العلمانية كروحانية فردية

العلمانية كروحانية فردية

الاثنين - 3 محرم 1444 هـ - 01 أغسطس 2022 مـ رقم العدد [ 15952]
«إن دين الإنسان لا يعرف الهياكل أو المذابح أو الطقوس»، بحسب روسو (أ.ف.ب)

جوهرياً، تمثل العبودية لإله فائق موقفاً وجودياً مناهضاً للاستبداد، من زاوية أنها تغذي الشعور العميق بالفردانية الروحية؛ ذلك أن الشعور بالتسليم إزاء الوجود الإلهي، أي المتعالي الرأسي، يصاحبه شعور آخر بالثقة ينجم عن العناية الإلهية، يمنح للمؤمن شجاعة فائقة في مواجهة البشر، قبائل وجماعات ومجتمعات، أي إزاء الامتداد الأفقي. شرط اشتغال هذه المعادلة أن تكون الألوهية توحيدية وليست تعددية، والإيمان روحياً وليس طقوسياً، يخلو من التوسط البشري، وينزع القداسات الصغرى عن رجال الدين المحترفين والحكام المتألهين، ويدمجها في قداسة واحدة مطلقة تتعالى إلى السماء لتظلل الجميع، ما يعنى نزع أشواك الكهانة عن عنق الضمير الإنساني.

المفارقة هنا أن تلك العملية -أي ترسيخ التعالي الرأسي، ونفي التعالي الأفقي- هي نفسها مضمون عملية العلمنة، والتي تعني جوهرياً صياغة شروط ووضع حدود للتدين، تحمي الحق في الاعتقاد لجميع المتدينين وغيرهم. ومن ثم تخدم العلمانية الإيمان الروحي على مستويات ثلاثة أساسية: فهي أولاً أداة تضمن للمتدين ممارسة اعتقاده بحرية تامة في مجاله الخاص، من دون تديين للمجال العام نفسه، أو اعتداء على المجال الخاص للآخرين. وهي ثانياً آلية لضبط العلاقة بين أشكال الاعتقاد، سواء بين الأديان المختلفة، أو بين المذاهب والطوائف المختلفة داخل الدين الواحد، وجميعها اختلافات لا يخلو منها حتى أكثر الأديان تجانساً والمجتمعات انسجاماً، ما يقي الجميع من الاضطهاد السياسي. وهي ثالثاً طريقة لغربلة الدين من شوائب التدين. ففي ظل نظام حكم علماني، تنتفي الحاجة إلى المبالغة في ممارسة الطقوس النافلة، وإلى الادعاء ظاهرياً بما يناقض المستقر باطنياً، ومن ثم لا يصبح هناك معنى لظاهرة النفاق الديني، لدى أولئك الذين يخشون ضغوط المحيط الاجتماعي، وأصبحوا مطمئنين لوجود إطار قانوني يحمي ضمائرهم، لا يمكن له أن يتوفر إلا في ظل دولة مدنية على وجه الحقيقة وليس الادعاء. وهكذا تصبح العلمانية بمثابة آلية لعمليتين متضادتين تصبان في مجرى واحد، هو ازدهار الشخصية الإنسانية:

العملية الأولى هي ترسيخ الإيمان الروحي لدى المتدينين الذين يشعرون -في سياق علماني- بعمق إيمانهم؛ لأنهم اختاروا عقائدهم ومذاهبهم في ظل وجود متدينين بعقائد ومذاهب أخرى، وكذلك في ظل ملحدين يرفضون الإيمان كلية. فالشعور بالقدرة على الاختيار يذكي الروح الإنسانية، وينمي الإحساس بالمسؤولية لدي الضمير البشري إزاء كل ما يعتقد فيه.

والثانية هي تضييق مجال التدين الظاهري، بنفي الحوافز التي تترتب عليه. ففي مجتمع طائفي قد يحمل الانتماء لطائفة معينة مزايا ما، فيصبح من الطبيعي أن يقصد إليها ضعاف النفوس، مبالغين في إظهار انتمائهم حصداً لثماره. أو يفرض على طائفة أخرى نوعاً من الضغط، يضطر معه أربابها لإخفاء انتمائهم إليها. ومن ثم تنتفي الحاجة إلى التدين الطقوسي، إذ لا خطر قائماً من وراء التعبير الحر عن الانتماء لطائفة الأقلية، ولا غنيمة ممكنة من وراء المبالغة في الانتماء لطائفة الأغلبية.

إنه الفهم نفسه الذي كان قد أكد عليه جان جاك روسو قائلاً: «إن دين الإنسان لا يعرف الهياكل أو المذابح أو الطقوس»، بمعنى أنه واقعة داخلية، تمس الجوهر الباطن للإنسان، وتتعلق بقدرة الروح على تشوف القداسة في العالم، بغض النظر عن اسم ووسم الدين. وما يعنيه روسو بدين الإنسان الذي يحبذه باعتباره نقيضاً لدين الكاهن الذي نفَّر منه، هو نفسه ما نعنيه بحرية الضمير التي نصر عليها باعتبارها نقيضاً للتدين الطقوسي الذي نروم تجاوزه. إنه المعنى ذاته الذي كان قد عبر عنه توماس جيفرسون، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأميركية، وثاني رؤسائها، بقوله: «أنا بحد ذاتي فرقة دينية»، وهو المعنى الذي كرره توماس بين، صاحب كتاب «عصر العقل» المؤسس للتنوير الأميركي، عندما صرح: «فكري هو كنيستي». لم يقصد الرجلان بالضرورة أن يشكل كل فرد فرقة دينية مميزة، ولا كنيسة مستقلة؛ بل أن يتمتع كل إنسان بكامل فرديته، وأن يعتصم بضميره وحده، عند اختيار معتقده، أو حتى عند رفض جميع المعتقدات، وأن يقرر الكيفية التي يمارس بها ذلك المعتقد، دونما ضغوط؛ سواء من المجتمع الذي يحيط به، أو من سلطات الدولة التي ينتمي إليها، وهي الرؤية التي تجسد ذروة الفردانية الروحية، وتكشف مثلاً عن جوهر العلمانية الأميركية؛ حيث العلاقة ممكنة وقوية بين أمة المؤمنين بالإنجيل، ودولة المؤمنين بالحرية.

إنه، كذلك، الفهم الذي يكاد يشير إليه الدكتور برهان غليون، في كتابه الأثير «نقد السياسة... الدين والدولة»، عندما أضفى قيمة إيجابية على العصور الوسطى الأوروبية، بعكس ما استقر حولها في الوعي الجمعي من كونها حقبة مظلمة، مؤكداً أن الديانات التوحيدية هي التي تمكنت من تحييد الدولة القديمة التي حكمها ملوك آلهة، وكانت السلطة فيها مبدأ لقهر الشعوب في الداخل، والتوسع على حساب شعوب أخرى في الخارج. ومن ثم أفضت إلى الحد من عبادة الدولة وحكامها، على نحو ما كان يجرى في بلدان الشرق الأدنى القديم؛ خصوصاً الإمبراطوريات الثلاث: الفرعونية، والبابلية، والفارسية. أو في الغرب الأوروبي؛ خصوصاً الإمبراطوريتين: اليونانية، والرومانية. لقد حل التوحيد -حسبما نفهم من غليون- بديلاً عن هذه الإمبراطوريات، مصدراً للقيم، وأساساً لصياغة وعي الإنسان باعتباره فرداً في جماعة، الله هو الروح واللحمة التي تربط بين أعضائها، وتمنحهم هويتهم وتفردهم كجماعة، ومن ثم تصهر عقولهم وأفئدتهم في تضامن وتراحم ذاتي وأخوة طوعية تتجاوز حدود الدولة الإمبراطورية إلى الأفق الكوني الواسع.

هذه الأخوة في إله فائق، هي التي تفسر انتصار التوحيد، وبانتصاره دخلت الإنسانية في عصر جديد، لم يعد فيه الإنسان مادة خام جسدية؛ بل أصبح قوة روحية مفكرة بفعل النور الذي وضعه الله في كل فرد ليهديه سواء السبيل، ويدفعه نحو الفضائل والمثل العليا، تجاوزاً لضغوط الجسد. كما باتت الجماعة الإنسانية جماعة إيمان واعتقاد، وليست جماعة عبودية للسلطة المقدسة، كما كان في الحضارات القديمة.

بالطبع، لم يرتبط التوحيد دوماً بالحرية الإنسانية أو بالفردانية الروحية. نعم كان هذا هو كان مقصود الدين التوحيدي، إلا أن حركة التاريخ الفعلية شهدت انحرافه وعجزه عن بلوغ غاياته الأساسية في أغلب الأحيان؛ بل إنها أنتجت في ظله، وبواسطة كثير من مفاهيمه، العصور الوسطى المظلمة أوروبياً؛ فالعقيدة التي حررت الضمير من الملك الإله، هي نفسها التي أخضعته للكنيسة الكاثوليكية، وبنائها البطريركي الذي تورط في الإقطاع. وكذلك للسلاطين المسلمين وفقهائهم المتمرسين في تبرير استبدادهم.

وعلى هذا نتصور أن العلمانية، في صيغتها المعتدلة «السياسية»، التي تسعى -فقط- إلى الفصل بين الدين والدولة، بين التدين وبين نظام الحكم، وليس في صيغتها الراديكالية «الوجودية» التي تسعى إلى علمنة الأخلاق فضلاً عن السلطة، وترفض أي تبرير للحياة يتجاوز المادي والمحسوس والدنيوي، إنما هي الأقدر على صيانة الضمير الإنساني، والحفاظ على توهج الإيمان الروحي ضد كل أشكال القهر وصنوف الاستبداد: مخالب الكنيسة الكاثوليكية، وسيوف محاكم التفتيش، وضغوط جماعات «الحريديم» على المدنية العلمانية، وظواهر العنف العدمي التي تمارسها الحركات السنية المتطرفة باسم الجهاد، ودولة الولي الفقيه الشيعية بذريعة تصدير الثورة.


* كاتب وباحث مصري


اختيارات المحرر

فيديو