أفلام القطارات تحمل دلالات ورموزاً خطرة

أفلام القطارات تحمل دلالات ورموزاً خطرة

علم النفس فسّرها وهوليوود أحبّتها
الجمعة - 7 محرم 1444 هـ - 05 أغسطس 2022 مـ رقم العدد [ 15956]
كَنيث برانا في «جريمة في قطار الشرق السريع»

أغرب صفقة تمّت في قطار كانت تلك التي اقترحها مجرم على بريء: تبادل جريمة قتل. الأول سيقتل شخصاً يود الثاني التخلص منه، وسيقوم الثاني بقتل شخص يود الأول التخلّص منه. بذلك، وكما يقول العقل المخطط، لن يستطع البوليس معرفة القاتل لأنه لا توجد علاقة بين القاتل والقتيل وبالتالي لا توجد دوافع.

ورد هذا في فيلم ألفرد هيتشكوك «غريبان في قطار» (Strangers on a Train) سنة 1951. المغمّس بفكرة نيّرة من الروائية البوليسية باتريشا هايسميث وبسيناريو من الروائي البوليسي رايموند تشاندلر.

مع خروج فيلم جديد تقع أحداثه في قطار، هو Bullet Train لديفيد ليتش، يُفتح الباب عريضاً أمام عشرات الأفلام التي وقعت أحداثها، جزئياً أو كليّاً، في قطار منطلق عادة بالسرعة القصوى.

هيتشكوك نفسه لديه فيلمان آخران يستخدمان القطار في سياق أحداثهما. في عام 1938 أخرج «السيدة تختفي» (The Lady Vanishes) الذي دارت معظم أحداثه في قطار وتحدّث عن امرأة شابّة تتعرّف على مسافرة عجوز تختفي بعدما انطلق القطار. تحاول الشابّة معرفة سر اختفائها. تسأل الركّاب فينفون أنهم شاهدوها أساساً.



إميلي بلنت في «الفتاة في القطار»


«السيدة تختفي» هو واحد من الأفلام الجاسوسية التي حققها هيتشكوك. كذلك الحال مع «شمال، شمالي غرب» (North By Northwest) الذي احتوى فصلاً من المشاهد في قطار يؤمه المتهم البريء غاري غرانت و(غير البريئة) إيفا ماري - سانت. هي تعمل لصالح عصابة نازية في أميركا للتجسس على غرانت الذي تعتقد العصابة أنه خطر محدق عليها.

- جريمة في قطار

تحمل القطارات في الحياة كما في الأفلام دلالات مختلفة. في عام 1979 خرجت الباحثة في علم النفس إريكا إيفل بنظرية تحدد فيها أن القطار رمز للرغبة الجنسية السوية ومراقبة القطارات هو جزء مما يُعرف بـObjectophilia («فوبيا الأجسام»)، كما ورد في عدد صدر قبل عامين من مجلة «سايكولوجي توداي».

هناك بعد نفسي آخر للقطارات يتجلّى في الأحلام وما يعنيه القطار من رمز. أقرب هذه الرموز هي أن القطار يعني أن حياتك تسير جيداً وخططك كذلك تمشي حسب القواعد المختارة لها، مما ينعكس في الحياة على شخصية الحالم كشخص ملتزم.

تستلهم الروايات والأفلام من كل هذه المعاني ما تؤسسه في بال المتلقي. من ناحية يمكن أن يكون الشخص المعني هو غير ما هو عليه في الواقع على أساس أن المحيط المجتمع حوله قريب في المسافة وبعيد عن المعرفة، مما يساعد الراكب المنفرد اقتراح نفسه لمحدّثه على غير ما هو عليه فيدّعي أنه طبيب أو أستاذ في تاريخ الفنون أو صاحب مكتبة. أو قد يكذب في سبب ركوبه القطار فيدّعي النزهة أو يدّعي زيارة خاصة أو مقابلة لوظيفة جديدة. كل ما سبق يعني حرية أن يتحرر المرء من نفسه.

يرد ذلك جيّداً في رواية أغاثا كريستي «جريمة في قطار الشرق السريع» (Murder on the Orient Express) التي صيغ منها فيلمان للآن. الفيلم الأول سنة 1974 بتوقيع المخرج سِدني لومِت والثاني سنة 2017 بتوقيع كنيث برانا الذي قام بدور المفتش هركول بوارو.

في كلا الفيلمين هو الوحيد الذي لا يدّعي غير ما هو عليه. شخصيته الواثقة ثابتة، أما الشخصيات الأخرى فهي هلامية النزعة. غير واضحة. لديها دوافع للجريمة رغم أن المرتكب الفعلي واحد. وفي كل الأحوال تقدّم حقيقة شخصياتها بالتدرّج.



براد بيت وآرون تايلور جونسن في «بولِت ترين»


ليس في نسختي «جريمة في قطار الشرق السريع» أي مشاهد عنيفة. معارك يدوية أو إطلاق نار عشوائي. هذا على عكس ما تؤمّه معظم الأفلام الحديثة التي تتخذ من القطار عالم حكاياتها.

«بولِت ترَين» للمخرج ديفيد ليتش ليس الوحيد الذي تدور داخله معارك فردية طاحنة. حسب القصّة هناك نصف دزينة من القتلة المدرّبين يحاول كل منهم الاستيلاء على حقيبة تحوي 100 ألف دولار. بين هؤلاء بطل الفيلم براد بيت. هذا الهدف يغذي مشاهد من الضرب والرفس والعنف، والفيلم بلا ريب يستفيد، كسواه من قبل، من الحدود الضيقة للعربات، ولو أنه يسمح لنفسه كذلك ببعض التجاوزات غير المنطقية، ومنها أن أحداً من الموجودين في المقطورة من الركّاب العاديين. كلهم من العصبة الشريرة.

كنا شاهدنا حبكة قريبة من تلك الماثلة في فيلم ليتش من خلال فيلم The Commuter لخوام كوليت - سيرا (مع ليان نيسون في البطولة، 2018)

- قطارات فالتة

لا يستطيع هذا الوضع (والحبكة المرتبطة به) تجاوز ما جاء في غمار فيلم Runaway Train لأندريه كونتشالوفسكي (1985). هناك تختفي الصراعات الفردية أمام أزمة أكبر: أبطال الفيلم (من بينهم جون فويت وإريك روبرتس) هم مساجين هاربون اعتلوا القطار الذي انطلق بلا توقف وبأعلى سرعة بسبب عطل تعرّض إليه. بذلك تحوّل هؤلاء إلى سجناء في القطار. المزج بين فعل الهروب وفعل القطار الذي يهدد الجميع بالموت تتويج تشويقي رائع يقدم عليه كونتشالوفسكي بمهارة.

في ركاب المغامرات التي تقع داخل قطارات فالتة من عقالها نجد «خطف بلهام 123» (The Taking of Belham 123).

تم إنجاز هذا الفيلم مرّتين، كما حال «جريمة في قطارالشرق السريع». الأولى سنة 1974 في فيلم من تحقيق جوزيف سارجت وبطولة وولتر ماتاو وروبرت شو وهكتور أليزوندو والثاني من تحقيق توني سكوت سنة 2009 مع دنزل واشنطن وجون ترافولتا ولويس غوزمن.

النسخة الأولى لا تختلف عن الثانية كثيراً، لكنها تتميّز في أنها الأصل. أربعة رجال معروفون بأسماء مستر غرين ومستر غراي ومستر براون ومستر بلو (سبق الفيلم في ذلك ذاك الذي أخرجه كونتن تارنتينو بعنوان «كلاب المستودع»، 1992. حين منح كل واحد من أشراره اسماً يدل على لون) يركبون قطاراً متجهاً من محطة بلهام ثم يستولون عليه مطالبين المدينة بدفع مليون دولار وإلا بدأوا بقتل الركّاب.

الحبكة ذاتها في نسخة توني سكوت (الأفضل) لكن الفدية ارتفعت إلى 10 ملايين دولار.

توني سكوت لديه فيلم قطارات آخر أنجزه في العام التالي بعد «خطف بالهام 123» وهو Unstpopable مع دنزل واشنطن وكريس باين. الحكاية هنا تختلف وتذكّر بفيلم كونتشالوفسكي «قطار الهروب». ذلك لأن الحبكة هنا تتمحور حول قطار فلتت معاييره منطلقاً عبر خطوط المدينة ومهدداً باصطدام مروع بقطار مقبل من الاتجاه الآخر.

أزمة أكبر، وبطبيعة مختلفة، تقع في الفيلم الكوري Snowpiercer لبونغ جوون هو (2013) حيث يركب الناجون القطار الذي لا محطة له لكي يتوقف عندها. الأحداث تقع في المستقبل. معظم البشر حول الأرض ماتوا لأسباب مختلفة (غالبها بيئي) باستثناء ركاب القطار. ما يلبث البعض هنا أن ينصب نفسه حاكماً ويتم تقسيم المجتمع الماثل تقسيم طبقي بين من يملك ومن لا يملك. وسينما الغرب الأميركي لديها الكثير مما يمكن أن توفّره من أفلام تقع في قطارات تتعرض، في معظمها، لغزوات اللصوص. في الواقع فإن أول فيلم وسترن ذي شأن كان The Great Train Robbery لإدوين س. بورتر سنة 1903.

- دلالات أخرى

بعيداً عن سينما الأكشن والمخاطر، هناك أفلام كثيرة احتلت فيها القطارات أوضاعاً وأبعاداً مختلفة أشبه بنوافذ تطل منها على مواضيع ذاتية أو اجتماعية.

على سبيل المثال، هناك فيلم بيلي أوغست المعنون «قطار ليلي للشبونة» (2013). ليس أن كله يدور في قطار لكن القطار في الفيلم يعكس صلة وصل بين بطل الفيلم (جيريم جونز) وسعيه لاكتشاف وضع فتاة كانت اختفت بعدما أنقذها من الموت انتحاراً.

وفي «الفتاة في القطار» (The Girl on the Train) لتيت تايلور نجد إميلي بلنت تأخذ القطار كل يوم إلى عملها في مدينة نيويورك. في مسيرته، لا بد للقطار أن يمر بالمنزل الذي كانت تعيش فيه هي وزوجها قبل طلاقهما. هو الآن يعيش في البيت ذاته مع زوجته الجديدة. هذا يبعث فيها ألماً عاطفياً تحاول أن تتجاوزه بالتركيز على منزل آخر تعيش فيه عائلة أخرى تبدو متحابّة، هذا إلى أن تكتشف أن الزوج قتل زوجته وأن عليها أن تفعل شيئاً في هذا الصدد.

ويحمل القطار رموزاً عدّة بحسب الحاجة إلى ذلك. في «جسر فوق نهر كواي» (The Bridge Over River Kwai) فإن الأحداث لا تقع داخل قطار بل خارجه، على ذلك وفي هذا الفيلم الحربي الذي أخرجه ديفيد لين سنة 1957. فإن الموضوع بأسره مرتبط بالقطار الذي يرغب البعض في نسفه.

إلى كل ذلك، ترتبط صور القطارات لدى اليهود الذين عانوا من ويل النازية بوضع استثنائي خاص. فتلك القطارات هي التي حملت اليهود إلى المعتقلات والنهايات المأسوية. وهناك عشرات الأفلام التي صوّرت حشر المقبوض عليهم من اليهود في تلك القطارات التي تذهب بهم بعيداً صوب موت محدق.

هذا المشهد نجده في «قائمة شندلر» لستيفن سبيلبرغ (1993) وفي «اختيار صوفي» لألان ج. باكولا» (1982) كما في فيلم منسي للمخرج الإيطالي جيلو بونتيكورفو (صاحب «معركة الجزائر»، 1966) عنوانه Kapo أنجزه سنة 1960 عن فتاة تقوم بمحاولة جسورة ويائسة للهرب من القطار الذي يقلها - وآخرين - إلى المعتقلات.

والبحث عن ملجأ آمن نجده في «القارب امتلأ» للسويسري ماركوس إمهوف حول مجموعة من اليهود تنجح في التسلل من القطار صوب سويسرا طلباً للحماية. الحال ذاته نجده في «قطار الحياة» (1998) لكن مع معالجة كوميدية حول قرية يهودية في الوسط الأوروبي تقوم بركوب قطار أعدته بنفسها، وذلك للهرب به صوب سويسرا.

على كثرة أفلام الهولوكوست التي احتوت مشاهد قطارات تخزّن بائسين لإرسالهم إلى المحارق فإن المختلف هو الذي يبقى في البال أكثر من سواه وهذا حال فيلم «القطار الأخير» للفرنسي بيير غرانييه - ديفير (1973) المأخوذ عن رواية لجورج سيمنون. فيه يركب الفرنسي (جان - لوي ترتنيان) قطاراً متوجهاً إلى المدينة لكن حين لا يجد له مكاناً في العربة التي تقل زوجته وأطفالهما يركب عربة أخرى، حيث يتعرّف على فتاة تخفي هويتها اليهودية (رومي شنايدر) ويقعان في الحب. في النهاية سيكتشف البوليس الفرنسي، الذي يعمل تحت مظلّة الغاستابو خلال احتلال ألمانيا لفرنسا الحقيقة ويلقي القبض عليهما وتوجيه كل منهما لمصير منفصل.


أميركا سينما

اختيارات المحرر

فيديو