«الشرق الأوسط» ترصد هدوءا حذرا بعد 76 يوما من الرعب في قرية «دلجا» بصعيد مصر

أهالي قرية دلجا بصعيد مصر تجمعوا ترحيبا بوصول قوات الأمن والجيش لفك الحصار عن قريتهم («الشرق الأوسط»)
أهالي قرية دلجا بصعيد مصر تجمعوا ترحيبا بوصول قوات الأمن والجيش لفك الحصار عن قريتهم («الشرق الأوسط»)
TT

«الشرق الأوسط» ترصد هدوءا حذرا بعد 76 يوما من الرعب في قرية «دلجا» بصعيد مصر

أهالي قرية دلجا بصعيد مصر تجمعوا ترحيبا بوصول قوات الأمن والجيش لفك الحصار عن قريتهم («الشرق الأوسط»)
أهالي قرية دلجا بصعيد مصر تجمعوا ترحيبا بوصول قوات الأمن والجيش لفك الحصار عن قريتهم («الشرق الأوسط»)

أخيرا التقط هاني يوسف أنفاسه هذا اليوم، لأنه الأول الذي يستريح فيه من إجهاد حراسة الشارع الذي يقع فيه منزله بعد 76 يوما من هجمات المسلحين. واستراح مثله الآلاف من سكان قرية «دلجا» الواقعة في وسط مصر بمنطقة الصعيد، فوق نقطة فاصلة بين المزارع والصحراء، وتبعد عن القاهرة جنوبا بنحو 300 كيلومتر.
وفي الخلفية سمع رجال الأمن زغاريد الفرحة من السيدات في شرفات المنازل، بينما كان هاني يهتف مع الرجال والشباب في الشوارع ترحيبا بأرتال سيارات الجيش والشرطة المحملة بالجنود، وفي السماء حلقت مروحيات عسكرية.
إنها الساعات الأولى من صباح يوم الاثنين الماضي. والمهمة تحرير القرية من سطوة المسلحين المتشددين الذين أرادوا - وفقا للتحقيقات الأمنية المبدئية - معاقبة سكان القرية من المسلمين والمسيحيين على عزل الرئيس المصري السابق محمد مرسي يوم الثالث من يوليو (تموز) الماضي، وفض اعتصام رابعة العدوية في 14 أغسطس (آب) الماضي. وبينما كانت السلطات تعالج الاضطرابات التي يثيرها أنصار مرسي مطلع الشهر قبل الماضي، خاصة في المحافظات الكبرى كالقاهرة والجيزة والإسكندرية، بدأت قصة العنف في «دلجا» بشكل متتال ومتصاعد منذ ذلك الوقت بعيدا عن أعين السلطات المركزية.
وتعد القرية ذات الطبيعة الآمنة والأغلبية المسلمة، من أكبر القرى في مصر، ويصل عدد سكانها إلى نحو 120 ألف نسمة بينهم نحو 20% من المسيحيين. ومنذ مطلع يوليو الماضي كانت الأجواء مشحونة، وتعرض المسيحيون في عموم البلاد لهجوم من أنصار الرئيس المعزول، مثلهم مثل غالبية المصريين الذين أيدوا خارطة طريق أدت للإطاحة بمرسي، وأعلن عنها الفريق أول عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع والإنتاج الحربي، بحضور كل من شيخ الأزهر وبابا الأقباط وعدد من السياسيين.
ويقول شاهد من القرية يدعى محمد: «بعد أن انتهى الفريق أول السيسي من إعلان خارطة الطريق، هجم أنصار مرسي هنا على الكنائس وعلى قسم الشرطة، وضربوا حتى المسلمين الذين تظاهروا لتأييد الجيش. عشنا في رعب».
ووفقا لروايات شهود العيان، وفور إعلان السيسي، تجمهر المئات من الموالين لمرسي أمام مبنى خدمات تابع لكنيسة «مار جرجس» الخاصة بالأقباط الكاثوليك، وهو مبنى مكون من طابقين فوق دور أرضي. وبعد قليل تمكن المهاجمون الغاضبون من اقتحام المبنى الذي يضم مكتبة تغص بالكتب التاريخية والمراجع النادرة، وانضم إليهم لصوص، وبدأت عملية النهب.
وتقع القرية على حدود محافظتي المنيا وأسيوط، وهي منطقة يكثر فيها نشاط جماعة الإخوان والجماعة الإسلامية المتشددة التي تحالفت مع مرسي للدفاع عن نظامه في أيامه الأخيرة، بالإضافة إلى جماعات جهادية أخرى. وقال راعي الكنيسة، القس أيوب يوسف لـ«الشرق الأوسط» إن مهاجمي مبنى الخدمات التابع للكنيسة لم يتركوا شيئا لم يسلبوه «حتى لعب الأطفال والأسلاك الكهربائية نزعوها من الحوائط واستولوا عليها».
كان الحشد الساخط على عزل مرسي يتزايد في مناطق مختلفة من القرية وهم يرددون العبارات المناهضة للجيش والشرطة والمسيحيين والتيارات السياسية المدنية في القرية. وبعد نحو ساعة ارتفعت ألسنة النيران من مبنى الخدمات التابع لكنيسة «مار جرجس». وأوضح شاهد يدعى «عبد الله» الذي كان يراقب المشهد من شرفة منزله في ذلك اليوم: سكب المخربون البنزين على مراتب أسفنجية وكتب المكتبة، وبعد ذلك تصاعدت ألسنة النيران، بينما كان راعي الكنيسة، القس يوسف، يلوح طالبا النجدة وهو محبوس في الطابق الثاني العلوي من المبنى.
وفي هذه اللحظة قفز مالك لمقهى مجاور، يعرف أهل القرية شهامته، ويدعى أحمد توني سيف النصر، وتحدى ألسنة النيران وغضب الحشود، وصعد لإنقاذ القس يوسف.
وأوضح أحد الشهود: لقد انتشله ومرره لمنزله المقابل لمبنى الخدمات عبر السطوح. وحين حاولت قوات الأمن القليلة التدخل لحماية غالبية سكان القرية المناوئين لحكم مرسي، من خطر التخريب والحرق والقتل، هاجمها المسلحون وأحرقوا قسم الشرطة الوحيد في «دلجا».
وخلال الأيام الأولى من الفوضى التي ضربت القرية، تعرض 18 بيتا من بيوت الأقباط المجاورة للكنيسة ومبنى الخدمات لاعتداءات ما أجبر الكثير من المسيحيين على الاختباء في منازل أصدقائهم المسلمين أو النزوح بأطفالهم بعيدا عن موقع الأحداث. وتفاقمت الأوضاع في «دلجا» مع بداية فض اعتصامي أنصار مرسي في ساحتي رابعة العدوية بالقاهرة ونهضة مصر في الجيزة، يوم 14 الشهر الماضي. وخرج عدة آلاف من أهالي وشباب القرية في مظاهرات اعتراضا على فض الاعتصامين. ويقول أحد سكان القرية، ويدعى «ناصر»، إن «عناصر تخريبية» استغلت الفراغ الأمني والحشود الغاضبة في شوارع القرية، لتعود وتهاجم واحدا من أقدم المباني الكنسية بمصر، وهو «دير السيدة العذراء والأنبا إبرام»، وهو مبنى أثري يعود تاريخه للقرن الخامس الميلادي، ويزيد عمره عن 1600 سنة. ويضيف: «استمر البلطجية في النهب والسلب من الدير طيلة ثلاثة أيام متتالية». وبدأت نداءات تخرج من مكبرات الصوت بالقرية تطالب المسلمين بالخروج للجهاد ونصرة المسلمين بدعوى أن إخوانهم يقتلون في «رابعة» و«النهضة». وسريعا ما امتدت أعمال العنف إلى بيوت السكان المجاورة للكنيسة وجرى نهب وحرق نحو 20 منزلا من منازل الأقباط وسط اعتراض أكثرية المسلمين في القرية. وأدى الهجوم لمقتل رجل مسن، بسكين، حاول الدفاع عن منزله من هجوم المخربين، الذين قاموا بعد ذلك بسحله بواسطة جرار زراعي طاف الشوارع بجثته، وفقا لشهود عيان.
ووسط هذه الظروف الصعبة، ورغم إعلان السلطات المركزية في القاهرة فرض حالة الطوارئ في عموم البلاد، فإن قرية «دلجا» كانت كأنها دولة خارج الدولة. وسريعا ما وجد مستغلو الفرص ضالتهم، وكونوا لجانا لحماية المواطنين من المخربين، لكن بمقابل مادي، ما أدى إلى انتشار المناوشات والرعب في عموم القرية.
وبعد نحو أسبوع من انشغال العالم والإعلام بفض اعتصامي رابعة والنهضة، بدأ العالم يسمع عن الأحداث الشنيعة التي تجري في «دلجا». وفي يوم 20 الشهر الماضي دفعت قوات الجيش بمدرعتين للسيطرة على العنف لكنها لم تتمكن من دخول القرية. وبعد ثلاثة أيام حاولت قوة من الجيش والشرطة تضم أربع مدرعات دخول «دلجا» عبر الطريق الصحراوي الغربي، لكن مئات الشبان بينهم مسلحون، قطعوا الطريق أمامها وأشعلوا النيران في إطارات السيارات. ويقول مسؤول أمني: «في ذلك اليوم تراجعنا.. لم نكن نريد وقوع خسائر في أرواح المواطنين».
وتتميز القرية بكثرة العائلات فيها. وتنقسم إلى 10 وحدات شمس «شياخات» تضم الشياخة الواحدة عائلات كبيرة، مثل شياخة أبو المكارم، وشياخة القاضي، وشياخة الشريف، وشياخة العوام، وشياخة عزور، وشياخة الغيتة، وشياخة الفرا، وشياخة الحرابوة، وشياخة البطرخانة وشياخة أولاد عباس.
وتتسم دلجا بالنشاط التجاري والاقتصادي الذي يفوق قدرات أي قرية وربما يفوق التعاملات الاقتصادية لبعض المدن وتتصدر إنتاج عدد من المحاصيل بالصعيد. ورغم ذلك تعاني القرية من فقر الخدمات، وهي سمة عامة في محافظات الجنوب منذ عقود. ولا يوجد في دلجا إلا مستشفى صغير ضعيف الإمكانيات، كما تعاني من انقطاع الكهرباء والإنترنت وخدمة الهاتف الأرضي.
والقرية، كثيفة السكان، يوجد بها 35 مدرسة فقط وأكثر من 100 مسجد وخمس كنائس ولا توجد فيها سوى نقطة أمنية واحدة. ويقول: «الحاج عبد الوهاب» من أبناء القرية، إن «دلجا» معروف عنها أنها «قرية مستقرة جدا، وكانت الأمور فيها منضبطة إلى أن تسلل إليها التردي الأمني خلال العامين الماضيين فقط، وهي الفترة التالية لثورة يناير (كانون الثاني) 2011. التي اتسمت بتخلي الشرطة عن الحزم في بعض الأمور»، مشيرا إلى أن «بعض مثيري الشغب والمحرضين على العنف كانوا يعانون من ضعف المستوى الاجتماعي لعائلاتهم وسط قرية معروفة بالاعتزاز بالعائلات الكبيرة.. عدد من هؤلاء وجدوا ضالتهم في أحضان تنظيمات وتيارات متشددة دينيا، خاصة خلال السنة التي حكم فيها مرسي، حيث كان القادم والذاهب ينادي كلا منهم بلقب يا شيخ أو يا مولانا، وكان من الطبيعي أن تكون صدمتهم النفسية بعزل مرسي فوق احتمالهم».
ويضيف مصطفى فتحي، وهو من أبناء القرية، أن بلطجية اندسوا وسط المظاهرات المؤيدة لمرسي واقتحموا الكنائس «ليس رغبة في إيذاء المسيحيين إنما لسرقة محتوياتها ولذلك بعدما انتهى المعتدون من الكنائس وبيوت الأقباط تحولوا لنقطة الشرطة واقتحموها وأحرقوها»، مشيرا إلى أن «كثيرين من المسلمين حاولوا التصدي للمندسين، لكنهم لم يستطيعوا فعل شيء بسبب المخاوف من نزاعات ثأرية بين عائلات القرية.. بعض الخارجين عن القانون من دلجا لهم عائلاتهم أيضا». وقبل أن تلجأ السلطات لاقتحام القرية يوم الاثنين الماضي، حاولت في البداية نزع فتيل الغضب والاحتقان وإجراء مصالحة بين جميع الأطراف، وهي خطة كانت قد نفذتها بنجاح في عدة مناطق شهدت اضطرابات أقل حدة. وبدأت محاولة الصلح يوم 28 الشهر الماضي، بمؤتمر حضره ممثلون عن رجال الدين الإسلامي والوعاظ وشيوخ وممثلين لعائلات أخرى، وغاب عنه أقباط القرية.
وتقرر تشكيل لجنة من عشرين عضوا تتولى المهام الإصلاحية لحين عقد مؤتمر عام يضم المسيحيين والمسؤولين في الدولة. وتقبلت الكنيسة الأرثوذكسية مساعي التهدئة، وأقام الأقباط قداسا يوم الرابع من الشهر الجاري، فيما تبقى من دير العذراء الأثري، بينما ظلت القرية في حالة من الترقب خوفا من اندلاع العنف هنا أو هناك، في وقت كان فيه المتورطون في أحداث العنف والمطلوبون للقانون، يقيمون المتاريس والحواجز والتحصينات، للتصدي لأي قوات حكومة قد تصل للقرية، وهو ما حدث فجر الاثنين الماضي.
وطوق آلاف الجنود من الجيش والشرطة مداخل ومخارج القرية. واستخدمت القوات مروحيات لتوفير مظلة تأمين بجانب 15 مدرعة وعشرات المركبات الخفيفة وست فرق أمنية قوامها عدة آلاف من الأفراد والضباط. وبدأ الاقتحام من كافة مداخل القرية، مع تنبيه القوات على السكان، عبر مكبرات الصوت، بالتزام البيوت وعدم ارتقاء أسطح المنازل ثم أطلقت القوات النيران بشكل تحذيري مع إلقاء قنابل الغاز في بعض المناطق كإجراء احترازي لتعطيل هرب العناصر المطلوبة ومنعها من الاشتباك مع الأمن. وقال مصدر أمني رفيع من إدارة البحث الجنائي بمديرية أمن المنيا إن القوات انقسمت بمجرد دخولها القرية لفرق فصل وضبط وتأمين، قامت خلالها بتأمين دلجا وعزلها عن القرى المحيطة ومنع الدخول أو الخروج منها لضبط المطلوبين بالإضافة لفرق فرض السيطرة التي انتشرت في كل أركان القرية.
وبينما استمر تقدم القوات، حلقت مروحيات القوات المسلحة لتشكل ستار مسح جوي للتأكد من فرض السيطرة الأمنية. وكشف مصدر أمني أن القرية معروف عنها وجود أسلحة وهو ما أكدته تحريات أجهزة البحث الجنائي والأمن الوطني. وفسر المصدر أهمية استخدام الطائرات بخطورة بعض العناصر الموجودة بالقرية واحتمال لجوء الخارجين عن القانون لأسطح المنازل واستهداف القوات على الأرض. واستقبل أهالي القرية القوات الأمنية بالتهليل والفرحة، لعودة السيطرة الأمنية للقرية مرددين هتاف «الجيش والشرطة والشعب ايد واحدة». وضبطت الشرطة نحو مائة من سكان «دلجا» من أعمار مختلفة في أول يومين من المداهمة وأكدت أنه صدرت بشأنهم أوامر ضبط وإحضار من النيابة العامة لتورطهم بالفعل أو التحريض على اقتحام وحرق مركز شرطة ديرمواس ونقطة شرطة دلجا ودير السيدة العذراء والأنبا إبرام الأثري وبيوت أقباط بالقرية، بينما يتزايد السخط من جانب أهالي المقبوض عليهم، في الوقت الحالي، متهمين السلطات بتوجيه اتهامات لأبنائهم بناء على الخلفية السياسية دون جرائم حقيقية.
ويقول مصطفى فتحي، وهو محام بالقرية: كنا نتلهف لدخول الجيش والشرطة للتصدي للبلطجية الذين أرهبوا الأهالي وأحرقوا الكنائس.
ومن جانبه يقول الأب سلوانس لطفي، راعي كنيسة دير العذراء والأنبا إبرام لـ«الشرق الأوسط» إن «ثقافة البغض والحقد بين الأقباط والمسلمين ليست السائدة»، لافتا إلى أن الأسر المسلمة استضافت معظم الأسر القبطية بعد حالة الترهيب الأخيرة.
ويزيد أحمد عباس، وهو معلم من القرية: «نرحب كأهالي بالجيش والشرطة، فلا يوجد من الأهالي من يكره أن يعيش في أمن، لكننا لم نتوقع ما يحدث، فالأمن ترك البلطجية وتفرغ لضبط أئمة المساجد والشيوخ المحترمين وبعضهم ممن اختارتهم الأوقاف كوعاظ»، مشيرا إلى أن «البلطجية الذين يسيئون لسمعة القرية قد يزيد عددهم عن 100 ولم يضبط منهم إلا أفراد قليلون». وتنظر الجماعة الإسلامية بتشكك للحملة الأمنية على القرية التي وصفتها بأنها حملة «غير مناسبة» تستهدف المتظاهرين المعارضين للإطاحة بمرسي. واعتبر بيان الجماعة أن الحملة الأمنية على «دلجا» تثبت براءة التيار الإسلامي من تهم الاعتداء على المسيحيين متهمة «البلطجية» الذين قالت: «إنه تربطهم علاقات قوية بالأجهزة الأمنية، بالاعتداء على المسيحيين».
ومن جانبه قال اللواء أسامة متولي، مساعد وزير الداخلية لأمن المنيا، لـ«الشرق الأوسط»: «ما من شك أن قرية دلجا كان لديها مشكلة أمنية وكلنا نعرف ما حدث في دلجا بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة، والتداعيات والأحداث المؤسفة»، واستطرد مدير الأمن قائلا: «إلا أنه كان لا بد لنا أن ندرس المكان دراسة جيدة ونعرف الطبيعة الجغرافية للمكان والتعداد السكاني لتأمين الأهالي وأن ندرس المداخل والمخارج للبلد».
وتابع أن «كل هذا جرى القيام به, قبل أن نقتحم مكانا أو ندخله لنضبط فيه عناصر إجرامية أو نضبط فيه ممنوعات». موضحا «هذا كله يستغرق وقتا، لأن تلك المواضيع تخضع للدراسة واعتبارات كثيرة جدا لنضمن أننا سندخل المكان ونسيطر ونضبط العناصر المطلوب ضبطها من قبل النيابة. وهذا ما حدث فعلا»، مشيرا إلى أن قوات الأمن لم تنه عملها وما زالت تواصل ضبط المطلوبين أمنيا في القرية، ومشددا على أن «تعداد سكان دلجا كبير جدا، وأغلبهم من الناس المحترمين والشرفاء الذين كانوا رافضين لما كان يحدث فيها». وبعد نحو ثلاثة أيام من دخول القوات الأمنية إلى القرية ما زال رجال الجيش والشرطة يبحثون عن المطلوبين، بينما توجد نقاط التفتيش على مداخل ومخارج القرية وفي عدة شوارع داخلها. ويشكو بعض السكان من صعوبة الحياة اليومية وإصابة التجارة والزراعة فيها بالشلل، إلا أن سوق القرية بدأ في العودة لطبيعته يوم الثلاثاء الماضي، والحركة فيه كانت طبيعية، بينما استأنفت المخابز عملها، لكن المواصلات من وإلى القرية متوقفة. لكن هاني يوسف، وبعد ليال من السهر في حراسة بيته، ذهب ليأخذ قسطا من الراحة وينام، على أمل أن تعود الحياة لطبيعتها في صباح اليوم التالي.



مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
TT

مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)

ما إنْ نشرت وسائل إعلام مصرية مقترحاً تقدمت به النائبة بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، أميرة صابر، بهدف تأسيس «بنك وطني للأنسجة البشرية»، وللمطالبة بتفعيل منظومة التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، حتى عجت مواقع التواصل الاجتماعي بردود أفعال عديدة، أغلبها أخذ منحى «السخرية» من المقترح قبل أن تلقى النائبة دعماً من أوساط طبية وثقافية وسياسية، أكدت على أهمية ما ذهبت إليه.

وأعاد المقترح تباينات دائماً ما تبقى حاضرة عند الحديث عن «التبرع بالأعضاء» بعد الوفاة، رغم صدور تشريع مصري ينظم «تنظيم زرع الأعضاء البشرية» منذ ما يقرب من 16 عاماً، لكنه يبقى معطلاً، حسب ما جاء في مقترح النائبة، الذي أشار في مذكرته التوضيحية إلى أن التطبيق الفعلي «يواجه معوقات إدارية وثقافية».

وقالت النائبة وفق المقترح، الذي تقدمت به مساء الجمعة، إن الحروق «تمثل أزمة صحية عامة خطيرة في مصر، ونحو نصف المرضى في وحدات الحروق بالمستشفيات الجامعية هم أطفال، كما أن الأطفال دون سن الخامسة هم الأكثر تضرراً، ومعدلات الوفيات في وحدات الحروق أعلى بكثير مقارنة بالدول المتقدمة، مع معاناة نسبة كبيرة من الناجين من إعاقات دائمة، وخطر الوفاة بسبب نقص الجلد المتاح».

وشددت النائبة على «أهمية تسهيل إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، ونشر شروطها وطريقتها، وإنشاء سجل إلكتروني وطني للمتبرعين، يمكن التسجيل فيه عبر بوابة إلكترونية أو تطبيق على الهواتف الذكية، بالتنسيق مع المستشفيات ووحدات الرعاية المركزة، إضافة إلى التعاون مع المؤسسات الدينية لإطلاق حملات توعية، تؤكد مشروعية التبرع بالأنسجة بعد الوفاة».

غير أن الجدل الذي صاحب مقترحها جاء بسبب تأكيدها على أن «إنشاء بنك للأنسجة يوفر على الدولة ملايين الجنيهات سنوياً من تكاليف الاستيراد»، واستشهدت بتجربة «مستشفى أهل مصر» (أهلية متخصصة في علاج الحروق)، الذي استقبل أول شحنة من الجلد الطبيعي المحفوظ من متبرعين متوفين في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وأكدت أميرة صابر لـ«الشرق الأوسط»، أن بعض وسائل الإعلام «أظهرت صياغةً لا تتماشى مع الهدف الرئيسي من المقترح»، موضحةً أن هدفها «ليس توفير ملايين الجنيهات على الدولة فحسب، بل أن يكون هناك (بنك وطني للأنسجة البشرية) التي يحتاجها الأطفال بالأساس، لأن هؤلاء يشكلون حالات إنسانية عاجلة، ومن الصعب أن يقف أي شخص سوي أمام هذا المقترح، الذي لا يتعارض مع الدين، مع حسم المسألة من جانب المؤسسات الدينية ومع وجود تشريع منظم».

وأضافت صابر موضحة: «واجهت حملة سلبية للغاية بعد نشر المقترح، لكن سرعان ما انعكست إيجاباً بدعم شخصيات عامة، وسياسيين وأطباء، وأضحت هناك حملة دعم واسعة، ومن المهم أن يتم توعية المواطنين بالمقترح، بعيداً عن مصطلحات أخرجت المقترح عن سياقه».

وجاءت تعليقات بعض المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي منتقدة لهذا المقترح، كون النائبة تركت العديد من المشكلات الأخرى الاجتماعية، وتطرقت إلى «التبرع بالجلد»، فيما شكك آخرون في عدم جواز التبرع بالأعضاء شرعاً.

ودخل العديد من الأطباء على خط الجدل، إذ أكدت رئيس مجلس أمناء «مؤسسة ومستشفى أهل مصر»، هبة السويدي، في تصريحات إعلامية، أن التبرع بالجلود «لا يختلف عن التبرع بأي عضو آخر، والجلد هو أكبر عضو في الجسم، وهذا الإجراء معمول به عالمياً، لكنه جديد وصادم في الشارع المصري».

وكشفت السويدي «عن إجراء عمليات جراحية معقدة لإنقاذ أطفال مصابين بحروق خطيرة، بعد استيراد جلد طبيعي من الخارج»، مشيرةً إلى أن قانون التبرع بالأعضاء لم يُفعَّل بشكل كامل، وأن التبرع الحالي يقتصر على أقارب الدرجة الأولى.

مقر مجلس النواب المصري بالعاصمة الجديدة (مجلس النواب)

وتضمن مقترح إحدى عضوات «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي» تعريفاً لـ«الجلد المتبرع به»، باعتباره «تدخلاً طبياً منقذاً للحياة، خصوصاً للأطفال الذين تتجاوز نسبة الحروق لديهم 40 في المائة من مساحة الجسد، وهي فئة تعاني من ارتفاع معدلات الوفيات والإعاقات الدائمة في ظل غياب التغطية الجلدية المناسبة».

وأوضح بعض من أيد مقترح النائبة أنهم سيقومون بالتبرع بـ«أعضاء الجلد» بعد الوفاة، بينهم أميرة صابر التي قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنها ستتبرع بأعضائها بعد وفاتها، لكنها لم تسجل وصيتها بشكل رسمي، موضحة أنها بانتظار تحركات الجهات التنفيذية عقب المقترح الذي تقدمت به.

من جهتها، قالت عضو لجنة الصحة بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، إيرين سعيد، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تقدمه به نائبة الشيوخ «ليس جديداً، لكن الأزمة أن هناك تشريعاً قديماً ليس مفعلاً، مع عدم شيوع ثقافة التبرع بالأعضاء عقب الوفاة بين المصريين، وهناك فجوة كبيرة بين المعتقدات الدينية والثقافية وبين التشريع، ما يتطلب توعية بأهمية التبرع دون أن يدخل في مجالات (تجارة الأعضاء)، وهي ذات سمعة سيئة بين المصريين».

وأوضحت إيرين أن الجدل الذي صاحب المقترح يرجع لأن التعامل معه إعلامياً «لم يكن بالقدر المطلوب، ولم يراعِ الأبعاد الإنسانية، واقتصر الأمر على جزء سطحي، ارتبط بالحفاظ على موارد الحكومة، رغم أن وزارة الصحة تنفق موازنات ضخمة على استيراد الجلود».


ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
TT

ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)

أجرى المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، السبت، زيارة لحاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب.

وقال ويتكوف، عبر منصة «إكس»: «التقيتُ اليوم مع الأدميرال براد كوبر وجاريد كوشنر، مع البحارة ومشاة البحرية الشجعان على متن حاملة الطائرات( يو إس إس أبراهام لينكولن)، والمجموعة القتالية التابعة لها، والجناح الجوي التاسع، الذين يحموننا، ويحافظون على رسالة الرئيس ترمب للسلام من خلال القوة».

وأضاف: «شاهدنا عمليات إقلاع الطائرات، وتحدثنا مع الطيار الذي أسقط طائرة إيرانية مسيرة من دون طيار اقتربت من الحاملة».

وتابع: «أشعر بالفخر للوقوف مع الرجال والنساء الذين يدافعون عن مصالحنا، ويردعون خصومنا، ويظهرون للعالم كيف تبدو جاهزية الولايات المتحدة وعزيمتها، في حالة استعداد دائم».

كانت شبكة «سي إن إن» أفادت، في وقت سابق من اليوم (السبت)، بأن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر قاما بزيارة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» بعد محادثات أميركية غير مباشرة مع إيران بوساطة من سلطنة عمان عقدت في مسقط أمس.

المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف يصافح أحد الضباط الأميركيين على متن حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» وخلفه جاريد كوشنر (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

ونقلت الشبكة عن مصادر القول إن الزيارة جاءت بدعوة من قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، وإن الغرض من الزيارة، وفقاً لما قاله مسؤول أميركي رفيع المستوى، هو «التعبير عن الامتنان للقوات الأميركية الموجودة في المنطقة».

وجاءت الزيارة بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، بأن المحادثات مع إيران كانت «جيدة جداً».

ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وخلفهما طائرة «إف 35» على سطح حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

وتسارعت وتيرة الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الماضية بعد إعلان ترمب أنه يضع من ضمن خياراته توجيه ضربة إلى إيران، رغم أن الرئيس لم يُشر إلى أنه اتخذ قراراً محدداً بعد.

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، ووصفها عراقجي بأنها «بداية جيدة» مقرونة بتفاهم على مواصلة المسار، لكن بشروط تتصل بمشاورات العواصم.


الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
TT

الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

دعا رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية (LAU) الدكتور شوقي عبد الله الأكاديميين في الجامعات اللبنانية ليكونوا جزءاً من المجتمع، وأن يتفاعلوا معه، إذ لا يمكنهم أن يعيشوا في برج عاجي بمعزل عن هموم محيطهم، ومشكلاته الكثيرة، لا سيما لجهة وضع حد لهجرة الأدمغة، والطاقات، والإفادة منها لبنانياً. وقال عبد الله في حديث لـ«الشرق الأوسط» في بيروت عرض فيه رؤيته لحاضر التعليم الجامعي في لبنان، ومستقبله، إن الجامعة «تصمم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

وعبد الله -وهو رجل فكر، وعلوم، وأبحاث- يجمع ما بين الحداثة الأميركية وأصوله اللبنانية التي يعتز بها. ويعمل منذ توليه رئاسة الجامعة اللبنانية-الأميركية في لبنان رسمياً في أكتوبر (تشرين الأول) العام 2024 على رفع مستوى مواكبة التطورات العلمية المتلاحقة، خصوصاً لجهة قطاع الذكاء الاصطناعي الأبرز عالمياً. وقال عبد الله إن خطة الجامعة تتضمن العمل على وضع تصاميم لإنشاء مركز للذكاء الاصطناعي ينسق الأنشطة التربوية، والمقررات التعليمية، لتجنب أن تعمل كل مؤسسة تربوية بمعزل عن الأخرى، وذلك ضمن أحدث خطط مواكبة التطور الرقمي في التعليم، إلى جانب جهود تبذل وتندرج ضمن الإطار الوطني، وتتمثل في إبقاء المواهب داخل لبنان، للإفادة من طاقاتها، ووضع حدّ لـ«هجرة الأدمغة» بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية، والمعيشية، والأمنية التي ضربت البلاد.

الفصل الثاني من مسار الجامعة

استناداً إلى الدكتور عبد الله، الذي يتمتع بشبكة علاقات دولية ما يضيف الكثير على رصيد الجامعة اللبنانية-الأميركية التي احتفلت العام الفائت بمرور المئوية الأولى على تأسيسها، فإن «الفصل الثاني من مسار الجامعة اللبنانية-الأميركية بدأ»، وينصب اهتمام الجامعة التي تأسست العام 1924 في بيروت، ومع بدء المائة الثانية من مسيرتها، على الدفع بخطة طموحة لمواكبة التطورات الرقمية، مع الأخذ في الاعتبار أن «الجامعات في لبنان، ومن بينهاLAU ، تشكّل خط الدفاع الأكثر صلابة عن معنى لبنان الحضاري، واستطراداً الثقافي–الاجتماعي التعددي، والذي يقدم نموذجاً اقتصادياً مميزاً لطالما قدم إجابات، وحلولاً غير عادية لمشكلات لبنان القديمة»، حسبما يقول. ويضيف: «الجامعات اللبنانية، ومن خلال موقعها الأكاديمي، تمثل رابطاً حقيقياً للتفاعل بين الثقافتين الغربية والشرقية، وتقدم عبره نموذجاً للعمل الإبداعي بما يخدم الدور المطلوب منها». ويضيف: «ضمن هذا المبدأ، يمكن الكلام عن الموقف المشرف للجامعة اللبنانية-الأميركية خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي ضربت لبنان، ولا يزال الشعب اللبناني يعاني من تردداتها، حيث بادرت إلى سحب الأموال من (وقفيتها) الخاصة لضمان قدرة الطلاب على الدفع، وتأمين استمرارية الدروس لهم». وبرأي الدكتور عبد الله ،فإن ما تحقق على هذا الصعيد لجهة مساعدة الطلاب «يجب أن يدخل في صلب توجهات كل الجامعات العاملة في لبنان».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

مصنع العقول

أفادت دراسة «تعزيز فرص توظيف الخريجين في لبنان» أجريت حديثاً للوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) بأن 67 في المائة من خريجي الجامعات في لبنان يسعون إلى مغادرة البلاد، لكن 18 في المائة منهم فقط يريدون فعلاً المغادرة، فيما الباقون يرون أنفسهم مضطرين إلى الهجرة، لأنه لا خيار أمامهم سوى الرحيل، لتأمين مستقبلهم، وإيجاد فرص العمل التي تتناسب مع مؤهلاتهم، وتعليمهم الجامعي. ويقول عبد الله: «ثمة حاجة متزايدة، وخصوصاً في بلد مثل لبنان، إلى حل مشكلات مثل الكهرباء، وتحفيز البلديات على معالجة مياه الصرف الصحي، والنفايات، ناهيك عن المشكلات الكثيرة في قطاعات مختلفة»، وانطلاقاً مما تقدم، يشدد رئيس الجامعة على أن «أهم ما في التعليم الجامعي ليس المواد الأكاديمية التي تدرس، بل توصل الطالب إلى القناعة بأن التعليم عملية مستمرة، وأن البحث التطبيقي يشكل أحد أعمدة التعليم العالي الجامعي، واستطراداً، لا بد من انخراط الأكاديميين في التواصل مع الواقع من خلال البحث الأكاديمي الرصين، والتدريب المتواصل للطلاب قبل خروجهم إلى سوق العمل، والإنتاج». ويتابع عبد الله: «من الأفضل ألا يدار التعليم بدافع الفوز بالأرباح، والتركيز على جني المال، بل بروحية إنسانية تحمل رؤى للحاضر، والمستقبل، وتواكب العصر».

هجرة الأدمغة

يمتلك رئيس (LAU) سجلاً حافلاً على مستويات عدة، وخبرة في بناء أحد أكبر مراكز الأبحاث، وريادة الأعمال، وأكثرها ابتكاراً في جامعة معهد جورجيا للتكنولوجيا الأميركي من موقعه بوصفه نائب رئيس تنفيذي للأبحاث فيها. كما تولى عبد الله رئاسة جامعة نيومكسيكو الأميركية، وقاد جهوداً كبيرة ساهمت في رفع نسبة الطلاب، وزيادة معدلات التخرج بنسبة 125 في المائة، فضلاً عن أنه خبير رائد في نظرية التحكم وهندسة النظم، وله ثمانية كتب، وأكثر من 400 مقالة.

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

انطلاقاً من هذه التجربة، يشدد عبد الله على أهمية أن تبذل الجامعة -وكل الجامعات- جهداً أكبر في اتجاه إبقاء المواهب التي تخرجها داخل لبنان. وبرأيه، فإن لبنان أضحى أخيراً وكأنه مصنع لإنتاج الأدمغة، والكفاءات التي تتلقى التعليم النوعي، والعالي، وسرعان ما تغادر أرضها الأم بحجج مختلفة، أبرزها: استمرار الأزمات اللبنانية دون حل، وانحسار مشروع الدولة المؤسساتية، وتالياً تراجع الاستثمارات، ما يؤدي إلى البحث عن فرص للعمل خارج لبنان بما يتناسب مع حجم هذه المواهب الشابة، وإمكاناتها الواعدة. ويقول عبد الله: «نستورد كل شيء آخر، لكننا نصدّر أشخاصاً يريدون تحقيق إنجازات كبيرة في أماكن أخرى. وليس الأمر أننا نريد إبقاء الجميع هنا، فالسوق والمجتمع لا يمكنهما استيعاب كل هذه المواهب، ولكن علينا العمل لتغيير هذا الواقع، وبناء مستقبل أفضل للبنان، لوقف نزيف الأدمغة إلى الخارج».

فرص ريادة الأعمال

أكاديمياً، يؤكد رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية الحاجة الملحة إلى مركز تُجرى فيه دراسات حول أثر التعليم العالي على مستويات عدة: وطنية، اجتماعية، اقتصادية، تربوية، وغيرها، ويوضح: «نحن نفكّر في كيفية القيام بذلك. وإن سألتني كيف سأُقيّم إجمالي الأثر الاقتصادي لـLAU الآن، فلن أستطيع حتى التخمين». وقال بالأرقام: «ميزانيتنا اليوم في حدود 308ملايين دولار بما يشمل المستشفيات، وهذا هو الأثر الاقتصادي الفوري على محيطنا، وبيئتنا، لكن الأمور أبعد من ذلك بكثير، وحضور الجامعة يترك آثاره الشاملة على المستوى الوطني والإنساني بما يفوق التصور».

ويشرح عبد الله أن «الجامعة اللبنانية-الأميركية» تعمل على «رفع منسوب تفاعلها وطنياً مع المجتمع من خلال مؤسسات عدة تعمل تحت لوائها، مثل المعهد العربي للمرأة (AiW) ، ومع القطاع الاقتصادي، والشركات من خلال المجمع الصناعي (Industrial Hub)، ومع القطاع الخاص، والمجتمع المدني، وشرائح المجتمع المختلفة، مثل البلديات، والجمعيات من خلال أكاديمية التعليم المستمر (ACE). كما تسعى لزيادة النشاط الريادي، والتفاعل مع عالم الأعمال، ومع الشركات من خلال «مركز مخزومي للإبداع»، فضلاً عن أن الجامعة تستضيف 15 شركة وأكثر سنوياً لدمج ريادة الأعمال مع التعليم. ويشدد الدكتور عبد الله على أن «أصولنا بحسب الأرقام في الجامعة ليست المال ولا الأبنية، ولا أي شيء مادي بل هي الطلاب، لا الرئيس، ولا أعضاء الهيئة التعليمية. هناك رئيس واحد و440 عضو هيئة تدريس، وهناك 9 آلاف طالب. وعليهم نعوِّل، وهذا ما يفترض أن يفعله كل مركز ابتكار، أو قطب الابتكار».

يشار إلى أن الأرقام الصادرة في لبنان مؤخراً أفادت بأن هناك نحو 200 ألف طالب جامعي: 80 ألفاً منهم في الجامعة اللبنانية، و12 ألفاً في جامعة القديس يوسف، و9 آلاف في الجامعة اللبنانية-الأميركية، و8 آلاف في الجامعة الأميركية في بيروت، إضافة إلى جامعات أخرى.

الذكاء الاصطناعي

برأي الدكتور شوقي عبد الله، فإنه لا يجب عزل الذكاء الاصطناعي عما يحوطه من علوم، وتطورات متلاحقة. ويقول: «أعلم أن زملائي في الجامعة الأميركية في بيروت AUB ينشؤون كلية تركّز على الرقمية، وما إلى ذلك، لكنني أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون حاضراً في كل الاختصاصات، وأينما نحتاجه. ومع ذلك، بما أن الجميع يتجه إلى اعتماده، والتعامل معه، فلا يمكنك أن تدع كل طرف يعمل بمعزل عن الآخر». وأشار عبد الله إلى أهمية إنشاء حاضنة، أو مجمع للذكاء الاصطناعي (Hub)، وأنه استخدم هذا النموذج في جامعة جورجيا تك الأميركية. وأضاف: «ما أقصده أنه لن تكون هناك كلية للذكاء الاصطناعي، ولا بنية منفصلة، إنما سيكون هناك مركز للذكاء الاصطناعي لتنسيق كل هذه الأنشطة، وبالتالي سيشكّل الركيزة التي سيعتمد عليها كثير من الأعمال، داخلياً، وخارجياً». وكشف عن تقديم مقررات، والعمل على تصميمات على هذا الأساس، مؤكداً أنهم في الجامعة يستخدمون الذكاء الاصطناعي، ونقيّم أشخاصاً باستخدام بعض أدواته.

برامج دعم اجتماعي

لا يغيب الجانب الاجتماعي عن هذه الجامعة التي لطالما وقفت إلى جانب الطلاب، ولا سيما خلال الأزمة الاقتصادية، وفي فترات الحرب، وغيرهما، وقدمت برامج دعم واسعة للطلاب، سواء بقدراتها الذاتية من وقفية الجامعة، ومالها الخاص (كما سلف القول)، أو من المؤسسات العالمية، مثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID التي علمت الكثير من الطلاب، وأتاحت لهم الفرصة للدخول إلى الجامعات رفيعة المستوى، مثل الجامعة اللبنانية-الأميركية. وشرح رئيس الجامعة هذا الأمر: «كان حجم هذا الدعم الأميركي يقارب الـ20 مليون دولار، وشكل ثاني أكبر مصادر التمويل لدينا، ما ترك آثاراً إيجابية هائلة لجهة النهوض بتعليم الطلاب المحتاجين»، وأضاف: «بعد توقف قسم من برنامج المساعدة الأميركية (USAID)، تحمّلنا مسؤولية طلابنا، وتكفلنا بهم، لكن انحسار مصدر التمويل هذا سيجعلنا أكثر حرصاً فيما نقوم به لجهة معايير المساعدة، وحجمها، ومدى توسعها». وأوضح عبد الله أن الدعم الأميركي للجامعات لم يتوقف تماماً، بل هناك أوجه عدة، مثل: «مبادرة الشراكة الأميركية الشرق الأوسطية MEPI» التي لا تزال مستمرة، وتوفر تمويلاً لمجموعة محددة من الطلاب. كما نعمل في المرحلة الحالية على استقطاب دعم من جهات مانحة في لبنان، والدول العربية، والأوروبية.

أما عن كيفية تأمين الموارد المالية لاستمرارية الجامعة، فأوضح عبد الله أن الأقساط الجامعية تشكل اليوم أكثر من 90 في المائة من إيرادات الجامعة اللبنانية-الأميركية. لكنه استدرك أن هذا الأمر غير قابل للاستدامة، لأن الجامعة تعيد توزيع أكثر من 50 في المائة على شكل مساعدات مالية. وقال: «لا نستطيع الاستمرار في عدم رفع الأقساط وسط إصرارنا على الحفاظ على الجودة، والدعم المالي، وما إلى ذلك، ولكننا نفكر، أو نسعى وراء طرق أخرى». وأضاف: «لدينا اليوم حرم في نيويورك نأمل أن يدرّ إيرادات، ولدينا برنامج ناجح للدراسة عبر الإنترنت يجب توسعته، لكننا نتطلع قدماً إلى خيارات بديلة تتجاوز الأقساط، ومنها: حملات جمع الأموال، والعمل الخيري، إضافة إلى زيادة أموال الوقف لدى الجامعة». ولكن رغم كل التحديات المالية يؤكد الدكتور عبد الله أن الجامعة ماضية في رسالتها الإنسانية، ومهمتها الأكاديمية، وقال: «إنه لا يمكن لأي جامعة أن تستغني عن نموذج المنح الدراسية، إذ لا بد دائماً من تقديم مساعدات مالية قائمة على الحاجة، وعلى الجدارة الأكاديمية».

يشار إلى أن الجامعة اللبنانية-الأميركية نجحت في تحويل مركزها الأكاديمي في مدينة نيويورك الأميركية إلى حرم جامعي متكامل الشروط والأوصاف، استناداً إلى موافقة مجلس أمناء ولاية نيويورك.