا طبيعة المهمة التي سيوكلها إلى وكيله عبد الفتاح:
«إنني أحتاجك هناك، عندي خان تجاري وأملاك أخرى، إنني ائتمنك على أموالي، ولا أرغب في تعيين شخص غريب عني». (ص12)
وهكذا أصبحت مدينة الكوت مركزاً لتجمع الشخصيات الروائية التي جاءت من البصرة، وبغداد، لتشهد ما سيحل بالمدينة من خراب وحصار نتيجة الصراع الدموي بين الجيش العثماني الذي استوطن البلاد لمدة 4 قرون، والجيش البريطاني الذي جاء غازياً بعد احتلال البصرة عام 1914 عند اندلاع الحرب العالمية الأولى. ومن سوء حظ المدينة وأبنائها، أن تكون مسرحاً لهذا الصدام بين الجيشين المحتلين، وبشكل خاص عندما أصبحت المدينة تحت الحصار لفترة طويلة، دمرت كافة ملامح الحياة فيها، وشهدت هزيمة الجيش البريطاني بقيادة الجنرال «طاوزند» وانتصار الجيش التركي في الجولة الأولى، وعودة الجيش البريطاني في الجولة الثانية ليسحق الجيش العثماني ويتقدم نحو بغداد.
وسردياً نجد أن بوصلة الأحداث وحركة الشخصيات في نهاية الرواية تتجه ثانياً شمالاً، وتحديداً من مدينة الكوت إلى مدينة بغداد، حيث يخبرنا الروائي على لسان الكاتب الذي قام بجمع وثائق هذه الهجرة، وهي إشارة تؤكد المنحى الميتاسردي للرواية:

«الوثائق التي بحوزتي، وهي غير مؤكدة، تشير إلى أن عائلة السيد حسقيل قد استقرت في محلة التوراة ببغداد... وأن عائلة السيد عبد الفتاح قد استقرت في منزل في منطقة الدهانة يشاركه السكن السيد صبري السراج». (ص 139)
وهكذا تصبح مدينة الكوت التي كان عدد سكانها آنذاك لا يزيد عن 5 آلاف شخص، مركزاً لهذا الحدث الروائي. ومع أن المدينة التي كانت تئن تحت الحصار، هي التي استأثرت بالجزء الأكبر من اهتمام السرد، فإن الحبكات الثانوية الأخرى ظلت حية وفاعلة ومؤثرة في مجرى الحدث الروائي. إذ تبدو حبكة محنة السيدة (مكية) وابنتها الشابة (نازك) من الحبكات المركزية التي ظلت تتداخل على امتداد الحدث الروائي. ونكتشف أن السيدة (مكية)، بعد أن اكتشفت خيانة زوجها الثاني وخسّته ومحاولة اعتدائه على ابنتها نازك، قررت الهرب من البصرة نحو الكوت والاستجارة بقريب لها هو (صبري السراج).
وتستمر هذه الحبكة حتى نهاية الرواية، حيث يتزوج السيد عبد الفتاح، وكيل التاجر قادر باشا، من السيدة مكية، كما يتزوج صبري السراج من ابنتها نازك، ونجدهم، كما أخبرنا الراوي جامع الوثائق، وقد انتقلا إلى بغداد، وأقاما في محلة الدهانة الشعبية في قلب بغداد آنذاك.
ومن الحبكات المؤثرة، تلك المتعلقة بحياة السيد عبد الفتاح، وكيل التاجر قادر باشا الذي يمتثل لطلب الباشا بالسفر إلى الكوت بالسفينة للإشراف على ممتلكاته هناك، وتعيينه وكيلاً عنه، كما نجده يحرص على توفير الراحة والاستقرار للسيدة مكية، ما أسفر عن زواجه منها لاحقاً. وتبدو حبكة علي الهندي، مهرب الأسلحة، من الحبكات المثيرة، لأنه كان يقوم بمغامرات خطيرة لتهريب الأسلحة وبيعها للعشائر بعد أن يشتريها من خليج عُمان وينقلها بالسفن عبر نهر دجلة. وفي الجانب الآخر، نجد حبكة صبري السراج صانع السروج، وقريب السيدة مكية، الذي تزوج من ابنتها نازك لاحقاً. ولا يمكن إهمال حبكة الكولي عباس، وهو حمال يعمل في خدمة السيد عبد الفتاح، لكنه يقدم خدمات هائلة للسيدة مكية وابنتها خلال ظروف الحصار، حيث كان يوفر لهما الدقيق وكل ما يحتاجان إليه من طعام للاستمرار في الحياة، في وقت شحت فيه المواد الغذائية. واختار الروائي حبكة عن عائلة حسقيل الصائغ، وزوجته روز وابنته مارسيل التي أحبت شاباً يهودياً فقيراً اسمه داود، استطاع، قبيل نشوب الحرب العالمية الأولى، الهجرة إلى بغداد، والسكن في محلة التوراة في بغداد. وكان حسقيل الصائغ قد سبقه إلى الهجرة، لكنه اختار موقعاً راقياً في شريعة قصر شعشوع في بغداد، الخاصة بأغنياء اليهود.
لكن المدينة، كما لاحظنا، تظل هي البطل المركزي، خاصة أنها وقعت تحت الحصار بين كماشة جيشين غازيين، هما الجيش العثماني والجيش البريطاني. إذْ عانت المدينة وسكانها الذين يبلغ عددهم آنذاك 5 آلاف نسمة من الويلات بسبب الصواريخ وقذائف المدافع التي هدمت البيوت على رؤوس ساكنيها، كما أن القوات الغازية، بسبب افتقارها إلى المواد الغذائية، كانت تقوم بغارات على بيوت المواطنين وتنتزع منهم بالقوة ما بقى لديهم من غذاء يسد رمقهم.
لقد نجح الروائي في أن يعيد الحياة إلى هذه المدينة المنكوبة التي وقعت في فخ الحصار بين كماشتين، كما جسّد الساعات الأولى لمحنة المدينة عندما راح دخان المرافئ يغطي سماءها من السفن والبواخر التي بدأت تصل إليها. وها هو السيد عبد الفتاح يتساءل: «هل ستحترق هذه المدينة؟ ويرتفع دخان مرفأها وأشجار بساتينها». (ص 64)
وبدأ الخطر يحدق بالمدينة منذ أن احتلت القوات البريطانية مدينة البصرة وتوجهت نحو مدينة الكوت في طريقها إلى بغداد عن طريق نهر دجلة.
ويعكس المشهد الحالي حالة الرعب بين الناس في هذا الحوار بين عبد الفتاح وصبري:
«_ ها، تبدو، حزيناً، ما الأمر؟
_ الدنيا مقلوبة، يا صبري، فالحرب قادمة إلينا.
_ أعلم جاءني تبليغ من السراي بالالتحاق بصفوف المكلفين بالخدمة العسكرية». (ص70)
ونجد أن المدينة، وقد طحنت طحناً، بسبب يوميات القتال التي نجح فيها الإنجليز في البداية في احتلال المدينة، لكن الجيش العثماني نصب كميناً للجيش الإنجليزي واستنزف قوته، ما دفع بقائده الجنرال (طاوزند) للاستسلام للقائد التركي خليل باشا، وبدأت بعدها مسيرة 10 آلاف جندي بريطاني من الأسرى متجهة إلى إسطنبول. (ص 124)
لقد عمد الروائي في تصويره لعملية استسلام الجيش الإنجليزي بتوظيف التقرير والملخص بدل النقل الفوري للحدث ومسرحته:
«استيقظت مدينة الكوت على عزف جوقة موسيقية عسكرية، بعد استسلام القوات الإنجليزية وإجلائها عن الكوت». (ص 123)
وكان من الأفضل أن يجسد الروائي عملية الاستسلام بطريقة درامية أو سينمائية، لأنها اللحظة التي أدخلت المدينة التاريخ، عندما عدّت الحكومة العثمانية أن انتصارها في الكوت هو واحد من أكبر انتصاراتها في الحرب العالمية الأولى.
لكن الحرب لم تنتهِ عند هذه اللحظة، إذ سرعان ما تقدمت القوات البريطانية ثانية نحو مدينة الكوت وسحقت القوات التركية التي هربت باتجاه بغداد (ص 134). وقد تسبب ذلك مرة أخرى، بمحاصرة المدينة ودكّ بيوتها بالقنابل والمدافع، ما تسبب بمزيد من المعاناة والخسائر لهذه المدينة المنكوبة وأبنائها.
أما من الناحية الفنية، فإن التبئير السردي ظل هو المهيمن، حيث يقدم السرد من خلال وجهة نظر أو وعي الشخصيات الروائية المشاركة في الرواية، في منحى بوليفوني واضح، كما نجد ذلك في هذا الاستذكار المونولوغي الذي يمر عبر شاشة وعي السيد عبد الفتاح:
«لا يتذكر عبد الفتاح كثيراً من طفولته، فليس بمقدوره، وهو الذي أمضى حياته في العمل، أن يستذكر شيئاً». (ص 10)
أو كما نجد ذلك في هذا المونولوغ الداخلي الذي يمر من خلال زاوية نظر عباس:
«اختلس عباس نظره نحو ما تبقى من المنزل، غرفتان وحسب، فيما ابتلع الشارع نصف البيت، لقد حضر بناءً على طلب مكية زوجة صديقه عبد الفتاح». (ص 106).
لكننا من الجانب الآخر وجدنا مقاطع عديدة تقدم عبر «الراوي العليم»، كما نجد ذلك في الاستهلال الروائي:
«تسلل نور الفجر إلى المدينة الصغيرة، المطلة على نهر دجلة، وكأنها جزيرة تغفو وسط نهر مترع بالماء». (ص 5)
أو كما نجد ذلك في هذا المقطع الروائي:
«استتب الأمر لصالح الإنجليز، واستسلمت المدينة لذلك الواقع، بدأ الجنود الإنجليز بالتجوال في شوارع وأزقة المدينة». (ص 86)
لكن ذلك لم يخل بفنية الرواية وبنيتها الدرامية، وظلت تمتلك كثيراً من عناصر رواية ما بعد الحداثة، وخاصة في محاولتها إعادة إنتاج التاريخ عبر زاوية جديدة، بعيداً عن المرويات الرسمية للتاريخ، وكذلك في تركيزها على الشخصيات المهمشة والثانوية، والاهتمام بشكل خاص بخلق بنية مكانية لمدينة تحت الحصار، والاهتمام بمصائر سكانها وخساراتهم، وهم يقعون بين فكي كماشتين متوحشتين للاحتلال العثماني والاحتلال البريطاني في آن واحد.
تشكل رواية «دخان المرافئ» تنويعة جديدة تضاف إلى سفر الرواية العراقية والعربية.



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.