أفلام القطارات تحمل دلالات ورموزاً خطرة

علم النفس فسّرها وهوليوود أحبّتها

كَنيث برانا في «جريمة في قطار الشرق السريع»
كَنيث برانا في «جريمة في قطار الشرق السريع»
TT

أفلام القطارات تحمل دلالات ورموزاً خطرة

كَنيث برانا في «جريمة في قطار الشرق السريع»
كَنيث برانا في «جريمة في قطار الشرق السريع»

أغرب صفقة تمّت في قطار كانت تلك التي اقترحها مجرم على بريء: تبادل جريمة قتل. الأول سيقتل شخصاً يود الثاني التخلص منه، وسيقوم الثاني بقتل شخص يود الأول التخلّص منه. بذلك، وكما يقول العقل المخطط، لن يستطع البوليس معرفة القاتل لأنه لا توجد علاقة بين القاتل والقتيل وبالتالي لا توجد دوافع.
ورد هذا في فيلم ألفرد هيتشكوك «غريبان في قطار» (Strangers on a Train) سنة 1951. المغمّس بفكرة نيّرة من الروائية البوليسية باتريشا هايسميث وبسيناريو من الروائي البوليسي رايموند تشاندلر.
مع خروج فيلم جديد تقع أحداثه في قطار، هو Bullet Train لديفيد ليتش، يُفتح الباب عريضاً أمام عشرات الأفلام التي وقعت أحداثها، جزئياً أو كليّاً، في قطار منطلق عادة بالسرعة القصوى.
هيتشكوك نفسه لديه فيلمان آخران يستخدمان القطار في سياق أحداثهما. في عام 1938 أخرج «السيدة تختفي» (The Lady Vanishes) الذي دارت معظم أحداثه في قطار وتحدّث عن امرأة شابّة تتعرّف على مسافرة عجوز تختفي بعدما انطلق القطار. تحاول الشابّة معرفة سر اختفائها. تسأل الركّاب فينفون أنهم شاهدوها أساساً.

إميلي بلنت في «الفتاة في القطار»

«السيدة تختفي» هو واحد من الأفلام الجاسوسية التي حققها هيتشكوك. كذلك الحال مع «شمال، شمالي غرب» (North By Northwest) الذي احتوى فصلاً من المشاهد في قطار يؤمه المتهم البريء غاري غرانت و(غير البريئة) إيفا ماري - سانت. هي تعمل لصالح عصابة نازية في أميركا للتجسس على غرانت الذي تعتقد العصابة أنه خطر محدق عليها.
- جريمة في قطار
تحمل القطارات في الحياة كما في الأفلام دلالات مختلفة. في عام 1979 خرجت الباحثة في علم النفس إريكا إيفل بنظرية تحدد فيها أن القطار رمز للرغبة الجنسية السوية ومراقبة القطارات هو جزء مما يُعرف بـObjectophilia («فوبيا الأجسام»)، كما ورد في عدد صدر قبل عامين من مجلة «سايكولوجي توداي».
هناك بعد نفسي آخر للقطارات يتجلّى في الأحلام وما يعنيه القطار من رمز. أقرب هذه الرموز هي أن القطار يعني أن حياتك تسير جيداً وخططك كذلك تمشي حسب القواعد المختارة لها، مما ينعكس في الحياة على شخصية الحالم كشخص ملتزم.
تستلهم الروايات والأفلام من كل هذه المعاني ما تؤسسه في بال المتلقي. من ناحية يمكن أن يكون الشخص المعني هو غير ما هو عليه في الواقع على أساس أن المحيط المجتمع حوله قريب في المسافة وبعيد عن المعرفة، مما يساعد الراكب المنفرد اقتراح نفسه لمحدّثه على غير ما هو عليه فيدّعي أنه طبيب أو أستاذ في تاريخ الفنون أو صاحب مكتبة. أو قد يكذب في سبب ركوبه القطار فيدّعي النزهة أو يدّعي زيارة خاصة أو مقابلة لوظيفة جديدة. كل ما سبق يعني حرية أن يتحرر المرء من نفسه.
يرد ذلك جيّداً في رواية أغاثا كريستي «جريمة في قطار الشرق السريع» (Murder on the Orient Express) التي صيغ منها فيلمان للآن. الفيلم الأول سنة 1974 بتوقيع المخرج سِدني لومِت والثاني سنة 2017 بتوقيع كنيث برانا الذي قام بدور المفتش هركول بوارو.
في كلا الفيلمين هو الوحيد الذي لا يدّعي غير ما هو عليه. شخصيته الواثقة ثابتة، أما الشخصيات الأخرى فهي هلامية النزعة. غير واضحة. لديها دوافع للجريمة رغم أن المرتكب الفعلي واحد. وفي كل الأحوال تقدّم حقيقة شخصياتها بالتدرّج.

براد بيت وآرون تايلور جونسن في «بولِت ترين»

ليس في نسختي «جريمة في قطار الشرق السريع» أي مشاهد عنيفة. معارك يدوية أو إطلاق نار عشوائي. هذا على عكس ما تؤمّه معظم الأفلام الحديثة التي تتخذ من القطار عالم حكاياتها.
«بولِت ترَين» للمخرج ديفيد ليتش ليس الوحيد الذي تدور داخله معارك فردية طاحنة. حسب القصّة هناك نصف دزينة من القتلة المدرّبين يحاول كل منهم الاستيلاء على حقيبة تحوي 100 ألف دولار. بين هؤلاء بطل الفيلم براد بيت. هذا الهدف يغذي مشاهد من الضرب والرفس والعنف، والفيلم بلا ريب يستفيد، كسواه من قبل، من الحدود الضيقة للعربات، ولو أنه يسمح لنفسه كذلك ببعض التجاوزات غير المنطقية، ومنها أن أحداً من الموجودين في المقطورة من الركّاب العاديين. كلهم من العصبة الشريرة.
كنا شاهدنا حبكة قريبة من تلك الماثلة في فيلم ليتش من خلال فيلم The Commuter لخوام كوليت - سيرا (مع ليان نيسون في البطولة، 2018)
- قطارات فالتة
لا يستطيع هذا الوضع (والحبكة المرتبطة به) تجاوز ما جاء في غمار فيلم Runaway Train لأندريه كونتشالوفسكي (1985). هناك تختفي الصراعات الفردية أمام أزمة أكبر: أبطال الفيلم (من بينهم جون فويت وإريك روبرتس) هم مساجين هاربون اعتلوا القطار الذي انطلق بلا توقف وبأعلى سرعة بسبب عطل تعرّض إليه. بذلك تحوّل هؤلاء إلى سجناء في القطار. المزج بين فعل الهروب وفعل القطار الذي يهدد الجميع بالموت تتويج تشويقي رائع يقدم عليه كونتشالوفسكي بمهارة.
في ركاب المغامرات التي تقع داخل قطارات فالتة من عقالها نجد «خطف بلهام 123» (The Taking of Belham 123).
تم إنجاز هذا الفيلم مرّتين، كما حال «جريمة في قطارالشرق السريع». الأولى سنة 1974 في فيلم من تحقيق جوزيف سارجت وبطولة وولتر ماتاو وروبرت شو وهكتور أليزوندو والثاني من تحقيق توني سكوت سنة 2009 مع دنزل واشنطن وجون ترافولتا ولويس غوزمن.
النسخة الأولى لا تختلف عن الثانية كثيراً، لكنها تتميّز في أنها الأصل. أربعة رجال معروفون بأسماء مستر غرين ومستر غراي ومستر براون ومستر بلو (سبق الفيلم في ذلك ذاك الذي أخرجه كونتن تارنتينو بعنوان «كلاب المستودع»، 1992. حين منح كل واحد من أشراره اسماً يدل على لون) يركبون قطاراً متجهاً من محطة بلهام ثم يستولون عليه مطالبين المدينة بدفع مليون دولار وإلا بدأوا بقتل الركّاب.
الحبكة ذاتها في نسخة توني سكوت (الأفضل) لكن الفدية ارتفعت إلى 10 ملايين دولار.
توني سكوت لديه فيلم قطارات آخر أنجزه في العام التالي بعد «خطف بالهام 123» وهو Unstpopable مع دنزل واشنطن وكريس باين. الحكاية هنا تختلف وتذكّر بفيلم كونتشالوفسكي «قطار الهروب». ذلك لأن الحبكة هنا تتمحور حول قطار فلتت معاييره منطلقاً عبر خطوط المدينة ومهدداً باصطدام مروع بقطار مقبل من الاتجاه الآخر.
أزمة أكبر، وبطبيعة مختلفة، تقع في الفيلم الكوري Snowpiercer لبونغ جوون هو (2013) حيث يركب الناجون القطار الذي لا محطة له لكي يتوقف عندها. الأحداث تقع في المستقبل. معظم البشر حول الأرض ماتوا لأسباب مختلفة (غالبها بيئي) باستثناء ركاب القطار. ما يلبث البعض هنا أن ينصب نفسه حاكماً ويتم تقسيم المجتمع الماثل تقسيم طبقي بين من يملك ومن لا يملك. وسينما الغرب الأميركي لديها الكثير مما يمكن أن توفّره من أفلام تقع في قطارات تتعرض، في معظمها، لغزوات اللصوص. في الواقع فإن أول فيلم وسترن ذي شأن كان The Great Train Robbery لإدوين س. بورتر سنة 1903.
- دلالات أخرى
بعيداً عن سينما الأكشن والمخاطر، هناك أفلام كثيرة احتلت فيها القطارات أوضاعاً وأبعاداً مختلفة أشبه بنوافذ تطل منها على مواضيع ذاتية أو اجتماعية.
على سبيل المثال، هناك فيلم بيلي أوغست المعنون «قطار ليلي للشبونة» (2013). ليس أن كله يدور في قطار لكن القطار في الفيلم يعكس صلة وصل بين بطل الفيلم (جيريم جونز) وسعيه لاكتشاف وضع فتاة كانت اختفت بعدما أنقذها من الموت انتحاراً.
وفي «الفتاة في القطار» (The Girl on the Train) لتيت تايلور نجد إميلي بلنت تأخذ القطار كل يوم إلى عملها في مدينة نيويورك. في مسيرته، لا بد للقطار أن يمر بالمنزل الذي كانت تعيش فيه هي وزوجها قبل طلاقهما. هو الآن يعيش في البيت ذاته مع زوجته الجديدة. هذا يبعث فيها ألماً عاطفياً تحاول أن تتجاوزه بالتركيز على منزل آخر تعيش فيه عائلة أخرى تبدو متحابّة، هذا إلى أن تكتشف أن الزوج قتل زوجته وأن عليها أن تفعل شيئاً في هذا الصدد.
ويحمل القطار رموزاً عدّة بحسب الحاجة إلى ذلك. في «جسر فوق نهر كواي» (The Bridge Over River Kwai) فإن الأحداث لا تقع داخل قطار بل خارجه، على ذلك وفي هذا الفيلم الحربي الذي أخرجه ديفيد لين سنة 1957. فإن الموضوع بأسره مرتبط بالقطار الذي يرغب البعض في نسفه.
إلى كل ذلك، ترتبط صور القطارات لدى اليهود الذين عانوا من ويل النازية بوضع استثنائي خاص. فتلك القطارات هي التي حملت اليهود إلى المعتقلات والنهايات المأسوية. وهناك عشرات الأفلام التي صوّرت حشر المقبوض عليهم من اليهود في تلك القطارات التي تذهب بهم بعيداً صوب موت محدق.
هذا المشهد نجده في «قائمة شندلر» لستيفن سبيلبرغ (1993) وفي «اختيار صوفي» لألان ج. باكولا» (1982) كما في فيلم منسي للمخرج الإيطالي جيلو بونتيكورفو (صاحب «معركة الجزائر»، 1966) عنوانه Kapo أنجزه سنة 1960 عن فتاة تقوم بمحاولة جسورة ويائسة للهرب من القطار الذي يقلها - وآخرين - إلى المعتقلات.
والبحث عن ملجأ آمن نجده في «القارب امتلأ» للسويسري ماركوس إمهوف حول مجموعة من اليهود تنجح في التسلل من القطار صوب سويسرا طلباً للحماية. الحال ذاته نجده في «قطار الحياة» (1998) لكن مع معالجة كوميدية حول قرية يهودية في الوسط الأوروبي تقوم بركوب قطار أعدته بنفسها، وذلك للهرب به صوب سويسرا.
على كثرة أفلام الهولوكوست التي احتوت مشاهد قطارات تخزّن بائسين لإرسالهم إلى المحارق فإن المختلف هو الذي يبقى في البال أكثر من سواه وهذا حال فيلم «القطار الأخير» للفرنسي بيير غرانييه - ديفير (1973) المأخوذ عن رواية لجورج سيمنون. فيه يركب الفرنسي (جان - لوي ترتنيان) قطاراً متوجهاً إلى المدينة لكن حين لا يجد له مكاناً في العربة التي تقل زوجته وأطفالهما يركب عربة أخرى، حيث يتعرّف على فتاة تخفي هويتها اليهودية (رومي شنايدر) ويقعان في الحب. في النهاية سيكتشف البوليس الفرنسي، الذي يعمل تحت مظلّة الغاستابو خلال احتلال ألمانيا لفرنسا الحقيقة ويلقي القبض عليهما وتوجيه كل منهما لمصير منفصل.


مقالات ذات صلة

ساشا فايدر: استلهمت فيلم «حين يسقط الضوء» من وفاة أمي

يوميات الشرق قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)

ساشا فايدر: استلهمت فيلم «حين يسقط الضوء» من وفاة أمي

في فيلمه الروائي الأول «حين يسقط الضوء» يقترب المخرج الألماني ساشا فايدر من أكثر اللحظات إنسانية وهشاشة في حياة أي أسرة، وهي لحظة انتظار الفقد.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق  إيثَن هوك خلال حضوره حفل توزيع جوائز البافتا في لندن (إ.ب.أ)

الممثل إيثن هوك: أعبّر عن نفسي من خلال السينما

هوك مختلف في كل دور يؤديه، يتجاوز الإطار الذي يوّفره كل فيلم، ليصنع من دوره عنصر الاهتمام الأول.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)

«عفريتة هانم» ترسل تلويحة الوداع عن عمر 96 عاماً

بعد غيابها عن الأضواء لأكثر من 60 عاماً، رحلت الفنانة المصرية من أصول يونانية، كيتي، في العاصمة اليونانية أثينا، الجمعة، عن عمر ناهز الـ96 عاماً.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق ميسا جلّاد تُحيي حفل ختام المهرجان (نادي لكلّ الناس)

«مهرجان الفيلم العربي»... 6 أيام من العروض والندوات السينمائية

منذ تأسيسه عام 1998، يعمل «نادي لكلّ الناس» على أرشفة الأعمال السينمائية والموسيقية، وترميمها وتحويلها إلى نسخ رقمية.

فيفيان حداد (بيروت)
سينما «مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

اشتهر أحد رؤساء شركة «مترو - غولدوين - ماير» المعروفة بـ«M.G.M» في الثمانينات بأنه كان يملك دُرجَين في مكتبه؛ أحدهما لعقود البيع، والآخر لعقود الشراء.

محمد رُضا (لندن)

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
TT

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)

اشتهر أحد رؤساء شركة «مترو - غولدوين - ماير» المعروفة بـ«M.G.M» في الثمانينات بأنه كان يملك دُرجَين في مكتبه؛ أحدهما لعقود البيع، والآخر لعقود الشراء. وكان يفتح الدُّرج الأول لبيع أقسام من الشركة وأملاكها في يوم، ويستردها في يوم آخر، ويقبض نسبته من العقود في كلتا الحالتين.

هذا الوضع يبدو اليوم أقل أهمية مما كان عليه آنذاك، وما انكشف عنه يومها من فضيحة لم يؤذِ أحداً، وغلَّفه التاريخ بالنسيان. وبالمقارنة مع ما يحدث في «هوليوود» اليوم من عمليات شراء بين المؤسسات وعمليات دمج يصعب تتبّعها، تبدو عمليات الأمس طبيعية؛ لأنها لم تقع في فخاخ الأوضاع الاقتصادية المتعثرة التي سادت خلال السنوات العشر الأخيرة.

رؤوس متعددة

قبل 3 أيام، رفعت شركة «باراماونت» السعر الذي عرضته للاستحواذ على شركة «وورنر»، التي كانت على وشك الموافقة النهائية على عرض قدَّمته «نتفليكس» في الشهر الأخير من العام الماضي. وما إن علمت «باراماونت» أن «وورنر برذرز» تدرس جدياً عرض «نتفليكس»، حتى عرضت شراءها بمبلغ تجاوز 100 مليار دولار، مقابل مبلغ 87.2 مليار دولار عرضته منصة «نتفليكس».

السعر الجديد الذي تُواجِهُ به «باراماونت» تردّدَ «وورنر» في القبول هو الآن 108 مليارات و500 مليون دولار.

«معركة بعد أخرى» أحد أهم نجاحات «وورنر» الأخيرة (وورنر)

الأهداف هنا متعددة؛ فمن ناحية، يحتوي أرشيف «وورنر» آلاف الأفلام التي أنتجتها الشركة، أو أنتجتها شركة «نيولاين سينما» التابعة لها. ومن ناحية أخرى، ستؤدي عملية الشراء إلى تعزيز حجم شركة «باراماونت»، التي تمتلك بدورها أرشيفاً ضخماً من الأفلام. كذلك تسعى «باراماونت» إلى تحسين وضعها بعدما سجَّلت في نهاية العام الماضي أضعف دخل لها، وحلَّت خامسة بين الاستوديوهات السينمائية الخمسة الكبرى («ديزني»، و«وورنر»، و«يونيڤرسال»، و«سوني»، و«باراماونت»)، إذ بلغت عائدات أفلامها ملياراً و419 مليون دولار، بفارق 5 مليارات و161 مليون دولار عن الشركة التي حلّت في المرتبة الأولى؛ «ديزني».

ما تبحث عنه «باراماونت» أيضاً هو ضم إدارة أعلى فاعلية حققت نجاحات تجارية ملحوظة في الأشهر الأخيرة من خلال إنتاج فيلمي «معركة بعد أخرى» و«خاطئون». يضاف إلى ذلك امتلاك «وورنر» حقوق إنتاج أفلام مؤسسة «دي سي (DC)» للكوميكس، التي تضم شخصيتي «سوبرمان» و«باتمان»، وتستعد لإطلاق نسخة جديدة من «سوبرغيرل».

وكان أنجح أفلام «باراماونت» في العام الماضي «مهمة: مستحيلة: الحساب الأخير (Mission: Impossible - The Final Reckoning)»؛ إذ سجّل 598 مليون دولار عالمياً، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تحقيق ربح؛ لأن تكلفة إنتاجه بلغت 400 مليون دولار.

من يد إلى يد

تاريخ «هوليوود»، خصوصاً استوديوهاتها الكبرى، مليء بعمليات الاستحواذ مقابل مبالغ خيالية. فشركة «مترو» نفسها بيعت لـ«أمازون» العام الماضي بـ8 مليارات و500 مليون دولار، وأصبح اسمها الآن «أمازون م.ج.م».

وعبر هذا التاريخ شهدنا عقوداً عدَّة، منها شراء شركة «سوني» اليابانية العملاقة في عام 1990 «كولومبيا» وشريكتيها «تراي - ستار» و«سكرين غمز (Gems)». ولم تكن «كولومبيا» الأولى ولا الأخيرة؛ فمنذ الثلاثينات تم شراء ودمج وبيع كثير من الشركات، توقف كثير منها لاحقاً (مثل «آر كي أو» و«ريبابلك»)، لتبقى المؤسسات السبع الكبرى المعروفة: «كولومبيا»، و«م.ج.م»، و«يونيڤرسال»، و«باراماونت»، و«وورنر»، و«ولت ديزني»، و«فوكس».

لكن هذا التاريخ لم يشهد عقداً بحجم العرض الذي قدَّمته «باراماونت» مؤخراً لشراء «وورنر». فمبلغ 108 مليارات و500 مليون دولار هو سعر مرتفع، ويتضمّن 7 مليارات دولار لتغطية أي تأخير في تنفيذ الصفقة، إضافة إلى رفع قيمة السهم الواحد إلى 31 دولاراً، مع ضمان عدم انخفاض هذا المبلغ تحت أي ظرف.

الأكبر إغراءً أن المبلغ سيُدفع نقداً، وليس عبر ودائع أو تحويلات مصرفية. وفي المقابل، تحصل «باراماونت» على الشركة وقنواتها التلفزيونية (بما فيها «سي إن إن - CNN») ومنصاتها الخاصة. وكانت «وورنر» تميل إلى قبول عرض «نتفليكس» عندما رفعت الأخيرة عرضها إلى 72.2 مليار دولار، لكنها تنظر الآن بعين التقدير إلى العرض الجديد، في حين لا يبدو أن «نتفليكس» ترغب في تجاوز هذا الرقم الخيالي بعرض منافس.

عين «باراماونت» على «سوبرمان» (وورنر)

أفلام ناجحة ولكن...

السؤال الأبرز هو: لماذا تعرض «وورنر» نفسها للبيع على الرغم مما حققته في العامين الماضيين من نتائج تجارية جيدة عبر أفلام مثل «سوبرمان»، و«معركة بعد أخرى»، و«خاطئون»؟

سؤال وجيه لأكثر من سبب؛ منها احتلال الشركة المركز الثاني تجارياً بين شركات «هوليوود»، إذ بلغت عائداتها مع نهاية العام الماضي 4 مليارات و379 مليون دولار، مقابل 6 مليارات و580 مليون دولار لـ«ديزني».

وتكشف صحيفة «لوس أنجليس تايمز» عن أن أحد أهم الأسباب يعود إلى بضع عمليات اندماج نفذتها الشركة خلال السنوات الماضية؛ مما حمَّلها أعباءً مالية كبيرة، بعدما جاءت النتائج دون التوقعات. ومن بين هذه العمليات شراء مؤسسة «تايم» الإعلامية عام 1990، والأسوأ منها شراء شركة «إيه أو إل (AOL)» عام 2001، وهي صفقة وُصفت بأنها من أسوأ عمليات الدمج في تاريخ «هوليوود».

كما استحوذت «وورنر» على محطات غير ربحية مثل «تي إن تي (TNT)»، و«تي بي إس (TBS)»، و«تي سي إم (TCM)». وفي عام 2016 اشترت الشركة العملاقة «إيه تي آند تي (AT&T)» شركة «وورنر»، لكن ذلك لم يحل الأزمة، إذ لا تزال الشركة تعاني من ديون تبلغ 53 مليار دولار منذ عام 2022.

وعند إضافة هذه العمليات الخاسرة والديون المتراكمة إلى حقيقة أن «هوليوود» بأسرها تمرُّ بأزمة سببها منافسة المنصات الكبرى («أمازون»، و«نتفليكس»، و«أبل»)، التي تمارس ضغوطاً متصاعدة على استوديوهات «هوليوود» التقليدية، (كما حدث عندما اشترت «أمازون» «م.ج.م»)، ومع غياب خطة فعلية لمواجهة هذه المنصات التي استحوذت على نحو 50 في المائة من جمهور السينما، يصبح السبب النهائي واضحاً: تخلُّص «وورنر» من أعبائها عبر بيع أصولها لمن يرغب.


شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
TT

شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)

SENTIMENTAL VALUE

★★★

إخراج:‫ يواكيم تراير‬

النرويج - ألمانيا - الدنمارك (2025)

دراما عائلية مرشّحة لأكثر من جائزة «أوسكار»

قرب مطلع الفيلم، تنتفض «نورا» (رينايت راينسڤ) خائفة. تُصاب، وهي على بُعد دقائق من الظهور أمام الجمهور، بما يُعرف بـ«الخوف من الخشبة». تحاول تمزيق ردائها الذي ستظهر به قبل أن يردعها المحيطون بها. تبدو كأنها استسلمت وبدأت تستعد لصعود المسرح، لكنها فجأة تركض بشكل هستيري نحو باب الخروج هاربة. يلحق بها الجميع ويدفعونها إلى المسرح قسراً. تترصَّدها الكاميرا لتسجِّل حالتها وقد أدركت أن عليها مواجهة الجمهور المنتظر. وما إن تفعل ذلك، حتى تستعيد ثباتها وتقدّم عرضاً ناجحاً، يكتفي المخرج يواكيم تراير بعرض نموذج قصير منه، يعقبه تصفيق حادٌّ من الجمهور.

إنها بداية موفّقة للتعريف بالممثلة داخل الفيلم، وكذلك بأسلوب المخرج تراير المتمكِّن في سرد الحكاية بالحيوية المطلوبة. لكن العلاقة بين هذه المقدِّمة وما يليها تبقى في حدود التعريف؛ إذ يتحوَّل المشهد إلى تمهيد للدخول في عالم فني متكامل تتطور حكايته مباشرة بعد ذلك.

«نورا» ممثلة ناجحة، لكن حياتها الخاصة مضطربة. لديها شقيقة أصغر (إنغا إبسدوتر) متزوجة، وعلاقة الشقيقتين بوالدهما «غوستاف» (ستيلان سكارسغارد) تبدو كوترٍ مشدود يكاد ينقطع. يتضح ذلك حين يصارح الأب «نورا» برغبته في أن تؤدي الدور الرئيسي في فيلمه المقبل: «كتبت السيناريو وأنت في البال». لكنها ترفض، مذكِّرة إياه بأنه لم يتابع مسيرتها المهنية، وأنه غاب طويلاً قبل أن يعود الآن بدافع حاجته إليها فقط. يؤكد لها أن الأمر ليس كذلك، لكنها تُصرُّ على الرفض، فيلجأ إلى ممثلة أخرى؛ مما يجعل علاقته بابنته أعلى حدَّة وتوتراً.

هذه هي عتبة الفيلم نحو وضع أعلى سخونة. فالفيلم الذي يود «غوستاف» العودة به إلى السينما بعد انقطاع طويل مبني على قصة حياته منذ شبابه، لا سيما حادثة انتحار والدته. وهذا ما يزيد التوتر؛ لأن الشقيقتين تريان عودتَه بعد غياب طويل عنهما نابعةً من مصلحة شخصية.

الحكاية ليست العنصر الجاذب الأول؛ فهي حبكة جيدة لكنها محدودة التأثير في حد ذاتها. يمنح الفيلم مشاهديه موقع المتابعة وليس المشاركة؛ لأن المسائل العاطفية المطروحة ليست جديدة ولا حاسمة تماماً. ما يمنح الفيلم قيمته الفعلية هو الأداء التمثيلي الجماعي، إضافة إلى قدرة المخرج على توظيف الكاميرا والصوت لالتقاط تفاصيل المشاهد بقوة.

WOLFRAM

★★★

إخراج:‫ وورويك ثورنتون‬

أستراليا (2026)

من أفلام «مسابقة برلين» وأحد الأعمال الجديرة بالاهتمام

هو نوع من أفلام الويسترن الأسترالي؛ نظراً إلى طبيعة المكان والأجواء، لكن مع رسالة واضحة وتنفيذ جيد إلى حدٍّ مقبول. تدور أحداثه في ثلاثينات القرن الماضي فوق أرض صحراوية قاحلة، مع ما يلزم من شخصيات طيبة وأخرى شريرة. خلال تلك الفترة شهدت المناطق الأسترالية البعيدة تنافساً على استخراج حجر التنغستن (الاسم الآخر: وولفرام)، الذي يُقال إنه نافس الذهب في قيمته. شريران يسعيان إلى اكتشافه طمعاً في ثروة كبيرة، لكن أسلوبهما يبدأ خشناً وينتهي عنيفاً، فيما يكون الضحايا غالباً من السكان الأصليين لأستراليا.

«وولفرام» (دارك ماتر دستربيوشن»)

في الوقت نفسه، تبحث أمٌّ من السكان الأصليين (ديبرا مايلمن) عن ولديها اللذين اختفيا، كما اختفى غيرهما من أطفال السكان الأصليين. فقد خُطِف هؤلاء لتشغيلهم في المناجم دون أجر، حيث تصبح حياتهم رهينة الاستغلال، ويمكن التخلّص منهم بالقتل في أي وقت. نتعرَّف إلى الولدين وهما يعملان في منجم يديره رجل قاسٍ. ومع وصول الشريرين إلى المكان، ينقلب حال صاحب المنجم بعدما يدرك أنه أمام منافسة شرسة.

غاية الفيلم نبيلة؛ إذ يسلِّط الضوء على معاناة السكان الأصليين في أستراليا واستغلالهم على يد البيض بوصفهم عبيداً قبل التخلّص منهم. وكان وورويك ثورنتون قد قدَّم قبل 8 سنوات فيلماً آخر عن هذا الشعب المقهور بعنوان «سويت كنتري (Sweet Country)»، في ما يبدو أنه الجزء الأول من ثلاثية قد تكتمل مستقبلاً بالانتقال إلى أربعينات أو خمسينات القرن الماضي.

جماليات الفيلم لافتة، وملتقطة بعناية، ويلعب المكان وألوان الطبيعة دوراً مهماً في ترسيخ القسوة التي يتحدث عنها العمل.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.