«قوائم المطلوبين».. سلاح سعودي لضرب الإرهاب

الأمن يشرك المواطن في تعقب خلايا على مدار 12 عامًا

«قوائم المطلوبين».. سلاح سعودي لضرب الإرهاب
TT

«قوائم المطلوبين».. سلاح سعودي لضرب الإرهاب

«قوائم المطلوبين».. سلاح سعودي لضرب الإرهاب

منذ أكثر من عقد من الزمن، أشركت السلطات الأمنية في السعودية المواطنين والمقيمين في تعقب الخلايا الإرهابية ومحاربة التنظيمات الإرهابية مهما تعددت أسماؤها، والتي ظهرت علنًا للمرة الأولى في مايو (أيار) 2003. وساهمت الأجهزة الأمنية في ملاحقة الكثير من القيادات الإرهابية عبر التحري والتحقيق مع من يقبض عليهم، حيث نشرت الجهات السعودية المختصة 7 قوائم مختلفة على مدار 12 عاما، تحوي أسماء مطلوبين تورطوا في قضايا إرهابية، وكذلك رصدت 8 منظمات إرهابية، ساهمت في أعمال «الفئة الضالة» في الداخل. وباتت القوائم التي تعلن عنها السلطات السعودية سلاحا قويا في ضرب الإرهاب والكشف عن روابط خلايا مختلفة، بالإضافة إلى إشراك المواطن في مواجهة التطرف.

وتضمنت القوائم الإرهابية الصادرة في السعودية أكثر من 250 مطلوبا أمنيا معظمهم من الجنسية السعودية، خططوا لاستهداف قيادات في الدولة، ورجال الأمن، وأعضاء في هيئة كبار العلماء، وأكاديميين، ودبلوماسيين ومقيمين أجانب من الجنسيات الغربية عبر مقر أعمالهم في السفارات الأجنبية، وآخرين في مقر إقامتهم في عدد من المجمعات السكنية في مختلف مناطق المملكة، إضافة إلى أعمال شغب صنفت بـ«الإرهاب» في شرق السعودية، من أجل إثارة الفتنة واللحمة الوطنية، وأخيرًا استهداف المصلين داخل المساجد.
وانتقل عدد من المطلوبين بين التنظيمات الإرهابية، بايع بعضهم تنظيم القاعدة، ثم انتقلوا إلى تنظيمات إرهابية أخرى مثل «جبهة النصرة» و«داعش»، وبرزت قوائم المطلوبين الأخيرة التي عملت على التجنيد عبر مواقع التواصل الاجتماعي «تويتر» و«فيسبوك»، على وجود صغار السن تبدأ أعمارهم من (15 عاما).
واحتوت أول ثلاث قوائم إرهابية معلنة، على عدد من القيادات في تنظيم القاعدة بالسعودية، بعضهم ميدانيون يواجهون رجال الأمن بالنار في حال كشف أمرهم، حيث تزعم قيادتها أثناء الإعلان عن قائمة الـ19، اليمني خالد حاج (قتل في شرق مدينة الرياض في فبراير/ شباط 2004)، الذي عيّنه أسامه بن لادن، الزعيم السابق للتنظيم في أفغانستان (قتل في هجوم أميركي في أبوت آباد الباكستانية مايو 2011)، فيما تولى القيادة بعده السعودي عبد العزيز المقرن (قتل في مواجهات أمنية بالرياض في يونيو/ حزيران 2004)، حيث دون اسم المقرن في قائمتي 19 و26، ثم برز اسم المغربي يونس الحياري (قتل في مواجهات أمنية في 2005)، الذي ظهر اسمه في قائمة 36.
فيما برزت القوائم الأخرى لمطلوبين في الخارج، بعضهم سلم نفسه للسلطات الأمنية، وآخرون قبض عليهم لدى الأجهزة الأمنية في مختلف الدول التي تشهد صراعات وفتنا، إضافة إلى مطلوبين يعتقد أنهم قتلوا في مواجهات أمنية في مناطق الصراع في اليمن والعراق وسوريا وأفغانستان ووزيرستان.
ابتدأت فكرة إشهار أسماء وصور 19 مطلوبا أمنيا معظمهم سعوديون، في وسائل الإعلام المختلفة، لكشف مخطط إرهابي يسعون للعمل على تنفيذه، حيث عثر على هويات مختلفة وصور أسماء مطلوبين من مختلف مناطق المملكة، وآخرين من خارج السعودية، إضافة إلى أسلحة ومتفجرات. وبعد نحو أسبوع من الإعلان، نفذ تنظيم القاعدة عملية تفجير لثلاثة مجمعات سكنية في شرق مدينة الرياض، وذلك باستخدام سيارات مفخخة يقودها انتحاريون في الهجوم على المجمعات السكنية، التي يقطنها سعوديون وعرب وأجانب، ونتح عنه مقتل وإصابة أكثر من 300 شخص.
وتعد القوائم الثلاث الإرهابية الأولى، دليلا على أعلى تنسيق بين القيادات والعناصر الإرهابية وتقسيمها إلى مجموعات، بحيث تتولى كل مجموعة عملها. وتضمنت القيادات والعناصر الإرهابية في قائمة 19، حيث أكد معيض القحطاني في اعترافاته المصدقة شرعًا، وهو قيادي في تنظيم القاعدة، أن التنظيم تلقى رسالة من قائد التنظيم (آنذاك) أسامة بن لادن في عام 2003، مفادها تغير المجلس الشرعي للتنظيم في الداخل، وتتضمن التعيينات التي أقرها بن لادن، تعيين اليمني خالد حاج قائدا للتنظيم في الداخل، وتكليف عبد العزيز المقرن المسؤول العسكري، ويوسف العييري المسؤول المالي، كما تضمنت الرسالة التي قام بنقلها من أفغانستان إلى السعودية، اليمني خالد باعتش الموقوف لدى جهات أجنبية، تعيين راكان الصيخان الذي قتل متأثرا بإصابته في مواجهات أمنية في أبريل (نيسان) 2004 في مسؤولية التسليح والتنظيم، وهو تولى أيضا المسؤول الميداني عن عمليات تفجير ثلاثة مجمعات سكنية في شرق الرياض في 2003.
واستطاع المطلوبون الأمنيون في القوائم الثلاث الأولى، الحصول على كمية كبيرة من الأسلحة والمتفجرات، جرى تهريبها من اليمن، وقاموا بإعداد سيارات بكمية كبيرة من المتفجرات (جرى إحباطها في عمليات أمنية استباقية)، كانت تستهدف مباني للأجهزة الأمنية، ومجمعات سكنية ومقرا لبعثات دبلوماسية غربية، إضافة إلى عدد من المصافي وأنابيب النفط. وكان أبرزها سيارة من طراز سوبرمان (جي إم سي)، كانت تتنقل في أحياء شرق الرياض، وهم محملة بكمية كبيرة من المتفجرات، حيث كان معظم المطلوبين خصوصا القيادات، يتنقلون أيضا بين الأحياء السكنية وهم يرتدون أحزمة ناسفة، تحسبا من محاولة القبض عليهم.
وكانت القيادات الإرهابية في القائمة الثانية التي تحتوي على 26 من المطلوبين، أكثر دموية منذ ظهور الإرهاب في السعودية، حيث بدأت المواجهات بإطلاق النار على رجال الأمن والمواطنين والمقيمين، في مختلف مناطق البلاد، والسطو على الكثير من السيارات والأموال، بهدف الهروب من أعين رجال الأمن بحسب فتوى حصلوا عليها من اللجنة الشرعية في تنظيم القاعدة بالسعودية، واستخدم آخرون التعذيب وعملية نحر مقيم أميركي بعد وفاته، وعرض المقطع المرئي بعد تصويره، على مواقع الإنترنت.
وتضمنت القائمة الثالثة 36 مطلوبا في الداخل والخارج، وأعلنت في منتصف 2005. واحتوت على عدد من القيادات في الداخل أبرزهم المغربي يونس الحياري، والسعودي فهد الجوير الذي تزعم قيادة التنظيم بعد مقتل زميله الحياري، ونفذ عملية التفجير خارج مصفاة النفط في بقيق، وشارك في مواجهة أمنية ضد رجال الأمن، انتهت بمقتله مع أربعة من زملائه، فيما ضمت القائمة مطلوبين تجاوز عددهم 10 أشخاص، يعتقد أنهم قتلوا في مناطق الصراعات في باكستان والعراق.
فيما برز أهم المطلوبين في الخارج في قائمة 36، سعد الشهري، الذي كان يعمل ضمن فريق الحماية الشخصية لأسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة بأفغانستان (آنذاك)، فضلاً عن أن سعد عمل أيضا حارسًا شخصيًا لزعيم الحزب الإسلامي الأفغاني قلب الدين حكمتيار، حيث تعرض الشهري إلى قصف جوي أميركي لأحد المواقع الذي كانوا يختبئون فيه، إلا أنهم قتلوا جميعًا، كما عمل على تدريب عدد من المغرر بهم في أفغانستان، وكان يتنقل بين كابل وإسلام آباد وطهران، وبحسب مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط» كان الشهري يعمل على التخطيط للعودة إلى السعودية للقيام بعملية انتحارية مع عدد من عناصر تنظيم القاعدة.
وبرزت القائمة الرابعة وهي الأكبر التي أعلنتها وزارة الداخلية السعودية في 2009، وضمت 83 سعوديا ويمنيين، حيث جرى تزويد الشرطة الدولية (الإنتربول) بها، وذلك بعد شهر من انتقال عمليات تنظيم القاعدة من السعودية إلى اليمن، بسبب العمليات الاستباقية التي نفذتها الأجهزة الأمنية، وتجفيف منابع الإرهاب والتمويل، وإحكام السيطرة على المنافذ البرية والجوية، مما أدى إلى عدم قدرتهم على العمل والتنقل، عكس ما كانوا عليه في السابق.
ويعد صالح القرعاوي وسعيد الشهري، أخطر اثنين على القائمة الرابعة، حيث شكّل القرعاوي المعروف بـ«نجم الخير»، الزعيم السابق لكتائب عبد الله عزام، (سلم نفسه بعد إصابته بعاهة مستديمة)، الشخص الأبرز الذي كان يدير عمليات تنظيم القاعدة من إيران، ومعه عدد من الأشخاص الذين كانوا على علاقة بمسؤولين إيرانيين، وخطط القرعاوي مع السعودي عبد المحسن الشارخ، وهو مطلوب في القائمة نفسها، والمدرج على لائحة العقوبات الدولية في مجلس الأمن الدولي، لاختطاف مجموعة من الأجانب في السعودية، إلا أن المخطط لم ينفذ. كما نسق مع آخرين لاستهداف مصالح أميركية في السعودية، كما خطط القرعاوي لتفجير مقر القوات الأميركية في الأردن، إذ عرض عليه شخص أردني يدعى فراس عزمه على تنفيذ العملية في مقر سكن يرتاده الأميركيون للراحة بعد خوضهم الحرب في العراق، عبر استهداف 3 سيارات، في مقر السكن، إلا أن العملية فشلت بسبب كشفها من قبل السلطات الأردنية.
ودعم القرعاوي الذي يمثل أمام القضاء السعودي حاليًا، خطة لتفجير مقر السفارة الأميركية في دبي، بواسطة طائرة «درون» محملة بالمتفجرات، أو انتحاري يقود طائرة تدريبية، وأدخلت المتفجرات إلى الإمارات، وكان القرعاوي ينتظر تنفيذ العملية من أجل إعلان مسؤوليتهم عنها، إلا أن العملية لم تنفذ أيضا. كما خطط لعملية تفجير ناقلة نفط يابانية في مضيق هرمز في 2010، وتفجير في مطار هيثرو في لندن.
فيما سعى سعيد الشهري، الذي عيّن نائبا لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب (وقتل في يوليو/ تموز الماضي)، إلى نقل التنظيم من السعودية إلى اليمن، وقام بتهريب الكثير من المطلوبين، بينهم زوجته وفاء الشهري وأبنائها من زوجين مختلفين من دون إذنهما، وكذلك عدد من أقاربه، وقام بالتخطيط لعمليات إرهابية في السعودية، معظمها أحبطت في عمليات أمنية استباقية، وأخرى فشلت؛ مثل محاولة اغتيال الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز حينما كان مساعد وزير الداخلية للشؤون الأمنية في قصره، حينما استقبل الانتحاري عبد الله عسيري أحد المطلوبين على القائمة نفسها، بجدة في 2009، كما عمل على تحريض أبناء الموقوفين في السجون السعودية، من مكانه في اليمن، إلى خروجهم في مظاهرات من أجل إثارة الفتنة في المجتمع.
وقام عدد من الموقوفين بادروا بتسليم أنفسهم إلى السلطات السعودية في سفاراتها في الخارج، أبرزهم الموقوف فهد رقاد الرويلي، الذي عرف بأمير الحدود السعودية – العراقية في تنظيم القاعدة بالعراق، إذ قام الرويلي بتجنيد المقاتلين وتنسيق انتقالهم إلى العراق بواسطة منسقي سفر أجانب، وتوفير جوازات سفر مزورة، فيما قتل أكثر من 30 مطلوبا في القائمة في مناطق الصراعات، أبرزهم ماجد الماجد، قائد كتائب عبد الله عزام، وأسامة حمود الشهري، عضو فريق الحماية الشخصية لأسامة بن لادن، زعيم التنظيم (آنذاك).
وأكد مسؤول أمني لـ«الشرق الأوسط»، أن القائمة الخامسة للمطلوبين التي تضمنت 47 مطلوبا أمنيا، يعتقد أن نصفهم قتلوا في مناطق الصراعات في اليمن وسوريا وأفغانستان وباكستان، حيث لا يزالون مطلوبين لدى السلطات السعودية، ما لم تحصل الجهات المختصة على حمض DNA.
وبرز اسم المطلوب عادل راضي صقر الوهبي الحربي، بعد أن وضعته الولايات المتحدة ضمن أخطر المطلوبين عالميًا، وعرضت مبالغ مالية (نحو خمسة ملايين دولار) مكافأة لمن يدل عليه، بعد تورطه في تسهيل حركة الأموال والعمليات عبر إيران لدعم تنظيم القاعدة.
وأصدرت السلطات الأمنية السعودية، القائمة السادسة التي أوردت فيها 23 مطلوبا أمنيا في 2012، وذلك بعد ظهور أحداث الشغب والعنف في محافظة القطيف وبلدة العوامية، واستخدام البعض من الطائفة الشيعية، قنابل المولوتوف، ضد رجال الأمن، وبعض المباني الحكومية والأمنية، حيث أعلنت وزارة الداخلية بعد إصدار القائمة، أن المطلوبين في قائمة 23 ومن تورط معهم، يقومون بأعمال إرهابية وليست أعمال شغب، وجرى مواجهة البعض بالسلاح في مواجهات أمنية، حيث قتل اثنان منهم، فيما جرى إيقاف أكثر من 13 شخصا، إضافة إلى تعرض آخرين لأحكام ابتدائية من المحكمة الجزائية المتخصصة بالقصاص.
وأعلنت وزارة الداخلية بداية الشهر الحالي، قائمة 16 مطلوبا أمنيا، بعد ثبوت أدلة قوية على تورطهم، في الحوادث الأخيرة التي شملت مقتل رجل أمن في الرياض، واستهداف المصلين في مسجد في بلدة القديح بالقطيف، ومحاولة تفجير انتحاري مسجدا آخر في حي العنود بالدمام، وفجر نفسه خارج المصلى. حيث ثبت تورط تنظيم داعش في العراق وسوريا، في تجنيد المتورطين، واتضح أن عددا من المطلوبين في القائمة، يوجدون في مناطق الصراعات بين العراق وسوريا، فيما لا يزال البقية متوارين عن الأنظار. وأوضح اللواء منصور التركي، المتحدث الأمني لوزارة الداخلية السعودية لـ«الشرق الأوسط» أن غالبية المطلوبين في هذه اللائحة ما زالوا في السعودية. وهذا بفعل دور المواطنين في رصدهم والتعاون مع الجهات الأمنية لإلقاء القبض عليهم.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.