وجوه الشاشة تبحث في السياسة والمشاكل المقلقة

آخرهم إد نورتون ونتالي بورتمن والبقية تأتي

نتالي بورتمن في «حكاية من الحب والظلام»
نتالي بورتمن في «حكاية من الحب والظلام»
TT

وجوه الشاشة تبحث في السياسة والمشاكل المقلقة

نتالي بورتمن في «حكاية من الحب والظلام»
نتالي بورتمن في «حكاية من الحب والظلام»

استقبل الممثل إد نورتون إعلان مهرجان لوكارنو السويسري بقرار منحه جائزة شرف عن مجمل أعماله بسعادة غامرة. كان المهرجان بعث إليه بالقرار قبل الإعلان عنه وقام نورتون بالموافقة في رسالة شكر فيها الإدارة على هذه المبادرة.
لكن نورتون سيضطر بذلك لإيقاف العمل على فيلم بدأ بالتحضير له منذ سنوات كثيرة ولم ير النور بعد. ففي عام 1999 اشترى حقوق رواية بعنوان «بروكلين يتيمة الأم» (Motherless Brooklyn) للكاتب جوناثان لَثم على أساس من رغبته كتابة السيناريو لها وإخراجها. ومنذ ذلك الحين وهو يقترب ويبتعد عن تحقيق هذه الرغبة. الآن فقط، استطاع جمع ميزانية تحويل الرواية (التي تقع أحداثها في الخمسينات) إلى فيلم والعمل جار على استكمال العناصر وتحديد موعد البدء بالتصوير.

* حب وتعصب
نورتون لا يقف وحده بين الممثلين الموهوبين المتحوّلين إلى الإخراج.
في دورة مهرجان «كان» الأخيرة برهنت الممثلة نتالي بورتمن (أميركية - إسرائيلية) عن قدرتها في التصدّي لرواية أخرى شكلت لديها هاجسًا دفعها إلى بذل كل ما لديها من اتصالات لتأمين تحويلها إلى فيلم.
الفيلم هو «حكاية حب وظلام» وكاتبها هو أموس أوز الذي حوّلت السينما الإسرائيلية له ثلاث قصص حتى الآن هي «مايكل شيلي» (1975) و«الصندوق الأسود» (1994) و«الخائن الصغير» (2007). بورتمن اختارت روايته «حكاية حب وظلام» لأنها، حسب قولها، تعكس رغبة العيش المشترك وحل الدولتين كأساس.
بورتمن ولدت في القدس، سنة 1981. لكن عائلتها غادرت إسرائيل إلى الولايات المتحدة منذ أن كانت في الثالثة من عمرها. وهناك قدر كبير من الجرأة الفنية وتلك السياسية في قرارها تصوير فيلم عن رواية أوز الصادرة سنة 2002. فنيًا لأن الرواية تشكّل تحديّا دراميًا وفنيًا بالنسبة لممثلة ما زالت في مطلع تجاربها على الشاشة، وسياسيا، لأن الرواية تتناول حياة المؤلف ذاته الذي داعبه الحلم بدولة يهودية وشارك في بعض الحروب العربية - الإسرائيلية من قبل أن يهدأ سياسيا ويبدأ بمراجعة مواقفه. هذا ولو أن الفيلم يظهر أن حل الدولتين كان ماثلاً أمام أوز (والفيلم يروي فصوله بصوت مؤلّفه) وذلك في مشهد يقول فيه عم الكاتب لفتاة عربية صغيرة: «هناك متسع لشعبين على هذه الأرض».
لكن هذا لا يعفي الفيلم من قدر من التعصّب. العبارة ذاتها قد تُفسّر بعكس ما يُراد منها وليس لدى المخرجة الجديدة من الخبرة ما يجعلها تتحرر من نطاق النص الأدبي وتحميل الفيلم مزايا فنية بعيدًا عن أصوله الأدبية.
هذه المشكلة لم تقع مع الممثلة (الأكثر شهرة) أنجلينا جولي عندما قررت، سنة 2011، الإقدام على تجربة إخراجها الرئيسية الأولى (قبل ذلك كان لديها تجربة محدودة غير مثمرة) وذلك عبر فيلم كتبته بنفسها مستخلصة أحداثه مما عايشته وتابعته إعلاميًا وهو «أرض الدم والعسل» الذي تقع أحداثه خلال الحرب البوسنية في التسعينات وكيف قام الجيش الصربي باغتصاب النساء وعن فشل أحد الجنود الصرب في حماية المرأة البوسنية التي أحب وتحوّلت معاملته لها لتماثل معاملة الآخرين لها.
لكن بورتمن، مثل جولي قبلها، أرادت لفيلمها الأول أن يكون ذا شأن سياسي. وبذلك قررتا خوض المعترك الجديد من نقطة سياسية وما فوق. وهنا ما يستوقفنا على نحو ملحوظ إذ إن السياسة كثيرًا ما اندمجت في ركاب التحوّل لممثلين قرروا ذات لحظة مضيئة (غالبًا) في حياتهم المهنية التحول إلى الإخراج وذلك عبر سنوات السينما البعيدة.
أدب وسياسة
لا يفوتنا، مثلاً، فيلم راسل كراو الأول «معمّد الماء» The Water Diviner هذا العام الذي اختار فيه التعامل مع العلاقة الإسلامية - المسيحية في إطار أحداث الحرب العالمية الأولى فأنجز عملاً مثيرًا جدًّا للاهتمام كمعبّر عن رغبة تلاق بين الحضارات والأديان. بعودته إلى مطلع القرن الماضي يسمح لفيلمه بالدلو في الواقع الحاضر من دون جهد. إنه يريد قول شيء إيجابي مهم عما يحضرنا الآن، لكن من خلال العودة إلى أحداث وقعت سابقًا خيالية كانت أم واقعية أو (كما هو الحال هنا) مزجًا بين الاثنين.
إذا لم يجد الممثل موضوعًا مستمدًا من أحداث تاريخية أو سياسية محددة، نراه يقدم على فيلم يعالج موضوعًا اجتماعيًا من وجهة نظر نقدية (وهذا أيضًا سياسة) كما فعل، سنة 1969 دنيس هوبر في «إيزي رايدر» وكما سبق لمارلون براندو أن فعل متحدثين عن المؤسسة والسلطة. فيلم براندو «جاك ذو العين الواحدة» (1961) دار حول لص مصارف يكتشف أن شريكه الذي سرقه بدوره، أصبح شريف بلدة فيقصده لمنازلته. الشريف هو السُلطة والسُلطة فاسدة كما الحال في فيلمين من إخراج كلينت إيستوود هما «غير المسامَح» (1992) و«سُلطة مطلقة» (1997) كلاهما من تمثيله وجين هاكمان الذي يؤدي دور شريف بلدة في الأول ورئيس جمهورية في الثاني وكلاهما يرتكب جريمة قتل.
الوسترن أيضًا كان اختيار الممثل كفن كوستنر عندما قرر التحوّل إلى الإخراج فقدم سنة 1990 قالبًا (وإن لم يكن المخرج الأول في هذا الشأن) الصورة النمطية التي قامت مئات أفلام الغرب الأميركي بتقديمها عن تاريخ الصراع على الأرض بين المواطنين الأصليين والمستوطنين البيض.
تيم روبنز، الذي وقف مع زوجته سوزان ساراندون، ضد حرب العراق آنذاك، انتقل في فيلمه الأول «مسيرة رجل ميّت» (1995) لمعالجة مسألة الإعدام من وجهة نظر مناوئة وفي يقينه أن القانون عليه أن يتغيّر لأنه يعالج الجريمة بمثلها.
شون بن عالج موضوع الحرية المكبوتة في أكثر من فيلم أخرجه أولها «الراكض الهندي» سنة 1991 المأخوذ عن أغنية (للمغني المتمرد) بروس سيرينغستين.
طبعًا ليس كل ممثل أقدم على الإخراج حقق نجاحًا كبيرًا، وبعض من وردت أسماؤهم أعلاه، مثل شون بن وكفن كوستنر ومارلون براندو اكتفى بما سجّله عبر أفلامه القليلة في هذا المجال بمن فيهم، ورغم اسمه الكبير، جاك نيكولسون الذي أتيح له تحقيق ثلاثة أفلام كمخرج أولها «قد، قال: «Drive‪، ‬ He Said سنة 1971.
لكن هناك آخرون كثر نجحوا في شق الطريق ذاته وحافظوا على نجاحهم على نحو مطرد، وهم إذا لم يكترثوا للسياسة في أعمالهم الأولى (كما فعل أورسون ولز في «المواطن كين») اكترثوا لها لاحقًا كما الحال مع وورن بيتي وروبرت ردفورد وكلينت إيستوود ومل غيبسون وجون كازافيتيس وجورج كلوني. أكثرهم تأكيدًا على دور السياسة في أفلامه هما وورن بيتي روبرت ردفورد وكلاهما كان امتلأ أفلامًا ذات مضامين سياسية (محلية وعالمية) قبل إقدامه على الإخراج. جورج كلوني بدأ في هذا الدرب بفيلمه «حظ حسن وتصبحون على خير» (2005) وأنجحهم كلينت إيستوود الذي حقق فيلمه الأول «اعزف لي ميستي» (1971) كدراما عاطفية ثم تداول السياسة في الكثير من أفلامه بعد ذلك وصولاً إلى عمله الأخير «قناص أميركي».



السياسة حاضرة... والمخرجات شبه غائبات في «فينيسيا»

جورج كلوني يتلقَّى تحية نادرة في ليلة الافتتاح برفقة زوجته أمل (رويترز)
جورج كلوني يتلقَّى تحية نادرة في ليلة الافتتاح برفقة زوجته أمل (رويترز)
TT

السياسة حاضرة... والمخرجات شبه غائبات في «فينيسيا»

جورج كلوني يتلقَّى تحية نادرة في ليلة الافتتاح برفقة زوجته أمل (رويترز)
جورج كلوني يتلقَّى تحية نادرة في ليلة الافتتاح برفقة زوجته أمل (رويترز)

اكتظت قاعة المؤتمرات الكبيرة في مقر مهرجان «فينيسيا» السينمائي بعدد من الحضور فاق المعتاد. واضطر كثير من الصحافيين والنقاد إلى الوقوف على جانبي القاعة للاستماع إلى رئيسة لجنة التحكيم، الممثلة والمخرجة ماغي جيلنهال، في المؤتمر الصحافي الذي عقدته مع باقي أعضاء اللجنة.

كانت المناسبة تقليداً راسخاً في كل دورة وفي كل مهرجان: على رئيس لجنة التحكيم تقديم رؤيته المسبقة للمهمة التي هو (أو هي) بصددها مع أفراد لجنته. لكن هذا التقليد تعرّض في السنوات القليلة الماضية لمحاولات من الإعلام لطرح أسئلة عن رأي اللجنة في القضايا السياسية الساخنة. حدث هذا في «برلين»، «لوكارنو» وكذلك في «فينيسيا».

ألبرتو باربيرا وماغي جيلنهال في مهرجان «فينيسيا» (رويترز)

لم تُضيِّع جيلنهال وقتاً في التصدِّي لهذا الموضوع، فقالت مباشرة: «الأفلام، على نحو لا يمكن تجنّبه، سياسية أساساً. نستطيع أن نتساءل: كيف نحتفي بالسينما هنا في حين أن العالم في حالة طوارئ؟ بالنسبة إليَّ، يتطلب الجواب موقفاً تعاطفياً. أعتقد أن الفيلم (أي فيلم) يتيح لنا فرصة لإيقاظ التعاطف في ذواتنا». وأضافت: «علينا أن نتحدَّى أنفسنا بالسماح لصانع الفيلم بأن يقول ما يرغب في قوله».

السؤال الآخر الذي بات يتردد، مثل أسطوانة مشروخة، في كل مناسبة، هو عن «قلة عدد الأفلام النسائية الإخراج في المسابقة الرسمية».

ما لم يكن متوقعاً هو رد جيلنهال على هذا السؤال. وعوض أن تقول شيئاً مثل إن المهرجان يختار أفلامه تبعاً لقيمتها، وليس لجنس صانعيها، أو إنها كانت تأمل أن تكون هناك أفلام نسائية الإخراج أكثر، قالت بجدية: «أعتقد أن الأمر بات أخيراً واضحاً: الرجال يصنعون أفلاماً أفضل من النساء». وشرحت ما تعنيه متحدثة عن «منظومة» على المرأة أن تمر عبرها. وحمل بعض تعليقها تلميحاً ساخراً إلى عدم وجود أفلام نسائية الإخراج في المسابقة الرئيسية، باستثناء فيلم واحد.

من «امرأة مجهولة» (نورديسك فيلم برودكشن)

امرأة وحيدة

وضع جواب رئيسة لجنة التحكيم بعض النقاط على الحروف. فالمشكلات التي تواجه المرأة، وقناعاتها والمسائل التي تحيط بها، ليست المادة التي يتوجَّه إليها الجمهور الكبير؛ ذاك الذي يفضِّل، تلقائياً، مخرجين لديهم أسماء رنَّانة، أو يجري وراء أفلام دارجة تحتوي على ذلك الخليط من المغامرة والمطاردات والعنف. وليس معنى ذلك أن بعض المخرجات لا يتمتعن بالقدرة على توظيف هذه العناصر على النحو الذي يتطلبه الإنتاج، بل إن غالبيتهن لديهن موضوعات أكثر أهمية بالنسبة إليهن.

تقوم شركات الإنتاج، الأميركية خصوصاً، غالباً على مبدأ واحد هو الإيراد. ويختلف الوضع في أوروبا، حيث هناك مُتَّسع أكبر لمشاركة المرأة في إخراج أفلام تعكس اهتماماتها. على الرغم من ذلك، تصل نسبة المخرجين الرجال إلى الثلثين، وأحياناً أكثر.

وعندما يواجه مهرجان «فينيسيا» حالة كهذه، فإنه يفضِّل الحُكم على النتائج المرئية، لا على جنس المخرج أو أي عامل آخر.

ومن المثير حقاً أن الفيلم النسائي الوحيد في المسابقة هذا العام هو «امرأة مجهولة» لمي الطوخي، وهي مخرجة دنماركية من أصول مصرية تعيش في الدنمارك منذ سنوات. والفيلم إنتاج دنماركي، مع مساهمة إيطالية.

تكريم جورج كلوني في ليلة الافتتاح

فيلمان عن الإعلام

كان حفل الافتتاح نفسه حافلاً بالنجوم وكبار السينمائيين الذين حضروا المناسبة. ووقف رئيس المهرجان، ألبرتو باربيرا، مستقبلاً ضيوفه كالعادة، ومن بين من استقبلهم رئيس مهرجان «كان» تييري فريمو. وتعانق الاثنان، متناسيين، ربما للحظات، المنافسة الحامية بين المهرجانين.

كان جورج كلوني المُحتفى به في ليلة الافتتاح. وصل برفقة زوجته اللبنانية، وحظي بالترحيب الكبير الذي يستحقه.

فيلم الافتتاح هذا العام، «حبر» (Ink) لداني بويل، يتناول موضوعاً لا يبتعد عن تاريخ صناعة الإعلام وواقعها الراهن. وهو عمل بيوغرافي جزئي عن لاري لامب، الذي ترأس تحرير صحيفة «ذَ صن» حين اشتراها المليونير روبرت مردوخ (الفيلم في «شاشة الناقد» اليوم). ولا يتحدث عن وضع سياسي، لكنه يعرض لمحات خاطفة وذكية عن الفترة التي تدور فيها الأحداث، وينتهي بربط الماضي بالحاضر على صعيد الإعلام.

لاحقاً، وفي عداد ما سيُعرض في المسابقة هنا، سنشاهد فيلماً آخر عن الإعلام والإعلاميين، هو «برايمتايم» للمخرج لانس أوبنهايم، ومن بطولة روبرت باتنسون، الذي يؤدي دور مراسل شبكة «NBC» الأميركية كريس هنسن.

كان فيلم الافتتاح، من حيث نوعيته وجدواه، أفضل من فيلمي افتتاح المهرجانين الكبيرين المنافسين، «برلين»، و«كان».

افتُتح مهرجان «برلين» العام الحالي بفيلم «لا رجال صالحون» (No Good Men) لشهربانو سادات، وهي إحدى عضوات لجنة التحكيم هنا، فيما أُسندت المهمة في مهرجان «كان» إلى الفيلم الفرنسي «قبلة كهربائية». وقد أخفق كلاهما في تقديم تبرير حقيقي لاختيارهما في هذا النطاق.


شاشة الناقد: في «حبر» سيرة حياة تنطوي على تاريخ الصحافة في مرحلتها الذهبية

جاك أوكونور في «حبر» (هاوس برودكشنز)
جاك أوكونور في «حبر» (هاوس برودكشنز)
TT

شاشة الناقد: في «حبر» سيرة حياة تنطوي على تاريخ الصحافة في مرحلتها الذهبية

جاك أوكونور في «حبر» (هاوس برودكشنز)
جاك أوكونور في «حبر» (هاوس برودكشنز)

INK★★★★

إخراج: ‪داني بويل‬

‫ بريطانيا (2026).‬

أول ما يخطر على بال الناقد حين يشاهد هذا الفيلم الجديد لداني بويل هو الكيفية التي جرى بها تجاوز الطابع المسرحي تماماً، وصولاً إلى حالة سينمائية خالصة. وليست هذه المرّة الأولى التي يحدث فيها هذا الانفصال بين العمل المسرحي والاقتباس السينمائي، لكن مَن لا يعرف أصل الفيلم لن يدرك أنه عمل مقتبس نُقل عن الخشبة. ألّفه جيمس غراهام، الذي يكتب للمسرح منذ عام 2005. وفي عام 2017 كتب «حبر»، وقدّمه على مسرح ألميدا، وهو مسرح صغير يقع في شمال لندن ويتّسع لنحو 320 شخصاً. ولاحقاً، انتقلت المسرحية بنجاح إلى أحد مسارح «وست إند»، ثم واصلت نجاحها على مسارح برودواي في نيويورك.

يغيب العنصر المسرحي ومفرداته تماماً عن هذا الفيلم، باستثناء مشهد الحوار الأول، الذي يأتي بعدما يبدأ الفيلم بلقطات بالأبيض والأسود لبعض شخصياته. وهو مشهد طويل نسبياً يجمع بطلي الفيلم الأساسيين، غاي بيرس وجاك أوكونيل. يجسّد الأول شخصية روبرت مردوخ، الذي اشترى للتو صحيفة «ذَ صن»، ويحاول إقناع الثاني، الذي يؤدي شخصية لاري لامب، الصحافي في «ديلي ميل»، بترك صحيفته والانتقال إلى «ذَ صن» رئيساً للتحرير. وفي هذا المشهد، الذي يستغرق نحو 5 دقائق، تلخيص لخلفية ما سنراه لاحقاً على امتداد دقائقه الـ116. يقبل لاري العرض المغري ويخوض التجربة، محاولاً تقديم صحافة بريطانية جديدة وناجحة، بعدما كان توزيع الصحيفة قد تراجع قبيل شراء مردوخ لها عام 1969. وفي ذلك الحين، كانت تعاني أزمةً، بعدما انخفضت مبيعاتها إلى أقل من 700 ألف نسخة يومياً.

لم تنل التجربة الأولى في هذا المجال رضا مردوخ. فقد انتقد رئيس التحرير أمام فريقه من المحررين، مما أثار غضب لاري لامب. لكن الانتقاد دفع لاري لامب إلى نفض الغبار عن الصحيفة وتحويلها كلياً إلى جريدة ترفيهية تغطي مختلف الشؤون التي تلبّي رغبات الفئات غير المحافظة، أو كما يقول في اجتماع تحريري عاصف: «أريد أن نغطي كل اهتمامات الناس اليومية». وشملت هذه الاهتمامات الرياضة والأبراج وبرامج التلفزيون والموضوعات النسائية، إلى جانب موضوعات أخرى، في مقدمتها الجنس.

وما إن فعل ذلك حتى ارتفع مؤشر التوزيع بوتيرة متسارعة، وواصل صعوده ليبلغ مليوني نسخة في أواخر السبعينات.

ينتهي الفيلم بتلك الضربة المركزية التي رفعت المبيعات إلى ذروتها، وهي نشر أول صورة في الصحافة البريطانية لامرأة عارية على الصفحة الأولى.

يلي ذلك انتقال من أحداث السبعينات والثمانينات إلى عالم اليوم، من خلال عرض سريع لصور ولقطات متتابعة، لا يستعرض التطورات التي شهدتها الصحافة العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي، ولا تزال تشهدها، فحسب، بل يعبّر أيضاً عن الفارق المقلق بين عالم الصحافة الكلاسيكي وعالمها الراهن. ويتضمّن ذلك لقطة لإيلون ماسك بوصفه مؤشراً على مستقبل مقلق، إلى جانب دلالات على الوضع الذي تشهده الصحافة العالمية، وهي تحاول البقاء حيّة وسط اللهاث الحالي وراء كل تطوّر تقني جديد.

كتب غراهام السيناريو بنفسه، وصاغ من خلاله كل ما سبق من تاريخ صحافي وشخصي، لا للامب وحده، وهو محور الفيلم وشخصيته الرئيسية، بل للمحيطين به أيضاً، ومن بينهم مردوخ. وهناك أكثر من 15 شخصية مساندة تؤدي أدواراً أساسية، إلى جانب شخصيات أخرى تظهر مرحلياً ثم تمضي.

وإذ يمضي الفيلم واصفاً الأزمات المتلاحقة في حياة لامب والصحيفة، ويفرد وقتاً لتناول جريمة اختطاف زوجة نائب مردوخ ومساعده الأول وقتلها على يد رجلين من ترينيداد، يعرض المخرج حكاياته بأسلوب بصري رائع. ثمة لقطات عدّة مصوّرة بكاميرات مختلفة، وفواصل بين المشاهد تعبّر، بلقطات حيوية، عما يجول في نفوس الشخصيات، وتختصر المسافة حين لا بد لبعض المشاعر من أن تطفو على السطح، من دون حوار. وبذلك يحوَّل النص المسرحي إلى فعل سينمائي متكامل، خارج حدود الخشبة وشروطها.

يقدّم أوكونيل وبيرس، وسائر المشاركين، أداءً رائعاً وحيوياً، وقد أعرب مردوخ عن إعجابه بأداء بيرس لشخصيته. ويؤدي ذلك كله دوراً حاسماً في وضع الفيلم في مصاف أفضل أعمال مخرجه، وأفضل الأفلام التي تناولت عالم الصحافة منذ «المواطن كاين» لأورسن ويلز، قبل 85 عاماً.

RUNNER ★★★

إخراج: سكوت ووف

‫ الولايات المتحدة (2026) ‬

عروض: تجارية.

ينضم «راكض» إلى نوع الأفلام التي تمزج المخاطر والمطاردات بالمواقف والحوارات الخفيفة عبر بطولة ثنائية واحدة للتشويق والثانية للضحك بعيداً عن وطأة المشاهد الحادة أو بسببها.

الفتاة في خطر. لقطة من «راكض» (آنجل برودكشنز)

النتيجة ليست سيئة، على الرغم من أن الحكاية مطروقة، وإن قُدّمت في مواقف مختلفة. فهي تتحدث عن رجل يُدعى هانك (آلان ريتشسون)، يقول إنه ودّع مرحلة خوض المخاطر وأعمال القتل بحثاً عن حياة عادية، يجدها الآن في العمل بتوصيل الطلبات في أنحاء متفرقة من أستراليا.

يتولى هانك تسليم طرد طبي يحتوي على كبد من فئة دم نادرة. ويرافقه في المهمة بن (أوين ويلسون)، الذي أحضر إليه الطرد، ويشاركه مغامرات الطريق المحفوفة بالمخاطر. وعليهما إيصاله إلى منزل بعيد خلال ساعات قليلة، لإنقاذ فتاة صغيرة من الموت، قبل أن يفسد الكبد وتفقد حياتها. لكن عصابة تسعى إلى سرقته، لكونه من فئة دم نادرة تتيح لها بيعه بمليون دولار.

ندرك باكراً أن الرحلة ستتعرض لهجوم مسلّحين، مما سيضطر هانك إلى التخلي عن هدوئه والدفاع عن الطرد الذي يتعين عليه إيصاله، مهما كانت العقبات.

وعلى الرغم من تقليدية الحبكة، فإن المخرج ووف لديه رغبة واضحة في تقديم فيلم خالٍ من الشوائب عموماً؛ فيلم سهل التقبّل وجيد التنفيذ إلى حد بعيد.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


العصر الذهبي للفيلم السياسي في هوليوود

جون واين في «القبعات الخضر» (وورنر برذرز)
جون واين في «القبعات الخضر» (وورنر برذرز)
TT

العصر الذهبي للفيلم السياسي في هوليوود

جون واين في «القبعات الخضر» (وورنر برذرز)
جون واين في «القبعات الخضر» (وورنر برذرز)

تشارك المخرجة الأميركية باربرا كوبل في الدورة المقبلة من «مهرجان فينيسيا» (من 2 إلى 12 سبتمبر/ أيلول المقبل) بفيلمها الجديد «Union Town»، ضمن قسم الأفلام التسجيلية الذي يضم 18 فيلماً آخر.

«يونيون تاون» سياسي النبرة، شأنه شأن أفلامها السابقة، وأشهرها «Harlan County, USA». ويتناول الفيلم الجديد عمال توصيل الطلبات المحتجِّين على ساعات العمل الطويلة وتدنِّي الأجور. وكوبل هي المخرجة الوحيدة التي فازت مرتين بـ«أوسكار أفضل فيلم تسجيلي»؛ الأولى عن «هارلن كاونتي» (1976)، والثانية عن «حلم أميركي (American Dream)» (1990). لذا؛ فمن المتوقع أن يشقَّ «يونيون تاون» طريقه إلى ترشيحات «الأوسكار» في العام المقبل، وربما يمنحها الفوز لثالث مرة.

تجسُّس: جين هاكمن في «المحادثة» (باراماونت)

نماذج أولى

كوبل واحدة من جيل سينمائي أولى السياسة اهتماماً خاصاً في الستينات والسبعينات. أتحدَّث هنا عن روبرت ردفورد، وجاك نيكولسون، ووارن بيتي، وبيتر فوندا؛ من الممثلين، وهال أشبي، وفرنسيس فورد كوبولا، وألان ج. باكولا، وسيدني بولاك، وميلوش فورمان؛ من المخرجين. كانت تلك الحقبة مهمَّة؛ لأنها مرحلة أساسية في تاريخ «هوليوود»، حين التفتَ ذلك الرعيل إلى الموضوعات السياسية، ليشكلوا ما يمكن وصفه بالعصر الذهبي للفيلم السياسي في هوليوود.

مبدئياً، كانت «هوليوود» والسياسة على طرفي نقيض منذ انتشرت عبارة لا يزال صداها يتردد إلى اليوم: «إذا كانت لديك رسالة، فأرسلها إلى (وسترن يونيون)». وربما كان المنتج سام غولدوين أول من قالها، لكنها ترددت على ألسنة آخرين رأوا أنه لا داعي إلى دمج الأفلام بالسياسة؛ فالأفلام غايتها الترفيه، بينما السياسة فعل مضاد له.

لكن هذا لم يكن صحيحاً يوماً. فقد ضربت السياسة أطنابها في السينما منذ عهد الأفلام الصامتة. وكان «ميلادُ أُمَّة (Birth of a Nation)»؛ الملحمةُ التي أنجزها ديفيد وورك غريفيث عام 1915، فيلماً سياسياً مجَّد جماعة «كو كلوكس كلان»، وأيَّد الجنوب المناوئ تحرير«العبيد».

كانت أفلام المرحلة المكارثية، والأفلام التي هاجمها اليمين لكونها ناقدة، أو عُدّت ترويجاً لليسار، كلها سياسية. ومن بينها فيلم تشارلي تشابلن «أزمنة معاصرة (Modern Times)» عام 1936، وفيلم إدوارد دميتريك «مرمى نيران (Crossfire)» عام 1947. وحتى فيلما الوسترن «حادثة أوكس بو (The Ox-Bow Incident)» لوليام أ. ولمان (1943)، و«ذروة الظهر (High Noon)» لِفرِد زينمان (1952)، تضمَّنا السياسة في صلب موضوعيهما.

وغنيٌّ عن القول إن كل نتاج سينمائي يُعبِّر، بصورة أو بأخرى، عن موقف سياسي. فأفلام الترفيه تبعث الطمأنينة، وتخفِّف وطأة المصاعب، وتسلِّي الناس، وهو المنوال الذي طبع غالبية إنتاجات «هوليوود» حتى اليوم. وبدورها، تعبِّر الأفلام التي تروّج لفكرة يمينية أو يسارية عن مضمون يستخدم السينما وسيلة لنشر الرسالة.

«المنظر المختلف» مع وارن بيتي (باراماونت)

دولة عميقة

بدت المسألة أوضح في الستينات والسبعينات، عندما أمسك عدد من المخرجين بزمام الأمور كما لم يحدث من قبل. وفي سياق البحث عن موضوعات جديدة، منحت «هوليوود» مخرجيها حرية اختيار الموضوعات وكيفية معالجتها.

كان «دكتور سترانجلوف (Dr. Strangelove)» لستانلي كوبريك (1964) رائداً في الستينات، بسخريته من سياسة البيت الأبيض والمؤسسة العسكرية. وفي العام نفسه، قدَّم جون فرانكنهايمر «7 أيام في مايو (Seven Days in May)»، الذي تناول مخططاً يقوده عدد من كبار القادة العسكريين للانقلاب على رئيس الولايات المتحدة؛ اعتراضاً على توقيعه معاهدة لنزع السلاح النووي مع الاتحاد السوفياتي.

وكان فرانكنهايمر قد حقق فيلماً من النوع نفسه عام 1962، بعنوان «المرشَّح المنشوري (The Manchurian Candidate)»، حيث نجد لورنس هارفي عائداً من الحرب الكورية بعدما غُسل دماغه ليخدم الأجندة الشيوعية في أميركا.

لكن الأعمال الأكبر نضجاً وتعبيراً عن تمرُّد «هوليوود» على وصايا المكارثية ومخلَّفاتها، وعلى الخوف من المجهول، كانت تلك التي تناولت بصراحة موضوع «الدولة العميقة».

ومن أبرز الأفلام في هذا الصدد عملان حققهما ألان ج. باكولا باحتراف لافت، هما «كلوت (Klute)» عام 1971، و«المنظر المختلف (The Parallax View)» عام 1974. وكلاهما فيلم تشويقي يتناول جهات خفية تدير البلاد، وتُقدِم على القتل إذا شعرت بأن الضحية تهدد مصالحها.

وحقق باكولا بعد ذلك فيلماً مهماً آخر هو «كل رجال الرئيس (All the President’s Men)» عام 1976، عن تحقيقات الصحافيين بوب وودوورد، وكارل بيرنستاين، التي أدَّت إلى الكشف عمّا تُعرف حتى اليوم بفضيحة «ووترغيت».

وفي الاتجاه نفسه، شخَّص فرنسيس فورد كوبولا، في «المحادثة (The Conversation)»، 1974، من بطولة جين هاكمن، وضعاً مماثلاً، حيث توجد جهات نافذة تتجسَّس على المواطنين. ومع نهاية العقد نفسه، حقق رائعته «القيامة الآن (Apocalypse Now)»، التي تناولت الحرب الفيتنامية من وجهة نظر انتقادية صارمة.

أسهمت أفلام السبعينات في الكشف عن فضيحة «ووترغيت» وانتقاد حرب فيتنام والمؤسسة العسكرية الأميركية

فيتنام وسواها

شهدت «هوليوود»، منذ الستينات والسبعينات وفي العقود التالية، سيلاً من الأفلام التي تناولت الحرب الفيتنامية من وجهة نظر معارضة لها، كما في «العودة إلى الوطن» لهال أشبي، و«فصيلة (Platoon)» لأوليفر ستون، و«خسائر الحرب (Casualties of War)» لبرايان دي بالما. وفي المقابل، ظهرت أفلام قليلة أيدتها، من بينها «القبعات الخضر (The Green Berets)» لجون واين عام 1968، الذي قدَّم تلك الحرب بوصفها مشروعة.

شكَّلت تلك الحرب مصدر قلق في الداخل الأميركي، ونتجت عنها أعمال لم ترتبط بها مباشرة، بقدر ما مثَّلت ارتداداً معارضاً لها، كما في «إيزي رايدر» لبيتر فوندا (1969)، الذي شارك جاك نيكولسون في بطولته. وقاد نيكولسون لاحقاً بطولة فيلمين ناقدين للمؤسسة؛ أولهما «التفصيلة الأخيرة (The Last Detail)» لهال أشبي عام 1973، وثانيهما «واحد طار فوق عش المجانين (One Flew Over the Cuckoo’s Nest)» لميلوش فورمان عام 1975.

وكان لروبرت ردفورد حضوره المهم في هذا المجال. فإلى جانب «كل رجال الرئيس»، الذي تقاسم بطولته مع داستن هوفمان، قاد بطولة «3 أيام للكوندور (Three Days of the Condor)» لسيدني بولاك عام 1975، حيث تعمد وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية إلى اغتيال موظفيها.